الثلاثاء - 05 شوّال 1439 هـ - 19 يونيو 2018 م

التمائم عند المالكية

A A

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس التوحيد، ويردهم إلى الجادة التي حادوا عنها لطول عهدهم بالرسالة، واجتيال الشياطين لهم عن دينهم وتحريفهم له، وقد شمل هذا التحريف جميع أبواب الدين، بما في ذلك أصله وما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وقد انحرف الناس في هذا الأصل على أشكال وأحوال، ومن بين مظاهر الانحراف الانحراف في الموقف من الأسباب الخفية وتأثيرها والاعتقاد فيها، وهل تأثيرها لو وجد حسًّا كاف في الاعتقاد فيها وتبنيها. وقد انحرف الناس فيها واعتقدوا الضر والنفع في غير الله سبحانه، وتعلقوا بأشياء من دونه، منهم من جعلها وسائل، ومنهم من جعلها أربابا، فجاء القرآن ليرد على هذا الاعتقاد الباطل فقال سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون} [الزمر: 38].

فقد نزلت هذه الآية ردًّا على المشركين حين خوفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من آلهتهم، فرد الله عليهم، فحاروا جوابا عن هذا السؤال([1]).

 ثم إنَّ مما كانوا يعتقدون فيه كشف الضر وجلب النفع التمائمَ وما في معناها، فقد كانوا يتعوذوّن بها لدفع المقدور، ويظنون أنها تردّه، وقد بقي هذا الاعتقاد موجودًا حتى وقع فيه بعض المسلمين وشبِّه عليهم فيه، ونحن في هذا المقال نتكلم عن التمائم ونورد الأحاديث الواردة فيها، ونبين مراتبها؛ مقتصرين في ذلك على أقوال المالكية؛ حتى لا يظن ظان أن القول فيها خاصٌّ بمذهب الإمام أحمد رحمه الله:

معنى التمائم:

التمائم: العُوذ، واحدتها تميمة. قال أبو منصور: أراد الخرز الذي يتَّخذ عوذا. والتميمة: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم يعقد في العنق، وهي التمائم والتميم؛ عن ابن جني، وقيل: هي قلادة يجعل فيها سيور وعوذ؛ وحكي عن ثعلب: تممت المولود علقت عليه التمائم. والتميمة: عوذة تعلق على الإنسان؛ قال ابن بري: ومنه قول سلمة بن الخرشب:

تعوذ بالرقى من غير خبل   وتعقد في قلائدها التميم([2])

وقد وردت نصوص شرعية تنهى عن هذا الاعتقاد وترده، منها أحاديث صحيحة وحسنة، وأخرى ضعيفة، فعن ابن مسعود كان يقول: (كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يكره عشر خلال: الصفرة -يعني: الخلوق-، وتغيير الشيب، وجر الإزار، والتختم بالذهب، والتبرج بالزينة لغير محلها، والضرب بالكعاب، والرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم، وعزل الماء لغير -أو: غير- محله -أو: عن محله-، وفساد الصبي، غيرَ محُرِّمِه”([3]).

ومنها ما روي عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري رضي الله عنه أخبره أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، قال عبد الله: حسبت أنه قال: والناس في مبيتهم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا أن: ((لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر -أو: قلادة- إلا قطعت))([4]).

وعن عيسى قال: دخلت على عبد الله بن عكيم أبي معبد الجهني أعوده وبه حمرة، فقلنا: ألا تعلق شيئا؟! قال: الموت أقرب من ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من تعلَّق شيئا وكل إليه))([5]).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه))([6]).

وعن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الرقى والتمائم والتِّوَلة شرك))([7]).

وعن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعت تسعة وتركت هذا! قال: ((إن عليه تميمة))، فأدخل يده فقطعها فبايعه وقال: ((من علق تميمة فقد أشرك))([8]).

وقد ناقش العلماء دلالة هذه الأحاديث، فحملوها على الشرك إذا وافق اعتقاد الإنسان فيها اعتقاد أهل الجاهلية من اعتقاد جلب النفع ودفع الضر، قال ابن عبد البر: “وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من علق التمائم أو عقد الرقى فهو على شعبة من الشرك)) وذلك كله أن يعلق كتابا في عنقه أو يرقي نفسه أو غيره لئلا ينزل به من الأدواء”([9])، وقال القرطبي رحمه الله: “وهذا كله تحذير مما كان أهل الجاهلية يصنعونه من تعليق التمائم والقلائد، ويظنون أنها تقيهم وتصرف عنهم البلاء، وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل، وهو المعافي والمبتلي، لا شريك له. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم”([10]).

كما نص ابن رشد -رحمه الله- على أن ما كان منها بغير كتاب الله واللفظ العربي فهو لا يجوز بحال، فقال: “وأما التمائم بغير ذكر الله تعالى وبالكتاب العبراني وما لا يعرف ما هو فلا يجيزه بحال، لا لمريض ولا صحيح؛ لما جاء في الحديث من أن ((من تعلق شيئا وكل إليه))، و((من علق تميمة فلا أتم الله له))، و((من علق ودعة فلا ودع الله له))؛ ولما رواه في موطئه من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث في بعض أسفاره رسولا والناس في مقيلهم: ((لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر -أو: قلادة- إلا قطعت))([11]).

كما رجحوا عن مالك الرواية المانعة لكل أنواع التمائم التي ليس فيها ذكر الله عز وجل، وذلك لجريانها على أصوله؛ ولأن مستندها ما روي عن عائشة وهو مما لا تقوله برأيها([12]).

وحاصل كلامهم منع كل ما فيه شبهة الشرك، ويتأكد المنع حين يتعلق الأمر بالتشبه بأهل الجاهلية أو النصارى([13]).

أما ما كان من التمائم فيه ذكر الله وأسماؤه سبحانه فهذا الخلاف فيه محفوظ معلوم، وحاصل المذهب فيه المنع من تعليقه قبل وقوع البلاء أو تعليقه خشية نزوله([14]).

وعلى هذا القول جماعة أهل العلم، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله عز وجل وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى فهو كالرقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها([15]).

ومما يدلُّ على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: (إنما التمائم ما علِّق قبل البلاء، فما علق بعد البلاء فليس من التمائم)([16]). وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال؛ قبل نزول البلاء وبعده([17]).

هذا من ناحية النظر الأصلي ووجود الخلاف، وخلاصة المسألة أن تعليق التمائم من غير القرآن وما ليس فيه ذكر ولا دعاء ولا يفهم معناه فإن تعليقه محرم، واعتقاد الضر والنفع فيه شرك بالله عز وجل، أما التمائم التي بالقرآن فلا يتصور الشرك فيها؛ لأن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق، لكن الأظهر منعه، وذلك للتوقيف في مسائل الأسباب الخفية، ولكونه ذريعة إلى غيره، وقد يعرض القرآن للامتهان، والأولى بالإنسان الاقتصار على السنة وما ورد فيها من الاستعاذة بالله سبحانه ودعائه والتوكل عليه والاكتفاء بذلك عن غيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير ابن كثير (7/ 89).

([2]) ينظر: لسان العرب (12/ 69).

([3]) أخرجه أبو داود (4222)، وإسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن حرملة الكوفي، قال البخاري في التاريخ الكبير (5/ 270) وفي الضعفاء الصغير (ص: 70): “لم يصح حديثه”، وقال الذهبي في الميزان: “هذا منكر”.

([4]) أخرجه البخاري (2843).

([5]) أخرجه الترمذي (2072) وقال: “عبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

([6]) أخرجه النسائي (4079).

([7]) أخرجه أبو داود (3883).

([8]) أخرجه أحمد (17458).

([9]) الاستذكار (8/ 405).

([10]) تفسير القرطبي (10/ 320).

([11]) البيان والتحصيل (1/ 439).

([12]) ينظر: المقدمات الممهدات (3/ 465).

([13]) ينظر: الذخيرة للقرافي (13/ 311).

([14]) ينظر: التمهيد (17/ 161).

([15]) ينظر: تفسير القرطبي (10/ 319).

([16]) أخرجه هناد في الزهد (447).

([17]) ينظر: المصدر السابق (10/ 320).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الظاهرة الشحرورية في التاريخ والمنطلقات والمآلات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة نادى مناد على رؤوس الناس يقول: أدركوا الناس، ستهلك الأمة، تلاعبوا بكتاب الله، وضاعت السنة، وأهانوا الشريعة…!! فقيل له: على هونك، ما الخطب؟! قال: ظهر لنا على رؤس الأشهاد وفي كل وسائل التواصل وفي التلفاز دكتور في هندسة التربة يدعى محمد شحرور…! فقلنا: وماذا عساه أن يقول؟ فليقل في […]

تعقيب على مقال (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب…) المنشور في جريدة السبيل

   نشرت جريدة السبيل الأردنيّة يوم الخميس الموافق 10/ مايو/ 2018م مقالًا للدكتور علي العتوم عنوانه: (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير أهل البدع)، وقد تضمّن المقال -رغم قصره- قدرًا كبيرًا من المغالطات الناشئة عن عدم تحرير المسائل العلمية، ومحل النزاع في مسائل الخلاف، والتسرع في استصدار أحكام وتقييمات كلّيّة […]

يصرخون: “ذاك عدوُّنا من العلماء”!

عن أنس رضي الله عنه قال: بلَغ عبدَ الله بنَ سلام مقدَمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأتاه، فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ، قال: ما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول […]

الغائية والتوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد… ما الذي حصل حين انحرفت البشرية عن غايتها ومسارها الصحيح؟! إن انحراف الإرادة البشرية هو ما أدى إلى عدد هائل من المفاسد والأضرار لا تتخيله العقول البشرية القاصرة، بل ولا تستطيع أن تبكيها البشرية جمعاء، وماذا عساها أن تفعل […]

حقيقة النصب وموقف أهل السنة منه

من سمات أهل البدع وصفهم أهل السنة بالأوصاف المنفّرة عنهم، ومن ذلك اتهام الروافض لهم بالنّصب والعداء لأهل البيت، وقد شاركهم في ذلك بعض الطوائف المنتسبة للتّصوف الذين تأثروا بالتشيع، ونال رموز مقاومة الرافضة وشبهاتهم القسط الأكبر من هذا الاتهام، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي اتّهموه بالنصب ومعاداة علي رضي الله عنه. […]

فوائد من غزوة بدر

لم تكن غزوة بدر حدثًا عاديًّا يمكن تناوله تناولًا سرديًّا دون النظر إلى الدلالات والعبر التي تحملها تفاصيل هذا الحدث العظيم الذي سمى القرآن يومه “يوم الفرقان”، وحكى أحداثه، وأنزل فيه ملائكته المقربين؛ استجابة لدعوة الموحدين من المؤمنين، فقد كانت النخبة المؤمنة في ذلك الزمن مجتمعة في هذه المعركة في أول حدث فاصل بينهم وبين […]

ضوابط في تدبر القرآن الكريم

 حث الله عباده على تدبر الوحي والنظر فيه من جميع جوانبه؛ في قصصه وأخباره وأحكامه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين هذا الوحي للناس ليسهل عليهم تدبره وفهم معانيه على وفق مراد الله عز وجل، فقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]. وقد ذكر الطبري -رحمه […]

الإيمان بالملائكة حقيقتُه وتأثيرُه في حياة المؤمن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قضية الملائكة من أكبر القضايا التي شغلت المجتمعات البشرية على اختلافها بين معتقد لوجودهم، وناف لهم، والمعتقدون لوجودهم اختلفوا في اعتقادهم طرائق قددًا، فمنهم العابد لهم من دون الله، ومنهم المعتقد فيهم أنهم بنات الله، ومنهم من اتّخذهم عدوا، وآخرون جعلوهم جنسًا من الجن، كل هؤلاء تحدث القرآن عنهم […]

إطلاق (المعنى) و(التأويل) والمراد بها عند السلف في الصفات

من الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من الناس: حمل الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة على اصطلاحات المتأخرين؛ يقول الإمام ابن القيم: “وهذا موضع زلَّت فيه أقدام كثير من الناس، وضلَّت فيه أفهامهم؛ حيث تأولوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح […]

التمائم عند المالكية

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس التوحيد، ويردهم إلى الجادة التي حادوا عنها لطول عهدهم بالرسالة، واجتيال الشياطين لهم عن دينهم وتحريفهم له، وقد شمل هذا التحريف جميع أبواب الدين، بما في ذلك أصله وما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وقد انحرف الناس في هذا الأصل على أشكال وأحوال، ومن بين مظاهر الانحراف […]

العلم اللدني بين القبول والرفض

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فإن الكلام عن “العلم اللدني” مزلة أقدام؛ لذا كان لزامًا على المؤمن الوقوف على حقيقته، وكيفية دفع الشبهات التي وقع فيها أهل الانحراف والزيغ، ومقدمة ذلك أمور([1]): أولًا: إن العلم الحقيقي الذي […]

فَبِأَيِّ فَهمٍ يُؤمِنُون؟ مُناقَشَة لإِمكَانِيَّة الاستِغنَاءِ باللُّغَة عَن فَهمِ الصَّحَابَة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن بداهة الأمور أن كلّ من أراد أن يستوضح قضيَّة أو أمرًا سيتجه للبحث عنه عند ذويه ومن ابتكره وشارك في صناعته، فمن أراد أن يستوعب أفكار أرسطو ذهب يستعرض نصوص أصحابه والفلاسفة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017