علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
مقدمة:
هذه السطور ليست من باب التعصب لشخصية تاريخية، ولا اصطفافًا في معركةٍ مذهبية معاصرة، وإنما محاولة علمية هادئة لإعادة الميزان إلى موضعه الصحيح، بعد أن اختلّ هذا الميزان في زمنٍ غلب فيه خطاب الشحن والكراهية على التحقيق العلمي، والمواقف المُسبقة على الشهادات الموثَّقة.
لقد تعرّض الشيخ محمد بن عبد الوهاب في السنوات الأخيرة لحملةٍ واسعة، صُوِّر فيها على غير حقيقته، ونُسب إليه ما لم يقله، وحُمِّل مشروعه العلمي والدعوي الإصلاحيّ أوزارَ صراعاتٍ لا يصحّ منهجًا ولا عدلًا أن تُقرأ أفكاره من خلالها. ومع تكرار الاتهام غاب عن كثيرين سؤالٌ بسيط: كيف كان موقع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نظر علماء العصور الماضية، لا سيما علماء الأزهر؟
إن الرجوع إلى شهادات علماء الأزهر الشريف وغيرهم خلال القرن الماضي لَيكشفُ بجلاء أن الرجل كان محلّ إجماع من العلماء المعتبرين بشتى مذاهبهم ومشاربهم طيلة القرن الماضي وما قبله، ولم يكن شاذًّا عن جماعة العلماء كما يُصوَّر اليوم، ولا خارجًا عن أصول أهل السنة، بل كان محلَّ تقديرٍ وثناءٍ من كبار علماء الأزهر وغيرهم، ممن اطّلعوا على دعوته، وقرؤوا كتبه، وحاكموا أقواله إلى ميزان العلم لا إلى الخصومة.
وقد جاء هذا المقال دعوةً للعودة إلى شهادة الأزهر الشريف نفسه، حين كان الحكم للعلم وحده هو الميزان.
أولا: بداية العلاقة بين الدعوة الإصلاحية والأزهر الشريف:
بدأ التفاعل بين المدرستين في وقت مبكِّر جدًّا، فحينما نُفي بعض أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى مصر في عهد إبراهيم باشا كان لهم اتصال مباشر بعلماء الأزهر الشريف، واستفاد كل طرفٍ من الآخر، وتوثّقت الصلات بينهم. ولم يكن هذا مجردَ تلاقٍ عابر، بل ظهر في كتابات العلماء الأزهريين ثناءٌ على علماء الدعوة، كما تولى بعضهم مناصب علمية في الأزهر نفسه كما سيأتي بيانه.
ويروي المؤرخ الكبير الأستاذ طه المدور تفاصيل مناظرة حصلت بين علماء الأزهر وبين عالميْن وهابيَّين بقوله: “في سنة ١٨١٥م سافر مندوبان عن الوهابية وقابلا والي مصر آنذاك محمد علي باشا الكبير، فأمر رهطا كريما من العلماء ومن رجال الأزهر بفتح باب المناظرة بينهم وبين ذينك الشيخين الوهابيين. فعقد الطرفان عدة اجتماعات، طلب فيها علماء مصر من المندوبَين النجديَّين إعطاءَ التفاصيل الوافية عن المذهب الوهابي. فراحت المناظرات تجري بين الجانبين واتَّسع نطاق الجدل والمدارسة، حتى عقدت راية الفوز في النهاية للوهابيَّين، وذلك باقتناع علماء مصر بأن تعاليم المذهب الوهابي تنطبق بمجموعها على منطوق الآيات القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم”، ثم يقول الأستاذ المدور: “وأغرب من هذا، فقد أثبت الضيفان الوهابيان خلال تلك المناظرات الدينية أنهما يحفظان القرآن الكريم، والمعاني العديدة من الأحاديث النبوية.. وقد نشر علماء الأزهر على إثر ذلك بيانًا أعلنوا فيه أنهم لم يروا شذوذا دينيا في المبادئ الوهابية.. وفوق ذلك كان في جملة ما نقله المندوبان الوهابيان إلى مصر كتاب خطيّ في العقائد وضعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المذهب الوهابي، فطالعه العلماء في الأزهر، وصرحوا بعد ذلك بلسان واحد قائلين: إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا فنحن وهابيون“[1].
ومن تلك النماذج والمواقف التي تدلّ على قبول الأزهر لدعوة الشيخ:
– أنه قد تولى منصبَ شيخ رواق الحنابلة بالجامع الأزهر: الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وقد ترجم له العلامة البيطار فقال: “الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب النجدي الحنبلي العالم المشهور، والهُمام الذي فضله مأثور… التفت إلى الطلب والتعلُّم والتعليم والاستفادة والإفادة إلى أن صار في الأزهر شيخ رواق الحنابلة، وكان ظاهر التقوى والصلاح والزهادة والعبادة”[2].
– ويقول الشيخ أمين الحلواني الأزهري: “أما الشيخ عبد الرحمن المذكور فقد أدركته في الجامع الأزهر يُدرِّس مذهب الحنابلة، وكان شيخ رواق الحنابلة سنة 1273هـ، وتوفي سنة 1274هـ، وكان عالمًا فقيهًا ذا سمت حسن يظهر عليه التقوى والصلاح”[3].
– ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن صاحب الكتاب الشهير (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) وهو يذكر مشيخته من الجامع الأزهر: “وأما مشايخنا من أهل مصر فمن فضلائهم في العلم الشيخ حسن القويسني، حضرت عليه شرح جمع الجوامع في الأصول للمحلي ومختصر السعد في المعاني والبيان…” ثم ذكر ذكر عددًا كبيرًا من المشايخ… ثم قال: “ومنهم إبراهيم البيجوري قرأتُ عليه شرح الخلاصة للأشموني إلى الإضافة، وحضرت عليه في السُلَّم وعلى محمد الدمنهوري في الاستعارات والكافي في عِلميِ العروض والقوافي، قرأها لنا بحاشيته بالجامع الأزهر عمَّره الله تعالى بالعلم والإيمان”[4].
– ويقول علامة الأزهر الشيخ محمد العزيزي الشافعي الصوفي الخلوتي: “فإنه لما حضر إلى مصر السادة الوهابية كان من أجلهم وأعظمهم حبيبنا العمدة الفاضل والهمام الكامل مولانا الشيخ عبد الله الحنبلي -يقصد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب-، وأخوه العمدة الفاضل حبيبنا صاحب الأخلاق المرضية والأفعال المصطفوية الشيخ إبراهيم الحنبلي، وكذلك من أعيانهم النبلاء الأذكياء: سيدي عبد الرحمن بن عبد العزيز رحمه الله رحمةً واسعة بمنِّه وكرمه، وكان حبيبنا الشيخ عبد الله -رحمه الله رحمةً واسعة- من العلماء الفضلاء، وأنجب ولده الشيخ عبد الرحمن الحنبلي، وهو من أذكياء أهل العلم وصلحائهم”[5].
– وفي العصور الحديثة، ومنذ عهد الملك عبد العزيز آل سعود كان هناك تعاون في تحقيق التراث بين علماء الأزهر وعلماء الدعوة الإصلاحية، في عهد الشيخ رشيد رضا، ثم أحمد شاكر والشيخ المراغي، ثم الشيخ حسنين مخلوف، هذا التعاون أثرى المكتبة الإسلامية المعاصرة.
كما استقبلت الجامعات السعودية علماء الأزهر للتدريس فيها والإفادة منهم، فلو كان السلفيون يُكفّرون الأزهريين -كما يُشِيعه بعض الناس- لما قبلوا انتدابهم للتدريس في جامعاتهم العلمية.
ومن مظاهر احترام الدعوة الإصلاحية للأزهر أنه في 1420هـ/ 2000م مُنحت جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام للجامع الأزهر؛ ليكون أوّل المؤسسات التي تفوز بالجائزة وذلك للخدمات الجليلة التي قدَّمهَا للعالم الإسلامي. وقد حصل العديد من الأزهريين على جائزة الملك فيصل مثل:
- الشيخ محمد الغزالي.
- الشيخ حسنين مخلوف.
- الدكتور عبد السلام هارون.
- الدكتور حسن الشافعي.
- الدكتور محمد أبو موسى.
كل ما سبق دليلٌ على روح القبول الفكري، والامتزاج وتفاعُلُ المدرستين معًا، وأن العلم رحمٌ بين أهله، وهو ما يؤكّد أن الأزهر الشريف لم يكن يومًا منغلقًا على فكرٍ معين، بل كان منارةً علميةً تتفاعل مع مختلف التيارات والمدارس الفقهية والفكرية.
أما ما نراه على منصات التواصل الاجتماعي من تشويه وسبٍّ وشتم، فهذا صنيع الجهال الصغار، لا صنيع أهل العلم والفهم.
ثانيا: ثناء علماء الأزهر الشريف على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته:
الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان منذ دهورٍ طويلة محلَّ إجماعٍ علمي واسع من كبار علماء الأزهر الشريف، أو على الأقل محلَّ قبولٍ واحترامٍ، وأن الصورة المعاصرة التي يُراد فرضها على الناس اليوم هي صورة متأخرة، صنعتها الأجندات الخاصة، وسوء الفهم، والتوظيف الأيديولوجي.
ولذا رأينا أن نجمع رأي صفوة علماء الأزهر الشريف في القرن الماضي، وشرطنا في هذا الجمع هو جمع آراء علماء الأزهر الشريف -وهذا هو الأصل-، أو من هم معتمَدون في الأزهر من حيث المنهج والفكر.
1- الشيخ محمد عبده شيخ الجامع الأزهر:
يقول الأستاذ المؤرخ أحمد أمين أحد أعلام الفكر وتلميذ الشيخ محمد عبده: “وفي مصر شبّ الشيخ محمد عبده، فرأى تعاليم ابن عبد الوهاب تملأ الجو، فرجع إلى هذه التعاليم في أصولها من عهد الرسول إلى عهد ابن تيمية، إلى عهد ابن عبد الوهاب، وكان أكبر أمله أن يقوم في حياته للمسلمين بعمل صالح، فأداه اجتهاده وبحثه إلى نفس الأساسين اللذين بنى عليهما محمد بن الوهاب تعاليمه وهما: (١) محاربة البدع وما دخل على العقيدة الإسلامية من فساد بالإشراك مع الله تعالى الأولياء والقبور والأضرحة، (٢) وفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه ضعاف العقول من المقلدين”[6].
2- الشيخ العلامة عبد المتعال الصعيدي إمام البلاغة بالجامع الأزهر:
يقول رحمه الله: “فأما حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقد صمدت لنضال المناهضين لها، وقابلت العنف بالعنف؛ لأنها تؤمن بالثورة والنضال، وكانت تنتصر على المناضلين لها حينًا، وتنهزم أمامهم حينًا، فلا تؤثر فيها الهزيمة، ولا تضعف من إيمان أصحابها بها، حتى تم لها الآن النصر على جزيرة العرب، وبسطت سلطانها على نجد والحجاز وتهامة وغيرها من البلاد العربية. واستولت على العاصمتين الدينيتين للإسلام وهما مكة والمدينة. وهي الآن محلّ تقدير كثير من أصحاب الثقافة الحديثة من المسلمين، ولا ينظر لها بعين البغض إلا العامّة وأشباه العامة ومن طبع الجمود الديني على قلبه وبصره وسمعه، فيرى النور ظلامًا، والهدى ضلالًا، والحُسن قبحًا”[7].
وقد ذكر الشيخ عبد المتعال الصعيدي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن المجدِّدين في هذه الأمة، حيث قال: “وقد رجع إلى بلده بعد هذه الرحلة العلمية الطويلة، وقد تهيأ له بها ما لم يتهيأ لغيره من علماء نجد، فكان أوسع منهم علمًا، وأعرف بالعلماء السابقين الذين كانت لهم جولة في الإصلاح، ولم يقع في ذلك الجمود ولا ركود الذي وقع فيه علماء عصره حتى ألفوا ما فيه من البدع وأخذوها على أنها من أصول الدين وأركانه. فلما عاد الشيخ إلى بلده لم يرض بما رضي به علماء نجد من السكوت على تلك البدع، وأراد أن يعيد في محاربتها عهد أسلافه من الحنابلة، ولا سيما الشيخ ابن تيمية رحمه الله. وكان قد درس كتبه ورسائله الإصلاحية، فيما درسه في نشأته”[8].
3- الدكتور العلامة محمد عبد المنعم خفاجي عميد كلية اللغة العربية بالأزهر:
وهو صاحب أهم كتاب في تاريخ الأزهــر، وهو الكتاب المشهور (الأزهر في ألف عام).
يقول رحمه الله في مطلع الباب السابع تحت عنوان “الأزهر ورسالته”: “كانت الغفوة الكبرى التي أصابت العالم الإسلامي في القرون الوسطى ذات أثر بعيد في حياته السياسية والعقلية والاجتماعية في القرن التاسع عشر. لم يبعد المسلمون هذه الحقبة الطويلة كثيرا عن تقاليد الشرق، وإنما جافوا روح الإسلام، وجهلوا مبادئه وأهدافه، ووقفوا أمام تيار النهضة الغريبة جاهلين عاجزين أذلاء. وبادرهم المستعمرون بتحطيم ما بقي في أجسامهم من منعة، وفي قلوبهم من إيمان، وفي أرواحهم من عزة ومثل عليا… وكانت الأحداث الكبرى التي هزت العالم الإسلامي هزا عنيفا داعية للمفكرين والمصلحين أن يجاهدوا في سبيل البعث والإحياء وتجديد الحياة والأمل في نفوس المسلمين. واقترن ذلك بدعوات جريئة للإصلاح، انبعثت من رجال الدين حينا، ومن غيرهم حينا آخر. من أمثال محمد بن عبد الوهاب (1206ه)، والسيد أحمد خان الهندي (1898م)، والسيد أمير علي، والكواكبي (1902م)، وجمال الدين الأفغاني (1897م)، ومحمد عبده (1905م)، وسواهم من دعاة الإصلاح وحملة رسالته”[9].
4- الأستاذ أحمد محمد شاكر إمام المحدثين بالجامع الأزهر:
يقول في رسالته إلى الشيخ حامد الفقي: “ولعلنا -فيما قمنا به معًا- من أول العاملين على نشر العقيدة الصحيحة في بلادنا هذه، وما أريد فخرًا بعملي ولا بعملك، فما كنّا نعمل إلّا لله. وكان من أعظم المصادر العلمية التي استضأنا بنورها -بعد الكتاب الكريم والسنة المطهرة- كتبُ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام الحافظ ابن القيّم، ثم كتب شيخ الإسلام مجدد القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله جميعًا”[10].
وقد اعتنى الشيخ أحمد شاكر ببعض كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب متنًا وشرحًا، ودونك بيان ذلك:
أ- كتاب التوحيد: فقد راجع الشيخ المتن والشرح، ونقّحه، مع تحقيق النص.
وطبعته دار المعارف مرتين: الأولى سنة 1954م، والثانية سنة 1974م.
ب- الأصول الثلاثة وأدلتها: وعمل الشيخ في الكتاب تصحيحا ومراجعة.
وطبع في دار المعارف مرتين: الأولى سنة 1954م، والثانية في سنة 1974م.
ج- القواعد الأربع: وعمل الشيخ في الرسالة تصحيحا ومراجعة.
وطبعت في دار المعارف مرتين: الأولى سنة 1954م، وطبعت طبعة ثانية.
5- شيخ التراث محمود محمد شاكر:
الشيخ محمود شاكر يُلقّبه الأزهريون بشيخ العربية، وقد تتلمذ عليه بعض أعضاء هيئة كبار العلماء في الأزهر، مثل الدكتور محمد أبو موسى وغيره.
يقول محمود شاكر: “وهَب ابن عبد الوهاب يكافح البدع والعقائد التي تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وهي ركن الإسلام الأكبر، ولم يقنع بتأليف الكتب، بل نزل إلى عامة الناس في بلاد جزيرة العرب، وأحدث رجة هائلة في قلب دار الإسلام”[11].
ويرى الأستاذ محمود شاكر أنه في ظل هذا التقهقر والجمود في المتأخرين وتدهور الحالة العلمية والثقافية للأمة “تولى يقظة دار الإسلام ونهضته خمسة من العلماء الكبار وهم: البغدادي والجبرتي ومحمد بن عبد الوهاب والمرتضى الزبيدي والشوكاني”[12].
6- الدكتور حسن الشافعي عضو هيئة كبار العلماء:
يقول حفظه الله:”ولكن الهجمة الغربية لم تكن هي العامل الوحيد لتحريك الأوضاع الثقافية والفكرية الغافية؛ فقد قامت حركات النهضة الحديثة بعوامل ذاتية دفعت العقل المسلم أن يتململ من واقعه البائس العقيم، ويستوحي ماضيه العظيم، كما نجده لدى محمد بن عبد الوهاب ودعوته الإصلاحية في قلب الجزيرة العربية في منتصف القرن الثاني عشر، معتمدًا على تراث ابن تيمية وابن حنبل، مناديًا بعودة جديدة صادقة إلى الكتاب والسنة، فتلقف ذلك دعاة كثيرون في الهند وإفريقيا والعالم العربي مشرقه ومغربه؛ كالسنوسي والمهدي والشوكاني والقاسمي وابن باديس وولي الله الدهلوي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم من الدعاة والمفكرين المعاصرين… -إلى أن قال:- ازدهر الفكر الحنبلي والاتجاه السلفي خاصةً بعد قيام الدولة السعودية على تراث الشيخ ابن عبد الوهاب، وعاد فكر ابن تيمية يمارس دورًا لعله لم يتهيأ له من قبل في العالم الإسلامي.. وامتدت أصداء ذلك إلى أنحاء العالم الإسلامي وخارجه، ولا يعدم المرء آثارًا ظاهرة لدعوة الشيخ ابن عبد الوهاب لدى الصنعاني والشوكاني باليمن، والشيخ ولي الله الدهلوي في الهند، والسنوسي والمهدي وابن باديس في إفريقيا، والقاسم المشترك بينهم هو العودة إلى الكتاب والسنة”[13].
7- الدكتور محمد عمارة عضو هيئة العلماء بالأزهر:
يقول رحمه الله: “ويُعدّ ابن عبد الوهاب أهم مَن انتقل بالتجديد الإسلامي في العصر الحديث من إطار التجديد الفردي والمشروع الفكري إلى إطار الدعوة التي اتخذت لها دولة تحميها وتقاتل في سبيل نشرها، الأمر الذي جعل لدعوته من التأثير والاستمرارية ما لم تحظ بهما دعوات تجديدية أخرى ربما كانت أرسخ منها قدمًا في فكر التجديد”[14].
ويقول أيضًا: “ولقد استجابت السلفية لبساطة الفكر عند العامة، وفقر الفكر المُركب والفلسفي، وكذلك استجاب لفكرها وأعلامها العامة والجمهور، فسارت تصارع الفلسفة وتناهض المتكلمين، معتمدة على النصوص والمأثورات، واستمرت هكذا في عصر نشأتها الأولى، وكذلك في عصرها الوسيط، وأيضًا من خلال الحركة الوهابية في العصر الحديث، تلك الحركة التي نهضت في شبه الجزيرة العربية، بمهمة تجديد الدين وتنقية عقائده من البدع والخرافات التي تراكمت عليه طوال عصر المماليك والعثمانيين”[15].
بل يرى د. عمارة أن مشروع ابن تيمية الإصلاحي هو السبيل الأوحد لنهضة الأمة، فيقول رحمه الله: “لو أنَّ المشروع التجديدي لابن تيمية قد وَجَد الدولة والسياسة التي تنهض به لتغيَّر وجه العالم الإسلامي ووِجهته، ولاختصرت الأمة من عصور التراجع الحضاري عدة قرون”[16].
8- العلامة عبد الفتاح الحسيني الشيخ رئيس جامعة الأزهر الأسبق:
يقول رحمه الله في مقدمة كتابه (فقه العبادات) تحت فصل «الفقه في عصر النهضة الأخيرة» مادحًا الدعوة الإصلاحية وأثرها في الفقه الإسلامي ما نصه: “بُذلت محاولات كثيرة مشكورة في سبيل الإصلاح الفقهي من أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وظهرت ثمرتها في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري… وقد بدأت هذه المحاولات في قرون سابقة بدعوة الإمام ابن تيمية بنبذ التقليد والدعوة إلى الاجتهاد حتى يعود للفقه الإسلامي نشاطه، ثم حمل المشعل من بعده الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالحجاز”[17].
ثم يؤكد أن جامعة الأزهر استلهمت هذا الإصلاح بقوله: “اهتمَّت الجامعات -وفي مقدمتها جامعة الأزهر- بدراسة الفقه الإسلامي.. وقد كان التركيز على الدراسة المقارنة بين المذاهب المختلفة، والترجيح لأحد الآراء الفقهية بالأدلة”[18].
9- الشيخ محمد الراوي أحد كبار علماء الأزهر:
يقول الشيخ الراوي: “والله، ثم والله، وأقولها شهادة لله، أنا أسمع هذه الأيام كلمة وهابية وغير وهابية، والكلام قد كثر جدًّا، والله الذي لا إله إلا هو، ما سمعتها في حياتي منهم أبدًا، وإنما الذي عرفته منهم -وأنا مقيمٌ بينهم- أن العبرة بالدليل من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحيثما تملك الدليل تكون أنت المُنتصر.. خمسة وعشرون عامًا، وما تكلم إنسان معي على الإطلاق، يا أخي ما هي الوهابية؟ محمد بن عبد الوهاب كل الذي طلبه الدليل من القرآن والسنة، فما الإشكال في هذا؟! ثم إنه لا يليق بنا أن نُمزق صلتنا بإخواننا بشعاراتٍ أوجدها لنا الأعداء حتى نظلّ نتطاحن هكذا“[19].
10- الدكتور محمد محمد أبو موسى شيخ البلاغة وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر:
يقول حفظه الله: “وقد اتُّهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالتطرّف، وتكرّر ذلك، وقاله من لا يُحسن أن يقرأ كتابًا لابن عبد الوهاب، وقد ذكر المرحوم محمود محمد شاكر أن الشيخ ابن عبد الوهاب أحد رجال النهضة الذين دخل الاستعمار ديارنا للقضاء عليهم، وهذا مذكور في هذا الكتاب في بحث محمود شاكر والفجر الصادق، وكذلك قيل عن ابن تيمية وهو من أوسع علمائنا علمًا”[20].
وقال أيضًا: “لَا يُجادل أحد في أنّ ابن تيمية من شيوخ العلم سواء وافقته أو خالفته، وكذلك لا يُجادِل أحد في أن ابن عبد الوهاب من شيوخ العلم، وأنه في مصاف الشاطبي ومن على شاكلته ممن أوقفوا حياتهم على رصد البدع والضلالات وتنقية دين الله منها، ولم يكن يظن أحد الشيخين -ابن تيمية وابن عبد الوهاب- أنه سيخرج من أرض الكنانة -التي سمّاها الإمام العيني: كعبة الإسلام- من يصف الشيخين بالإرهاب، ولكن يبدو أننا في أيام غريبة، تلد الليالي فيها كل عجيب”[21].
11- الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الإفتاء سابقًا:
يقول رحمه الله: “أُلِّفت الكتب في الرد على الشبهات في العقائد، وتخليصها من أوشاب الفلسفة والخرافات الطارئة على الثقافة الإسلامية، وفي تخليص العبادات وأحكام الدين مما دخل عليها من بدع ومنكرات وعُقدت المناظرات، وأرسلت الكتب إلى الخصوم، وكانت حركة علمية قوية برز فيها الغزالي في الرد على ما دخل في العقائد من فلسفة، وفي الدعوة إلى تنقية الدين من الأفكار الخاطئة… وكتب ابن تيمية وابن القيم في الرد على شبهات أهل الكتاب وفي توضيح مبادئ الدين على أساسٍ معقول، ونعيا على ما أُلصق بالدين في عقائده وعباداته من بدع وخرافات، ورأيا أن المسلمين بعيدون عن الدين الحقيقي الذي لو عرفوه حقًّا، ونفذوه صدقا لما كانوا في وضعهم المؤلم الذي جعل الأجانب يغيرون عليهم من الشرق والغرب ويتحكمون في مصير الخلافة. وجاء محمد بنُ عبدِ الوهاب فكانت دعوته امتدادًا لدعوتهما، وكانت من أقوى الحركات التي عرفت في القرون الأخيرة، وأبقاها أثرا في الميدان السياسي والفكري. كما ظهر في الهند شاه ولى الله الذي عاصر انحلال إمبراطورية المغول، ودعا إلى تطهير الصوفية مما شابها، وقد أصر على أن المسلم الحق يجب عليه ألا يقبل الانحطاط الذي كان سائدا في عصره، وكان يطمع في إنشاء دولة إسلامية في الهند على شاكلة دولة المغول ليستعيد المجتمع الإسلامي قوته”[22].
ويقول أيضًا: “الشيخ محمد بن عبد الوهاب مصلحٌ دينيٌّ ظهر في الجزيرة العربية، وندد بالمنكرات والبدع التي لا تتفق مع الدين واهتم اهتمامًا كبيرا بما يؤكد توحيد الله سبحانه وتعالى، كان هناك بعض الناس مثلًا يتوسلون ببعض الأولياء ويتبركون بهم ويقدسونهم تقديسًا كبيرًا لدرجةٍ توحي أن هؤلاء الأشخاص كأنهم أنبياء أو كأنهم ذات الله سبحانه وتعالى، إنَّ التغالي في الحب أمرٌ مرفوضٌ، لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام تغالي الصحابة في الحب خاف أن يرفعوه فوق درجته فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله».. فالمبالغة في الحب الشديد منكرةٌ ومرفوضةٌ رفضًا تامًّا، فمحمد بن عبد الوهاب اهتم في إصلاحاته في تجريد التوحيد لله سبحانه وتعالى واعتقاد أنه الفاعل لكل شيء وأنه المغني والمحيي والمميت، ولكنَّ الذين يتبرَّك بهم الناس لدرجةٍ قد تجعل الواحد منهم يقول: هذا الشيخ الكبير يشفي المرضى، هذا الشيخ الكبير يجلب الرزق، هذا التغالي يؤدي إلى الكفر؛ لأن الله هو المتفرد بكل شيء، فهو قام بهذه النهضة الإصلاحية وركز تركيزًا شديدًا على إخلاص أو تخليص التوحيد لله سبحانه، وإن كان بعض التلاميذ أو بعض من أخذوا مذهبه تغالوا أيضًا في هذا التوحيد، فمنعوا بعض الأشياء التي يُشم منها ولو برائحة بسيطة أن هناك شريكًا لله، فالتغالي في كل شيء قد يؤدي إلى ضرر كبير، لا بد أن نكون معتدلين، وأن نكون عاقلين، قبل أن نعطي الحكم لشيء نتدبر ونفهم فهمًا جيدًا؛ لأن المسارعة في الحكم على إنسان بإطلاق اسم الكفر عليه، هذا شيء ضارٌّ جدًّا، وأنتم تعلمون الحديث: «من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما» فالمهم أن بعض أتباع هذا الشيخ العظيم غالوا في هذا الموضوع، وأنكروا أشياء، لدرجة أنهم حكموا على بعض الناس أنهم كفار، فالاعتدال مطلوب”[23].
12- الشيخ محمد محمد أبو شهبة:
يُثمِّن الشيخ أبو شهبة من جهود السلفيين في الدفاع عن السنة، فيقول: “ولا يفوتني أنْ أُنَوِّهَ بما قام به في هذا المضمار أخوان كريمان وشيخان جليلان، هما الأستاذان: عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني ومحمد عبد الرزاق حمزة، فقد أخرج كل منهما في ذلك كتابًا حافلًا، فلهما من الله سبحانه الجزاء الأوفى، ومن الناس الثناء والدعاء”[24].
وكلا الشيخين اللَّذين أشار إليهما وأثنى على جهودهما من كبار السلفيين، وكتاب الشيخ أبي شهبة (دفاعٌ عن السنة) معتمدٌ في الأزهر الشريف، وقد أشرف على طباعته وتحقيقه مجمع البحوث الإسلامية.
فإذا كان منهج الأزهر يمنع من الإحالة إلى السلفيين فكيف يشيد العلامة أبو شهبة بعلمائهم ويُحيل إليهم؟!
13- الدكتور عبد العظيم المطعني عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية:
يقول الشيخ رحمه الله: “وكان من رد الفعل أن ظهرت حركات الإصلاح في مواقع متعددة من البلاد الإسلامية، قامت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروفة بالحركة الوهابية، وكانت ثورة على البدع المستحدثة في الدين ومحاولة لتنقيةِ الدين مما علق به من شوائب، وكان مسرحها شبه الجزيرة العربية وقامت الثورة المهدية في جنوب وادي النيل وكانت تهدف إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي في إطار التوجيهات الدينية التي حاول الاستعمار طمسها وتشويهها”[25].
14- الشيخ محمد الغزالي:
يقول رحمه الله: “محمد بن عبد الوهاب عُرف بين الناس بأنه داعية غيور على عقيدة التوحيد، يحب أن يمحو من الأذهان أن هناك وساطة ما بين الخالق والمخلوق، وقد أعلن حربًا شعواء على تعلق الرعاع بالقبور، ودعائهم المدفونين بها، يطلبون منهم ما لا يجوز طلبه إلا من رب العالمين. والتوحيد بلا شك دعامة الإسلام وشارته، وقد ضلت جماهير غفيرة عن حراسته في الفكر والعاطفة والسلوك، وتوجهت إلى من اتسموا بالصلاح من الأحياء والأموات، تعاملهم كما يُعامل النصارى قديسيهم. وهذا خطأ مبين”[26].
ويقول: “ولماذا نستحي من وصف القبوريين بالشرك مع أن الرسول وصف المرائين به فقال: «الرياء شرك»؟! إن واجب العالم أن يرمق هذه التوسلات النابية باستنكار، ويبذل جهده في تعليم ذويها طريق الحق، لا أن يفرغ وسعه في التمحّل والاعتذار! ولست ممن يحب تكفير الناس بأوهى الأسباب، ولكن حرامٌ أن ندع الجهل بالعقائد ونحن شهود. أيُّ جريمة يرتكبها الطبيب إذا هو طمأن المريض ومنع عنه الدواء وأوهمه أنه سليمٌ معافى؟! إن ذلك لا يجوز”[27].
15- الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحنفي شيخ مُحدثي الحنفية في وقته:
الشيخ أبو غدة معتمدٌ عقيدته داخل الأزهر، وقد تتلمذ عليه كثير من مشايخ الأزهر الشريف.
يقول رحمه الله: “فأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهو إمام الدعوة غير منازع، وقد كان داعية إلى الله تعالى، وقام بالدعوة بحاله ومقاله، وعلمه وقلمه، وما كنت في كل حين إلا مُقدّرًا فضله وعلمه، وقيامه بالدعوة إلى الله تعالى، تلك الدعوة التي أعطت أطيب الثمرات، في إعلاء كلمة الله تعالى، وتصفية العقيدة من الشوائب والخرافات، والتي تتجلى آثارها في نشر العلم وكثرة العلماء، وانتشار المعاهد العلمية التي هي أثر من آثار دعوته الخيِّرة، كما تتجلى آثارها في مناصرة الإسلام والمسلمين في كل بلد”[28].
16- المفكر الدكتور مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية:
يقول الدكتور مصطفى الشكعة: “ويمكن تلخيص العقيدة الوهابية في نقطتين أساسيتين: الأولى تركز في التوحيد الخالص من كل شائبة، والنقطة الثانية تتركز في محاربة البدع، فأما التوحيد فيرى ابن عبد الوهاب أن الشريعة والحلال والحرام كل أولئك يأخذ من منبع واحد هو كتاب الله، وليس ثمة مصدر آخر بعد ذلك إلا سنة الرسول الكريم، وأما كلام المتكلمين والفقهاء في التحليل والتحريم فليس بحجة ما لم يكن مصدره كتاب الله وسنة رسوله، والمذهب الوهابي بعد ذلك لم يغلق باب الاجتهاد، بل أباحه لكن من استو في أدواته… وأما النقطة الثانية في العقيدة الوهابية فهي محاربة البدع أو ما يمكن أن يدخل في حكم البدع، مثل التجمع في الموالد، وخروج النساء وراء الجنائز، ومهرجان المحمل، وإقامة الأذكار التي يتغنى فيها من يدعون الصوفية ويرقصون على نغمات الأناشيد. هذا عمق العقيدة الوهابية، وهي في جوهرها امتداد لمنهج السلف الصالح”[29].
17- العالم الموسوعي الدكتور عبد الحليم عويس عضو مجمع البحوث الإسلامية:
للدكتور عبد الحليم عويس كتابٌ جليل بعنوان (أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الفكر الإسلامي الإصلاحي بالجزائر).
يقول فيه رحمه الله في مطلع كتابه: “وفي مقدمة بحثنا هذا نستطيع أن نضع أيدينا على ثلاث حقائق تاريخية مؤكدة:
أولاها: تظهر على الطرف الأول (المؤثر)، وهي أن مصلحًا إسلاميًّا قد ظهر في جزيرة العرب، على فترة من الجاهلية المستأنفة، وُلد بالعيينة شمال غربي الرياض سنة 1115هـ، واسمه محمد واسم أبيه عبد الوهاب… وقد عاش محمد بن عبد الوهاب موضوع الحقيقة التاريخية الأولى، حياةً حافلة بالتعلن والارتحال في طلب العلم والجهاد في سبيل ما اهتدى إليه من حقائق رأى فيها صلاح حال الأمة الإسلامية وسبيل عودتها إلى مكانتها التاريخية حتى وافته منيته سنة 1206هـ بعد أن شهد آثار إصلاحه في الجزيرة العربية، وبعد أن انتقل البدو أمام عينيه من حياة الجاهلية إلى حياة الحاضرة، وأنارت نجد والجزيرة العربية بدعوته العظيمة.
والحقيقة التاريخية الثانية: حقيقة تظهر على الطرف الآخر، جانب التأثر، ونحن نرى هذه الحقيقة في تلك الموجات الإصلاحية الإسلامية التي بزغت في أرض الجزائر، والتي بدأت تأخذ صفة تيار عام بعد أن كانت جهودًا فردية. وقد ظل هذا التيار العام ينمو حتى أصبح يمثل أقوى تيار في الجزائر، بحيث تمكَّن هذا التيار (السلفي) الذي كان مجرد جهود فردية من أن يتغلب على كل التيارات المنحرفة. ويتغلب على الاستعمار الفرنسي نفسه، ويعود بالجزائر إلى الإسلام عقيدة وإلى العروبة لغةً.. وليس هذا التايار سوى (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) صاحبة الفضل الأكبر في تحقيق استقلال الجزائر.
وتأتي الحقيقة الثالثة: وهي حقيقة تتعلق بالظروف المتشابهة في النواحي العقدية والاجتماعية والفكرية في كلتا المنطقتين.. فبينما كانت الجزيرة العربية -خلال القرن الذي ظهرت فيه حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب- كما يُحدثنا مؤرخوها الثقات كابن بشر وابن غنام والآلوسي مرتعًا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافى مع أصول الدين الصحيحة.. ويحج فيها إلى القبور، ويطلب من الموتى الحاجات، ويُستغاث بهم لدفع الكروب، بينما هذا.. كانت الجزائر خلال العصر الذي بدأت تظهر إشعاعات حركة الإمام ابن عبد الوهاب خارج الجزيرة، أي: خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر تعج بكثير من الخرافات وصور الوثنية وسيطرة غلاة الصوفية والمبتدعة على أرضها”[30].
18- الدكتور حمدي زقزوق وزير الأوقاف بالأزهر الشريف:
جاء في موسوعته (الفرق والمذاهب في العالم الإسلامي) -والتي أشرف عليها الدكتور حمدي زقزوق رحمه الله وكان من أعضائها: د. حسن الشافعي، د.عبد الحميد مدكور، د.عبد الرحمن سالم-: “الوهابية: دعوة إصلاحية دينية سلفية نهض بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب بادئًا من إقليم نجد في القرن الثاني عشر الهجري، الثامن الميلادي، فارتبطت باسمه وأصبحت مشهورة في بعض الأوساط بالدعوة الوهابية. وبعض الكُتَّاب يحذف كلمة دعوة ويقول: الوهابية فقط، فيعرف الناس أنها المقصودة بالكلام، وفي الكتابات الغربية يربط البعض بين الدعوة وبين إمامها ربطًا يُشعر بأنها مذهب جديد في الإسلام.. والحق أن الدعوة الوهابية ليست مذهبًا جديدًا في الإسلام أتى به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهو لم يدَّعِ ذلك، لا هو ولا أحد من أتباعه؛ بل هم يؤكدون أنها دعوة سلفية تدعو إلى العودة إلى الكتاب والسنة وتسير على خطى أهل السنة والجماعة..”[31].
19- الدكتورة آمنة نُصير عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية:
تقول الدكتورة آمنة: “حل القرن الثاني عشر الهجري، كان المسلمون قد هبطوا فكريًّا إلى حد الاحتجاب الكامل عن حقائق الإسلام وكلياته الأساسية في شتى مجالات العقدية بما ينبثق عنها من عبادات ومعاملات، وأصبح معوّل الناس في سائر هذه الأمور على تقليد آراء السابقين، ووصل جمود التقليد إلى حد تقديس المذاهب، كما لو كان المذهب دينًا مستقلا لا يجوز للمنتسب إليه الخروج عنه أو تقليد غيره في قليل أو كثير، وساد بين الخاصة والعامة وهم مفاده: غلق باب الاجتهاد.
وبسيادة هذا الوهم فسدت العقائد، وتلبس التوحيد بالشرك الخفي والجلي، وكسدت بضاعة العلم والمعرفة لتروج الأساطير والخرافة، وتحلل الناس من تكاليف الشرع بشتى الحيل، وتلاشت سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولم يكن من سبيل إلى الإصلاح إلا بعلاج الداء من جذوره، دون الوقوف عند عرض من أعراضه. كان العلاج في تصحيح العقيدة بإعادة التوازن بين دور العقل وحجية النقل، ولا سبيل إلى ذلك إلا بفتح باب الاجتهاد، ولم يستطع أحد من رواد الفكر ولم يخل منهم قرن أن ينهض بهذا العبء، حتى ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب المولود عام ١١١٥هـ”[32].
20- المؤرخ الكبير محمد جلال كشك:
صاحب المصنفات المعتمدة بالأزهر الشريف، ومنها مصنفه المشهور (ودخلت الخيل الأزهر) وغيرها من الكتب التي سارت بها الركبان شرقًا وغربًا.
يقول رحمه الله: “جاء محمد بن عبد الوهاب في وقت كانت الأمة الإسلامية مع تسليمها بالهزيمة المادية مُتشبثة باقتناعها بتفوقها الفكري والروحي، وأن هذا التفوق المادي لخصمها هو ظاهرة مُخالفة لقوانين الطبيعة أو انقلاب المطبوع واختلال الموضوع، كما كان المؤرخون يؤرخون انتصارات الفرنجة المتتابعة، وكانت التفسيرات تنطلق من إيمان مُطلق بصوابية الحل الإسلامي، ومن ثم فكل ما نزل بنا سببه الانحراف عن هذا الحل، وكل المطلوب هو حفنة من المؤمنين تجدد أمر هذا الدين، فيُعيد التاريخ سيرته أو قل يستأنف مسيرته… وفعلًا جاءت الوهابية تؤكد هذا الاقتناع، إذ استطاع رجال لا ينتمون لعزوة قبلية ولا إلى دولةٍ غنية ولا إلى خلفيةٍ حضارية أن ينفضوا غبار التاريخ عن بيئتهم ومجتمعهم ووطنهم، وأن يشغلوا العالم بالمسألة السعودية والحل الإسلامي”[33].
ثالثا: شهادات علماء وأدباء ومؤرخين معتمد فكرهم لدى الأزهر الشريف:
1- الأستاذ خير الدين الزِّركلي خاتمة المؤرخين:
وتاريخه معتبر، ومعترف به في الأزهر الشريف، يقول رحمه الله: “محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب. ولد ونشأ في العيينة (بنجد) ورحل مرتين إلى الحجاز، فمكث في المدينة مدة قرأ بها على بعض أعلامها. وزار الشام. ودخل البصرة فأوذي فيها. وعاد إلى نجد، فسكن (حريملاء) وكان أبوه قاضيها بعد العيينة. ثم انتقل إلى العيينة، ناهجا منهج السلف الصالح، داعيا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهام. وارتاح أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر إلى دعوته فناصره، ثم خذله، فقصد الدرعية (بنجد) سنة ١١٥٧هـ فتلقاه أميرها محمد بن سعود بالإكرام، وقبل دعوته وآزره كما آزره من بعده ابنه عبد العزيز ثم سعود بن عبد العزيز، وقاتلوا من خلفه، واتسع نطاق ملكهم فاستولوا على شرق الجزيرة كله، ثم كان لهم جانب عظيم من اليمن. وملكوا مكة والمدينة وقبائل الحجاز. وقاربوا الشام ببلوغهم (المزيريب).
وكانت دعوته، وقد جهر بها سنة ١١٤٣هـ (١٧٣٠م) هي الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله: تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها، فظهر الآلوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان، ومحمد عبده بمصر، وجمال الدين القاسمي بالشام، وخير الدين التونسي بتونس، وصديق حسن خان في بهوبال، وأمير علي في كلكتة، ولمعت أسماء آخرين”[34].
2- مالك بن نبي–عالم الاجتماع والمُلقَّب بابن خلدون الثاني:
يقول رحمه الله: “الأمر الذي لا شك فيه، والذي كنت -حسب اعتقادي- أعلم المسلمين به هو أن الاستعمار كان يتضايق كثيرًا من تولي الدولة السعودية على الأرض المقدسة؛ لأنها ستصبح هكذا منارة إشعاع للفكرة الوهابية، يعني في نظري سيطرة الفكرة الإسلامية الوحيدة التي تصلُح بما فيها من طاقة مُتحركة، لتحرير العالم الإسلامي المنهار منذ سقوط خلافة بغداد.
وهذه النظرة الاستعمارية كانت نظرة خبير لا يعلم مدى صحتها في تلك الحقبة، إلا من كان يتتبع عن كثب تداخل القابلية للاستعمار والاستعمار، بالإضافة إلى أن موسوليني كان يعلم أن التوسع الاستعماري لم يبق له مكانًا في خريطة العالم الإسلامي سوى اليمن، وفي إفريقيا سوى الحبشة، ومن ثمة نفهم اهتمامه بأمور اليمن وخشيته من السيطرة الوهابية عليها، فلا غرابة إذن أن نراه يفكر أولًا في تحصين مستعمرته المقبلة قبل أن يضفي عليها في مرحلة ثانية، اللون الأخضر لون الامبراطورية الفاشية على الخريطة”[35].
كما لا يجد مالك بن نبي غضاضة في أن ينسب أفكاره الإصلاحية إلى الوهابية قائلًا: “أما صديقي صاحب المقهى -وكنا نسميه (ولد جدنا) الذي ما زالت قدمه راسخة بزاوية القادرية- فقد فضَّل الصمت حتى لا يتورَّط في نظرياتي الإصلاحية الوهابية الوحدوية”[36].
3- مصطفى صادق الرافعي الأديب الأريب وحجة العرب:
يقول: “فإن هدف الحركة السلفية الديني هو كما أسلفت العودة بالمسلمين إلى ينابيع الإسلام الأولى. أما هدفها السياسي فكان ينحصر في تقويض الحكم التركي وتحرير الأماكن المقدسة. وإذا صح الحديث: «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها»، فإنني لا أشك في أن محمد بن عبد الوهاب المولود في مطلع القرن السابع عشر الميلادي هو أحد المعنيين في هذا الحديث النبوي الشريف.
ذلك أن الانحطاط الخلقي في ذلك العصر والانحلال الديني إلى جانب الاضطراب الشامل في مختلف نواحي الحياة، وفوق هذا وذاك رجال الدين الرسميون الذين كانت تصنعهم الدولة العثمانية وتبوِّئهم المناصب الرفيعة، لتسيطر بواسطتهم على جماهير الأمة العربية، على نحو ما كان يصنع الأباطرة الأقدمون مع رجال الكنيسة، فانتشر الجهل نتيجة لذلك، وألبس جوهر الوحدانية قشور الصوفية، وعمّت الأباطيل والخرافات، واستبيحت المحرمات، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار المسلمون يتمسكون بالقشـور من الإسلام دون اللباب، ولم تسلم مكة المكرمة والمدينة المنورة مما أصاب سائر مدن الإسلام.
في هذا الجو المليء بالمآسي المضطرب النظام ظهر محمد بن عبد الوهاب، يعلنها صرخة قوية بالحق، مدوية كالرعد، مقدسة كالإيمان، بأنه لا يبغي بغير إصلاح المسلمين بديلًا. فاشتعلت نار السلفية، واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، تحضّ المسلمين أجمعين على بناء ما تهدم من أركان دينهم، واستعادة ما فقد من تليد مجدهم، وإصلاح نفوسهم وأحوالهم. فبدت تباشير النهضة السلفية في الحقل الديني”[37].
4- طه حسين عميد الأدب العربي:
يقول متحدّثًا عن الوهابية: “إن هذا المذهب الجديد قديم، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر؛ لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي خالصًا لله وحده، ملغيًا كل واسطة بين الله وبين الناس، هو إحياء للإسلام العربي وتطهير له مما أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرب، فقد أنكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة، كانوا يعظمون القبور ويتخذون بعض الموتى شفعاء عند الله ويعظمون الأشجار والأحجار، ويرون أن لَها من القوة ما ينفع ويضر، وكانوا قد عادوا في سيرتهم إلى حياة العرب الجاهليين فعاشوا من الغزو والحرب ونسوا الزكاة والصلاة، وأصبح الدين اسمًا لا مُسمى له، فأراد محمد بن عبد الوهاب أن يَجعل من هؤلاء الأعراب الجفاة المشركين قومًا مسلمين حقًّا على نحو ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل الحجاز منذ أكثر من أحد عشر قرنًا.
ومن الغريب أن ظهور هذا المذهب الجديد في نَجد قد أحاطت به ظروف تذكر بظهور الإسلام في الحجاز، فقد دعا صاحبه إليه باللين أول الأمر فتبعه بعض الناس، ثم أظهر دعوته فأصابه الاضطراب وتعرض للخطر، ثم أخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر كما عرض النبي نفسه على القبائل، ثم هـاجر إلى الـدرعية وبايعه أهلها على النصر كما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة… ولولا أن الترك والمصريين اجتمعوا على حرب هذا المذهب، وحاربوه في داره بقوى وأسلحةٍ لا عهد لأهل البادية بها لكان من المرجو جدًّا أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول”[38].
5- مصطفى لطفي المنفلوطي أديب مصر الكبير:
أما المنفلوطي فكتابه “النظرات” منظومة أدبية إصلاحية تلامس الواقع مستوحيًا ذلك من الدعوة السلفية الإصلاحية، فيعيب على علماء الأزهر في عصره الذين سكتوا عن التوسل بالأضرحة قائلًا: “إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم: (كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف)، فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصِّصون قبرا أو يتوسلون بضريح؟! وهل تعلمون أن أحدا منهم وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر أحد من الصحابة وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج كربة؟! وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين؟! وهل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثا ولعبا أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟! وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك ويفسد عقيدة التوحيد؟!
والله، ما جهلتم شيئا من هذا ولكنكم آثرتم الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب”[39].
6- الأستاذ عباس محمود العقاد أديب مصر الأول:
يقول رحمه الله: “فالنهضة في مصر بدأت عند أوائل القرن التاسع عشر، ولكنها بدأت في الجزيرة العربية بنحو ستين سنة بالدعوة الوهابية التي تُنسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبدأت في اليمن بدعوة الإمام الشوكاني صاحب كتاب نيل الأوطار… ولم تذهب صيحة محمد بن عبد الوهاب عبثًا في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه فقد تبعه كثير من الحجاج وزوار الحجاز وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأعجب المسلمين أن سمعوا أن علة الهزائم التي تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه، وإنهم خلقاء أن يستجدوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب البدع والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه”[40].
ويقول أيضًا: “وظاهرة من سيرة محمد بن عبد الوهاب أنه لقي في رسالته عنتًا، فاشتد كما يشتدّ من يدعو غير سميع ومن العنت إطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضرّ ولا ينفع والتماس المصالح بغير أسبابها، وإتيان المسالك من غير أبوابها، وقد عبّر على البادية زمان يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين، ويدعون السعي من وجوهه توسلًا بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الاستسقاء ودفع الوباء، فكان حقًا على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابيّة أنها صرفتهم عن ألوان البدع والخرافات”[41].
رابعا: شهادات مدارس أخرى مُعتمدة فكريًّا من الأزهر الشريف:
1- السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف علامة الصوفية ومؤرخها:
يقول رحمه الله: “والحبيب علوي بن سقاف الجفري له رسالة سماها: (الدلائل الواضحة في الرد على رسالة الفاتحة)، ترجم فيها لابن تيمية وتلميذه ابن القيم وللشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة المشهورة، وأطنب في الثناء عليهم، ولمَّا اطلع عليها الحبيب عبد الله بن حسين كتب عليها بخطه: (علوي بن سقاف يقول الحق ولو كان مُرًّا)… -إلى أن قال:- ومن هذا أنه قد أخذ الجماعة كلهم [يعني: الصوفية] عن السيد أبي بكر بن هندوان وهو وهابيٌّ قحّ، وتبيّنتُ أن عند مولانا شيخ الوادي الحسن بن صالح مِسحة من تلك الآراء بغاية الاعتدال؛ لموافقتها لِما هو فيه استغراقٌ في تجريد التوحيد وعدم التفاته إلى غير العزيز الحميد. ولا يُشكل ما في (بغية المسترشدين) عن فتاوى سيدي الحبيب علوي السقاف الجفري من جواز التوسل؛ لأنه إنما يُبيح منه ما لا يوهم القدح في التوحيد”[42].
2- الشيخ العلامة خليل أحمد السهارنفوري الحنفي:
وهو صاحب كتاب (بذل المجهود في شرح سنن أبي داود)
كان هذا العالم في مكة المكرمة وقتَ دخول الملك عبد العزيز مكة المكرمة، وكان بيت الشيخ قريبًا مع بيت العلامة عبد الله بن بليهد النجدي، فحصلت بينهما مناقشاتٌ تبيَّن للشيخ من خلالها أن مذهب الوهابيين لا يخرج عن جملة مذاهب أهل السنة المقبولة.
فكتب إلى أصحابه في الهند قائلًا: “إنه تكثر اللقاءات والمحادثات فيما يتّصل بالمسائل الدينية بيني وبين الشيخ عبد الله بن بليهد -رئيس القضاة- الذي يُجاور بيته بيتي، والرجل عالم ديني كبير، على مذهب أهل السنة والجماعة، آخذًا بمذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، مشغوفٌ بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، كثير الرجوع إليهما -وكلا الإمامين من أجلة العلماء عند علمائنا أيضًا- شديد الكراهية للبدع والمحدثات، قد جعل عقيدة التوحيد والنبوة أساس إيمانه وأصل عقيدته، وبالجملة فإني لم ألمس إلى حدّ تتبعي أيّ شذوذٍ منهم عن عقائد أهل السنة، ومعظم أهل نجد يحبون تلاوة القرآن، ويكثر فيهم حفاظ القرآن الكريم، يُحافظون على الصلاة جماعة، وهذه الأيام برد قارس في المدينة المنورة، ولكنهم يواظبون على الحضور حتى في صلاة الفجر جماعة، وعلى كلٍّ فإن وضعهم الديني جيد جدًّا فيما رأيت”[43].
ولما ظهر الكلام بأن الحكومة السعوديّة هدمت الأضرحة، وظهرت الدعاوى أنهم يريدون الانتقام من الصحابة والأولياء بهدم قبابهم، وغيرها من هذه الترَّهات، راسله علماء الهند للتحقق من هذا، فكتب إليهم العلامة السهارنفوري رسالة جاء فيها: “أعتقد أن الحكومة السعودية ميّالة إلى الدين بالنسبة إلى هذا الزمان، وأنها مُخلِصة في منجزاتها وأعمالها، وما تمّ من المنجزات الكبيرة ليس فيه ما لا يمُتّ -فيما أرى- للدين بصلةٍ ما، وما صدر منها من الزلات الصغيرة فإنَّ ذلك فيما لمستُ يرجع إلى أن الحكومةَ ينقصها رجال صالحون من أولي الكفاءات الإدارية، مما يُسبّب تقصيرًا في بعض الجوانب الإدارية والتنفيذية، وأما السلطان ابن سعود فإنه في ذاته رجلٌ متديّن، يتّصف بغاية من الحكمة والحلم، ولكن الرجل وحده لا يستطيع أن يصنع شيئًا ما لم تكن عنده أيدٍ عاملة ورجال وأعوان، وقد بلغ الأمن إلى أنّ الراحلة أو راحلتين تختلف وحدها فيما بين مكة والمدينة المنورة والينبوع وجدة، ولا يشكو أحدٌ خوفًا ولا غائلة، أما الشكوى التي تدور فيما بين الجماهير فإنَّ مثارها هو تحطيم القباب على القبور والضرائح التي جعلها الجهال -والروافض معهم- أساسَ دينهم وعقيدتهم، فإني أرى أن هدمها كان واجبًا، ولم تقم الحكومة بهذه الخطوة الجريئة إلا بعد الاستفتاء من عماء المدينة المنورة، وافتَوهم بجواز هذه العملية”[44].
3- علماء جامعة ديوبند الصوفية الماتريدية:
وهي من الجامعات الماتريدية المعترف بها فكريًّا عند الأزهر الشريف.
لما انتشرت كتب الزيني دحلان والتي فيها أن محمد بن عبد الوهاب يُكفِّر العلماء الماضين ويقول: إنَّ عصايَ هذه خيرٌ من محمد، وغير ذلك من الدعاوى، كلَّف شيوخ جامعة ديوبند الشيخ النعماني بدراسة كتب الوهابيين ومخالفيهم ليحكم على الطرفين بإنصاف.
ثم بعدها قام بتأليف كتاب (دعايات مُكثّفة ضدّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب) قام بتقريظه الشيخ محمد طيب رئيس جامعة دار العلوم بديوبند، والعلامة المُحدث الصوفي محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي.
قال الشيخ النعماني في كتابه: “كاتب هذه السطور يؤكد -في ضوء دراسته- أنه لا يصحّ شيء من هذه التّهَم، وقد جاء تفنيدها صريحًا في مؤلفات وكتابات الشيخ والمؤلفين الآخرين من أتباعه، وسوف يمرّ كلّ ذلك بالقراء الكرام في الصفات الآتية. ويبدو أن الشيخ دحلان لم يطلع على كتاب من الكتب التي ألفها أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجديّ في شرح دعوتهم وفكرتهم، كما أنه لم يشعر بضرورة البحث والتنقيب قبل أن يرميهم بهذه التهم اللاذعة”[45].
ومع هذا فقد خالف الشيخ النعماني الوهابيين في بعض المسائل، وقال: “لكنَّ هناك اختلافًا -على الرغم من هذا التوافق والانسجام بين علمائنا وعلماء نجد- في بعض المواقف والقضايا الفرعية”. ثم ذكر مسألة التوسّل بذوات الصالحين، وشدّ الرحل بنيّة زيارة القبر الشريف، والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم عند زيارة قبره، ونداء النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر من باب الاستحضار في القلب -حيث ذكر النعماني أن الوهابيين يرونه شركًا-، ومسألة تارك الصلاة كسلًا[46].
ثم ردَّ النعماني على أدلة الوهابيين في تلك القضايا، لكنه في النهاية ذهب إلى أن مخالفات الوهابيين هي من قبيل الخلاف العلِمي السائغ، فقال: “على كلٍّ، فأيُّ قضية من هذه القضايا المُختلَف فيها فيما بين علماء نجد وعلمائنا ليس مما يُفسَّق به فريق من الفريقين، أو يعتبره مارقًا من الدين أو خارجًا عن دائرة أهل السنة والجماعة”[47].
وذكر السبب في ذلك أن هذه القضايا قديمة بقدم ابن تيمية والتقي السبكي وابن عبد الهادي وغيرهم.
ومما سبق يتبيَّن:
أن علماء الأزهر الشريف أجمعوا على إمامة الشيخ رحمه الله، بل صفوة علماء الأمة ومؤرخيها ومفكريها بشتى مشاربهم -كما رأيت- اجتمعوا على مدح الدعوة الإصلاحية عبر أزمنةٍ متتابعة، وغلَّبوا محاسنها، وهو ما يُمكن أن نُسميه (ما استقر عليه العمل)، وقد استقر عملهم على قبول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والثناء عليه، والنظر إلى مجموع حسناته؛ فالإنصاف أن نقف حيث وقف القوم، لا أن نتجاوزهم إلى طعنٍ لم يعرفوه، ولا إلى خصومةٍ لم يستقر عليها نظر أهل العلم.
وليسعك -أيها القارئ الكريم- ما وسِعهم؛ فإن الأمة لا يستقرّ عملها دهرًا كاملًا على ضلالة، ولا أن تتلقّى رجلًا بالقبول جيلًا بعد جيل إلا لقيام أصلٍ معتبرٍ عندها، وإن وقع الخلاف في بعض الجزئيات أو الملابسات.
ولو لم يكن من الكفّ عن هذا الباب إلا جمع الكلمة وتسكينُ الثائرة وحقنُ الدماء المعنوية لكفى به مطلبًا شرعيًّا، إذ الاجتماع غايةٌ عظمى، والفرقة مفسدةٌ لا تخفى آثارها، وكما قال بعض السلف: إن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقها ولا أعظمها فيها شرفا.. ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق[48].
ولستَ مطالبًا باتباع الشيخ، ولا باعتناق منهجه، ولكنك مطالب شرعًا وعقلًا بالكف عن إشعال الفتن، وإحياء الصراعات بين المسلمين، والطعن فيمن تلقّته الأمة بالقبول.
خامسًا: الإجابة عن بعض الإشكالات عن الشيخ رحمه الله[49]:
وحتى تتم الفائدة في هذا الباب رأيتُ أن أجيب اختصارًا على أهمّ ما قد يعنّ للقارئ الكريم من إشكالاتٍ ستبقى عالقة في ذهنه -حتى مع مدح العلماء للشيخ محمد بن عبد الوهاب-، فمن باب إتمام الفائدة وزيادة التوضيح والبيان سوف نتعرض لها بنوع من الإيجاز، وهي كما يلي:
إن قال قائل: سلَّمنا لكم أن إمامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت محلَّ إجماع وقبولٍ واستقرارٍ عند علماء الأزهر الشريف على مدار القرن الماضي، غير أن هذا لا يستلزم بالضرورة صحةَ ذلك الموقف القديم؛ لا سيما مع ما نُقل عن بعض معاصريه من ذمٍّ له، فضلًا عما ارتبط بدعوته من حروبٍ وأحداثٍ دامية. وجواب ذلك فيما يلي:
1- ذم بعض معاصريه له، الجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن مما تقرر عند أهل الشريعة أن ما استقرّ عليه عمل العلماء وتلقته الأمة بالقبول هو حجة معتبرة، ولا يُنقَض بمواقف عارضة أو خصوماتٍ وقتية. فإن ذيوع علم الرجل وانتشار كتبه واعتماد العلماء عليها والثناء المتتابع عليه عبر الأجيال كل ذلك من أقوى علامات القبول العلمي، وأبعدها عن المجاملة أو التواطؤ.
وذمَّ بعض معاصري الشيخ لا يُعارِض هذا الأصل؛ إذ كثيرًا ما يقع الذم في بدايات الدعوات أو عند ظهور الآراء الجديدة بسبب تضارب الأخبار، أو سوء الفهم، أو تداخل العلم بالسياسة والهوى، ثم لا يلبث الأمر -بعد التمحيص والتحقيق- أن يستقرَّ على خلاف ذلك. والعبرة في هذا الباب بما آل إليه نظر أهل العلم بعد الاستقرار، لا بما قيل في زمن الاضطراب.
ولهذا نظائر مشهورة في تاريخ الأمّة، منها مثلًا:
أ- الإمام أبا حنيفة رحمه الله، قد ناله ذمٌّ شديد من بعض السلف، ثم لما استقرّ النظر، وتحققت الأمة من مذهبه وأصوله، استقرّ عمل المسلمين على تلقيه بالقبول، وصار أحد أئمة المذاهب الأربعة المتبوعة.
ب- قراءةُ حمزة الزيات، فقد أُنكرَت عليه في بداياتها، وشدَّد عليه السلف في شأنها، ثم لما استقر نقلها، وتحقَّق الأئمة من صحتها وتواترها، أجمع المسلمون على قبولها، وعدّوها من القراءات السبع المتواترة، وصار إنكارها بعد ذلك شذوذًا لا يُلتفت إليه.
ج- الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله، فقد ناله من المتمذهبين طعنٌ شديد حتى أحرقوا كتبه، وأهدره العلماء في بادئ الأمر، ثم أنصفه الأئمّة المحقّقون كابن تيمية والذهبي، ومع توالي القرون استقرّ عمل المسلمين على تلقّي علمه بالقبول، مع التحفّظ على بعض شذوذه كما هو الشأن في غيره من الأئمة.
وعلى هذا يُحمَل ما وقع من ذمٍّ للشيخ محمد بن عبد الوهاب في بدايات دعوته، فإنه ذمٌّ لم يثبت بعد التحقيق، ولم يستقر عليه عمل المسلمين، بل الذي استقر -لا سيما في القرن الماضي وما قبله- هو الثناء عليه، والإقرار بإمامته في باب الدعوة إلى التوحيد، وهو الميزان الذي يُرجَع إليه عند أهل الشريعة، لا ما قيل في زمن الفتن والخصومات.
الوجه الثاني: لا يُسلَّم أن جميع معاصري الشيخ ذمّوه، بل هناك من مدحوه وتابعوه، وأشهرهم أكبر تلامذة ابن فيروز، وهو أحمد بن رشيد الأحسائي الحنبلي -وهو شيخ الحنابلة في وقته-، فقد صحّح مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأثنى على تلامذته وأولاده، ولما دخل إبراهيم باشا إلى مكة طلب منه أن يترك دعوتهم فرفض، وناله أذى شديد، ونُفي إلى مصر مع أبناء الشيخ وتلامذته[50].
وأيضًا الشيخ الفقيه الأصولي خوقير المكي -وهو تلميذ الزيني دحلان-، وهو صاحب (مختصر خوقير)، لما تحقق من صواب دعوتهم ترك مذهبه، فناله أذًى شديد وسُجن في مكة.
وأيضًا هناك من أنصف الشيخ مثل الإمام الشوكاني، والجبرتي، والسويدي، والفاخوري، والآلوسي، ولولا خشية الإطالة لنقلنا كلامهم كاملًا، فدعوى أن جميع العلماء في بادئ الأمر ذموه محلُّ نظر.
2- بيان سياق الحروب ووجه تسويغها تاريخيًّا:
أما ما يُثار من الاعتراض بالحروب التي وقعت في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فينبغي التنبيه ابتداءً إلى أصلٍ منهجيٍّ مهم، وهو أن الوقائع التاريخية يجب تُستقرأ كاملةً في سياقها الزمني والسياسي والاجتماعي، وإلا آل الأمر إلى تشويه التاريخ لا قراءته.
فإن النظر المحقّق يُظهر أن تلك الحروب لم تكن بلا سبب، بل كانت في جُملتها ذات أسباب حقيقية، مبنية على نقض العهود، أو الاعتداء، أو التحالف العسكري مع قوى معادية، وهو ما يُعدّ في جميع الأعراف الشرعية والسياسية مسوِّغًا للحرب.
ومن أوضح النماذج على ذلك: إغارة الوهابيين على أهل القصيم، فإنها لم تكن عدوانًا مبتدأً، بل جاءت بعد خيانة فجَّة ونقض معاهدةٍ مع الشيخ، حيث أرسل لهم الشيخ طائفة من العلماء والمعلّمين لنشر التوحيد وتعليم أحكام الشريعة، ثم لم يلبث أهل القصيم أن نقضوا العهد، وقتلوا الشيوخ العُزّل في وقعةٍ شنيعة معروفة بـ: (مذبحة المطاوعة).
قال المؤرخ ابن لعبون رحمه الله: “وفي سنة 1196هـ أقبل بنو خالد على القصيم، وانقلبوا عن الدين، وقتلوا من عندهم ممن ينتسب إلى الدين” يقصد دعوة التوحيد، ثم سمّى ابن لعبون رجالًا من أئمة المساجد والمعلمين[51].
وقال ابن بشر رحمه الله في حوادث سنة 1196هـ: “وفيها أجمع أهل القصيم على نقض البيعة والحرب، سوى أهل بريدة والرس وتنومة، وقتلوا كلَّ من ينتسب إلى الدين عندهم، خصوصًا المعلّمين الذين يعلّمونهم أحكام الشريعة… فحين قَرُب سعدون بن عريعر من القصيم قام كل أهل بلد فقتلوا من عندهم من العلماء”[52].
والشاهد من ذلك كلّه: أن السبب المباشر للغزو كان نقض العهد، وقتل الشيوخ العُزّل الذين لا ذنب لهم، وهو ما اضطر الأمير محمد بن سعود إلى التحرُّك العسكري، لا ابتغاء فرضٍ عقديٍّ بالسيف، بل ردًّا على عدوانٍ صريح، وحمايةً لأتباعه وحلفائه.
وعلى هذا فقِس سائر حروبهم التي خاضوها، لا سيما ضد من لم يباشر عبادة القبور ابتداءً؛ فإنها كانت من جنس هذا السبب: إمّا نقض العهود، أو المعاونة بالسلاح والمال لقوى معادية، لا لمجرد الخلاف الفكري من حيث هو. وقد أكد هذا المعنى ما قرّره الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالته إلى أهل مكة[53].
والتكفير لبعض القرى لم يكن تكفيرًا للعوامّ، وإنما لولاة الأمور ممن أقيمت عليهم الحجة، وهو من باب الإطلاق (العام الذي أُريد به الخاص). وقد بيّن ذلك الشيخان حسن وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقولهم: “وقد يُحكم بأن أهل هذه القرية كفار… ولا يُحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه”[54].
ولهذا لم يُنكر حسنات هذه الحروبَ الإمام الشوكاني رحمه الله فقال: “وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها أمور الجاهلية، وصار الإسلام فيها غريبًا، ثم مات محمد بن سعود، وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية، وقام ولده العزيز مقامه، فافتتح جميع الديار النجدية والبلاد العارضية والأحساء والقطيف، وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية”[55].
وهذا يدل على أن النظر إلى تلك الحروب بوصفها مجرّد عنفٍ دينيٍّ مطلقٍ قراءةٌ مبتورة، لا تصمد أمام التحقيق التاريخيّ، ولا أمام شهادات المعاصرين.
الخاتمة:
وبعد هذا العرض، وما سُقناه من شهاداتٍ علميةٍ موثقة، وما أجبنا به عن الإشكالات المتداولة، يبقى أن تُقال للقارئ كلمةٌ من باب الإنصاف:
إذا كان علماء الأزهر الشريف -وهم ميزان الاعتدال العلمي في الأمة- وغيرهم من زعماء الإصلاح شرقًا وغربًا قد شهدوا للشيخ بالإمامة في باب الدعوة إلى التوحيد، مع إدراكهم لتعقيدات المرحلة وسياقاتها التاريخية، فليس من الحكمة ولا من الدين أن ننبش في تاريخٍ مضى ونستثير خصومات تمزّق الصف ولا تبني وعيًا.
إن اجتماع الكلمة بعد بيان الحجة ووضوح المحجة خيرٌ للأمة من فرقةٍ لا تزيدها إلا وهنًا، ولا يزال الخلاف إذا خرج من إطار العلم إلى دائرة الهوى سببًا في ذهاب الريح، وتبديد الجهود، واستنزاف الطاقات.
لسنا اليوم مطالبين بأن نُحبّ الأشخاص أو نُخاصمهم، وإنما أن نكون رحماء بأمّتنا، أمناءَ مع تاريخنا، عادلين مع علمائنا، ومن وقف حيث وقف القوم وأمسك لسانَه عمّا شجر بينهم وسار مع الجماعة حيث سارت الحجة فقد أخذ بالحظ الأوفر من العقل والدين معًا.
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــ
(المراجع)
[1] ديانات وحضارات، طه المدور (ص: 139).
[2] حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر (1/ 839).
[3] مختصر مطالع السعود في أخبار الوالي داود (ص: 117)، وانظر: مشاهير نجد وأعلامهم (ص: 50).
[4] الإيمان والرد على أهل البدع (ص: ٥٣)، مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ونقلها أيضا صاحب كتاب (علماء نجد وغيرهم).
[5] كتاب الإجازة العلمية في نجد، قراءة استقرائية (2/ 518-521). وانظر: مخطوط الإجازة بخط المُجيز محفوظ بمكتبة ليدن برقم (2496).
[6] زعماء الإصلاح في العصر الحديث (ص: 19-21).
[7] تاريخ الإصلاح في الأزهر (ص: 220-221).
[8] المجددون في الإسلام (ص: 438).
[9] الأزهر في ألف عام (5/ 567).
[10] بيني وبين حامد الفقي (ص: ١١-١٢).
[11] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا (ص: 82).
[12] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا (ص: 117).
[13] المدخل إلى دراسة علم الكلام (ص: 117-118).
[14] شخصيات لها تاريخ (ص: 144).
[15] السلفية (ص: 52-52).
[16] مقام العقل عند شيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 5). وقد نشرته مجلة الأزهر.
[17] فقه العبادات (ص: 162)، وهو من ضمن مقررات المعهد العالي للدراسات الإسلامية بالدقي (معهد الباقوري سابقًا).
[18] المرجع السابق (ص: 164).
[19] جزء من لقاء مع الشيخ محمد الراوي في برنامج (لله ثم للتاريخ)، على قناة أزهري:
[20] من الحصاد القديم (ص: 12).
[21] من الحصاد القديم (ص: 260).
[22] الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه (ص: 139-140).
[23] من لقاء مع الشيخ عطية صقر على الرابط:
[24] دفاع عن السنة (ص: 10).
[25] من حوار صحفي مع الشيخ:
https://www.ikhwanonline.com/article/266874
[26] عقيدة المسلم (ص: 162).
[27] عقيدة المسلم (ص: 72).
[28] كلمات في كشف أباطيل وافتراءات (ص: ٢٤).
[29] انتهى ملخصًا من كتاب: المطالعات الإسلامية في العقيدة والفكر (ص: 170-172) دار الكتب الإسلامية، 1983م.
[30] أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الفكر الإسلامي الإصلاحي بالجزائر (ص: 3-4).
[31] الفرق والمذاهب في العالم الإسلامي (ص: 471).
[32] الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة (ص: 10).
[33] السعوديون والحل الإسلامي (ص: 6-7).
[34] الأعلام (6/ 257).
[35] مذكرات شاهد على القرن (ص: ٣٠٦).
[36] مذكرات شاهد على القرن (ص: 261).
[37] الدعوة والدعاة في الإسلام (ص: 34).
[38] الحياة الأدبية في جزيرة العرب (ص: 13).
[39] المنفلوطي، النظرات (2/ 21).
[40] الإسلام في القرن العشرين (ص: 80-81).
[41] الإسلام في القرن العشرين (ص: 109).
[42] إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت (ص: 656-657).
[43] دار العلوم ديوبند، مدرسة فكرية توجيهية، محمد عبيد الله الأسعدي (ص: 740-741).
[44] المصدر السابق (ص: 741-742).
[45] دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: 30-31).
[46] المصدر السابق (ص: 93-98). ولم يُحرر الشيخ النعماني بدقة مذهب الوهابيين في خطاب الغائبين من باب الاستحضار في القلب أو النداء المجازي، فإن الوهابية لا يعتبرون ذلك شركًا، وقد نصّ على ذلك السهسواني في ردّه على دحلان، نعم قد يصدر من آحادهم المنع منه بسبب ما انتشر في الشعر من الغلو، ولكن تقرير مذهبهم شيء، والمنع سدًّا للذريعة شيء آخر.
[47] المصدر السابق (ص: 98-99).
[48] ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر (1/ 237).
[49] بموقع مركز سلف عدد من الأوراق العلمية المتعلقة برد الشبهات المثارة حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، منها:
1- دعوى غلو النجديين وخروجهم عن سنن العلماء، على الرابط:
2- إطلاقات أئمة الدعوة النجدية.. قراءة تأصيلية، على الرابط:
3- نقضُ الشُّبهات العشر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، على الرابط:
4- دعوى أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يسبقه أحدٌ نبَّه على شرك القبور.. عرض ونقاش، على الرابط:
دعوى: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يسبقه أحدٌ نبَّه على شرك القبور ..عرض ونقاش
[50] تراجم متأخري الحنابلة (ص: 49).
[51] تاريخ ابن لعبون (ص: 194).
[52] عنوان المجد (1/ 145-146).
[53] الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 243).
[54] الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 145).
[55] البدر الطالع (1/ 182).














