الاثنين - 15 جمادى الأول 1440 هـ - 21 يناير 2019 م

الدليل العقلي بين الإفراط والتفريط

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

العقل في الاصطلاح العلمي له إطلاقات عدة:
_الإطلاق الأول: بمعنى الغريزة المدركة التي جعلها الله تعالى ميزة للإنسان على سائر الحيوان، وهي التي بفقدها يصير الإنسان في عداد المجانين، ويسقط بفقدها التكليف الشرعي عن الإنسان، وقد عد أبو الحارث المحاسبي هذا المعنى هو المعنى الحقيقي للعقل وما سواه مجاز. [مائية العقل وحقيقة معناه. ص 201].

_الإطلاق الثاني: يعبر بالعقل عن المعارف الفطرية، والعلوم الضرورية التي يشترك فيها العقلاء. كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء، وأن الضدين لا يجتمعان. [درء التعارض بين العقل والنقل جز2ص 21].
الإطلاق الثالث: يطلق العقل على إدراك المعارف النظرية، وما يستفاد من التجارب الحسية، ويدخل في هذا ما أسماه المحاسبي :”فهم البيان: أي إصابة العقل للمعنى الصحيح لكل ما يسمعه ولكل ما يدركه بحواسه من ناحية العقل.[مائية العقل ص 202]
فالمعنيان الأولان للعقل فطريان يشترك فيهما جميع العقلاء ولا يقع التفاوت فيهما بينهم ويمثلان القدر من العقل الذي فضل الله به بنى آدم وكلفهم على أساسه. أما الإطلاق الثالث فهو مرادف للعلم عند بعض العلماء كالأصبهاني وهذا القدر من العقل يسمى فاقده غبيا أو جاهلا, وقد انقسم الناس إزاء استخدام العقل كأداة معرفية إلى طرفان وواسطة:
_الطرف الأول: طرف غلا في استخدام العقل وتمجيده, وجعله حاكما على الوحي مقدما عليه عند التعارض, وقد مثل هذا الطرف جمهور المتكلمين من الأشاعرة, والمعتزلة ,وغيرهم, بل جعلوه أصلا للوحي كما قال فخر الدين الرازي: “إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية, ……’فإما أن يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين, وإما أن يردَا جميعا, وإما أن يقدم السمع وهو محال, لأن العقل أصل النقل’ فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذى هو أصل النقل, والقدح في أصل الشيء قدح فيه, فكان تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا, فوجب تقديم العقل؛ ثم النقلُ إما أن يتأول؛ وإما أن يفوض.”[أساس التقديس ص /172 ]
فتبين من هذا أنهم يجعلون العقل وحده أصلا لمعرفة الله عز وجل, ويجعلون القرآن والسنة توابع له, كما صرح الرازي بذلك في كلامه الذى مر معنا, والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية؛ المستغنية بنفسها عما سواها, ثم غلوا في الأمر حتى نسبوا مخالفيهم من أهل السنة والحديث وغيرهم إلى الجهل والجمود, وقلة العقل, ويبررون هذا الإفراط في استخدام الأدلة العقلية, بأن النظر الكلامي أداة لكشف شبهات الملحدين, والرد على المعاندين من أهل الملل والنحل, وهذا ما لا يفي به الاقتصار على القرآن وحده.[ ينظر الأدلة العقلية والنقلية على أصول الاعتقاد ص.162]
الطرف الثاني: طرف فرّط في اعتبار العقل، وقد مثل هذا الاتجاه طوائف من المتصوفة، وبعض المنتسبين إلى السنة، فهؤلاء أهملوا النظر العقلي، ولم يحسنوا استخدامه، تغليبا لما عندهم من العلوم الضرورية، والمعارف اليقينية، التي نالوها بالرياضات، والكشوف، والإلهام، أو جمودا على ظواهر لا يعضدها الدليل. والمتصوفة يعطلون العقل؛ ويرون الأحوال العالية؛ والمقامات الرفيعة لا تنال إلا بترك العقل، ويقرون من الأمور ما يكذب به صريح العقل. [ينظر الفتاوى 3/ 338].
فجعلوا هؤلاء مصدر المعرفة هو الذوق، وهذا هو سر ترديدهم لأسطورتهم “من ذاق عرف”.
وكلا المسلكين مجاف للحق، فالأولون أخطؤوا حين جعلوا العقل حاكما على الوحي مقدما عليه, والحقيقة أن العقل أصل في العلم بالنقل لا في ثبوته, وذلك أنه إذا تعارض العقل والنقل فمرد هذا التعارض إلى أمرين :
_إما أن العقل غير صريح: فقد يعرض له ما يضعف إدراكه إما بسبب فساد في التصور أو في العلم.
_وإما أن النقل غير صحيح: فالنقل يعرض له الضعف من جهة الورود فيكون الناقل قد أخطأ في النقل إما بسبب كذبه أو وهمه أو تصحيفه.
ولا توجد صورة للتعارض خارجة عن هذين الأمرين مطلقا، حتى نحتاج فيها إلى تقديم العقل على النقل.
والمسلك الثاني: مسلك معطل للشرع, مخالف لمقاصده, فالشريعة أعلت من دور العقل, وجعلته مناط التكليف, وأمرت بالحفاظ عليه, وأي طريق في التعبد تلغيه أو تفسده فإلحاقها بالمسكرات أو المفسدات للعقل التي حرمت شرعا, أولى من جعلها طريقة صحيحة للتعبد لله عز وجل.
والوسط هو ما كان عليه السلف الصالح، من جمع بين الأدلة النقلية والعقلية، وعدم اعتقاد التعارض بينهما. “فهذا الإمام أحمد وسائر السلف، كانوا يستخدمون الأدلة العقلية في إثبات العقائد، وفقا لما ورد في القرآن، فكانوا يستخدمون قياس الأولى والأحرى والتنبيه، في باب النفي والإثبات, فمسلك الإمام أحمد وغيره مع الاستدلال بالنصوص, وبالإجماع, مسلك الاستدلال بالفطرة, والأقيسة العقلية الصحيحة, المتضمنة للأولى .”[بيان تلبيس الجهمية:5/83 ].
وممن بين الموقف الصحيح من الأدلة العقلية، الإمام ابن الوزير اليماني، حيث قال في معرض كلامه عن موقف السلف من الأدلة العقلية وطريقهم في تقرير العقيدة: “فهؤلاء كتابهم القرآن، وتفسيرهم الأخبار …. وهم لا يعنون بالرجوع إليهما نفي النظر، وترك العقل، والاستدلال به، وإنما ينكرون من علم النظر أمرين:
_أحدهما: القول بأن النظر فيما أمر الله تعالى بالنظر فيه، وجرت به عادة السلف، غير مفيد للعلم، إلا أن يرد الى ما ابتدع من طريق المتكلمين، بل هو _أي ما أمر الوحي بالنظر فيه_عندهم كاف شاف، وإن خالف طرائق المتكلمين.
_ثانيهما: أنهم ينكرون القول بتعين طرائق المتكلمين للمعرفة، وتجهيل من لم يعرفها وتكفيره. [العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبى القاسم 3/ 338]
وخلاصة القول أن المنهج الوسط في الاستدلال العقلي, هو منهج السلف الذى لا ينكر المعارف الضرورية, ويعتبر أن الدليل العقلي هو قسم من أقسام الأدلة الشرعية, فالقرآن قد سلك مسالك عقلية في تقرير العقيدة, كالقياس وضرب الأمثال, وغير ذلك, وفى الأدلة العقلية النقلية غنية عن طرائق المتكلمين, والعقل بمعانيه التي مرت معنا, لا يمكن أن يخالف النقل مطلقا, لكن طرائق المتكلمين واصطلاحاتهم هي التي حجبت عقولهم عن الوحي, فاعتقدوا التعارض فيما لا تعارض فيه, وكان الأولى بهم أن يحاكموا اصطلاحاتهم إلى الوحي وطرائقه في الاستدلال, لا أن يفعلوا العكس.”فإذا تعارض دليلان سمعيان, أو عقليان , أو سمعي وعقلي, فإما أن يكونا قطعيين, وإما أن يكونا ظنيين , وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا .
فأما القطعيان فلا يمكن تعارضهما في الأقسام، لأن الدليل القطعي هو الذى يستلزم مدلوله قطعيا، ولو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وهذا لا يشك فيه أحد من العقلاء,وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين تقديم القطعي سواء كان عقليا أو سمعيا , وإن كانا ظنيين صرنا إلى الترجيح, ووجب تقديم الراجح منهما.
وهذا تقسيم راجح متفق على مضمونه بين العقلاء. فأما إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي، والجزم بتقديم العقلي مطلقا فخطأ معلوم الفساد”[يراجع مختصر الصواعق المرسلة.ص 83]

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ردان على “الدليل العقلي بين الإفراط والتفريط”

  1. يقول الشيخ لطيف السعيدي:

    بحث متوازن ومفيد خاصة في الوضع الراهن.حيث تكالبت الأمم على الإسلام وكثرت الدعاوى الباطلة والأفكار والعقائد الدخلية،التي لها من يدعمها ماليا وإقتصاديا عبر الحدود.
    هذا البحث وأمثاله يحصن أصحاب الفكر من الأفكار الدخيلة المشوشة.
    المهم يجب أن أقرأه مرة أخرى
    بارك الله بكم شيخنا الفاضل الشيخ محمد السعيدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والخلط بينهما

 إن منهج السلف هو أسعد المناهج بالعقل وبالنقل، وهو منهج وسط بين المناهج المنحرفة التي ظنَّت التعارض بينهما، فهو وسط بين الإفراط والتفريط. ومن القضايا التي يتجلَّى فيها وسطية هذا المنهج قضيَّة: الإرادة والأمر الإلهيين. فإنه من المعلوم أن كل ما في الكون إنما يجري بأمر الله تعالى، وأن الله تعالى إذا أراد شيئًا فإنما […]

عرض ونقد لكتاب “التفكير الفقهي المعاصر بين الوحي الخالص وإكراهات التاريخ

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه»([1]). فهذا الحديث دليل على أن صمام الأمان ومصدر الهداية ومنبع النور في هذه الأمة هو […]

حديث: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس» تفسير ومناقشة

قد يعجب المرء حينما يرى إجمال المصطفى صلى الله عليه وسلم وبيانه لطرائق أهل البدع في رد الحق، واحتيالهم لدفعه وصدِّ الناس عنه؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ؛ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين»([1]). فهذه الأمور الثلاثة -أعني: التحريف، والانتحال، والتأويل- هي طرق أهل الزيغ […]

أقوالٌ عند التِّيجانية لا يقبلُها شرع ولا يقرُّها عَقل

 تُعدُّ الطريقة التيجانيَّة من أكبر الطرق الصوفية؛ وذلك لكثرة معتنقيها في إفريقيا عمومًا، وفي شمالها خصوصًا، وهي اليوم تقدَّم على أنها بديلٌ عن السلفية السّنِّيَّة في كثير من البلدان، وكثيرًا ما رفع أصحابُها شعارَ الاعتدال، وادَّعوا أنهم الممثِّلون الشَّرعيون لمعتقد أهل السنة، وأنه لا ينكر عليهم إلا شرذِمة مخالفة للسَّواد الأعظم تنتسب للسلفية، وهذه الدعوى […]

نقض الإمام أبي الحسن الأشعري لمعتقد الأشعرية في الصفات

                                                                                              للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، […]

التسامح السلفي في المعتقد..بين انفلاتِ معاصرٍ وغلوِّ متكلمٍ

  دين الله قائم على العدل والإحسان، والدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، ولا شكَّ أن من أفضل الأخلاق وأزكاها عند الله سبحانه خلُقَ العفو والرفق، فالله سبحانه وتعالى رفيق يحبُّ الرفق، وكتب على نفسه الرحمة، وجعلها خُلقًا بين عباده، فكل ما يخدم هذا المعنى فهو مقَّدم عند التعارض على غيره، وفي الحديث: «لما خلق […]

نقد التّصوف الغالي ليس خاصَّاً بالسلفيِّين

 درَج خصوم السلفية على تبني التصوُّف منهجًا بديلًا عنها، وحاولوا تسويغَ ذلك بوجود علماء كبار يتبنَّون نفس المصطلح ويزكُّونه، وجعلوا من نقد السّلفية لمظاهر الانحراف عند الصوفية نقدًا للعلماء وازدراءً لهم، وكان أهل التصوُّف الغالي كثيرًا ما يتستَّرون بالعلماء من أهل الحديث وأئمة المذاهب، ويدَّعون موافقتَهم واتباعهم، وأنَّ نقد التصوّفِ هو نقدٌ للعلماء من جميع […]

حديث: (فُقِدت أمّة من بني إسرائيل) وتخبُّط العقلانيّين في فهمه

من حِكَم الله تعالى أن جعل لأصحاب الأهواء سيما تميّزهم ويعرفون بها؛ لئلّا يلتبسَ أمر باطلهم على الناس، ومن أبرز تلك العلامات: المسارعة إلى التخطِئة والقدح وكيل الاتهامات جزافًا، فما إن يقفوا على حديث يخالف عقولهم القاصرة إلا رَدُّوه وكذَّبوه، ولو كان متَّفقًا على صحّته وثبوته، ولو أنهم تريَّثوا وسألوا أهل الذكر لتبيّن لهم وجه […]

تقنيات الحداثيين – توظيف المخرجات البدعية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: “الدِّين الحقُّ كلَّما نظر فيه الناظِر وناظر عنه الْمُنَاظِر ظهرت له البراهين، وقَوِيَ به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين. والدِّينُ الباطلُ إذا جادل عنه المجادِل ورام أن يُقِيم عودَه المائل أقام الله تبارك وتعالى من يقذف بالحقِّ على الباطل، فيَدْمَغُه فإذا هو […]

عرض وتعريف بكتاب: “الإسلام: مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب”

“الشعوبُ الخاضعة لحكم الإسلام محكومٌ عليها بأن تقبع في التَّخلف”. هكذا يقول أرنست رينان في إحدى محاضراته([1])، وليس هذا رأيًا فرديًّا شاذًّا بين أوساط المجتمع الغربي، بل يكاد يكونُ هو الرأي السَّائد، خاصةً وسط الأفكار الشعبيَّة، وذلك بسبب التغذية التي تمارسُها كثيرٌ من النخب الإعلامية والسياسية في الغرب، حتى صار الإسلام هو الشَّبح الذي يهدِّد […]

لماذا خلق الله النار؟

الله سبحانه أكرم الإنسان وفضَّله على كثير من الخلق، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وأسجد ملائكته لأبيهم آدم -عليه السلام- الذي خلقه بيديه سبحانه وتعالى، وبه عاتب إبليس اللعين فقال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ […]

حديث: «المرأة خُلِقت من ضلع» دلالة السياق والرد على شبهات الانسياق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله المتفضل بالإنعام على عباده المتقين، وصلى الله وسلم على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد يحاول عبثًا أعداء السنة النفخَ في رماد الشبهات القديمة التي أثارها أوائلهم للطعن في السنة والغضّ من مكانتها؛ حيث يغمزون الأحاديث الصحيحة بمغامز باطلة، وتأويلات بعيدة […]

حديث: (إذا أُنْكِحْوا يَضرِبُونَ بالكَبَر والمزَامِير) تحليل ومناقشة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  الحمد لله الذي حظر مواطن اللهو المحرم على عباده، وخلَّص من ريبه وشبهه المصطفين لقربه ووداده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الذي أرسله الله قاصما لأعدائه بواضح براهينه ويناته([1]). أما بعد.. فإن من الأمور المخوِّفة للعبد -وهي من جهة أخرى مثبتة لقلبه- وقوع بعض ما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017