الأربعاء - 13 ربيع الأول 1440 هـ - 21 نوفمبر 2018 م

تحريرُ حكمِ المعازِفِ عندَ السلَفِ والأئمةِ الأربعة

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

فإن الحاجة ملحة في هذه الآونة لبيان وتحرير أقوال الأئمة في حكم المعازف، خاصة مع انتشار التشويش على الناس بحلها، تارة بجعل وقوع الخلاف في المسألة -أيًّا كانت درجته وقوته- دليلًا، فلا تكاد تثار مسألة علمية إلا ويخرج علينا من يروِّج إلى التحلل منها؛ محتجًا بأن في المسألة خلاف .. خلافٌ وحَسْب!

ثم يجهدون في إظهار الأقوال الشاذة بمظهر القوة، وفي المقابل يسفهون ويستهجنون القول الذي حكى العلماء الإجماع على تحريمه، حتى قام بعضهم بترديد الادعاء الباطل -سيأتي إبطاله- بأن من الصحابة وأبناء الصحابة وبناتهم من كانوا يضربون على المعازف ويستمعون إليها([1]).

ونروم في هذه الورقة تحرير أحكام المعازف والملاهي؛ بذكر إجماع العلماء على تحريمها، وهو قول السلف قاطبة، واتفاق مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام -أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد- التي تدور الفتيا عليهم في قاصي الأرض ودانيها، وبه قال أكابر المشايخ في كل مذهب.

وقد بسطنا القول في ذلك؛ لئلا يغتر بإشاعة القول بحل المعازف وآلات اللهو؛ فإن من المقرر عند أهل العلم: أنه لا يجوز لآحاد الناس أن يحتج بحل أمر قد أجمع العلماء على حرمته، فيقول -مثلًا-: قد قال بحل سماع المعازف بعض العلماء أو المتأخرين فأنا أقلدهم، فإن تقليد القول الشاذ لا يجوز.

وفي هذا المعنى يقول القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي (ت 450 هـ): “وإذا كان فعله أحد من هؤلاء المتأخرين، فإنه لا يجوز؛ لأنه قد أخطأ في ذلك، ولا يلزم الاقتداء به، ويترك الاقتداء بالأئمة الراشدين المهديين، الذين أخذوا كل شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم توقيفًا، ومن هذا يعيب كثير من الناس الصواب، يحتج إليه بالصحابة والتابعين، والصلحاء المتقدمين، فيحتجون هم بالمتأخرين الذين لا يقضى لهم بالإصابة كما قضى بها للصحابة، نعوذ بالله من حرمان الصواب”([2]).

وأما إذا استحكمت الشبهة، والتبس  الأمر على المرء؛ فلينتبه العاقل بأن المصير إلى قول الجماعة أولى، لا سيما من أحب أن يستبرئ لدينه، أو يحتاط لنفسه، ويتورع في موضع المخافة بالمصير إلى الأولى، والأخذ بالأجود أحرى([3]).

ولا يخفى أن وقوع مثل هذا في الأمة من حِكم الله تعالى -العليم الخبير- إذ من فوائده ومنافعه: تثبيت قلوب أهل الحق على الحق الذي هداهم الله تعالى إليه؛ بمشاهدة ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عيانًا -وليس الخبر كالعيان- فقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ»، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ»([4]). فتحقق هذا ورأينا عيانًا من يجادل ويماري بالباطل وبغير علم في تحريم سماع المعازف وآلات اللهو، ونسأل الله تعالى الثبات على الحق، والعصمة من الزلل.

تعريف المعازف:

المعازف: هي الملاهي، وأصل الكلمة عزف، والعزف: من اللعب بالدف والطنابير ونحوه. والمعازف: الملاعب التي يُضرب بها([5])، ويطلق عليها في زماننا آلات الطرب([6])، كما يطلق عليها الموسيقى.

الإجماع على تحريم استماع آلات اللهو:

حكى الإجماع على تحريم استماع آلات اللهو والمعازف سوى الدف في العرس ونحوه، غير واحد من أهل العلم الكبار -على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم- وفيما يلي ذكر أقوالهم وأقوال من لم يحك في المسألة خلافًا:

  • أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي الشافعي (ت 447 هـ):

قال سليم في كتابه “التقريب” -بعد أنْ أورد حديثًا فِي تحريم الكُوبَة-: وفي حديث آخَر: “أنَّ اللهَ يَغفِرُ لكلِّ مذنبٍ إلا صاحب عَرطَبة أو كُوبةٍ”، والعَرطَبة: العُود، ومع هذا فإنَّه إجماع“([7]) .

  • القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي (ت 450 هـ):

لم يحك القاضي أبو الطيب الطبري في تحريم آلات اللهو خلافًا، وقال: “وإن استباحه فقد فسق”([8]).

  • أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي المالكي (ت 656 هـ):

يقول أبو العباس القرطبي: “أما المزامير والأوتار والكوبة -وهو طبل طويل ضيق الوسط، ذو رأسين- فلا يختلف في تحريم سماعه، ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك، وكيف لا يحرم سماع ذلك؟! وهو شعار أهل الخمور والفسق، ومهيج الشهوات والفساد والمجون، وما كان كذلك لم يشك في تحريمه، ولا في تفسيق فاعله وتأثيمه”([9]).

  • الحافظ ابن الصلاح الشافعي (ت 643 هـ):

يقول الحافظ ابن الصلاح: “فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب، وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاخلاف أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة منفردًا، والدف منفردًا، فمن لا يحصل أو لا يتأمل ربما اعتقد فيه خلافًا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهم، فإذن هذا السماع غير مباح بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين“([10]) .

  • الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت 795 هـ):

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: “أكثر العلماء على تحريم ذلك -أعني: سماع الغناء وسماع آلات الملاهي كلها- وكل منها محرم بانفراده، وقد حكى أبو بكر الآجري وغيره إجماع العلماء على ذلك”([11]) .

  • ابن حجر الهيتمي الشافعي (ت 974 هـ):

يقول ابن حجر الهيتمي: “الأوتار والمعازف: كالطنبور، والعود، والصنج -أي: ذي الأوتار- … وغير ذلك من الآلات المشهورة عند أهل اللهو والسفاهة والفسوق، وهذه كلها محرمة بلا خلاف، ومن حكى فيه خلافًا فقد غلط أو غلب عليه هواه، حتى أصمه وأعماه، ومنعه هداه، وزل به عن سنن تقواه”([12]) .

موقف السلف من المعازف:

الآثار عن السلف الكرام -من الصحابة والتابعين- في تحريم آلات اللهو والمعازف كثيرة جدًّا، وسأقتصر على ما يناسب المقام منها:

الأثر الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: إن هذه الآية التي في القرآن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، قال: “هي في التوراة أن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل، ويبطل به اللعب والمزامير والزَّفْن([13]) والكِنَّارات([14])…”([15]).

الأثر الثاني: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: “الدف حرام، والمعازف حرام، والكوبة حرام، والمزمار حرام”([16]).

الأثر الثالث: عن عطاء بن يسار عن كعب -رحمه الله- قال: “إن فيما أنزل الله -عز وجل- على موسى: إنا أنزلنا الحق لنبطل به الباطل، ونبطل به اللعب والمزامير والكِنَّارات والشعر والخمر، فأقسم ربي -عز وجل-: لا يتركها عبد خشية مني إلا سقيته من حياض القدس”، قال زيد بن الحباب: سألت أبا مودود: ما المزامير؟ قال: الدفوف المربعة، فقلت: ما الكِنارات؟ قال: الطنابير([17]) .

الأثر الرابع: كتب عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- إلى مؤدب ولده: “وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي، التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن؛ فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بهما ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب الماء، ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه، وهو حين يفارقها لا يعتمد مما سمعت أذناه على شيء ينتفع به”([18]).

فجعل بغض الملاهي من أوائل ما ينبغي اعتقاده؛ لأن مبدؤها من الشيطان الرجيم، ومنتهاها سخط الرحمن، كما أنها تنبت النفاق في القلب.

الأثر الخامس: قال أبو حصين -رحمه الله-: اختصم إلى شريح في رجل كسر طنبورًا فلم يقض فيه بشيء([19]) .

الادعاء بأن السلف كانوا يستمعون المعازف:

مع كثرة الآثار عن السلف في تحريم المعازف وآلات اللهو إلا أن بعضهم لم يعجبه ذلك فادعى -زورًا وبهتانًا- أن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم كانوا يتعاطون الضرب على آلات المعازف ويستمعون إليها؟!([20]).

الجواب عن هذه الدعوى الباطلة:

هذه الدعوى الباطلة مبناها على وضع الأسماء على غير مسمياتها؛ فإن السماع المعروف عند العرب كان بمعنى: رفع الصوت بالشعر، ليس إلا، فإذا فعل أحدهم ذلك قالوا: أهمل السماع، أما في زماننا فإنه يطلق على سماع آلات اللهو والغناء المحرم.

لأجل هذا المعنى قال الإمام الشيخ رزين -رحمه الله-: ما أتي على بعض العلماء المتأخرين إلا لوضعهم الأسماء على غير مسميات، وها هو ذا بين؛ ألا ترى السماع كان عندهم على ما تقدم ذكره، وهو اليوم على ما نعاينه، وهما ضدان لا يجتمعان.

ثم إنهم لم يكتفوا بما ارتكبوه حتى وقعوا في حق السلف الماضين -رضي الله عنهم- ونسبوا إليهم اللعب، واللهو في كونهم يعتقدون أن السماع الذي يفعلونه اليوم هو الذي كان السلف -رضوان الله عليهم- يفعلونه.

ومعاذ الله أن يظن بهم هذا، ومن وقع له ذلك فيتعين عليه أن يتوب، ويرجع إلى الله تعالى، وإلا فهو هالك؛ ألا ترى أن الشيخ الإمام السهروردي -رحمه الله- لما أن تكلم على السماع قال في أثناء كلامه: ولا شك أنك إذا خيلت بين عينيك جلوس هؤلاء للسماع، وما يفعلونه فيه، فإن نفسك تنزه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم عن ذلك المجلس، وعن حضوره”([21]).

ويعلق عليه الشيخ ابن الحاج المالكي (ت 737 هـ) بقوله: “ولقد أنصف فيما وصف، وهذا هو الحق الذي يجب اعتقاده في حق السلف الماضين -رضي الله عنهم أجمعين-“([22]).

ويقول الحافظ ابن رجب: “فتبين بهذه الروايات، أن ترخص الصحابة -رضي الله عنهم- إنما كان في إنشاد شعر الجاهلية. وفيه من الحكم، وغيرها -على طريق الحداء ونحوه- مما لا يهيج الطباع إلى الهوى. ولهذا كانوا يفعلونه في مسجد المدينة، ولم يكن في شيء من ذلك غزل ولا تشبيب بالنساء ولا وصف محاسنهن، ولا وصف خمر ونحوه مما حرمه الله تعالى”([23]).

موقف الأئمة الأربعة وفقهاء المذاهب من المعازف:

مع ظهور دلالة الإجماع على تحريم المعازف، فقد يتشبث بعضهم في زماننا بالأقوال الشاذة، مما قد يوهم الناس أن طائفة من العلماء الأعلام قائل بحلها، أو أن في المسألة خلاف بين أئمة المذاهب الأربعة؛ لذا أورد فيما يلي بعض أقوال أئمة المذاهب الفقهية مع ذكر سنة وفاة أصحابها؛ ليعلم القارئ الحصيف أن أئمة المذاهب الأربعة وعلمائها متفقة على القول بتحريم استماع آلات اللهو والمعازف جيلًا بعد جيل، وزمنًا بعد زمن، وأن ما ينسب إلى بعضهم لا أساس له من الصحة البتة.

تفصيل مذهب الإمام أبي حنيفة في تحريم المعازف:

يرى علماء الحنفية قاطبة حرمة الاستماع لآت المعازف كلها؛ ابتداء بأئمة المذهب الثلاثة -أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن- رحمهم الله، إلى ابن عابدين -خاتمة محققي المذهب- بل إن مذهب الحنفية في هذا من أشد المذاهب، حيث يقول الإمام ابن القيم: “مذهب أبى حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظُ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها، كالمِزْمار، والدّف، حتى الضرب بالقَضيب، وصرحوا بأنه معصية، يوجب الفسق، وتُرَدُّ به الشهادة”([24]).

وإليك طائفة من أقوالهم في تحريم سماع الملاهي كلها:

يقول المرغيناني الحنفي (ت 593 هـ): “ودلت المسألة على أن الملاهي كلها حرام حتى التغني بضرب القضيب”([25]).

ويقول برهان الدين ابن مازه البخاري الحنفي (ت 616 هـ): “في «فتاوى أهل سمرقند» استماع صوت الملاهي كالضرب بالقصب، وغير ذلك من الملاهي حرام”([26]) .

ويقول أبو عبد الله بن أبي بكر الرازي الحنفي (ت 666 هـ): “استماع الملاهي وسماع صوت الملاهي كلها حرام، فإن سمع بغتة فهو معذور ثم يجتهد أن لا يسمع مهما أمكنه”([27]).

ويقول أبو الفضل عبد الله الموصلي الحنفي (ت 683 هـ): “واستماع الملاهي حرام: كالضرب بالقضيب والدف والمزمار وغير ذلك”([28]) .

ويقول ابن نجيم الحنفي (ت 970 هـ): “واستماع صوت الملاهي حرام كالضرب بالقصب وغيره”([29]).

ويقول ابن عابدين الحنفي (ت 1088 هـ): “وفي البزازية: استماع صوت الملاهي كضرب قصب ونحوه حرام”([30]).

تفصيل مذهب الإمام مالك في تحريم استماع المعازف:

يقول ابن أبي زيد القيرواني المالكي (ت 386 هـ): “ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله، ولا أن تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك، ولا سماع شيء من الملاهي والغناء”([31]) .

ويقول أيضًا: “ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة، أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح، وقد اختلف في الكبر”([32]) .

ويقول القاضي عبد الوهاب المالكي (ت 422 هـ): “لا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب ولا شيء من الملاهي المطربة كالطبل والزمر وما في معناه، وقد رخص من ذلك فيما يستعمل في النكاح من الدف والكبر”([33]) .

ويقول ابن رشد القرطبي المالكي (ت 520 هـ): “ولا يجوز تعمد حضور شيء من اللهو واللعب، ولا من الملاهي المطربة كالطبل والزمر وما كان في معناه”([34]) .

ويقول ابن شاس المالكي (ت 616 هـ): “فأما لهو غير مباح: كالعود والطنبور والمزهر المربع، فلا تجاب الدعوة معه، ومن أتاها فوجد اللهو المحظور فليرجع”([35]) .

ويقول الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي (ت 1072 هـ): “ومذهب مالك أن سماع آلة اللهو كلها حرام إلا الدف في النكاح، والكبر على خلاف…”([36]).

تفصيل مذهب الإمام الشافعي في تحريم استماع المعازف:

نقل عن الإمام الشافعي (ت 204 هـ) أنه كان يكره التغبير -وهو الطقطقة بالقضيب([37])- ويقول: “وضعه الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن”([38]) .

وقد أفتى قاضي القضاة أبو بكر محمد بن المظفر الشامي الشافعي (ت 488 هـ) -وكان أحد العلماء الصالحين الزهاد، الحاكمين بالعدل وكان يقال عنه: لو رفع مذهب الشافعي من الأرض لأملاه من صدره- بتحريم الغناء، وهذه صورة فتياه بحروفها، قال: “لا يجوز الضرب بالقضيب ولا الغناء ولا سماعه، ومن أضاف هذا إلى الشافعي فقد كذب عليه“([39]).

فلينظر المؤمن وليعتبر بقول الإمام الشافعي وإنكاره للضرب بالقضيب؛ ليصل إلى مدى إنكار الفقهاء لسماع آلات اللهو والملاهي؛ لذا يقول ابن رجب: “فكيف يكون قوله في آلات اللهو المطربة؟!”([40]).

ويقول ابن القيم -تعليقًا على قول الشافعي-: “فإذا كان هذا قولَه في التغبير، وتعليله أنه يصدّ عن القرآن، وهو شِعْرٌ يُزهِّد في الدنيا، يغنِّي به مُغنٍّ، فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نِطْع أو مَخَدّة على توقيع غنائه؛ فليت شِعري ما يقول في سماعٍ التغبيرُ عنده كتَفْلةٍ في بحر؛ قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرّمٍ؟ فالله بيْن دينه وبين كل متعلم مفتون، وعابد جاهل.

قال سفيان ابن عُيينة: “كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنةٌ لكل مفتون”.

[قال ابن القيم]: ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين”([41]).

ولما سئل الحافظ ابن الصلاح الشافعي عن رجل يعتقد الألحان المقترنة بالدفوف والشبابات والرقص وجمع الجماعات على ذلك مع المرد، ثم مع الاعتقاد يؤثر حضور ذلك، ويجتمع مع الجماعات عليه مصرًّا، هل يأثم بذلك وتسقط عدالته؟

أجاب -رضي الله عنه-: نعم يأثم بذلك ويفسق، وتسقط عدالته وحالته هذه، وهذا السماع المعتاد حرام غليظ عند العلماء، وسائر من يقتدي به في أمور الدين، ومن نسب حاله إلى مذهب الشافعي، أو أحد من أئمة الصحابة -رضي الله عنه وعنهم- فقد قال باطلًا([42])، وإنما نقل الخلاف بين جماعة من أصحابه في الشبابة بانفرادها، وفي الدف بانفراده، فتوهم من لا تحقيق عنده -ممن مال معه هواه- أن ذلك الخلاف جار في هذا الذي اجتمع فيه ما اجتمع، وذلك خطأ لا يصدر مثله ممن عنده مسكة من فهم وإنصاف، وكذلك من نسب حاله إلى بعض مشايخ الزهد والتصوف فقد أخطأ، فإنهم إنما يبيحون ذلك بشروط غير موجودة في هذا السماع، وعلى الجملة: فمن دعا إلى هذا السماع وأباحه فقد باء بعظيم، ولبس من الانحلال لبوس سوء، يعرف هذا من اطلع على آفات الأعمال ومكائد الشيطان، طهرنا الله وأعاذنا ومن نحب والمسلمين وهو أعلم”([43]).

وهذا ما قرره شيخا المذهب -الرافعي (ت 623 هـ) والنووي (ت 676 هـ)- حيث يقولان: “أن يغني ببعض آلات الغناء مما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مطرب كالطنبور، والعود، والصنج، وسائر المعازف، والأوتار فيحرم استعماله، والاستماع إليه”([44]).

تفصيل مذهب الإمام أحمد في تحريم المعازف:

يقول ابن أبي موسى الشريف الحنبلي (ت 428 هـ): “ولا يحل لأحد أن يتعمد سماع الباطل كله، ولا أن يتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل له، ولا يسمع شيئًا من الملاهي والغناء“([45]).

ويقول أيضًا: “وحرام على الرجال والنساء حضور نياحة أو لطم خد في مصيبة وغيرها، أو اتخاذ لهو من مزمار، أو طبل، أو عود، أو مِعزفة، أو طنبور، وما أشبه ذلك من الملاهي الملهية، وما أُرخص في شيء من ذلك بحال إلا في الدف في النكاح”([46]).

ويقول ابن قدامة المقدسي الحنبلي (ت 620 هـ) -شيخ المذهب الحنبلي-: “فصل: في الملاهي: وهي على ثلاثة أضرب؛ محرم، وهو ضرب الأوتار والنايات، والمزامير كلها، والعود، والطنبور، والمعزفة، والرباب، ونحوها، فمن أدام استماعها، ردت شهادته…

وضرب مباح: وهو الدف؛ فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف» . أخرجه مسلم. وذكر أصحابنا، وأصحاب الشافعي، أنه مكروه في غير النكاح… وأما الضرب به للرجال فمكروه على كل حال؛ لأنه إنما كان يضرب به النساء، والمخنثون المتشبهون بهن، ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء…

فأما الضرب بالقضيب، فمكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه، كالتصفيق والغناء والرقص، وإن خلا عن ذلك كله لم يكره؛ لأنه ليس بآلة ولا بطرب، ولا يسمع منفردا، بخلاف الملاهي([47]) .

ويقول ابن مفلح الحنبلي (ت 884 هـ): “يحرم مزمار وطنبور ونحوهما، نص عليه، فمن أدام استعمالها ردت شهادته، وكذا عود وجنك”([48]) .

ويقول الشيخ منصور البهوتي -شيخ متأخري الحنابلة- (ت 1051 هـ): “ويحرم كل ملهاة سوى الدف كمزمار وطنبور ورباب وجنك وناي ومعرفة وجفانة وعود وزمارة الراعي ونحوها سواء استعملت لحزن أو سرور، وفي القضيب وجهان وفي المغني لا يكره إلا مع تصفيق أو غناء أو رقص ونحوه”([49]).

ويقول الشيخ عبد القادر التغلبي الشيباني الحنبلي (ت 1135 هـ): “تحرُم كل المَلْهيَاتِ سوى الدفّ، كمزمارٍ، وطنبورٍ، وربابٍ، وجنك، ونايٍ، ومعزفة، وجفانة، وعودٍ، وزمّارة الراعي، ونحوها، سواء استُعمِلت لحزنٍ، أو سرور”([50]).

حديث القرآن والسنة عن المعازف:

دل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على تحريم سماع المعازف وآلات اللهو، ولا يظن عاقل أن دلالة الكتاب والسنة تقتصر على النص الذي لا يحتمل معنى آخر فقط، بل يمكن أن تكون دلالتهما ظاهرة كما هو مقرر في علم أصول الفقه، على أن دلالة القرآن في هذه المسألة ظاهرة، ودلالة السنة نصية، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: دلالة القرآن الكريم على تحريم المعازف:

الدليل الأول: يقول الله -تبارك وتعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6]

وقد قال الحسن البصري: “{لَهْوَ الْحَدِيثِ}: المعازف والغناء”([51])، وعن بعضهم: أنه الغناء، وقيل: هو الطبل، وقيل: عنى بلهو الحديث: الشرك، وجميع هذه الأقوال يدخل في معنى الآية الكريمة، وليس بينها تعارض؛ ويقال في مثل هذا: اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات.

والصواب -كما قال الطبري (ت 321 هـ)-: “أن يقال: عنى به كل ما كان من الحديث ملهيًا عن سبيل الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله: {لَهْوَ الْحَدِيثِ}، ولم يخصص بعضًا دون بعض، فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك”([52]) .

ويكون معنى قوله: {يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} -كما قال الإمام البغوي (ت 510 هـ)-: “أي: يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن”([53]).

وجه الدلالة:

في الآية الكريم وعيد شديد لأناس يفعلون شيئًا محددًا -وهو شراء لهو الحديث- من أجل الإضلال عن سبيل الله تعالى ويتخذونها هزوًا؛ إذن عندنا فعل معين بقصد معين، ومحاولة قصر الكلام على القصد دون الفعل إبطال للمراد من الآية.

وبهذا يرد على ابن حزم قوله: “أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها؛ لأن فيها {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}، وهذه صفة من فعلها كان كافرًا، بلا خلاف، إذا اتخذ سبيل الله تعالى هزوًا.

ولو أن امرأً اشترى مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذها هزوًا لكان كافرًا، فهذا هو الذي ذم الله تعالى، وما ذم قط -عز وجل- من اشترى لهو الحديث ليلتهي به ويروح نفسه، لا ليضل عن سبيل الله – تعالى -، فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا”([54]).

فقوله: “فهذا هو الذي ذم الله تعالى” خطأ؛ لأن الذم في الآية وقع على فعل بعينه -وهو شراء لهو الحديث- مع قصدهم الإضلال واتخاذها هزوًا، فإذا بابن حزم يقصر الذم في الآية على قصدهم ويترك فعلهم، ثم يأخذ في التمثيل بمثال لا ينطبق على الآية، بل هو بعيد تمامًا عنها؛ ويقال له: هل شراء المصحف -في مثالك الذي مثلت به- شراء للهو الحديث؟! والجواب: بالطبع لا. فبطل كلامه ومثاله([55]) .

وبهذا يُعلم أن نص الآية يرد صراحة على قوله: “وما ذم قط -عز وجل- من اشترى لهو الحديث؛ ليلتهي به ويروح نفسه، لا ليضل عن سبيل الله تعالى”؛ فإعمال الكلام أولى من إهماله.

الدليل الثاني: يقول الله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64]. قال مجاهد: الغناء والمزامير([56])، وقال أيضًا: باللهو والغناء، وقال غيره: بدعائك إياه إلى طاعتك ومعصية الله.

وجه الدلالة:

يقال في تفسيرها كما قيل في تفسير الآية السابقة؛ لذا يقول الطبري: “وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله تبارك وتعالى قال لإبليس: واستفزز من ذرية آدم من استطعت أن تستفزه بصوتك، ولم يخصص من ذلك صوتا دون صوت، فكل صوت كان دعاء إليه وإلى عمله وطاعته، وخلافا للدعاء إلى طاعة الله، فهو داخل في معنى صوته الذي قال الله تبارك وتعالى اسمه له”([57]).

وعليه فآلات اللهو والمعازف من أصوات الشيطان ومصايده التي يغوي بها ابن آدم؛ يقول الإمام ابن القيم (ت 751 هـ): “ومن مكايد عدوّ الله ومصايده، التي كاد بها من قلَّ نصيبه من العلم والعقل والدِّين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماعُ المُكاء والتصدية، والغناء بالآلات المحرّمة، الذي يصدُّ القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفةً على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رُقية اللواط والزِّنى”([58]).

ثانيًا: دلالة الأحاديث على تحريم المعازف:

الحديث الأول: عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري -رضي الله عنه- والله ما كذبني: سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ – يَعْنِي الفَقِيرَ – لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ”([59]). والحر: الفرج، والمعازف: آلات الملاهي([60]).

يقول الحافظ ابن رجب: “رواه البخاري تعليقًا، ووصله الإسماعيلي وأبو نعيم في “المستخرج”، وأبو داود([61])  بأسانيد صحيحة”([62]).

ونقل الحافظ ابن حجر (ت 852 هـ) عن ابن الصلاح قوله: “والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك؛ لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع”([63]) .

ووجه الدلالة من الحديث:

“أن المعازف هي آلات اللهو كلُّها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالًا لما ذَمّهم على استحلالها، ولما قَرَن استحلالها باستحلال الخمر، والحِرِ -فإن كان بالحاء والراء المهملتين-: فهو استحلال الفروج الحرام”([64]) .

الحديث الثاني: عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: «إِذَا ظَهَرَتِ القَيْنَاتُ وَالمَعَازِفُ وَشُرِبَتِ الخُمُورُ»([65]) .

الحديث الثالث: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه سمع صوت زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟، فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا”([66]) .

وقد يأتي هنا سؤال: أليست المعازف مثل الأشعار؟

أورد الغزالي الشافعي (ت 505 هـ) هذه الشبهة ثم رد عليها، فقال: “فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي: كالذي يخرج من حلقه، أو من القضيب، والطبل والدف وغيره”([67]).

ثم أجاب عن هذه الشبهة فقال: “ولا يستثنى من هذه إلا الملاهي والأوتار والمزامير، التي ورد الشرع بالمنع منها لا للذتها؛ إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان”([68]).

وبالجملة فإن هذا القياس غير صحيح؛ يقول الحافظ ابن رجب: “فمن قاس على ذلك سماع أشعار الغزل مع الدفوف المصلصلة فقد أخطأ غاية الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل”([69]) .

وقد يتبادر سؤال آخر هام: هل يسوغ الإنكار على من قال بحل المعازف والموسيقى؟!

وإذ قد ثبتت دلالة الكتاب والسنة والإجماع واتفاق مذاهب الأئمة الأربعة على تحريم استماع المعازف، ولم يعرف للعلماء المعتبرين مخالفًا يعتد به، وأن الخلاف الواقع لبعض العلماء -كابن حزم وابن القيسراني- خلاف شاذ ضعيف، لم يقم على دليل، ولا يعتد به.

فإنه فلا مسوغ البتة للقول بحل استماع المعازف، ويجب الإنكار على قائله، ولا ينقضي العجب من أن نسمع في زماننا من ينكر على من أنكر المنكر شرعًا؛ فتراه ينكر من أنكر على القائلين بحل سماع الموسيقى!!([70])، ودونك بعض أقوال أهل العلم في الإنكار على من يستمع المعازف والموسيقى:

  • يقول الإمام أبو يوسف -صاحب أبي حنيفة- (ت 182 هـ) -في دار يسمع منها صوت المزامير والمعازف-: “ادخل عليهم بغير إذنهم؛ لأن النهي عن المنكر فرض، ولو لم يجز الدخول بغير إذن؛ لامتنع الناس من إقامة هذا الفرض”([71]) .
  • ويقول أبو بكر الآجري (ت 360 هـ): “تحريم استماع المزامير: مثل المعزفة والصفارة والصنج والطبل والعود والطنبور وأشباه هذا، قال محمد بن الحسين [أي: الآجري]: جميع هذا محرمٌ، بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمحق هذا وبطلانه؛ لأنه من الجاهلية، فحرمه الله عز وجل كله، وهذا كله وزيادة؛ فقد كثر في الناس، وهو مكسب الفساق، ويجدون من يعينهم على هذا”([72]).
  • ولما سئل الشيخ أبو علي الرُّوذباري (ت 322 هـ) عمَّن يسمَع الملاهي ويقول: هي حَلال؛ لأنِّي قد وصلت إلى درجةٍ لا يُؤثِّر فِيَّ اختلاف الأحوال، فقال -رضي الله عنه-: “نعم قد وصل، ولكن إلى سَقر”([73])، يعني: إلى جهنم.
  • ويقول شمس الأئمة السرخسي الحنفي (ت 483 هـ): “يمنعون [يعني: أهل الذمة] من إظهار شرب الخمر، وضرب المعازف، والخروج سكارى في أمصار المسلمين؛ لما فيه من الاستخفاف بالمسلمين”([74]).
  • ويقول ابن حجر الهيتمي: “ولا منكر أقبح ممن يريد أن يحلل ما أجمع العلماء على تحريمه، ويوقع العامة وغيرهم في العمل به وسماعه، غافلا عما يترتب عليه من الإثم والعقاب، عافانا الله من ذلك بمنه وكرمه، آمين”([75]).

أثر المعازف على قلب المؤمن:

“لا ريب أن التقرب إلى الله تعالى بسماع الغناء الملحن، لا سيما مع آلات اللهو مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، بل ومن سائر شرائع المرسلين أنه ليس مما يتقرب به إلى الله، ولا مما تزكى به النفس وتطهر به فإن الله – تعالى- شرع على ألسنة الرسل كل ما تزكو به النفوس وتطهر من أدناسها وأوضارها، ولم يشرع على لسان أحد من الرسل في ملة من الملل شيئًا من ذلك”([76]).

ومع ظهور هذا الأثر الخطير -والذي يشعر به كل من أدمن الاستماع لآلات اللهو والمعازف- إذا بنا نسمع العجب حيث يقول بعضهم: “إن الموسيقى من أطيب الطيبات”!!([77])، اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

وقد أحسن الإمام أبو بكر الآجري حيث وصف من نزه سمعه عن الاستماع لآلات اللهو والمعازف وجميع المحرمات، بأنه قد اتسم بصفة العقلاء؛ فقال: “في الناس قوم نزهوا أنفسهم عن استماع ما لها فيه اللذة من كثير من الملاهي، فالعاقل من الناس لا يبلغ نفسه ما تهوى، بل يمنعها من ذلك، سمع الله -عز وجل- قال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41]، فقِه عن الله -عز وجل- هذا الخطاب، فزجر نفسه عن هواها بتوفيق من الله الكريم له، فكان عاقبة هذا ما تقدم ذكرنا له.

علم أن استماع ما تهواه النفوس مما هو محظور عليه من اللغو فأعرض عنه، سمع الله -عز وجل- قال -وقد مدح العقلاء-: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} [القصص: 55]، وسمع الله -عز وجل- قال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون} [المؤمنون: 3]، فمدحهم بإعراضهم عن الباطل، فكان مراده أن يستمع إلى ما ندبه إليه مولاه الكريم، مما سمعه أحبه مولاه، وكان له باستماعه الرحمة، قال الله -عز وجل-: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]، وسمع الله -عز وجل- قال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17، 18]، هذه صفة العقلاء”([78]).

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([79]).

ــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) منهم عدنان إبراهيم في إحدى خطبه، ودونك رابطها:

https://www.youtube.com/watch?v=Tes8a9m3NcE

([2]) الرد على من يحب السماع لأبي الطيب الطبري (ص: 53).

([3]) ينظر: الرد على من يحب السماع لأبي الطيب الطبري (ص: 32).

([4]) أخرجه أحمد في المسند (8459)، وابن ماجه (4036)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1887).

([5]) العين ينسب للخليل بن أحمد (1/ 359)، وجمهرة اللغة لابن دريد (2/ 814).

([6]) ينظر: المعجم الوسيط (2/ 891).

([7]) ينظر: كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع لابن حجر الهيتمي (ص: 118- 119).

([8]) الرد على من يحب السماع لأبي الطيب الطبري (ص: 51).

([9]) كشف القناع عن حكم الوجد والسماع لأبي العباس القرطبي (ص: 72).

([10]) فتاوى ابن الصلاح (2/ 500- 501).

([11]) مجموع رسائل ابن رجب (2/ 444).

([12]) كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع (ص: 118).

([13]) يعني: الرقص. ينظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/ 305).

([14]) الكنارات -بفتح الكاف وكسرها-: العيدان، وقيل: البرابط، وقيل: الطنبور، وهما نوعان من آلات المعازف. ينظر: النهاية في غريب الحديث (4/ 202).

([15]) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (6744)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 376)، وبنحوه أبو عبيد في غريب الحديث (4/278).

([16]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 376).

([17]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (10/ 376).

([18]) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (ص: 51).

([19]) ينظر: المدخل لابن الحاج (3/ 105).

([20]) سعى د. عدنان إبراهيم في ترويج هذه الفرية، واسمعه في هذا المقطع: https://www.youtube.com/watch?v=udEFpu9fsi4

([21]) ينظر: المدخل لابن الحاج (3/ 95- 96).

([22]) المرجع السابق (3/ 96).

([23]) مجموع رسائل ابن رجب (2/ 457).

([24]) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (1/ 405).

([25]) الهداية في شرح بداية المبتدي (4/ 365).

([26]) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (5/ 369).

([27]) تحفة الملوك (ص: 238).

([28]) الاختيار لتعليل المختار (4/ 165).

([29]) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (8/ 215)، وانظره أيضا في: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لشيخي زاده (2/ 550، 553).

([30]) الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: 652).

([31]) الرسالة للقيرواني (ص: 154)، ونقله عنه الحطاب في مواهب الجليل (2/ 62- 63).

([32]) الرسالة للقيرواني (ص: 158).

([33]) المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب (ص: 1727).

([34]) المقدمات الممهدات (3/ 462).

([35]) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (2/ 487).

([36]) الدر الثمين والمورد المعين (ص: 559).

([37]) القضيب: الغصن، أو العود من الخشب. ينظر: مختار الصحاح للرازي (ص: 255)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (4/ 76).

([38]) ينظر: الرد على من يحب السماع لأبي الطيب الطبري (ص: 28).

([39]) ينظر: مجموع رسائل ابن رجب (2/ 459- 460).

([40]) مجموع رسائل ابن رجب (2/ 464).

([41]) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (1/ 408- 409).

([42]) في هذا أبلغ الرد على من ادعى استماع السلف لآلات اللهو والمعازف.

([43]) فتاوى ابن الصلاح (2/ 498).

([44]) العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير للرافعي (13/ 15)، وروضة الطالبين للنووي (11/ 228)، واللفظ للرافعي.

([45]) الإرشاد إلى سبيل الرشاد لابن أبي موسى (ص: 532).

([46]) الإرشاد إلى سبيل الرشاد (ص: 536- 537).

([47]) المغني لابن قدامة (10/ 153- 155).

([48]) المبدع في شرح المقنع لابن مفلح (8/ 311).

([49]) كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي (5/ 183).

([50]) نيل المارب بشرح دليل الطالب (2/ 211- 212).

([51]) ينظر: تفسير القرطبي (14/ 52).

([52]) تفسير الطبري (20/ 130).

([53]) تفسير البغوي (6/ 284).

([54]) المحلى بالآثار (7/ 567).

([55]) مع وهاء كلام ابن حزم وشدة ضعفه إلا أن بعضهم -كالدكتور عدنان إبراهيم- طار به فرحًا، واستحسنه: وإليك رابط المقطع:  https://www.youtube.com/watch?v=udEFpu9fsi4

([56]) مجموع رسائل ابن رجب (2/ 446).

([57]) تفسير الطبري (17/ 491).

([58]) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان لابن القيم (1/ 400).

([59]) أخرجه البخاري (5590).

([60]) ينظر: فتح الباري لابن حجر (7/ 265، 10/ 55).

([61]) أخرجه أبو داود (4039).

([62]) مجموع رسائل ابن رجب (2/ 448).

([63]) ينظر: فتح الباري لابن حجر (10/ 52).

([64]) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (1/ 458).

([65]) أخرجه الترمذي (2212)، وصححه الألباني.

([66]) أخرجه أحمد في المسند (4535)، وابن ماجه (1901)، وصححه الألباني في الروض النضير (568).

([67]) إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 272).

([68]) المرجع السابق.

([69]) مجموع رسائل ابن رجب (2/ 448).

([70]) يقول د. حاتم العوني: الإنكار على الرأي الآخر [يعني: القائل بحل الموسيقى] هو الذي أنكره، وقال أيضًا: ما أجد أي حرج في إباحتها [يعني: الموسيقى]، ودونك رابط كلامه: https://www.youtube.com/watch?v=1OHNCcZ4sj8

([71]) ينظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي (4/ 166)، ومعلوم أن هذا الدخول بغير إذن لا يملكه كل أحد، بل هو للإمام أو نائبه أو المحتسب.

([72]) تحريم النرد والشطرنج والملاهي للآجري (ص: 192- 193).

([73]) ينظر: كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع (ص: 59).

([74]) المبسوط للسرخسي (15/ 134).

([75]) كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع (ص: 136).

([76]) مجموع رسائل ابن رجب (2/ 462).

([77]) هكذا قال د. عدنان إبراهيم في إحدى حلقاته، ودونك رابطها: https://www.youtube.com/watch?v=kC_DpaLmIa4

([78]) تحريم النرد والشطرنج والملاهي للآجري (ص: 219).

([79]) إتمامًا للفائدة: ينظر: مركز سلف ففيه مقالة بعنوان: “ذم المعازف وتحريمها في نصوص العلماء” وهذا رابطها: https://salafcenter.org/2406/

كما أن هناك كتبًا ورسائل مفردة تناولت هذه المسألة، وبينت حرمة سماع المعازف، ومن أشهرها:

  • . ذم الملاهي لابن أبي الدنيا (280 هـ)
  • تحريم النرد والشطريج والملاهي للإمام الحافظ أبي بكر الآجري (360 هـ)
  • الرد على من يحب السماع للإمام أبي الطيب الطبري (450 هـ)
  • جزء في فتيا في ذم الشبابة والرقص والسماع ونحو ذلك للإمام ابن قدامة المقدسي (620 هـ)
  • . كشف القناع عن حكم الوجد والسماع للإمام أبو العباس الأنصاري القرطبي (656 هـ)
  • رسالة في السماع والرقص للإمام ابن تيمية جمعه الشيخ محمد بن محمد المنيجي الحنبلي (728 هـ)
  • الكلام على السماع للإمام ابن قيم الجوزية (751 هـ)
  • نزهة الأسماع في مسألة السماع للإمام ابن رجب الحنبلي (795 هـ)
  • تشييد الاختيار لتحريم الطبل والمزمار لشمس الدين محمد بن علي بن خمارويه بن طولون الحنفي (المتوفى: 953 هـ)
  • كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع للإمام ابن حجر الهيتمي (973 هـ)
  • . السيف اليماني لمن قال بحل سماع الآلات والمغاني أو السم القاتل للمفتي المتساهل لأبي يحيى مصطفى ابن رمضان بن عبد الكريم الأزهري (1263 هـ)
  • . تحريم آلات الطرب أو الرد بالوحيين وأقوال أئمتنا على ابن حزم ومقلديه المبحثين للمعازف والغنا وعلى الصوفيين الذين اتخذوه قربة ودينا للشيخ ناصرالدين الألباني (1420 هـ)
  • حكم الإسلام في الغناء للشيخ محمد الحامد
  • الغناء في الميزان للشيخ عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
  • فصل الخطاب في الرد على أبي التراب للشيخ حمود بن عبد الله التويجري
  • الرد على القرضاوي والجديع للشيخ عبد الله رمضان بن موسى
  • الغناء والموسيقى في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة للدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني
  • الريح القاصف على أهل الغناء والمعازف للشيخ ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي
  • إتحاف القاري بالرد على مبيح الموسيقى والأغاني (رد علمي مؤصل على الجديع) للشيخ النميري ابن محمد الصبار
  • الكاشف في تصحيح رواية البخاري لحديث تحريم المعازف والرد على ابن حزم المخالف ومقلده المجازف للشيخ علي حسن علي الحلبي الأثري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض وتعريف لكتاب:نقد فكر الدكتور عدنان إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم   البيانات الفنية للكتاب: عنوانه: (نقد فكر الدكتور عدنان إبراهيم: قراءة نقدية تكشف وتنقض شبهات وأخطاء وأباطيل عدنان إبراهيم في الإيمان والإلحاد والفلسفة والتصوف وعلم الكلام والفرق والحديث والتاريخ). وهو كتاب إلكترونيّ من منشورات شبكة “الألوكة” على الإنترنت. وكتب على غلافه: -دار المحتسب-. ويقع في مجلد واحد، في 486 صفحة. التعريف […]

تناقضات الملحدين وتيه البُعد عن الوحي

لم تشهد البشرية في المعتقدات تناقضًا مع الذات كتناقض من ينكر وجودَ الخالق سبحانه؛ إذ في إنكاره مكابرة للعقل ودفع للحس المشاهد، هذا مع ما يؤدي إليه هذا القول من صراع مع جميع الكائنات التي تشهد بخلاف ما تقول بلسان حالها ومقالها. ومن العجب أن القرآن لم يناقش قضية الإلحاد؛ وذلك لأنها لا تستند إلى […]

حكم تداول كتب الزندقة والسحر والشعوذة وبيعها

لا يخفى على مسلم مطَّلع على الشرع عالمٍ بمقاصده أن الشريعة قاصدة لحفظ العقول وصيانتها عن كلِّ ما يؤثر عليها ويبعدها عن التفكير السليم، ومن ثمَّ وضَّح القرآن مسائل المعتقد، وأمر الوحيُ بالبعد عن الشهوات والشبهات وكلِّ ما يعيق الفكر السليم، وبيَّن سبحانه أنَّ اتباع ما يمكن أن يُفهم فهمًا غير صحيح من الوحي ضلال […]

حديث: “الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها”والرد على دعاوى المكذّبين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تخبط العقلانيون في نظرتهم إلى الغيب، حيث حاولوا فهمه وإجراءه على المشاهد المحسوس، فضلُّوا في فهمهم، وأخطؤوا في رد الأحاديث الصحيحة بأهوائهم. وقديمًا اصطنع مُعلِّموهم الأوائل من المعتزلة صراعًا بين العقل والنقل؛ ثم رأوا تقديس العقل، وتقديمه على النقل من الكتاب والسنة، فانبرى أهل السنة والجماعة للتنفير من بدعتهم، […]

سمومٌ استشراقية وسُبُل مواجهتها

لا يخفى على دارسٍ للواقع العلمي للصراع الفكري بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية أن المعني الأول بصياغة الأفكار حول الإسلام سلبا أو إيجابا هي الحركة الاستشراقية، فقد أوقف المستشرقون حياتهم العلمية وإنجازاتهم الثقافية لدراسة الدين الإسلامي وقيمه ومبادئه، ولا شك أن محاولة نقد الإسلام من داخله أو ما يسمى بعملية التفجير من الداخل قد أسهمت […]

دلالة القرآن على بعث الأجساد والرد على من زعم أنه بعث أجساد غير هذه الأجساد

قضية البعث أصل من أصول الدين التي فصَّلها القرآن أيما تفصيل، وهي لا تقبل النقاش ولا الجدال؛ إذ بالإيمان بها يكون المسلم مسلمًا، وعلى أساسها يَعبد الله تعالى؛ فإن الذي لا يؤمن بالبعث لا يرجو جنّة ولا يخاف نارًا، فضلا عن أن ينتظر ثوابًا أو عقابًا. وقد علق القرآن كثيرا من أعمال الإنسان بهذا المعتقد، […]

ظاهرة السخرية من العلماء: قراءة في المنطلقات والمرجعية

العلماء ورثة الأنبياء، وهم أهل الخشية، والعدول من أهل الشريعة، الذين كُلِّفوا بحملها، فتوقيرهم وإجلالهم توقيرٌ للشرع الذي يحملونه في صدورهم، ورضا بقضاء الله الذي اختارهم لحمل دينه وخلافة نبيِّه، ومن نافلة القول أن يقال: إن هذا المعنى لا ينطبق إلا على الربانيّين منهم، مَن يتلون الكتاب حقَّ تلاوته ويؤمنون به؛ إذ لفظ “العلماء” في […]

حراسة القِيَم وأهمّيتها في زمن التغيّرات

بناء المجتمعات السامية التي يراد لها أن تكون مثالًا يحتذى به في الحضارة البشرية لا يمكن أن يتم إلا عبر صناعة هذه الأمم صناعة أخلاقية محكمة، ومن هنا كان الحديث عن الأخلاق والقيم بالنسبة للإسلام أصلًا من الأصول ومقصدًا من مقاصد البعثة وميزةً من ميزات الدعوة التي يعترف بها الأعداء قبل الموالين، فعن ابن عباس […]

هل توحيد الألوهية بدعة ابن تيمية؟ -إبطال دعوى كون ابن تيمية مخترع مبحث الألوهية-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: “أقضي أياما وأسابيع في سريري أبكي وأصرخ، وكأن شخصًا ما يوخز جسمي بإبر كبيرة، أنا لا أعيش، أنا أحاول ذلك”([1]). تلك كلمات الشابة البلجيكية البالغة من العمر 32 عامًا، والتي قررت الخضوع للموت الرحيم بعد حصولها على الموافقة القانونية للموت الرحيم، مع أنها فتاة في ريعان شبابها وفي […]

ترجمة الشيخ عمر ابن البسكري العُقْبي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الشيخ عمر ابن البسكري العُقْبي([1]) اسمه ونسبه ونسبته: هو: الشيخ عمر بن محمد بن ناجي بن بسكري، ينتهي نسبه إلى بسكري الذي أصبح اسمه لقبًا لعائلته، وأصله من “زْرِيبَة الوادي”، والتي هي الآن بلديةٌ من بلديات دائرة سيدي عقبة، بولاية بسكرة. مولده: ولد بسيدي عقبة سنة 1898م. نشأته وتكوينه […]

حديث: “ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة” التفهّم والمعارضات

إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل. هكذا قدَّم الإمام الشاطبي (ت 790هـ) لبيان العلاقة بين العقل بالنقل، ثم دلَّل على هذه المقدمة بأدلة عدة، لا نطيل المقالة بذكرها([1])، وهذا المعنى هو المقرر […]

ثقافة الإحسان في الإسلام وشمولها لجميع الكائنات

ليس الإحسان في الإسلام شعارًا استهلاكيًّا كما الإنسانية في الثقافات الأخرى، فالإحسان في الإسلام أصل ومرجع وغاية وقيمة تقصد لذاتها، وتطلب في جميع شؤون الحياة، وهي مقدَّمة على جميع القيم السامية عند التعارض، فالإحسان مقدَّم على العدل إذا زاحمه، كما هو الشأن في العفو في القتل قصاصًا، وفي سائر الحقوق؛ ولذلك قرن الله سبحانه وتعالى […]

الاهتمام باللغة وأهميته في الدعوة إلى الله

ميز الله تعالى الإنسان بالنطق، وفضَّله على كثير من الخلق بالبيان والعلم، وهما من أخص صفات الإنسان، فله قدرة جِبِلِّية على التعبير عن الأشياء بما يليق بها، ويجعلها حاضرة في ذهن المستمع؛ ولذا كان من الصفات التي مدح الله بها نفسه خلقُه الإنسانَ وتعليمُه البيانَ، فقال سبحانه: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017