الأربعاء - 24 صفر 1441 هـ - 23 أكتوبر 2019 م

قوامة الرجل في المذاهب الأربعة.. ومناقشة الاعتراضات

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

من كمال حكمة الله تعالى وعظيم مِنَّته على عباده أن هيأهم فطرة وخَلقًا لأداء ما خلقهم له، والقيام بما كلفهم به؛ قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]؛ فقد أعطى الله تعالى كل شيء ما يُصلحه، ثم هداه لذلك([1])؛ فكما أن الله تعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى، فقد أعطى كل واحد منهما من المقومات، وهيأ له من الأسباب ما يصلح له ولأداء مهمته والقيام بوظيفته التي أنيطت به.

ومن تأمَّل هذا المعنى وأعطاه حقَّه من التدبر انشرح صدره وانفسح، واستطاع -بحول الله تعالى وتوفيقه- دفع الشبهات التي تثار بين الفينة والأخرى حول علاقة الرجل بالمرأة، وانكشف له وهاء تلك الادعاءات بمظلومية المرأة في التراث الإسلامي.

تلك الدعاوى الجائرة التي تكاثرت في الآونة الأخيرة، وتعاظم خطرها، ومن مضامينها: أن المرأة لم تنل حظها في الإسلام، وأن التراث الإسلامي قد هضمها حقها، ولجأ بعض أصحاب تلك المزاعم إلى تفسير آيات الكتاب العزيز تفسيرًا خاطئًا يتماشى مع شبهاتهم؛ وقد رأينا وسمعنا -في وسائل التواصل المختلفة- من العلمانيين والليبراليين مَن يتعمد إذاعة تلك الدعاوى المضللة، ويسعى في ترويجها ونشرها.

ونظرًا لخطورة تلك الدعوات وعِظم ضررها على الفرد والمجتمع -في العاجل والآجل- جاءت هذه الورقة العلمية؛ لتُسلِّط الضوء على آية في كتاب الله تعالى، لطالما أكثروا من تردادها وحاولوا صرفها عن ظاهرها، وهي قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، وسيتركز بحثنا -إن شاء الله تعالى- على إبراز فهم سلف الأمة وأئمتها الأكارم لهذه الآية المباركة، والجواب عن الشبهات التي أثارها بعضهم حول تفسيرها.

ولعل من المناسب أن نبدأ بتقرير المسلك العدل والمنهج القويم في بيان أهم الوجوه المعينة على الوصول إلى تفسير القرآن الكريم على الوجه الصحيح؛ ليكون ذلك عونًا لنا على فهم الآية الكريمة فهمًا صحيحًا، بعيدًا عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وإعمالًا للقاعدة القرآنية: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]؛ فإن الباطل من العقائد والأفكار والشبهات يُدحض ويزهق ويهلك بالكلية إذا ظهر الحق واستبان أمره([2])، كما قال تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].

أهم الوجوه الموصلة إلى فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا:

يمكن تقسيم آي القرآن الكريم إلى أقسام ثلاثة لمن أراد الوقوف على تفسيرها تفسيرًا صحيحًا بعيدًا عن طرق أهل الغي والضلال([3]):

القسم الأول:

من القرآن الكريم ما لا يوصل إلى تفسيره إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه هو المبلغ عن الله تعالى، والهادي إلى طريقه المستقيم؛ يقول الله تعالى: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، وهذا المعنى قد تكرر في كثير من آي الذكر الحكيم.

يقول شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري (ت 310هـ): “وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره -واجبه ونَدْبِه وإرْشاده-، وصنوفِ نَهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعضَ خَلْقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيه التي لم يُدرَك علمُها إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمَّته، وهذا وجهٌ لا يجوز لأحد القول فيه، إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم له تأويلَه؛ بنصٍّ منه عليه، أو بدلالة قد نصَبها، دالَّةٍ أمَّتَه على تأويله”([4]).

فليتأمل المؤمن قوله: “ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض”، أي: أننا لا يمكننا الوصول إلى معرفة الحقوق التي جعلها الله تعالى لبعض خلقه ومقاديرها -كالحقوق التي جعلها الله تعالى للمرأة على الرجل، أو التي جعلها للرجل على المرأة- إلا من طريق النبي صلى الله عليه وسلم المبيِّن للقرآن، وهذا المعنى من أعظم مقاصد إنزال القرآن الكريم على نبينا محمد -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم-، يقول جل ذكره: {وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64]، ومن حاد عن ذلك فقد افترى، وابتدع قولًا قبيحًا منكرًا.

القسم الثاني:

من القرآن الكريم ما لا يعلم تأويله إلا الله عز وجل؛ كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى ابن مريم، وما أشبه ذلك؛ فإن ميعاد ذلك مما استأثر الله تعالى بعلمه، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها.

القسم الثالث:

من القرآن الكريم ما يعلم تأويلَه كلُّ من له علم باللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم، وذلك مثل إقامة إعرابه، ومعرفة المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها، وليس لهذا القسم دخل في معرفة الأحكام الشرعية ومقاديرها؛ فإنها لا تعرف إلا من طريق النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه كما تقدم.

لذا ينبغي لمن أراد الوقوف على تفسير آية في كتاب الله تعالى على الوجه الصحيح النظر إلى أي قسم من الأقسام السالفة تندرج تلك الآية؛ وبتطبيق ذلك على قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} نجد أن المراد هو البحث عن الحكم الشرعي للقوامة، ولمن تكون تلك القوامة، وما أسبابها الشرعية، ونحو ذلك، وكلها معان تندرج تحت القسم الأول من الأقسام السابقة.

السبب الرئيس وراء ترويج تلك الدعوات الباطلة

يمكن القول بأن السبب الرئيس والشبهة الكبرى التي خرجت من تحت عباءتها شبهات أصحاب دعوات حرية المرأة والسعي في فكاكها من الظلم المدعى عليها هي الوقوع في شِراك تفسير كلام الله تعالى بالرأي والهوى، دون الاستناد إلى منهج صحيح منضبط، يكون له أسس وقواعد يُتحاكم إليها، وقد حذرنا الله تعالى من هذا المسلك المنحرف -أعني: القول على الله تعالى بغير علم- فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، يقول الطبري: “فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل الله إليه بيانه قائلٌ بما لا يعلمُ، وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه؛ لأن القائل فيه بغير علم قائلٌ على الله ما لا علم له به”([5]).

ومن حكمة الله تعالى العليا أن أنزل كتابه بلسان عربي مبين؛ قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-195]، وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]؛ لذا اشترط العلماء لمن أراد التصدي لتفسير آية من كتاب الله تعالى أن يكون عالمـًا باللغة العربية متقنًا لها([6])؛ يقول محمد الزرقاني المالكي (ت 1367هـ): “وقضية عروبته هذه أن يُفهم على قوانين لغة العرب، وإلا فلا يرجى أن يُعقل ما فيه، ولا أن يُفهم ما يحويه؛ وذلك معنى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} بعد قوله: {عَرَبِيًّا}”([7])؛ فانظر -يا رعاك الله- أين موقع ما قالوه من لغة العرب!.

ومن الأمثلة على ذلك -في نفس الآية التي معنا- محاولة د. محمد شحرور صرف لفظ “الضرب” المذكور في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]([8]) عن ظاهره، وتفسيره على غير وجهه الصحيح، ففوجئ بسؤال: لو كان يقصد الضرب بمعنى الضرب كان من الممكن أن يقول ماذا؟! هنا بهت محمد شحرور وأخذ يفكر، ثم قال: لا أدري، لا أدري، وأقر بأنه سؤال وجيه([9])؛ ليعلم القارئ الحصيف وليستيقن بأنه لا برهان ولا دليل لمن يفسر القرآن برأيه وهواه، بعيدًا عن طرائق أهل العلم وقواعدهم، فهو قول مبتدع.

يقول الشاطبي (ت 790هـ): “لا تجد مبتدعًا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي، فينزله على ما وافق عقله وشهوته، وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها؛ قال تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26]، وقال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [المدثر: 31]”([10]).

التفسير الصحيح للآية الكريمة:

يقول تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، والآية الكريمة اشتملت على ثلاثة محاور رئيسة:

المحور الأول: تخصيص الرجال بالقوامة دون النساء.

المحور الثاني: معنى القوامة.

المحور الثالث: أسباب تلك القوامة.

ولنشرع في تفصيل تلك المحاور، وفي طيه مناقشات للشبهات التي أثيرت حولها.

المحور الأول: تخصيص الرجال بالقوامة دون النساء:

قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، فالرجال مبتدأ، وأسند إليهم “قوامون”، أي: أن الرجال يقومون على رعاية مصالح النساء وتدبير شؤونهن.

يقول الراغب الأصبهاني (ت 502هـ): “الرَّجُلُ: مختصّ بالذّكر من الناس”([11])، ويقول أيضًا: “فإنه يعني: بما خصّ به الرّجل من الفضيلة الذّاتيّة له، والفضل الذي أعطيه من المكنة والمال والجاه والقوّة”([12]). فالآية تتناول حكمًا خاصًّا بالرجال دون النساء، وهو مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.

ويقول الألوسي (ت 1270هـ): “واختيار الجملة الاسمية مع صيغة المبالغة [يعني: قَوَّامون]؛ للإيذان بعراقتهم ورسوخهم في الاتصاف بما أسند إليهم”([13]).

وبهذا تدحض الشبهة التي تعلق بها بعضهم من أن القوامة لا تختص بالرجال، يقول د. محمد شحرور: “والرجال جمع رجل، والنساء جمع امرأة، ونحن نعلم أن كل رجل ذكر، وكل امرأة أنثى، لكن العكس غير صحيح؛ فكأنه تعالى يربط القوامة هنا بالقدرات على اختلاف أنواعها، التي تكتمل عند سن الرشد، ويصبح الذكر رجلًا والأنثى امرأة”([14]).

وبالرغم من ضعف تلك الشبهة، وعدم ارتكازها على دليل؛ حيث يبصر القارئ أن د. محمد شحرور قفز إلى النتيجة مباشرة من غير تدليل عليها؛ فقال: “فكأنه تعالى يربط القوامة هنا بالقدرات…”، إلا أننا إنعامًا في دفع تلك الشبهة نورد أقوال العلماء -وخاصة فقهاء المذاهب الأربعة- التي تثبت اختصاص الرجال بالقوامة:

يقول ابن جرير الطبري: “الرجال أهل قيام على نسائهم، في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم”([15]).

ويقول أبو إسحاق الزجاج (ت 311هـ): “الرجُلُ قيِّم على المرأة فيما يجب لها عليه، فأمَّا غير ذلك فلا، ويقال: هذا قيِّمُ المرأة وقِوَامُها، قال الشاعر:

اللَّهُ بيني وبيْن قيِّمها         يفرُّ مِنِّي بها وأتَبع

جعل الله عز وجل ذلك للرجال؛ لفضلهم في العلم والتمييز، ولإنفاقهم أموالهم في المهور وأقوات النساء”([16]).

ويقول أبو بكر الجصاص الحنفي (ت 370هـ): “فدلت الآية على معان، أحدها: تفضيل الرجل على المرأة في المنزلة، وأنه هو الذي يقوم بتدبيرها وتأديبها، وهذا يدل على أن له إمساكها في بيته، ومنعها من الخروج، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية…”([17]).

ويقول القرطبي المالكي: “دلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها”([18]).

ويقول الحافظ ابن كثير الشافعي (ت 774هـ): “أي: الرجل قيم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها، والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجت”([19]) .

ويقول أبو حفص ابن عادل الحنبلي (ت 775هـ): ” النساء لما تكلمن في تفضيل [الله] الرجال عليهن في الميراث؛ بيَّن في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث؛ لأن الرجال قوامون على النساء؛ فهم وإن اشتركوا في استمتاع كل واحد منهم بالآخر، فالله أمر الرجال بالقيام عليهن والنفقة، ودفع المهر إليهن”([20]).

المحور الثاني: معنى القوامة:

معنى القوامة لغة: مأخوذ من القيام على الشيء والحفاظ عليه وإصلاحه؛ يقال: فلان قِوَام أهل بيته، وقِيَام أهل بيته: وهو الذي يقيم شأنهم. وقَيِّم المرأة: زوجها؛ لأنه يقوم بأمرها وما تحتاج إليه([21]).

والقوامة شرعًا: هي ولاية تفويض؛ يفوض للرجل بموجبها القيام بما يصلح شئون المرأة؛ حفظًا لها ورعاية وتدبيرًا لشأنها، ولا يعني ذلك بحال تسلط الرجل على المرأة، ولا الاستبداد عليها أو ظلمها.

يقول أبو عبد الله القرطبي المالكي (ت 671هـ): “وقوَّام فعَّال للمبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية”([22]).

وهذه الولاية ولاية غرم وتكليف على الرجل بتحمل مسئولياته تجاه أسرته، وليست هي ولاية غُنم ومكسب للرجل، يحصل من ورائها الميزات والخصائص، ويعلو بها فوق المرأة، كما أنها تشريف وتكريم وإعزاز للمرأة؛ بأن جعلها الإسلام محوطة بالرعاية والحفظ([23]).

وهذا المعنى قد بينته السنة النبوية المطهرة، وزادته إيضاحًا؛ فقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم كلمة الرعاية للتعبير عن مدى الحفظ والعناية بهذا الأمر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم))([24]). يقول الإمام النووي الشافعي (ت 676هـ): “قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن، الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره؛ قال العلماء: إن كل مَن كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته”([25]).

كما حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم ورغَّب في الوصاية بالنساء؛ فقال: ((استوصوا بالنساء خيرًا))([26])، وجعل الخيرية في أمته تبعًا لمن أحسن إلى أهله -يعني: أسرته وذويه- فقال صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))([27]).

وقد استفاض هذا المعنى واشتهر بين الفقهاء حتى جعلوه قاعدة من مقتضيات الحياة الزوجية؛ يقول أبو العباس القرافي المالكي (ت 684هـ): “قاعدة: من مقتضى الزوجية قيام الرجل على المرأة بالحفظ والصون والتأديب؛ لإصلاح الأخلاق؛ لقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}”([28]).

وهذا المعنى للقوامة مستدام ومستمر ولا ينقطع، وبه تدفع الشبهة التالية.

شبهة الدعوة لإنهاء القوامة:

تقول أمينة السعيد -وهي إحدى المتزعمات لدعوات حرية المرأة ومساواتها بالرجل-: “إن القوامة اليوم لا مبرر لها؛ لأن هذه القوامة مبنية على المزايا التي كان الرجل يتمتع بها في الماضي، في مجال الثقافة والمال، وما دامت المرأة استطاعت اليوم أن تتساوى مع الرجل في كل المجالات فلا مبرر للقوامة”([29]).

الجواب عن هذه الشبهة:

هذا القول باطل، لا أساس له؛ إذ فيه إبطال للنص القرآني من أصله؛ ألا ترى أن قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} جملة اسمية ليس لها تعلق بالزمان، فهي تفيد الثبات وعدم التغير، بمعنى أن الرجال -في الماضي والحاضر والمستقبل- قوامون على النساء، كما حكم الله تعالى بذلك؛ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]؛ فالحكم بقوامة الرجال على النساء مستمر وباق، ولا يتخلف إلا بتخلف أسبابه.

المحور الثالث: أسباب تلك القوامة

وبتفصيل القول في هذا المحور تدفع الشبهة بأن قوامة الرجال على النساء إرساء لقواعد المجتمع الذكوري، أي: الذي يسود فيه الرجل ويتسلط على المرأة.

وحقيقة الأمر ليس كذلك؛ فلم يكن السبب في قوامة الرجل على المرأة هو السعي في إرساء قواعد المجتمع الذكوري -كما يدعيه بعضهم-؛ فإن الله تعالى قد بيَّن السبب في ذلك بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، فقد اشتملت الآية الكريمة على سببين مركبين لا ينفصل أحدهما عن الآخر:

الأول خَلْقي: وهو ما ركبه الله تعالى في خِلقة الرجل مناسبًا لأداء المهام والوظائف التي خلق لها، ولتحمل التكاليف والأعباء التي كلف بها.

والثاني كسبي: وهو ما يبذله الرجل من المهر والنفقة المستمرة على من تحت يده.

يقول ابن الجوزي الحنبلي (ت 597هـ): “قوله تعالى: {بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ} يعني: الرجال على النساء، وفضل الرجل على المرأة بزيادة العقل، وتوفير الحظ في الميراث، والغنيمة، والجمعة، والجماعات، والخلافة، والإمارة، والجهاد، وجعل الطلاق إليه، إلى غير ذلك. وقوله تعالى: {وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ} قال ابن عباس: يعني: المهر والنفقة عليهن”([30]).

إذا تبين هذا: فإن قصر القوامة على أحد السببين دون الثاني مدعاة إلى التشويش والغلط، كما يفتح ذلك بابًا عظيمًا من الفساد والضرر، وبيانه فيما يأتي.

شبهة قصر القوامة على السبب الكسبي دون الخَلْقي

اتجه د. محمد شحرور إلى عدم اختصاص الرجال بالقوامة دون النساء، فقال: “من هنا نرجح أن {بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} تشمل كل الرجال والنساء؛ ليصبح المعنى: بما فضل الله بعض الرجال والنساء على بعض آخر من الرجال والنساء”([31]).

الجواب عن هذه الشبهة:

هذا الكلام غير صحيح، ولم يقل به أحد من أهل العلم؛ وبيان بطلانه من وجوه:

الوجه الأول: تفسير أهل العلم للآية

استفاضت كتب التفسير في بيان المراد بقوله تعالى: {بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}؛ وأن {بَعْضَهُمْ} يعني: الرجال، {عَلَى بَعْضٍ} يعني: النساء؛ يقول البقاعي (ت 885هـ): “بيَّن سببي ذلك بقوله: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ}، أي: الذي له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى، هبة منه وفضلًا من غير كسب {بَعْضَهُمْ} وهم الرجال، في العقل والقوة والشجاعة، ولهذا كان فيهم الأنبياء، والولاة، والإمامة الكبرى، والولاية في النكاح، ونحو ذلك من كل أمر يحتاج إلى فضل قوة في البدن والعقل والدين، {عَلَى بَعْضٍ} يعني: النساء”([32])، وقد اتفق علماء الإسلام على هذا المعنى، ولولا خشية الإطالة لذكرت طائفة من أقوالهم.

الوجه الثاني: بيان القرآن للمعنى الصحيح

يقال لمن يقول بهذا التفسير المبتدع: قد جاء القرآن الكريم بالمعنى الصحيح واضحًا من غير لبس؛ فقال تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]، يقول مجاهد بن جبر في تفسيرها: “فَضْل ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفَضْل ميراثه على ميراثها، وكل ما فضِّل به عليها”([33]).

الوجه الثالث: بيان السنة للمعنى الصحيح

قد أوضحت السنة النبوية السبب الفطري الخلقي الذي اختص الله تعالى به الرجل أبلغ إيضاح، وفيما يأتي بعض الأحاديث الدالة على ذلك:

1- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: ((يا معشر النساء، تصدقن؛ فإني أريتكنَّ أكثر أهل النار))، فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودينٍ أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن))، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: ((أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟!))، قلن: بلى، قال: ((فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟!))، قلن: بلى، قال: ((فذلك من نقصان دينها))([34]).

فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم نقصان عقل المرأة بأن شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، كما نص القرآن الكريم على ذلك؛ فقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282].

كما أوضح صلى الله عليه وسلم نقصان دينها بأنها إذا جاءها الحيض فإن المرأة تمتنع عن الصلاة والصيام([35]).

2- وعن أبي بَكرَةَ رضي الله عنه قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل، بعدما كِدتُ أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))([36]).

وفيه عدم جواز تولية المرأة للولايات العامة كالقضاء ونحوه، والإجماع منعقدٌ على أن المرأة لا تتولى منصب الإمامة الكبرى للأمة، فلا تكون حاكمًا أو رئيسًا للدولة([37])، وقد رام بعضهم تضعيف الحديث والطعن فيه بغير بينة([38]).

ألا فليستبصر المؤمن لدينه؛ وليحذر من تلك الدعوات المغرضة المنادية بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة؛ يقول الشيخ رشيد رضا (ت 1354هـ) -وهو أحد المعاصرين لبواكير تلك الدعوات-: “وما لي لا أذكر من المثل في هذا المقام دعوة كثير من النساء والرجال في مثل هذه البلاد إلى تربية المرأة تربية استقلالية، تساوي بها الرجل في كل شيء، حتى لا يكون فيما عليها في شيء.

سبق الإسلام جميع الملل إلى المساواة بين الرجال والنساء في الشئون الزوجية إلا هذه الدرجة؛ بقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]، وهي الرياسة التي بينها في قوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، فجعل سببها تفضيلهم عليهن بالقوة على الكسب والحماية والدفاع، وما فرض لهن عليهم من المهر والنفقة.

أفرأيت لو أن أفراد المسلمين وحكامهم أقاموا هذه الشريعة؛ فساوى الرجال النساء بأنفسهم في كل شيء، ما عدا رياسة المنزل، وكذا الرياسة العامة: كالإمامة العظمى، وإمامة الصلاة، وكرموهن كما أوصاهم الرسول صلى الله عليه وسلم، أكانت النساء تشعر بالحاجة إلى إعداد أنفسهن للكسب وغيره من أعمال الرجال الشاقة؟! أم يُفضِّلن أن يعشن في هناء وراحة، يتمتعن من كسب الرجال، في ظل كفاتهم وكفالة الشريعة التي تنفذها حكومتهم بما لا يتمتع به الرجال أنفسهم؟!

فإن المرأة تأكل من كسب الرجل ما يأكل، وهي المدبرة لأمر مأكله، ولكنها تفضُلُه بما تلبس من الحلل، وما تتزين به من الحلى، فإن كان ثَمَّ غَبْن فالرجل هو المغبون”([39]).

والله تعالى أسأل أن يحفظ أمتنا من مضلات الفتن وشبهات الغي؛ وصلى الله عليه نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) قاله الحسن البصري، أخرجه عبد الرزاق في التفسير (2/ 372) عنه.

([2]) ينظر: تفسير ابن كثير (5/ 336)، ومحاسن التأويل للقاسمي (7/ 181).

([3]) ينظر: تفسير الطبري (1/ 73-75).

([4]) تفسير الطبري (1/ 74).

([5]) تفسير الطبري (1/ 79).

([6]) ينظر: دراسات في علوم القرآن لفهد الرومي (ص: 169).

([7]) مناهل العرفان في علوم القرآن (2/ 76).

([8]) في مركز سلف مقال يناقش الدعاوى الباطلة حول هذه الآية، وهو بعنوان: قوله تعالى: {واضربوهن} بين التفسير والتحريف، وهذا رابطه: https://salafcenter.org/796/

([9]) من لقاء تلفزيوني نشر بعضه على موقع اليوتيوب، وهذا رابطه:

https://www.youtube.com/watch?v=K9pvWFyx7T8.

([10]) الاعتصام (1/ 234-235).

([11]) المفردات في غريب القرآن (ص: 344).

([12]) المرجع نفسه (ص: 639).

([13]) تفسير الألوسي (3/ 23).

([14]) نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – فقه المرأة (ص: 320).

([15]) تفسير الطبري (8/ 290).

([16]) معاني القرآن وإعرابه (2/ 46- 47).

([17]) أحكام القرآن (3/ 148-149).

([18]) تفسير القرطبي (5/ 169).

([19]) تفسير ابن كثير (2/ 292).

([20]) اللباب في علوم الكتاب (6/ 359).

([21]) الصحاح للجوهري (5/ 2017-2018)، والغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد الهروي (5/ 1595)، ومختار الصحاح لأبي بكر الرازي (ص: 263)، ولسان العرب لابن منظور (12/ 502-503).

([22]) تفسير القرطبي (5/ 169).

([23]) في مركز سلف مقال يبين هذا المعنى ويوضحه، بعنوان: الولاية على المرأة تشريف أم تكليف؟! وهذا رابطه: https://salafcenter.org/399/

([24]) أخرجه البخاري (893)، ومسلم (1829)، من حدث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

([25]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 213).

([26]) أخرجه البخاري (3331)، ومسلم (1468)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([27]) أخرجه الترمذي (3895)، وقال: “حسن صحيح”.

([28]) الذخيرة (4/ 341)، وأنوار البروق في أنواء الفروق (3/ 153).

([29]) ينظر: الصحافة والأقلام المسمومة، لأنور الجندي (ص: 48).

([30]) زاد المسير (1/ 401).

([31]) نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – فقه المرأة (ص: 320).

([32]) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (5/ 269).

([33]) أخرجه الطبري في تفسيره (4/ 533).

([34]) رواه البخاري (304، 1462)، ومسلم (79).

([35]) حاول بعضهم الطعن في صحة الحديث كعلي الكيالي ومحمد شحرور، وفي مركز سلف مقال في مناقشة الطاعنين، بعنوان: “ناقصات عقل ودين وإنصاف الإسلام للمرأة”.

([36]) رواه البخاري (4425، 7099).

([37]) ينظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (7/ 388).

([38]) منهم: محمد الغزالي في كتابه “سر تأخر العرب والمسلمين”، وراشد الغنوشي في كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلامية”، وسعد الدين هلالي في كتابه “الجديد في الفقه السياسي المعاصر”، وقد قمنا في مركز سلف بمناقشتهم في مقال بعنوان: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة – تأصيل وتفهيم”.

([39]) الخلافة (ص: 110).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

هَل غَلِط السَّلفيُّون في مفهوم العبادة؟ -مناقشة للأشاعرة والمتصوِّفة في مفهوم العبادة-

الخلاف في مفهوم العبادة: الخلافُ في مفهومِ العبادة خلافٌ في أصلٍ كبير، وينبَني عليه كثيرٌ منَ الأحكام، ومن ثَمَّ حرِص علماءُ الملَّة على تحرير مفهوم العبادة؛ لأنَّ به يتَّضح ما كان حقًّا لله عز وجل وما هو من خصائص المعبود، وما هو حقٌّ للعبد يمكن أن يُصرَف له تبعًا لعبادةٍ أو خاصًّا به، وتحريرُ هذا […]

حديث: «أنّي لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه» ودعوى رد الاحتجاج بالسنة

من الأحاديث التي حاول منكرو الاحتجاج بالسنة الاستدلال بها على عدم حجية السنة حديث: «إني لا أحل إلا ما أحلَّ الله في كتابه»([1]) وقديمًا قالوا: “ثبِّت العرش ثم انقُش”، فلا بدَّ من صحّة الأصل قبل بناء الأحكام عليه؛ لذا كان العلماء يوجّهون الناس ويرشدونهم إلى الاهتمام بالإسناد أولًا، وأنه هو طريق المتن؛ وفي هذا يقول […]

قصَّة بناء مسجِدٍ على قبرِ أبي بَصير في ميزان النّقدِ العلميّ

من جملة ما استدل به مجيزو الصلاةَ في المساجد التي يوجد بها أضرحَة الأولياءِ والصالحين وأنها صحيحةٌ ومشروعة، بل تصِل إلى درجة الاستحباب([1]) =ما نُسب إلى أبي جندل رضي الله عنه: أنه بنى على قبر أبي بصير مسجدًا. ولا شكَّ أنَّ الحكمَ بصحَّة العمل ومشروعيَّته -فضلًا عن استحبابه- حكم شرعيّ يلزم إثباتُه بالأدلة الشرعية الصحيحة؛ […]

ذمُّ الشِّرك والتحذير منه من خلال تفسير الطّبريّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقَدّمَة: من أخطر الأشياء على العبد أن يُحرَم من رضوان الله تعالى ومغفرته، ويزجَّ به في دار الهلاك والعذاب السرمديِّ، فبدلًا من أن يكونَ مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين يساقُ إلى جهنَّم سَوقًا مع الكافرين والمشركين والمنافقين، وأعظم ما يسبِّب ذلك الشركُ بالله تعالى، يقول المسيح عيسى -عليه السلام- […]

حديث: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يَضرِب بعضُكم رقابَ بعض» ودفع شبهة الطعن في الصحابة

تمهيد: اشتَدَّ حنَقُ بعض المبتدِعة على الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فبدلًا من مراعاة حقِّهم، والالتزامِ بوصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، والانتهاء عند تحذيره من سبِّهم والطعن فيهم، راحوا يطلقون ألسنتهم الحداد عليهم بالسبِّ والطعن، والشتم واللَّعن؛ وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: […]

فرية تَكفير الصَّحابة لعُثمان بن عفَّان رَضِي الله عَنه ودفنه في مقبرةِ يهوديّ

تعدَّدَت الطُّعون الكاذبة التي يوجِّهها أهلُ الأهواء والبدع لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم الشيعةُ الذين يطعنُون في أبي بكرٍ وعمر وعثمان، بل وجلِّ الصَّحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولا شكَّ أنَّ الطَّعن في الصَّحابة طعنٌ في النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، بل يقول النسائي رحمه الله: “إنَّما الإسلام كدارٍ لها باب، […]

صلاةُ الجماعةِ والقولُ بوجوبها عند السلف وجمهور الفقه

أهمية صلاة الجماعة: اشتدَّ حِرصُ السلف على صلاةِ الجماعة، وبالَغوا في الاهتمام بها والعنايةِ بأدائها في المساجد، حيث جعلوها من سنن الهداية، وعدُّوا من تخلَّف عنها في وقتهم منافقًا مَعلومَ النِّفاق؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلواتِ حيث يُنادى بهنَّ؛ فإنَّ […]

معَاييرُ نقدِ المتن عند المُحدِّثين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة يعدُّ ما بينَ القرن الثَّاني إلى الرَّابع عصرًا ذهبيًا للسنة النبوية، فقد جُمعت المتون ودونت المدونات، وبرزت علوم الحديث الكثيرة، وسطع نجم كثيرٍ من المحدثين والنقاد مثل سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ومالك بن أنس ويحيى القطان، ومن جاء بعدهم من أمثال يحيى بن معين وعلي بن المديني […]

حديث شقّ الصدر ودعوَى مخالفة العقل!

ما بال أهل الأهواء يردُّون بعضَ الأحاديث الصحيحةِ الصريحة بحجَّة مخالفتها لعقولهم القاصرة، حتى ولو شهِد الواقع بموافقتها؟! أليس هذا تناقضًا يبرهن على ضلال مسلكهم وبطلان شبهاتهم؟! ولعل من أبرز الأمثلة على مسلكهم الفاسد هذا: ما فعله كبراؤهم مع حادثة شقِّ صدر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنجد أحدَهم يشكِّك في أحاديث شقِّ الصدر، ويستعمل […]

ثقوب في الفكر الحداثي: الموقف من الحضارة نموذجًا

لم يكن الفكر الحداثيّ متماسكًا، لا على مستوى الأدوات المعرفيَّة، ولا على مستوى الطرح العلميّ، يعرف ذلك كلُّ من اختبر الجدِّيَّة العلمية لدى القوم، فغالب ما عندهم ذوقٌ واستحسانٌ، يخرجونه مخرجَ التجديد، وبلغةٍ انفعاليَّة ثائرة على الشَّرع، محبَطَة من الواقع، مستسلِمة لثقافات أجنبيَّة وافِدة، ولو أنها استسلمت لها في مصدرِ قوَّتها لكان الأمر هيِّنًا وفي […]

هل الخلاف شرّ أو رحمة؟ نصوص وتخريجات

تخريج حديث اختلاف أمتي رحمة: قال التاج السبكي: “ليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع”([1]). وقال السخاوي: “ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني والديلمي في مسنده بلفظه سواء، وجويبر ضعيف جدًّا، والضحاك عن ابن عباس منقطِع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي مرفوعًا من غير بيانٍ لسنده، […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

شبهات حول الإسراء والمعراج

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    مقدمة: الشبهات حول الدِّين بعدَد مواضيعه، فما من موضوع من موضوعات الإسلام إلا وقد حاول الأعداء والسَّمَّاعون لهم أن يثيروا شبهاتٍ حوله، ويلبِّسوا أمره على الناس. ومن القضايا التي احتدَّ النقاش حولها منذ حدوثها إلى يومنا هذا قضيةُ الإسراء والمعراج، حيث أنكَرها من أدركها من الكفَّار، وورث هذا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017