الجمعة - 02 ذو الحجة 1443 هـ - 01 يوليو 2022 م

موقف المالكية من التبرك

A A

التبرك من الأسباب التي يتوصل بها إلى المطلوب لكنه سبب خفي، فلزم ألا يعدى محله إلا بدليل يشهد لأصله ووصفه، وقد دلت نصوص من الكتاب والسنة على وجود البركة في بعض المخلوقات، قال سبحانه حكاية عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] “أي: ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له”([1]).

وقال عن الزيتون: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [النور: 35]. والبركة هنا كثرة المنافع([2]).

وقال تعالى عن ليلة القدر: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين} [الدخان: 3].

وانعقد إجماع الصحابة على جواز التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته([3]).

كما أجاز مالك رحمه الله التبرك بالكتب التي عليها أسماء الله عز وجل بشرط ألا يفعل ذلك قبل نزول البلاء، فقد نقل القرطبي عنه أنه قال: “قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة العين. وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين. وعلى هذا القول جماعة أهل العلم، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله عز وجل وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى فهو كالرقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها”([4]).

لكن الناس توسعوا في هذا المجال حتى صار القول بمنع بعض أنواع التبرك قولا مبتدعا وكأن القائل به لا سلف له، ونحن نورد مذهب الإمام مالك في التبرك بالآثار وتتبعها مما لم يرد عليه دليل، وقوله بمنع ذلك، وكذلك أصحابه، وحتى لا يعترض علينا معترض بأن بعض ما نذكر فيه المنع مختلف فيه حتى في المذهب، فإننا نبين سبب اختيار هذه الأقوال، وأنها جارية على أصول الإمام مالك، وأصل الإمام مالك في هذا الباب كله كما نقله المحققون من أهل مذهبه: أن العبادة مبناها على التوقيف، فلا بد من الدليل على أصلها ووصفها.

أصل سد الذريعة فيما قد يفضي إلى المحرم([5]):

وردت عن الإمام مالك رحمه الله آثار في منع التبرك بآثار الصالحين خوفا من الابتداع، فقد نقل ابن وضاح قال: “كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ما عدا قباء وحده”([6]).

ونقل الشاطبي رحمه الله عنه كراهة المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء([7]).

وهذا ابن بطال من المالكية يعلق على التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم ونعله، ويبين الخصوصية فيه، وعدم جواز ذلك من غيره، فيقول: “وأما الشعر فإنما استعمله الناس على سبيل التبرك به من النبي خاصة، وليس ذلك من غيره بتلك المنزلة، وكذلك النعلان من باب التبرك أيضا، ليس لأحد في ذلك مزية رسول الله، ولا يتبرك من غيره بمثل ذلك”([8]).

وها هو صاحب المدخل يعتبر الطواف بالقبر والتمسح به على سبيل التبرك من قبيل البدع فيقول: “فينبه العالم غيره على ذلك، ويحذرهم من تلك البدع التي أحدثت هناك، فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام، ويتمسح به، ويقبله، ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك، وذلك كله من البدع؛ لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له عليه الصلاة والسلام، وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب”([9]).

ويقول بعد ذلك معقبا على هذه التصرفات وما يضاهيها من البدع: “ولأجل ذلك كره علماؤنا -رحمة الله عليهم- التمسح بجدار الكعبة، أو بجدران المسجد، أو بالمصحف، إلى غير ذلك مما يتبرك به؛ سدًّا لهذا الباب ولمخالفة السنة؛ لأن صفة التعظيم موقوفة عليه صلى الله عليه وسلم، فكل ما عظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم نعظمه ونتبعه فيه، فتعظيم المصحف قراءته، والعمل بما فيه، لا تقبيله ولا القيام إليه كما يفعل بعضهم في هذا الزمان، وكذلك المسجد تعظيمه الصلاة فيه لا التمسح بجدرانه، وكذلك الورقة يجدها الإنسان في الطريق فيها اسم من أسمائه تعالى، أو اسم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ترفيعه إزالة الورقة من موضع المهانة إلى موضع ترفع فيه لا بتقبيلها، وكذلك الخبز يجده الإنسان ملقى بين الأرجل؛ تعظيمه أكله لا تقبيله، وكذلك الولي تعظيمه اتباعه لا تقبيل يده وقدمه، ولا التمسح به، فكذلك ما نحن بسبيله تعظيمه باتباعه لا بالابتداع عنده، ومن هذا الباب أيضا قول بعضهم في المصحف: مصيحف، وفي الكتاب كتيب، ومثل ذلك قولهم حين مناولتهم المصحف والكتاب لفظة: حاشاك، ومن ذلك قولهم في المسجد: مسيجد ،وفي الدعاء: ادع لي دعيوة، إلى غير ذلك. وهذه الألفاظ شنيعة قبيحة، لو علموا ما فيها من الخطر ما تكلموا بها؛ إذ إن كل ذلك تعظيمه مطلوب، والتصغير ضده، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) انتهى([10])، فإذا كان هذا الذم العظيم فيمن اتخذ الموضع مسجدا، فكيف بالطواف عنده؟!”([11]).

وقد نقل زرّوق في شرحه للرسالة نفي ابن العربي المالكي الانتفاع بزيارة القبور، وأن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أما غيره فالانتفاع به هو الاعتبار([12]). كما نص زروق على أن التمسح بها والتبرك بترابها هو من الأمور المحرمة، بل هو من فعل النصارى([13]).

وقد خلص الإمام الشاطبي رحمه الله إلى خلاصة عظيمة في الاعتصام بعد أن ذكر الآثار في التبرك، مفادها أن جميع ما ود في التبرك بآثار الصالحين مشكل:

وذلك أن الصحابة لم يقع منهم شيء من التبرك بعد النبي بغيره؛ إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة أفضل من أبي بكر، ولم يتبرك به، وكذلك عمر رضي الله عنه، وهو كان أفضل الأمة بعد أبي بكر، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولم يثبت شيء من ذلك من طريق صحيح عن أحد من الصحابة، فلم يبق إلا تفسير سبب هذا الترك وحصره في سببين:

الأول: الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني: تركه سدا للذريعة.

وبين أن هذا الأصل مقصود ومراعى عندهم؛ إذ التبرك هو أصل العبادة، والتوسع فيه هو الذي أدى إلى عبادة الأوثان من دون الله([14]).

فيعلم بهذا أن سد باب التبرك الذي قد يؤدي إلى البدع أو إلى الشرك بالله عز وجل أمر مطروق عند أهل العلم، وليس نتيجة لتوسع مدرسة معينة في منعه، كما أنه ليس خصوصية مذهبية لقوم دون قوم، بل كل غيور على الدين حام لحماه لا يمكن أن يحمله فتح باب المندوبات ليوقع الناس في المحرمات أو ما هو أشد منها، فكثير من أنواع التوسل التي يفعلها بعض الناس دائرة بين الشرك والمتشابهات، فإن شرعت بأصل فيبقى الاشتباه حاصلا فيها أو تكون مبتدعة ظاهرة في المنع، والله ولي التوفيق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير القرطبي (11/ 103).

([2]) ينظر: تفسير البغوي (3/ 446).

([3]) ينظر: الاعتصام (267).

([4]) تفسير القرطبي (10/ 319).

([5]) ينظر: الاعتصام (1/ 254)، والموافقات للشاطبي (3/ 440).

([6]) البدع لابن وضاح (ص: 191). وفي بعض النسخ “وأحدا” بدل وحده.

([7]) ينظر: الاعتصام للشاطبي (ص: 255).

([8]) شرح صحيح البخاري (5/ 265).

([9]) المدخل (1/ 263).

([10]) أخرجه البخاري (435).

([11]) المدخل (1/ 263).

([12]) ينظر: شرح زروق على الرسالة (1/ 288).

([13]) ينظر: المرجع السابق (1/ 279).

([14]) ينظر: الاعتصام (ص: 275).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

السلف وعشر ذي الحجة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: من أجلّ نعم الله تعالى على المسلم.. أن شرع له دينًا متنوع العبادات؛ فهو يتنقل بين العبادات البدنية كالصلاة، والعبادات المالية كالصدقة والزكاة، والعبادات الروحية كالخشوع والتوكل والخشية والإنابة، ثم شرع له مواسم للطاعات، وخصص له أوقاتًا للقربات، يزداد فيها المؤمن إيمانًا، ويتزود فيها من العبادات، ويجتنب فيها […]

هل الحج موروث وثنيّ؟!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لقد زجَّ تجزِيءُ القضايا بعضَ الناس إلى دعاوى عريضة وشبهات باطلة؛ تأباها عقول الصغار قبل الكبار، فثمة من ينظر إلى شعائر جزئية من فريضة الحج العظيمة فيحكم عليها بأنها فريضة وثنية. وعلى الرغم من أن تلك الشعائر لا تمتّ للوثنية بصلة بل هي على النقيض من ذلك […]

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017