الأربعاء - 15 جمادى الآخر 1440 هـ - 20 فبراير 2019 م

موقف المالكية من التبرك

A A

التبرك من الأسباب التي يتوصل بها إلى المطلوب لكنه سبب خفي، فلزم ألا يعدى محله إلا بدليل يشهد لأصله ووصفه، وقد دلت نصوص من الكتاب والسنة على وجود البركة في بعض المخلوقات، قال سبحانه حكاية عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] “أي: ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له”([1]).

وقال عن الزيتون: {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [النور: 35]. والبركة هنا كثرة المنافع([2]).

وقال تعالى عن ليلة القدر: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين} [الدخان: 3].

وانعقد إجماع الصحابة على جواز التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته([3]).

كما أجاز مالك رحمه الله التبرك بالكتب التي عليها أسماء الله عز وجل بشرط ألا يفعل ذلك قبل نزول البلاء، فقد نقل القرطبي عنه أنه قال: “قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة العين. وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين. وعلى هذا القول جماعة أهل العلم، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله عز وجل وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى فهو كالرقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها”([4]).

لكن الناس توسعوا في هذا المجال حتى صار القول بمنع بعض أنواع التبرك قولا مبتدعا وكأن القائل به لا سلف له، ونحن نورد مذهب الإمام مالك في التبرك بالآثار وتتبعها مما لم يرد عليه دليل، وقوله بمنع ذلك، وكذلك أصحابه، وحتى لا يعترض علينا معترض بأن بعض ما نذكر فيه المنع مختلف فيه حتى في المذهب، فإننا نبين سبب اختيار هذه الأقوال، وأنها جارية على أصول الإمام مالك، وأصل الإمام مالك في هذا الباب كله كما نقله المحققون من أهل مذهبه: أن العبادة مبناها على التوقيف، فلا بد من الدليل على أصلها ووصفها.

أصل سد الذريعة فيما قد يفضي إلى المحرم([5]):

وردت عن الإمام مالك رحمه الله آثار في منع التبرك بآثار الصالحين خوفا من الابتداع، فقد نقل ابن وضاح قال: “كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ما عدا قباء وحده”([6]).

ونقل الشاطبي رحمه الله عنه كراهة المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء([7]).

وهذا ابن بطال من المالكية يعلق على التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم ونعله، ويبين الخصوصية فيه، وعدم جواز ذلك من غيره، فيقول: “وأما الشعر فإنما استعمله الناس على سبيل التبرك به من النبي خاصة، وليس ذلك من غيره بتلك المنزلة، وكذلك النعلان من باب التبرك أيضا، ليس لأحد في ذلك مزية رسول الله، ولا يتبرك من غيره بمثل ذلك”([8]).

وها هو صاحب المدخل يعتبر الطواف بالقبر والتمسح به على سبيل التبرك من قبيل البدع فيقول: “فينبه العالم غيره على ذلك، ويحذرهم من تلك البدع التي أحدثت هناك، فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام، ويتمسح به، ويقبله، ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك، وذلك كله من البدع؛ لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له عليه الصلاة والسلام، وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب”([9]).

ويقول بعد ذلك معقبا على هذه التصرفات وما يضاهيها من البدع: “ولأجل ذلك كره علماؤنا -رحمة الله عليهم- التمسح بجدار الكعبة، أو بجدران المسجد، أو بالمصحف، إلى غير ذلك مما يتبرك به؛ سدًّا لهذا الباب ولمخالفة السنة؛ لأن صفة التعظيم موقوفة عليه صلى الله عليه وسلم، فكل ما عظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم نعظمه ونتبعه فيه، فتعظيم المصحف قراءته، والعمل بما فيه، لا تقبيله ولا القيام إليه كما يفعل بعضهم في هذا الزمان، وكذلك المسجد تعظيمه الصلاة فيه لا التمسح بجدرانه، وكذلك الورقة يجدها الإنسان في الطريق فيها اسم من أسمائه تعالى، أو اسم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ترفيعه إزالة الورقة من موضع المهانة إلى موضع ترفع فيه لا بتقبيلها، وكذلك الخبز يجده الإنسان ملقى بين الأرجل؛ تعظيمه أكله لا تقبيله، وكذلك الولي تعظيمه اتباعه لا تقبيل يده وقدمه، ولا التمسح به، فكذلك ما نحن بسبيله تعظيمه باتباعه لا بالابتداع عنده، ومن هذا الباب أيضا قول بعضهم في المصحف: مصيحف، وفي الكتاب كتيب، ومثل ذلك قولهم حين مناولتهم المصحف والكتاب لفظة: حاشاك، ومن ذلك قولهم في المسجد: مسيجد ،وفي الدعاء: ادع لي دعيوة، إلى غير ذلك. وهذه الألفاظ شنيعة قبيحة، لو علموا ما فيها من الخطر ما تكلموا بها؛ إذ إن كل ذلك تعظيمه مطلوب، والتصغير ضده، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) انتهى([10])، فإذا كان هذا الذم العظيم فيمن اتخذ الموضع مسجدا، فكيف بالطواف عنده؟!”([11]).

وقد نقل زرّوق في شرحه للرسالة نفي ابن العربي المالكي الانتفاع بزيارة القبور، وأن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أما غيره فالانتفاع به هو الاعتبار([12]). كما نص زروق على أن التمسح بها والتبرك بترابها هو من الأمور المحرمة، بل هو من فعل النصارى([13]).

وقد خلص الإمام الشاطبي رحمه الله إلى خلاصة عظيمة في الاعتصام بعد أن ذكر الآثار في التبرك، مفادها أن جميع ما ود في التبرك بآثار الصالحين مشكل:

وذلك أن الصحابة لم يقع منهم شيء من التبرك بعد النبي بغيره؛ إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة أفضل من أبي بكر، ولم يتبرك به، وكذلك عمر رضي الله عنه، وهو كان أفضل الأمة بعد أبي بكر، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولم يثبت شيء من ذلك من طريق صحيح عن أحد من الصحابة، فلم يبق إلا تفسير سبب هذا الترك وحصره في سببين:

الأول: الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني: تركه سدا للذريعة.

وبين أن هذا الأصل مقصود ومراعى عندهم؛ إذ التبرك هو أصل العبادة، والتوسع فيه هو الذي أدى إلى عبادة الأوثان من دون الله([14]).

فيعلم بهذا أن سد باب التبرك الذي قد يؤدي إلى البدع أو إلى الشرك بالله عز وجل أمر مطروق عند أهل العلم، وليس نتيجة لتوسع مدرسة معينة في منعه، كما أنه ليس خصوصية مذهبية لقوم دون قوم، بل كل غيور على الدين حام لحماه لا يمكن أن يحمله فتح باب المندوبات ليوقع الناس في المحرمات أو ما هو أشد منها، فكثير من أنواع التوسل التي يفعلها بعض الناس دائرة بين الشرك والمتشابهات، فإن شرعت بأصل فيبقى الاشتباه حاصلا فيها أو تكون مبتدعة ظاهرة في المنع، والله ولي التوفيق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير القرطبي (11/ 103).

([2]) ينظر: تفسير البغوي (3/ 446).

([3]) ينظر: الاعتصام (267).

([4]) تفسير القرطبي (10/ 319).

([5]) ينظر: الاعتصام (1/ 254)، والموافقات للشاطبي (3/ 440).

([6]) البدع لابن وضاح (ص: 191). وفي بعض النسخ “وأحدا” بدل وحده.

([7]) ينظر: الاعتصام للشاطبي (ص: 255).

([8]) شرح صحيح البخاري (5/ 265).

([9]) المدخل (1/ 263).

([10]) أخرجه البخاري (435).

([11]) المدخل (1/ 263).

([12]) ينظر: شرح زروق على الرسالة (1/ 288).

([13]) ينظر: المرجع السابق (1/ 279).

([14]) ينظر: الاعتصام (ص: 275).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تصدير سِجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريِّين للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله (2)  

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا تَلتقِي الأديانُ السَّماوية في كَلِمة سواءٍ ومَقصد أعلَى، وهو جمعُ أهلِها على الهدَى والحقِّ؛ ليسعَدوا في الدنيا، ويَستعدُّوا لسعادةِ الأخرى. بهذا جاءَت الأديان المعروفةُ، وبهذا نزلَت كتُبها. والقرآنُ الذي هو المهَيمِنُ عَليها يُخبرنا بأنَّ كتابَ موسى إمامٌ ورحمة، وأنَّ الله تعالى أنزل التوراةَ والإنجيلَ هدًى للناس، وأنهما جاءَا بما جاء […]

تصدير سِجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريِّين (1) للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله([1])

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتَّقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد أشرف المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبِه أجمعين. {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53]. آمنت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبالكعبة قبلةً، وبالقرآن إمامًا، وبسيِّدنا […]

أطروحات ابن تيمية… ودعوى عدم الاستقرار

                                                                    للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  إنَّ من السنَّة توقيرَ العالم الذي لا يتقدَّم بين يديِ الله تعالى ورسوله؛ إذ “كل […]

حرب المصطلحات ” جولة حول إحدى تقنيات الحداثيين في أطروحاتهم “

                                                                    للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الجوهر والعرض والجنس والفصل والماصدق والمركب والذرة والمتحيز واللامحدود وغيرها من المصطلحات، دخلت على […]

حديث: «تقتل عمارًا الفئةُ الباغية».. شبهات وردود

لا ريبَ أنَّ الدماءَ التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم كانت فتنةً سقَط فيها طوائفُ من أهل البدع؛ كالخوارج والروافض والمعتزلة، وعصم الله تعالى أهلَ السنة والجماعة من الوقوع في شِرَاكها؛ حيث رأَوا وجوبَ إحسان الظنِّ بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والسكوت عمَّا شجر بينهم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا […]

أوَ مِن العدل والإنصاف أن يُعَذّبَ ذو الخلق والإحسان من الكفّار ؟!

لو أنَّ موظَّفًا في شركة مرموقةٍ توفِّر له غالب احتياجاته، وكان الجميعُ حوله حسنَ التعامل، متعاونين متكاتفين، وهو أيضًا كذلك مع الجميع، لكن الأمر كان مختلفًا مع صاحب الشركة ومدير العمل!! لقد كان سيئًا في التعامل معه، مقلًّا للأدَب، بطيئًا في إنجازاته ومهامِّه! مع أنَّه حسنُ الخلق ولبِقٌ في التعامل مع زملائه وأقرانه. فهل يا […]

عرض وتعريف بكتاب: دراسة حديثية تحليلية نقدية لكتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية، للدكتور طاهر جابر العلواني)

 معلومات الكتاب: عنوان الكتاب: دراسة حديثية تحليلية نقدية لكتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية) -للدكتور طاهر جابر العلواني-. اسم المؤلِّف: د. أحمد جمال أبو يوسف، دكتوراه في الحديث الشريف وعلومه من الجامعة الأردنية. قدَّم له: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن العتيبي. حجم الكتاب: يقع في ثلاث مائة وأربعَ عشرة صفحة. أهداف الكتاب: هدف المؤلِّف إلى […]

حديث: «القاتل والمقتول في النار» ودفع المعارضة

 إنَّ المتتبعَ لشُبهاتِ أهل البدَع على اختِلاف أطيافِهم، يلحَظ أنَّ القاسمَ المشترَك بينَهم هو أُحاديَّة التفكير، وتتبُّع المتَشابِه، مع لـَيِّ أعناق الأدلّة؛ لتُوافق أهواءهم؛ لذا حذَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم مِن مسلكِهم. فقد روَت أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنه قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ […]

طعنُ ابن تيميّة في الإمام علي.. فريةٌ بتراء

                                                                                              للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله […]

السلفية وتهمة تفريق الأمة

تمهيد: لا يُمكن نفيُ أنَّ أيَّ طائفةٍ أو مَنهج يوجَد فيه الأصفياءُ والأدعياءُ، والحكمُ عليه بتصرُّفات أدعيائه ظلمٌ له وجَور في حقِّه. ومِن أكثرِ المناهجِ وقوعًا تحتَ نَير الظلم بنسبة أدعيائه إليه وتعميم أخطائهم المنهجية ومحاكمة المنهج إليها: المنهجُ السَّلفي، حتى صار أكبر مناقض للمنهج السلفي السمة التي يرمز له بها أولا وهي قضية تفريق […]

فرية أمْرِ معاوية بلعن علي رضي الله عنهما على المنابر.. مرة أخرى

قديمًا قال العرب في أمثالهم: “ابدأهم بالصراخ يفروا”، وهو مثَل قد ابتذَله الناس، وأصله كما قال أبو عبيد: “وذلك أنَّ يكونَ الرجل قد أساء إلى رجل، فيتخوَّف لائمةَ صاحبه، فيبدؤه بالشكاية والتجنّي؛ ليرضى منه الآخر بالسكوت عنه”([1]). وما أشبه الليلة بالبارحة! فإننا نجد الشيعة ومن وافقهم يطعنون في الشَّيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- […]

عرض ونقد لكتاب “قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة”

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة جاء الإسلامُ بأسمى شريعة وأفضل نظام، ولم يترُك مجالًا من المجالات إلا وتحدَّث عنه أو أشارَ إليه، وبقيَ المسلمون على مرِّ العصور يستلهمون أفكارَهم من الكتاب والسنة ويستندون عليهما في شؤون حياتهم، وقد عرف التاريخُ الإسلامي أنواعًا من المناقشات والجدل والمناظرات والكتابات حول عدد من الموضوعات التي كانت ولا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017