الجمعة - 06 ذو الحجة 1439 هـ - 17 أغسطس 2018 م

الغائية والتوحيد

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

المقَـــدّمَــــــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد…

ما الذي حصل حين انحرفت البشرية عن غايتها ومسارها الصحيح؟!

إن انحراف الإرادة البشرية هو ما أدى إلى عدد هائل من المفاسد والأضرار لا تتخيله العقول البشرية القاصرة، بل ولا تستطيع أن تبكيها البشرية جمعاء، وماذا عساها أن تفعل تلك العواطف القاصرة أمام هذا الجرم المهول.

خمسة وسبعون مليونًا، هذا الرقم الذي لا نكاد نراه إلا في الحسابات الفلكية هو عدد ضحايَا الإرادة الإنسانية المنحرفة عن غايتها في إحدى تجلياتها وأشكالها!!

هذا التشوُّه التاريخي والفكري والنفسي في صورة البشرية هو ما أسفرت عنه البشرية حين انحرفت عن غايتها ومسارها الصحيح.

فقد أدت الإرادة الإنسانية المنحرفة إلى قتل أكثر من 2.5 % من البشريَّة (ربع العشر) في الحربين العالميتين، مع أنها بلغت أوج حريتها آنذاك على حد زعمهم، وانحلَّت من الأوامر والتشريعات والطقوس الدينية، وتحرَّروا من كل القيود الإلهية؛ إذ قرَّروا أن الإنسان هو مركز الكون، فهو المريد وهو الآمر وهو الناهي وهو العامل والمطيع في آن!! وصار لفكره ويراعته أن تخطَّ الغاية الإستراتيجية المصيرية للبشرية والعالم أجمع، كما لها أن تخطَّ التدابير التشغيلية والإجرائية.

وإن شئت فارجع البصر وقلِّب النَّظر في الأحداث التي سارت بالإنسان وهو في مساره الصحيح وغايته التي رسمها له مولاه جل وعلا، فانظر كم عدد ضحايا الغزوات والمعارك التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنه لا يكاد يصل ضحاياها إلى ألف وخمس مئة شخص!!([1]).

هكذا تغيرت النتائج والحرب واحدة، ولكن الغاية مختلفة، فغاية النبي صلى الله عليه وسلم وغاية دعوة إخوانه الرسل كلهم هو تعبيد الناس لله ودعوتهم إلى التوحيد، توحيد الله سبحانه وتعالى بنوعيه العلمي والعملي.

وهذا هو الخيط الناظم لهذه الورقة العلمية، ففيها نتناول دلالة الغائية على توحيد الله تعالى.

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

مفهوم الغائية:

فطرةً وبدهيةً أخصُّ خصائص الكائن الإنساني خصيصتان بيَّنتهما السنة النبوية، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أصدق أسماء الناس حارث وهمام([2])، فمن طبيعة الإنسان الحركة والعمل الدؤوب، والسعي وراء تحقيق غاياته وأهدافه وطموحاته، ويصاحب هذا السَّعي همٌّ يدفعه إلى المضيِّ قدمًا وراء تلك الغايات والأهداف، فلا بدَّ له من إرادة ومن غاية يسعى إليها، وإن شئت قلت: الإنسان غائيٌّ بالطبع، كما قال القائل: الإنسان مدنيٌّ بالطبع.

ثم هذه الغائيَّة لا بد وأن تنتهي؛ فإن الإنسان قد ينشغل بغاية قريبة ولكن لا بد له من غاية نهائية يقف عندها؛ فهل يمكن أن تنتهي مطالب الإنسان ليصل إلى غاية نهائية؟!

في الواقع أن مطالب الإنسان لا تنتهي إلا إذا أرسى سفنه عند من أملاكه لا حصر لها، ورغباته وحاجاته النفسيَّة والجثمانية والغريزية لا تنقضي إلا إذا نزل بمن رحماته لا منتهى لها، ولا تنتهي إلا إن هبطت على محبوب فيه أكمل ما يرجى في المحبوب، محبوبٍ عفوه أعظم من ذنوب المذنبين، محبوب رحماته أوسع من طلبات الطالبين، محبوب عطاياه لا تبلغها أمنيات المتمنين.

إذن لا بد للإنسان من غاية هي منتهى الغايات، ومبتغى هو ملتقى الفضائل والكمالات، ومقصد يغنيه عن غيره من المقصودات، ومحبوب لا يحوجه إلى غيره من الكائنات.

ولا أحد يستطيع أن يناوئ الله تعالى في هذه الأوصاف والكمالات، فهو واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، له الخلق والأمر، فهو مبدأ الأمر، كما أنه مبدأ الخلق.

فلا بد للإنسان أن يؤوب إلى خالقه ومولاه وربه ومالكه، ولا بد له من إفراده بخصائصه سبحانه، إفراده بالخلق والرزق والتدبير، وإفراده بأسمائه وأوصافه الجامعة للكمالات، والنافية عنه كل النقائص والآفات، إفراده بالخضوع والخشية والطاعة والمحبة وجميع أنواع العبادة؛ إذ هو مقصد المقاصد وغاية الغايات سبحانه وتعالى.

فالإنسان لا بد له من مراد، ثم هذا المراد إما أن يكون له الكمال المطلق والقوة المتينة والإرادة النافذة، وبيده ملكوت كلِّ شيء، ورحمته وسعت كل شيء، يضع الأمور في مواضعها، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، يحبُّ من يريده، ويحبُّه مريدوه، أو لا يكون كذلك. ولا شك أن الأول هو من سيختاره العاقل.

ولو تأملنا الأمر من جهة الخالق، فإنه لا يليق بمقام المولى الكريم العلام الحكيم الخبير أن يخلق الخلق عبثًا بلا غاية؛ {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 115-117]، فعقَّب استنكار خلق الخلق عبثًا بنفي وجود برهان أو حجة لمن يعرض عن الغاية التي رسمها له المولى سبحانه وتعالى.

وكيف يليق بالمولى الكريم الذي خلق الإنسان من عدم وسوَّاه وركَّبه وكرمه وعلَّمه، وأولاه العناية البالغة بدءًا من الحالة المنوية، فكان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ثم كسى العظام لحمًا، ثم أنشأه وجعل منه الذكر والأنثى، لا يليق به سبحانه بعد كلِّ هذا أن يتركه سدًى وأن يكون كلُّ ذلك عبثًا؛ {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [القيامة: 36-39].

ومن تعامى عن هذه الخصيصة الإنسانية غالبًا ما يخرج عن إنسانيَّـته، انحدارًا إلى البهيميَّة، أو اتضاعًا إلى الجمادية، أو انحطَاطًا إلى العدميَّة والعبثيَّة.

فمن لم يرض بما كرَّمه الله به وفضَّله على كثير من الخلائق، سينحط ولا محالة إلى ما هو دونه؛ بين من يسوِّي بين وجوده والعدم، وبين من يرضى بأن يكون سلعةً يشترى ويباع، أو بمنزلة ما يباع نفعه ولا يباع عينه لنجاسته!!

وكيف للإنسان أن يغفل عن غاية وجوده وهو متجذر في ذاته؟!

لا يكاد يتبنَّى هذه الدعوى إلا من انتكست فطرته، فتركيبة الإنسان وطبيعته تنادي بأن له غاية؛ إذ لا بد له من إرادة، ولا بد لإرادته من منتهى كما سبق.

ثم كل إنسان يجد من نفسه تساؤلًا ملحًّا وبحثًا ضروريًّا عن غاية وجوده، لأن غائيَّته فطرية، وإذا كان عقله لا يرضى أن يتخيّل صناعة جهاز صغير بلا فائدة، فكيف يُعقل أن ترضى نفسه بالقول بأن لا فائدة من وجوده؟! كيف وذاك من أخص خصائصه؟!

يقول المسيري: “الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يطرح تساؤلات عما يسمى العلل الأولى، وهو لا يكتفي بما هو كائن، وبما هو معطى… وهو الكائن الوحيد الذي يبحث عن الغرض من وجوده في الكون… ولذا سمي الإنسان: الحيوان الميتافيزيقي”([3]).

إن حال من يُعرض عن التفكير في غايته كحال رجل ركب مع سائق سيارة أجرة ولم يتفق معه على الوجهة المطلوبة، وحين سأله صاحب سيارة الأجرة: أين تريد؟ قال له: انطلق فقط، وأينما سارت بك السيَّارة سرنا!!

حقا إن “هؤلاء الذين لا يتساءلون عن صدفة وجودهم يعانون من نقص عقلي”([4]).

إذن الغائية خصيصة إنسانية فطرية، إنكارها جنون وسفسطة، والله سبحانه هو منتهى الغايات لا غاية بعده، فماذا عن القرآن والسنة، هل صرَّحا بشيءٍ في هذه القضية؟

لو نقَّبنا عن الغاية من وجود الإنسان في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لوجدنا نصوصهما تصرِّح وتبدئ وتعيد بأن الغاية من خلق الإنسان هي توحيد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، والنصوص كثيرة، فقد فصَلَ سبحانه وتعالى وفصَّلَ القول في هذه القضية، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

والأدلة الدالة على هذه الغاية العظيمة في النصوص الشرعية واضحة في الدَّلالة صريحة في العبارة بما لا يقبل النقاش والمراء، كما قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36].

ولبالغ أهميتها احتوتها أول ألفاظ القرآن ودلت عليها، فـفاتحةُ فاتحةِ الكتاب اشتملت على جميع أنواع توحيد الله سبحانه وتعالى، ألا وهي قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2، 3].

فـ{الْحَمْدُ لِلَّهِ} دليل على توحيد الألوهية، و{رَبِّ الْعَالَمِينَ} دليل على توحيد الربوبية، و{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} دليل على توحيد الأسماء والصفات.

وكذلك أول أمرٍ في القرآن أمرٌ بالتوحيد بأنواعه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، وأول نهيٍ فيه نهيٌ عن الشرك: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22].

فمن هذه الغاية يبدأ دين الإسلام كما بدأ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله…))([5])، وبنطقها يبدأ الإنسان إسلامه، وعلى أساسها ينشأ بنيانه؛ ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله…))([6])، وعليها ينبني عصمة الدم والمال؛ ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله…))([7]).

ومن جلالة هذه الغاية وسموِّها أرسل الله من أجلها الرسل، وأنزل من أجلها الكتب، فلا تخلو أمة من البشر إلا وقد بلَّغهم الله تعالى البلاغ المبين؛ {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وما هذه العبادة وما هذا التوحيد إلا صورة كمالية من صور الكمالات الإلهية، ويظهر ذلك في خضوع الإنسان المؤمن لربِّه طوعًا بل ورغبةً من نفسه، متناغمًا مع المخلوقات كلِّها في خضوعها وطاعتها لله دون اختيار منها.

فإنه ما من مخلوقٍ إلا ويعبد ربه ويطيعه، ما بين ساجدٍ ومسبِّح وذاكر، فـله سبحانه {يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15]، وله سبحانه {أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83]، و{يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41]، فينجلي الكمال الإلهي ويتراءى للخلق صورة كمالية فيها كمال قوته وجبروته وقهره وسموّ أسمائه وعلوّ صفاته سبحانه بإبداء هذا الخضوع التام من كلِّ المخلوقات.

وبجانب هذه الصورة تبرز صورة جمالية أخرى بوجود الكائن البشري وخضوعه رغبة منه في الله جل وعلا، وهي الصورة التي وصفها المولى سبحانه وتعالى بقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36-38].

فيجعل المولى سبحانه وتعالى غايتَه وعبادته مقصودَه ومراده؛ لا يشغله عن هذه الغاية متاع الحياة الدُّنيا وأموالها، ولا ملهيات النفوس ومشاغلها؛ فهو يخضع لربِّه ويوحِّده سبحانه في عبادته ورغبته ورهبته، ويخلص له ابتهالاته وصلواته، وتتمحَّض له عطاياه وصدقاته، بل حياته ومماته يجعلها لمولاه وخالقه سبحانه وتعالى؛ {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161-163].

هكذا يلوح لكلِّ ناظرٍ كمال هذه الصور الجمالية البديعة، خلقٌ ينصاعون لمولاهم ولا خيار لهم إلا ذلك، وخلقٌ يوحِّدون ربَّهم بالطاعة مع أن لهم خيارًا غير ذلك؛ لأنَّ مولاهم هو المستحقُّ والجدير بالعبادة لا ند له في ذلك.

بل فطرتنا هي من تنادينا بالانصياع له سبحانه وتوحيده بالخضوع والطاعة كما قلنا؛ كيف لا وهو خالقنا ورازقنا ومدبِّر شئوننا؟! كيف لا وهو الغني الكريم الغفور الرحيم العدل الحكيم؟! كيف لا ورحمته وسعت كل شيء ولا يفلت من عدله شيء؟! كيف لا وهو يحب التوَّابين والمتطهِّرين ويعفو عنهم ولو بلغت أخطاؤهم ما بلغت؟! كيف لا وإن أقبلنا عليه نمشي أتانا هرولة؟! من له كلُّ هذه الكمالات والعطاءات أفلا يجب علينا أن نطيعه ونخضع له دون أن نسوِّي به غيره؟!

ويتلو تلك الصور البديعة إبداع أجمل وأحسن منها، إبداعٌ يبدي للخلائق كمال صفات خالقهم سبحانه وتعالى، فحين يُخلص الإنسان لربِّه قوله وفعله وحياته ومماته يمنُّ عليه المولى سبحانه وتعالى بالعفو وطيب النفحات، ويغدق عليه شآبيب البهجة والرحمات، ويغمره في نعيم الجنات؛ فينجلي للعالمين جميل صفاته سبحانه من الإحسان والمحبة والامتنان والرحمة واللطف والكرامة.

وإن أخطأ وزلَّت قدم ذلك الإنسان، وأغوته الشهوات والشياطين، ناداه مولاه ليؤوب ويرجع من غيِّه ويعود لوعيه ويتوب إلى ربه ويوحد مولاه بالطاعة والعبادة، فإن تاب تاب الله تعالى عليه، وانكشف للخلائق كمال عفوه ومغفرته، وتوبته ورحمته سبحانه وتعالى.

وإن تمادى في غيِّه وأعرض عن خالقه ومولاه وكفر بربِّه وأساء جازاه سبحانه وتعالى، فتبدَّى للناظرين كمال عدله وحكمته سبحانه وتعالى.

والله سبحانه وتعالى غنيُّ حميدٌ، لا حاجة له في عبادة العبد ولا خضوعه، فلا تزيده طاعة الطائعين، ولا تنقصه معصية العاصين([8])، وإنما العبد هو من يُخلص لمولاه ويوحّده بالطاعة والعبادة؛ لحاجته هو إلى خالقه ورازقه، ولاستحقاق مولاه ذلك وحده لا شريك له، وليتبوأ المنزلة الشريفة التي شرَّفه ربُّه بها، ويتسنَّم المجد بأداء الأمانة التي اختصّه الله عن الخلائق بتحمُّلها، وبه كرَّمه وفضَّله على كثير إن لم يكن على المخلوقات كلِّها.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 70-73].

يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: “الطاعة عرضها عليها قبل أن يعرضها على آدم، فلم تطقها، فقال لآدم: يا آدم إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال، فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ فقال: يا ربK وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحملها…”([9]).

وظهور هذا الكمال لله تعالى ليس مفتقرًا إلى وجود الإنسان أو محتاجًا إليه، ولكن كمال المولى سبحانه وتعالى يترتب عليه ظهور آثار كمالاته على الإنسان من غير حاجة لذلك الإنسان، ألا ترى إلى الشمس كيف يظهر أثر نورها على الخلق دون حاجة منها لتلك الخلائق؟! ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى.

إذن الغاية من وجود الإنسان هي توحيد الله سبحانه وتعالى بجميع ما هو متفرِّدٌ به سبحانه، بدءًا بتوحيده في ربوبيته، ثم توحيده في أسمائه وصفاته، وانتهاءً بتوحيده في ألوهيته وعبادته التي هي الغاية العظمى.

وكما أن هذه الغاية شرعية ومتناغمة مع فطرة الإنسان، فهي كذلك أيضًا متناغمة مع خلق الله تعالى وقضائه وتقديره، فالله الذي خلق وقدر وهدى هو الذي شرَّع وأمر ونهى، وكيف لا يتوافق أمره وقدره سبحانه وتعالى؟! قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1، 2].

فالذي أنزل الفرقان وأمر بالتوحيد والإيمان هو الذي خلق الكون والإنسان، وأنى له أن يتناقض؟! ولا إخالك تجد فلسفةً أو منهجًا فكريًّا مترابطَ الأجزاء متلاحمَ الأطراف متناغمًا مع الإنسان والإله والوجود والحياة كهذا المنهج الفكري الإسلامي.

فإذا كان الإنسان غائيًّا بالطبع، وكان التوحيد هو الغاية التي خلق الله لها الإنسان، فهل في غائيَّته الفطرية تلك دلالة على هذه الغاية التي خُلق لها؟

أجملنا الجواب على هذا السؤال فيما سبق، وسنفصِّله فيما يلي من السُّطور.

دلالة دليل الغائية على توحيد المعرفة والإثبات:

لا يُعرف أحدٌ يزعم أنه يملك شيئًا من خصائص الله تعالى الربوبية، فلا أحد من الخلق يدَّعي أنه خالق الكون، أو أن بيده ملك السماوات والأرض، أو أنه المدبِّر لهذا العالم، ولا يكاد يفتري أحد هذه الفرية إلا سَخِر منه عامة البشر فضلًا عن عقلائهم.

وحتى الذين أشركوا بالله تعالى غيره من الأنداد والمعبودات لا يعتقدون في معبوداتهم أنهم يتصفون بهذه الصفات غالبًا، وإنما يعبدونهم على قاعدة: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].

ذلك أن الإنسان يوقن بفطرته أن هذه الصفات (كمال الخلق والملك والتدبير) إنما هي من خصائص الإله سبحانه وتعالى، وأنه متفردٌ بها سبحانه.

وهذا هو المقصود بتوحيد المعرفة والإثبات: إفراد الله تعالى بأفعاله (الخلق والملك والتدبير)، ويسمِّيه بعض العلماء: التوحيد العلمي: وبعضهم الآخر: التوحيد الخبري، وثالث: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. ولا مشاحة في التسمية ما دام المعنى واضحًا، فجميعها تدلُّ على إفراد الله تعالى بخصائصه تلك.

إذن وجود الله تعالى والإقرار بربوبيته أمر فطريٌّ في نفس الإنسان منذ ولادته([10])، فقد خلقه المولى سبحانه وتعالى وهيَّأه وأودع فيه قوةً واستعدادًا به يعرف ربَّه سبحانه ويقرُّ بربوبيته دون أن يعلِّمه ذلك أحد، أو دون سبب خارجي كما يحلو لبعضهم أن يعبِّر، تمامًا كفطرية معرفة الطفل لارتضاع ثدي أمه ومصِّ الحليب منه دون تعليم ودون سبب خارجي.

يقول تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] أي: “لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها؛ فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره”([11])، وقد “أجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بالفطرة الإسلام”([12])، فالإنسان يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيِّئ لقبول الدين([13])، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟!))([14]).

ولهذا لم يفصِّل نبيُّ الله يوسفُ عليه السلام النقاش ولم يكثر من الاحتجاج في هذه القضية الفطرية، بل اكتفى بإيقاظ الفطرة وتذكير الإنسان وإثارة التساؤلات حولها حيث قال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39].

ودلائل هذا النوع من التوحيد متنوعة متعدِّدة، وعليه ينبني توحيد الألوهية الذي هو الغاية من الخلق، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: “وإذ كان توحيد الربوبية -الذي يجعله هؤلاء النظار ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد- داخلًا في التوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، فليُعلم أن دلائله متعددة؛ كدلائل إثبات الصانع ودلائل صدق الرسول؛ فإن العلم كلما كان الناس إليه أحوج كانت أدلته أظهر وأكثر، رحمة من الله لخلقه. والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل، وما بعد الحق إلا الضلال، وما كان من المقدمات معلوما ضروريا متفقا عليها استدل بها ولم يحتج أن يستدل عليها، والطريق الفصيحة في البيان أن تحذف في الكلام للعلم بها، وهي طريقة القرآن، بخلاف ما يدعيه الجهال الذين يظنون أنه ليس في القرآن الطريقة البرهانية”([15]).

وكما فُطر الإنسان على الإيمان بوجود إله وبربوبيته وأن ذلك لا يكون إلا لله، فقد فُطر أيضًا على الغائية، فهو ولا شك مريد ولا مناص من أن يكون له مراد، وغائيَّته تدفعه إلى أن يبحث عن أكمل المرادات، وذلك لله سبحانه وتعالى؛ فيسقي الميزابان الفطريَّان شجرة التوحيد، وتلتقي الفطرتان على قنطرة الدين والإيمان بالله، حيث إن الغائية تدفعه إلى البحث عن الأعلى والأكمل، وليس هناك ما هو أعلى ولا أكمل من الله سبحانه وتعالى، كما أن فطرته تدفعه للاعتراف بخالقه وإلهه.

فلو خير الإنسان بين هدفين وغايتين اختار الأسمى منهما غاية والأعلى بفطرته الغائية، هكذا هي طبيعته تدعوه إلى أن تكون له غاية نبيلة، وإلى أن تكون غايته أعلى الغايات وأكملها، فلو خيِّر بين كريمين عرف أحدهما بالكرم لأبعد الحدود البشرية الممكنة وآخر ليس بذاك، فمن سيختار؟ إن غائيته وحبُّه للكمال يدعوانه لاختيار أعلاهما كرمًا ولا شك. ولو خيِّر بين عظيمين أحدهما أعظم من الآخر فمن سيختار؟ لا شك أنه سيختار الأعظم منهما.

وكذا الحال لو خيِّر بين نعيمين، نعيم من بشر مثله محدود القدرات، وآخر من الكريم الرحيم المنان الذي لا منتهى لكرمه، بل وسعت رحمته كل شيء، فلا شك أن الإنسان سيختار لنفسه النعيم الأكمل.

فكيف بمن يملك جنةً عرضها السماوات والأرض، ونعيمها سرمدي لا ينفد، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها أنهار الماء واللبن والعسل والشراب، بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فماذا سيختار حينئذٍ؟ أيستبدل الأدنى بالذي هو خير؟! لا شك أن الإنسان السويّ الذي يبحث عن الغايات العليا سيختار الأكمل والأعلى.

وهذا ما نجده متكررًا في القرآن الكريم في سجالاته ونقاشاته، ينبِّه الإنسان إلى أن غائيته تدعوه لاختيار الأعلى والأكمل، وأن الله سبحانه وتعالى هو الأعلى والأكمل، وأنه متفرد بذلك الكمال والجلال لا نظير له في ذلك، فضلًا عن أن يكون له ندّ؛ يقول تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31، 32]، ويقول تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 61-63].

إذن الغائية الإنسانية لا بد لها من منتهى كما ذكرنا، منتهى له ملك السموات والأرض وما بينهما، مرغوبٍ يخلق ما يشاء ويختار، مقصودٍ إذا قال للشيء: كن يكون، مراد له الكمال المطلق في الملك والخلق والتدبير، وذلك لا يمكن أن يكون إلا الله الواحد الأحد سبحانه وتعالى كما قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].

هذا إن تأملنا وتعمَّقنا في هذا الدليل من الناحية الإيجابية، وإذا ما نظرنا إلى الوراء وتأمَّلنا حال من أعرض عن هذه الغائية الفطرية، وتنكَّب في دركات الانتكاس والغيِّ والضلالة، ماذا ستكون غايته ومراده؟! أهي عبادة بشرٍ مثله محدود القدرات ناقص الكمال؟! أم عبادة البقر والعجل والبهائم والعورات والجمادات؟! أم السعي وراء كَذَبةِ الصكوك الغفرانية أو سدنة الخرافات وحجبة الأصنام؟!

إن من لم يعرف الله حق المعرفة لا محالة سيعيش في أعفن أوحال البشرية وأدنى الأحوال البهيمية، هذا إن عاش سليم الفطرة مؤمنًا بغائيَّته، وأما من تلطَّخت فطرته وتنجَّست وتنكَّست، وتخلَّى عن هويته في هذه الحياة وقيمته، فيرى نفسه والقاذورات سواء، ليس هذا اندفاعًا وتهكُّمًا أو تهجُّمًا فوضويًّا كما قد يبدو، ولكنَّها الحقيقة المرَّة التي لا يكترثون عن التصريح بها!! يقول (ستيفن هوكنج): “الإنسان مجرد وسَخ كيميائي موجودٍ على كوكب متوسط الحجم”([16]).

ولكن حين تحين لحظة النهاية، ويعلم الموت والإله علم اليقين، يندم على ما فات منه، ويناقض ما كان ينظِّر له في حال قوته ومكنته، وهذا (فولتير) أحد أشهر الملحدين جزع جدًّا عند موته، حتى قالت ممرضته: “ﻟﻮ ﺃﻋﻄﻴﺖ ﻛﻞ ﺃﻣﻮﺍﻝ ﺃﻭﺭوﺑﺎ ﻓﻼ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﺭﻯ ﺷﺨﺼًﺎ ﻣﻠﺤﺪًﺍ ﻋﺎﻧﻰ ﻣﺜﻠﻪ، ﻭﻛﺎﻥ ﻳﺼﻴﺢ ﻃﻮﺍﻝ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻃﻠﺒﺎ ﻟﻠﻤﻐﻔﺮﺓ”، وﻗﺎﻝ لطبيبه المعالج (ﻓﻮﺷﻴﻦ): “لقد أهملني ﺍﻟﺮﺏ ﻭﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﺳﺄﻋﻄﻴﻚ ﻧﺼﻒ ﻣﺎ ﻋﻨﺪﻱ ﺇﺫﺍ ﺃﺑﻘﻴﺘﻨﻲ ﺣﻴًﺎ ﻟﺴﺘﺔ ﺃﺷﻬﺮ، ﺃﻧﺎ ﻣﻴﺖ ﻭﺳﺄﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﺤﻴﻢ”([17]).

ومن هنا نجد أن الموت عند من يعرض عن هذه الغائية وعن الإقرار بالربوبية وينكر وجود الله سبحانه معضلة المعضلات وأخوف المخاوف، وهو السؤال المعجز بالنسبة لهم.

ومات من مات من الملاحدة وما زالت تزعزعه الشكوك ويؤنبه ضميره وتراوده نفسه بهذه الأسئلة: هل من إله؟ هل من غاية لوجودنا؟ لماذا نموت؟ ولا يزال يعيش حالة الشك والتردد والحيرة والاضطراب حتى يموت!!([18]).

وقد عرض القرآن الكريم هاتين الصورتين الإيجابية والسلبية في آية واحدة، حيث قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38]، فالغائية الإنسانية تناديه أن يذعن لخالق الكون ومالكه الذي يملك ضره ونفعه، ولا تُذعن لمن لا يملك ذلك، بل ولا يملك دفع ضر أو جلب نفع ولو دقّ.

فتأمل -أيها العاقل- فيمن حولك، ما غاية أولئك الذين يُعرضون عن الله تعالى وتفكَّر، هل تلك الغايات أولى بك وبمستواك الإنساني الكريم؟ أم الحياة الطيبة الكريمة التي اختارها لعباده وأصفيائه الذين جعلوه غايتهم؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

دلالة دليل الغائية على توحيد القصد والطلب:

ترافدت الأدلة وتواطأت على هذا النوع من التوحيد، سواءً الأدلة الخبرية أو العقلية أو الفطرية أو الواقعية الحسية.

ذلك أن توحيد الألوهية أو توحيد القصد والطلب أو التوحيد العملي -كلها بذات المعنى- هو محور دعوة الرُّسل، ولتقريره والدَّعوة إليه أنزلت الكتب، وهو الذي ضلَّ وما زال يضلُّ فيه عامَّة البشرية مذ قوم نوح عليه السلام، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة.

فهذا هو معناها، وأهم لفظة في كلمة التوحيد -بل أهمها وأعظمها في الوجود- (الله) توحي إلينا بهذا المعنى لتوحيد الألوهية، فإنه مشتق من أله يأله إلاهة أي: عبادةً؛ ولذا قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن لفظ الجلالة: “الله: ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين”([19]).

وقال فيه أبو جعفر الطبري: “وأما تأويل قول الله تعالى ذكره: (الله)، فإنه على معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عباس: هو الذي يَألَهه كل شيء، ويعبده كل خلقٍ”([20]).

وليس هذا مجال الخوض في تفاصيل توحيد الألوهية، ولكننا نريد تسليط عدسة البحث على دلالة دليل الغائية عليه، فهو محل حديثنا، فالإنسان كما ذكرنا غائي بالطبع، ولا بد له من مرادٍ وغاية ومحبوب ومرهوب إليه المنتهى، فكل المرادات الدُّونية ليست مرادةً لنفسها بل لغيرها، فمثلًا أصحاب التجارات والمحلات يكدُّ ليله ونهاره، هل هو لذات المحلِّ؟ بالتأكيد لا، ولكن ليجمع المال، إذن المال هو المراد، للأسف لا، ولكن ما وراء المال، مثل الزواج وشراء ممتلكات كالسيارة، إذن السيارة هي المقصود، ولكن الجواب: لا، وهكذا هلم جرًّا.

إذن كلُّ مرادٍ للإنسان هو مرادٌ لغيره، ولا بد أن تنتهي تلك المرادات إلى مرادٍ لنفسه، تجتمع فيه الفضائل والكمالات، وذلك لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الإنسان، وذاك دافعٌ لأن يكون هو غايته ومقصوده، وهو سبحانه مالك السموات والأرض وما بينهما وذاك دافعٌ لأن يكون هو غايته ومقصوده، وهو سبحانه بيده النفع والضر، والإنعام والهداية، وكلها دوافعُ لأن يكون هو غايته ومقصوده، فماذا لو اجتمعت فيه كلُّ تلك الصفات على وجه الكمال والتمام -سبحانه من عظيم لا تضاهى عظمته-، أفلا يستحق منا أن نجعله غايتنا ونفرد له خضوعنا وابتهالنا وعبادتنا؟!

هذا مثال يوضِّح دلالة الغائية على توحيد الألوهية، وإليك مثال أكثر واقعية: ألا ترى أن كلَّ إنسان له محبوبات معينة يحبُّها، وله من بين تلك المحبوبات محبوبٌ هو أعظم حبًّا لها، فهو يكرمه ويجلُّه ويحترمه، وقد يبذل أغلى ما يملك ليرضيه؛ إذ هذا المحبوب هو غايته. ولكن ما الدوافع لهذا الحب والتقدير؟! وما الدافع لأن يكون هذا الأخير أشد حبًّا من غيره؟! سبق إحسان، مبالغة في إنعام، معاونته له في عمل أو تجارة، دلالته على خير أو نفع.

فما من دافعٍ من تلك الدوافع إلا والله سبحانه وتعالى له كمال المنَّة على الإنسان بمثلها بل وأعظم. فالله سبحانه هو الخالق للإنسان والموجد وكفى به دافعًا، وهو المنعم عليه بل ومغدقٌ عليه بالنعم، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]، وهو المولى والمعين، بل {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40]، وهو الهادي سبحانه إلى الصراط المستقيم.

أفلا يستحقُّ منَّا أن نجعله غايتنا وأن نفرده بالعبادة سبحانه؟!

وهذا ما نلحظه في القرآن الكريم حين يأتي لهذه القضية، فيسرد الدوافع التي تدفع إلى جعله سبحانه وتعالى غاية الغايات، وتوحيده بالمحبة والخوف والرجاء؛ فحينًا يمتنُّ سبحانه بخلقه للإنسان وأنه من أهم دوافع توحيده؛ كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، وقوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 101-102]، وقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6]، وتارة يبرز مننه وفضائله على الإنسان؛ إذ هي من أهم دوافع محبته والرغبة فيه والرهبة من منعها، كقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 61-65].

يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: “والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد [أي: توحيد الألوهية]، ويبين أنه لا خالق غير الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلًا على الثاني؛ إذ كانوا يسلمون الأول وينازعون في الثاني؛ فبين لهم سبحانه أنه إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله، وهو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، لا شريك له في ذلك، فلماذا تعبدون غيره؟ وتجعلون معه آلهة أخرى؟ كقوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النمل: 59-61]، يقول تعالى: أإله مع الله فعل هذا؟! وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج بذلك عليهم، وليس المعنى أنه استفهام: هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم؛ فإن المعنى لا يناسب سياق الكلام”([21]).

ولكنَّ المحب قد يقول: لم أجعله غايتي ولم أهبه أنامل حبِّي لشيءٍ مما ذكرت، ولكن لجماله وكماله في طلعته ومُحيَّاه أو دلِّه وسَمته.

فالجواب: إن كان كذلك فالله سبحانه وتعالى أولى؛ إذ ما من كمال لمخلوق إلا والله سبحانه وتعالى متَّصفٌ به، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو أجمل وأفضل ما يمكن للإنسان أن يتحدث أو يقرأ أو يكتب عنه، جميل يحب الجمال، له نعوت الكمال والجلال، لا يحصي أحدٌ عليه ثناءً، ولا تكاد تمرُّ سورة من سور القرآن إلا دلتك على كمال من كمالاته. وكيف يصحُّ أن يكون إلهًا وفيه نقص أو عجز أو عيب؟! بل له المثل الأعلى في كلِّ شيء، وما من كمال لمخلوق إلا وهو أولى به؛ لأنه خالقه، ولأنه واهبه.

ولذا نجد عامة علماء السلف حين فسَّروا المثل الأعلى فسروه بالتوحيد، قال قتادة في معنى قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] قال: “شهادة أن لا إله إلا الله”، وفي رواية: “الإخلاص والتوحيد”. وقال ابن جرير رحمه الله: “وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره”([22]).

يقول ابن القيم رحمه الله: “فمثل السوء لعادم صفات الكمال؛ ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده وكلامه وحكمته؛ لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملا؛ وهي الإيمان والعلم والمعرفة واليقين والعبادة لله والتوكل عليه والإنابة إليه والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والصبر والرضا والشكر وغير ذلك من الصفات التي اتصف بها من آمن بالآخرة، فلما سلبت تلك الصفات عنهم -وهي صفات كمال- صار لهم مثل السوء… وضده المثل الأعلى وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره، ولما كان الرب تعالى هو الأعلى ووجهه الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وبصره وسائر صفاته عليا كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه”([23]).

وكثيرًا ما يورد القرآن هذا الدافع ليستدل به على أن الله سبحانه أولى بأن يكون غاية كل إنسان، بل وألا تكون للناس غاية نهائية غيره سبحانه وتعالى؛ لأنه لا مثيل له ولا سميَّ له سبحانه، يقول تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، فهذه الآية جمعت بين الدوافع السابقة وهذه الدوافع، فبيَّنت أنه هو الخالق والمدبِّر للسموات والأرض وما بينهما، فهو أولى بأن يرغب فيه ويرهب منه ويعبد وحده دون ما سواه، ثم أضاف إلى هذا المعنى كونه سبحانه وتعالى في أعلى مراتب الجمال والكمال، فلا سميَّ له ولا نظير له فضلًا عن أن يكون له ند، ولذا فهو أولى بأن يكون مقصود البشرية جمعاء، وأن يوحِّدوه بالعبادة.

ومن الآيات التي استخدمت هذا الدافع للدلالة على توحيده بالقصد والطلب قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180]، فنبَّهت على تفرده سبحانه بالأسماء الحسنى، وأن تفرُّده بذلك دافعٌ لإفراده سبحانه بالعبادة.

ومنها الآية التي مرت معنا وهي قوله تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 61-65]، فله الكمال في الحياة والوجود، فهو موجود قبل كل وجود، وهو مصدر كل وجود، فأنى يشرك به غيره في القصد والطلب؟!

ولو فعلنا ما فعلنا في التوحيد العلمي، ومشينا القهقرى، ونظرنا إلى الوراء، وتأمَّلنا حال من لم يجعل الله سبحانه وتعالى غايته في المحبة والخوف والرجاء والعبادة، كيف كانت أحوالهم؟ وما هي غاياتهم؟

لا أحد في هذه الحياة يعيش بلا غاية، فمن لم يجعل الله غايته ومقصوده، فلا محالة سيتخذ من غيره غاية ومعبودًا له، وتأمل فيمن حولك من البشرية وانظر ماذا ترى.

فمن كان فيه تألُّه اتخذ من البهائم والعجماوات غايته، أو عبد الأحجار والأشجار والأبقار، أو تذلل للعورات والنجاسات، أو انساق وراء بائعي التوبة والمغفرة!!

ومن أعرض عن التأله والعبادة، وجعل الدنيا غايته، فهو إما من خُزَّان الأموال الفانية، إن أعطوا رضوا، وإن لم يعطوا حكموا على حياتهم وعلى الدنيا بالبوار، وهذا حالهم، لا يهنأ لهم نوم ولا تدوم لهم مسرة.

وإما من المحتفين بالحياة البهيمية، جوعى لاهثين وراء الملذات والشهوات، لا يأبهون بظلم أو بغي، ولا تعرف عقولهم برهانًا ولا حجة.

وهذا حال من ترك الغاية الإلهية التي كتبها الله وخلق لها الإنسان؛ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

يصف ابن تيمية رحمه الله حال من أعرض عن تلك الغاية وهي توحيد الألوهية؛ فيقول: “ولما كان قول هؤلاء مستلزمًا لتعطيل الخالق تعالى؛ ولم يكن عامَّتهم يهتدون إلى هذا التلازم، صاروا بين أمرين: إما أن يعطلوا العبادة، ويغلب عليهم الغي واتباع الشهوات، وإما أن تكون فيهم عبادة وتأله، وإذا صار فيهم عبادة وتأله، فالغالب عليهم الشرك بعبادة غير الله تعالى؛ تارة يعبدون سببًا معيَّنًا من المخلوقات، إما مع القول بالحلول والاتحاد فيه، وإما بدون ذلك، وتارة يقولون بالحلول والاتحاد في جميع المخلوقات”([24]).

إذن، فالله سبحانه وتعالى تضافرت الدَّوافع واجتمعت على جعله منتهى الغايات لأفعال الإنسان ومقاصده؛ مما يدعو إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، فهو مبتدأ الإنسان في وجوده، ثم في علمه، ثم هو سبحانه مالكه ومدبر شئونه في هذه الحياة، ثم إليه المرجع والمصير، وعنده الحساب والجزاء.

فإن لم يكن هذا غاية الإنسان العاقل، فمن سيكون؟!

إذن الغائية الفطرية تدل الإنسان وتدفعه إلى أن يؤمن بالله سبحانه وتعالى بوجوده وربوبيته، وكذلك تدفعه وتدله إلى إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة.

ويلخص ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا الدليل الذي أطلنا الحديث عنه حيث يقول: “وينظم هذا اسم الإنسان؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((أصدق الأسماء الحارث وهمَّام))([25]). فكل إنسان حارث أي: كاسب عامل، وهو همَّام: كثير الهمِّ، الذي هو مبدأ الإرادة، وهو -كما يقال- متحرك بالإرادة، فكل إنسان لا بدَّ له من العمل بإرادته، ولا بد للإرادة من مراد، والشيء إمَّا أن يراد لنفسه وإما يراد لغيره، وما أريد لغيره فذلك الغير إما أن يكون مرادًا لنفسه، وإما أن يكون مرادًا لغيره، والتسلسل في العلل ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء، سواء كانت العلة فاعلية أو غائية، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى مراد لنفسه. ولا يصلح أن يكون غير الله مرادًا مقصودًا لنفسه، كما لا يكون غيره موجودًا بنفسه، بل وحدانيته واجبة في كونه ربًّا خالقًا، وفي كونه إلها معبودًا، فمن لم يكن الله معبوده الذي هو غاية مراده، فلا بد أن يعبد ما سواه، فيكون ذلك مراده، وحينئذ فيكون فاسد الإرادة، فاسد العمل، يضره ذلك ولا ينفعه، وهذا مما يبين بعض معنى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]”([26]).

الخاتمة:

الإنسان غائيٌّ بالطبع، والله سبحانه وتعالى أعلى وأكمل من كل غاية، فحريٌّ بالإنسان أن يجعل الله غايته، في معارفه وعلومه، وفي أعماله وطلبه وقصده؛ فيجعل له صلاته ونسكه ومحياه ومماته؛ {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161-163].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر الرابط: https://islamstory.com/ar/artical/388/.

([2]) أخرجه أبو داود برقم (4952)، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (19032)، وصححه الألباني.

([3]) الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان للدكتور عبد الوهاب المسيري (12).

([4]) نقلا عن الفيلسوف الأمريكي جون هولت، في حديث له على منصة (TED) بعنوان: (لماذا الكون موجود؟) https://www.youtube.com/watch?v=QXIRs8ZPibI.

([5]) صحيح مسلم (1).

([6]) صحيح البخاري (8).

([7]) صحيح البخاري (25).

([8]) كما في الحديث القدسيِّ الذي أخرجه مسلم (2577) إذ يقول الله تعالى: ((يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئا…)).

([9]) ينظر: تفسير الطبري (20/ 338).

([10]) ولمركز سلف للبحوث والدراسات مقال حول هذه القضية بعنوان: المتكلمون وفطرية معرفة الله، ينظر في الرابط: https://salafcenter.org/496/.

([11]) تفسير ابن كثير (6/ 313).

([12]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (18/ 72).

([13]) في تعريف الفطرة أقوال للعلماء، وما ذكرته هو مذهب عامة السلف وعامة أهل التأويل في تفسير آية الروم، ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 208)، درء تعارض العقل والنقل (3/ 303)، شفاء العليل (ص: 478)، فتح الباري لابن حجر (3/ 248). وهو المتفق مع اللغة أيضا، ينظر: مقاييس اللغة (4/510)، لسان العرب: مادة “فطر” (5/ 55- 56)، تاج العروس (13/ 325- 326).

([14]) صحيح البخاري (1359) ومسلم (6926).

([15]) شرح العقيدة الأصفهانية (ص: 133).

([16])The Goldilocks Enigma: 251، نقلا عن: شموع النهار لعبد الله العجيري (ص: 59).

([17]) العقل والإيمان، نورمن أندرسون، طبعة 1955م (ص: 101، 102) نقلًا عن:

أشد ما يقلق الإنسانالملحد هو لحظة الموت وأكبر عقبة في حياته مشكلة الموت حتى أنه قد يلجأ للانتحار للتخلص من رهبة هذه…

Geplaatst door ‎إنهيار الدارونية‎ op zondag 10 november 2013

([18]) ينظر: https://www.youtube.com/watch?v=-K2sHB-Nyvk.

([19]) ينظر: جامع البيان (1/ 123).

([20]) جامع البيان (1/ 122).

([21]) شرح العقيدة الأصفهانية (ص: 132).

([22]) جامع البيان (17/ 229)

([23]) الصواعق المرسلة (3/ 1031).

([24]) شرح العقيدة الأصفهانية (ص: 114).

([25]) أورده ابن تيمية بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود برقم (4952) بلفظ: ((تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة))، وكذلك أخرجه الإمام أحمد (19032)، وصححه الألباني.

([26]) شرح العقيدة الأصفهانية (ص:114) وما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

ترجمة العالم الواعظ المعمَّر أبو بكر الجزائري (رحمه الله تعالى )

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري. والشيخ من بني هلال أحد القبائل العربية والتي خرجت من الجزيرة العربية واستقرت في إفريقيا واستوطنتها فهو عربي الأصل. مولده: ولد بقرية (لِيوَه) بكسر اللام مع المد وفتح الواو ثم بعدها هاء وهي قرية زراعية من […]

الإجماع والمنهج السلفي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه واستن بسنته إلى يوم الدين وبعد.. في إطار الهجوم المنظَّم على السَّلفية، وعلى دعوتها إلى التمسك بالكتاب والسنة، وردِّ كل نزاع إليهما: اتُّهمت السَّلفية أنها لا تعتد بإجماع علماء المسلمين، وزكَّى هذا الاتهام أن بعضًا من علمائها قد […]

المُحْكَماتُ الشرعيّة وأهميتها في معالجة النوازل

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. جاء القرآن لبيان الحق وهداية الخلق، وهذا البيان مستغرق لحاجات الناس وما نزل بهم من نوازل وأحكام، فالقارئ للشريعة يدرك أنها مستوعبة لحياة الفرد والمجتمع، وهذا الاستيعاب يتم عبر آليات منضبطة ومحكمة هي أصول الفقه، […]

القطعي والظني: مناقشة في المفهوم والإشكالات

لا شك أن تجاذبات التعاريف لها دور كبير في تشكيل المفاهيم، سواء كانت خاطئة أو مصيبة، وقد نال مفهوم الدليل حظًّا كبيرًا من الخلط، وذلك راجع إلى الاعتبارات المتعدِّدة للدليل، فهو باعتبارِ الشمول من عدمه ينقسم إلى إجمالي وتفصيليّ: فالإجمالي: هو الذي لم يُعيَّن فيه شيء خاصّ، وهذا ينطبق على سائر القواعد الأصوليّة كقولنا: الأمر […]

تحريرُ حكمِ المعازِفِ عندَ السلَفِ والأئمةِ الأربعة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة فإن الحاجة ملحة في هذه الآونة لبيان وتحرير أقوال الأئمة في حكم المعازف، خاصة مع انتشار التشويش على الناس بحلها، تارة بجعل وقوع الخلاف في المسألة -أيًّا كانت درجته وقوته- دليلًا، فلا تكاد تثار مسألة علمية إلا ويخرج علينا من يروِّج إلى التحلل منها؛ محتجًا بأن في المسألة خلاف […]

مكِيْدَةُ الشِّقاقِ بين السلف وآل البيت!!

محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولايتهم، من أبرز سمات السلف الكرام -من الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين- لذا كانوا من أشد الناس حرصًا على حفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم؛ حيث قال -في خطبته بماء خُمٍّ([1])-:«أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ […]

علم الكلام بين السّلف والخلف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد: تمثل الثقافة المستوردة من غير المسلمين والعلوم الأجنبية عن الشريعة إشكاليةً في منهجية التعاطي معها من حيث التمييز بين شيئين: الأول: ما هو من قبيل العلوم والمعارف الإنسانية المشتركة التي ما زالت الأمم تتقارضها مع […]

قرائن الأحوال وأهميتها في الأحكام الشرعية

ينبني الفقه الإسلامي على مجموعةٍ من القواعد والضوابط تنظِّم العقلية العلمية للمفتي في الأحكام الشرعية والقاضي بها، ومن هذه القواعد نصوصٌ شرعيّة تدلّ على الحكم بذاتها وتفيده، كما أن منها قضايا اعتبرها الشارع في أبواب معيّنة، وجعلها علامةً على الحكم، ونزَّلها منزلة الدليل أو البيّنة، وغالبًا ما تكون هذه القضايا متعلقةٌ بتصرفات المكلفين وما تدلّ […]

شبهات النصارى حول مريم عليها السلام والجواب عنها

شخصيّة مريم عليها السلام شخصية محوريّة في الإسلام والنصرانية، لا يمكن لأيّ شخص تجاوزها، وقد أُفردَت قصَّتها في القرآن الكريم في سورة كاملة، وسُمِّيت باسمها، تحدَّثت عن محيطها الأسري، وتفاصيل نشأتها، ومكان كفالتها، ومن تولى تربيتها من قومها، وهي في القرآن شخصية معظَّمة موقَّرة، موصوفة بالعبادة والتُّقى، وهي من سلالة مصطفاة من لدن آدم عليه […]

حفظ الحقوق في الشريعة … “البينات نموذجاً”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. علامة فوقية الإسلام واكتمال شرعه بسطه في قضية الحقوق تحديدًا وتقسيمًا وتعيينًا لطريقة الحفظ، فلم تكن الشريعة الإسلامية لتأتي بنظام متكامل ويكون جانب الحقوق فيها مهملًا أو ثانويًّا، بل حسن حكم الله يظهر في تعيين الحقوق وتوجيه […]

عالمية الشريعة والوحل العلمي للمستشرقين

 نصّ القرآن الكريم على عالمية الرسالة وشمولها، فقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107]. وأصحّ الأقوال أن هذه الرحمة عامة في جميع العالمين: مؤمنين وكفارا ومنافقين، فالمؤمنون حصل لهم به برسالته واتباعه، فناولوا كرامة الدنيا والآخرة، والكفار حصل لهم النفع برفع العذاب العام عن جميع الأمم بعد مبث النبي صلى الله عليه وسلم؛ […]

عرض وتعريف بكتاب (المتروكون ومروياتهم في أصول الكافي)

بسم الله الرحمن الرحيم من نعم الله تعالى أن تكفل بحفظ دينه، فاصطفى له رجالًا أفنوا أعمارهم وبذلوا كل جهدهم في حفظه والدفاع عنه. فابتكرت علوم كثيرة للحفاظ عليه خاصة بما يتعلق بالحديث النبوي الشريف، فمن تلك العلوم على سبيل المثال: علم الرجال، والجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، وغير ذلك من العلوم، فحفظ الله تعالى لنا […]

تعظيم شعائر الله: قضايا المعتقد نموذجًا

أحكام الله الحلال والحرام والمكروه والمندوب والواجب، وكلها محلّ تعظيم من المؤمن إيمانًا صحيحًا، وكلما ضعف تعظيم الأوامر والنواهي في قلب المؤمن ظهر ذلك في سلوكه وحياته؛ ولذا قال نوح لقومه: {مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13]، “أي: لا تعاملونه معاملة من توقّرونه، والتوقير: العظمة، ومنه قوله تعالى: {وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9]، قال الحسن: […]

النشاط الأشعري المعاصر…قراءة في البعد الاجتماعي الديني

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة مقدمة: تعدُّ الظاهرة الدينية من أقدم الظواهر التي عرفها الإنسان في هذه الدنيا، فهي جزء من وجوده، قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]، فالإنسان متديّن بطبعه، وعلى ذلك جبله الله سبحانه، وجعل من الوحي […]

شحرور مُفسداً لا مُفسراً

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله الذي أنزل على عبده الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا، والصلاة والسلام على من أرسله الله تعالى للعالمين هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. وبعد: فقد وضع العلماء قيودًا وذكروا شروطًا للمفسِّر، بين مقلٍّ ومستكثر؛ صيانة من العبث في فهم كلام الله وتفسيره على غير الوجه […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017