الجمعة - 16 ذو القعدة 1440 هـ - 19 يوليو 2019 م

التجديد والثورة على السلف

A A

لم يكن التجديد الإيجابيُّ مرفوضًا في داخل الثقافة الإسلامية، وكان تداوله تداولًا بريئًا لا يحمل أي شحنة ثقافية في رفض النقل عن السلف، ولا يعدّ المجدد خصيمًا للسلف ولا لإنتاجهم العلميّ، بل مستوعبًا وموضّحًا ما اندرس منه، وهنا استطاع المجدّدون من الأئمة البناء على المنجزات التي سبقتهم والإضافة إليها، دون الانحياز إلى فِناء آخر والبناء فيه بحجة التجديد.

وقد كان المجددون من العلماء الراسخين في العلم معروفين بمؤهلاتهم التي تخوّلهم لهذا المقام العظيم، والتي من أهمها لزوم غرز أهل العلم، والاتصاف بسمتهم ودلهم، مع طول ممارسة العلم، وهو ما غاب في زماننا، حيث صار التجديد علَمًا على المشاغبين وخريجي التخصّصات العلمية الذين لا يعرفون من الشرع إلا اسمه ومن الفقه إلا رسمه، ويوقعون شقاقًا بين تخصصاتهم وبين العلم الشرعي، ثم يتبرعون بممارسة وظيفة المجدِّد؛ ليخرقوا الإجماع، ويردوا التأويل، ويختلقوا لدين الله آليات جديدة؛ بحجة التجديد في الفقه والفهم.

ونظرا لكثرة المجددين غير المؤهَّلين وشيوع هذا الوصف، فإنه قد التبس على الناس أمر دينهم، وعمي عليهم مفهوم التجديد، وصار مريبا لما اتسم به مدَّعوه من خروج على الشرع، ورد لأحكامه، وتتفيهٍ لمنجزات السلف ومحاولة تجاوزها، ونحن في هذا المقال سنحدِّد مفهوم التجديد، ونبين من يحقّ له ذلك، وعلاقة التجديد بالتراث.

مفهوم التجديد:

التجديد لغة: إعادة الشيء إلى سيرته الأولى، جدَّد الثوب تجديدًا: صيَّره جديدًا، وتجدَّد الشيء تجدُّدًا: صار جديدًا، تقول: جدَّده فتجدَّد وأجَدَّه -أي: الثوب- وجدَّده واستجدَّه: صيَّره، أو لبِسه جديدًا فتجدَّد. والجديد: نقيض البلى والخلق([1]).

أما التجديد في الاصطلاح الشرعي: فهو اجتهاد في فروع الدين المتغيرة، مقيَّد محدود بأصوله الثابتة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»([2]).

وعرف العلماء التجديد في الحديث بـ: “إحياء ما اندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة، وما ذهب من السنن وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة”([3]).

وقد علق ابن حجر -رحمه الله- على الحديث فقال: “ولا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو متجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز؛ فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي، وإن كان متَّصفا بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل، فعلى هذا كلّ من كان متَّصفا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا”([4]).

وجميع من تكلَّم في المجدِّد من العلماء جعله رديفًا للمجتهد، وطلبوا فيه ما طلبوا في المجتهد، قال ابن القيم رحمه الله: “الْمُفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام: أحدهم: العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة؛ فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحيانا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي -رحمه الله ورضي عنه- في موضع من الحج: قلته تقليدًا لعطاء، فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم، ويتأدَّى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها دينها»، وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته”([5]).

ويلاحظ أن التجديد هو مستوى من المعرفة العالية بالنصوص والتمسك بها وعدم الخروج عن مدلولها، مع مراعاة الاتباع بشرطه الشرعي الذي يشمل الوقوف عند السنة واتباع سبيل المؤمنين المأمور به شرعًا في قوله سبحانه: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

وهذا القيد من العلماء في مفهوم التجديد الظاهر أنه كان تحسُّسًا من الانفلات العلمي الذي يتَّسم به أهل البدع في كثير من أطروحاتهم الفقهية والعقدية، كما هو شأن سائر طوائف أهل البدع، وقد ظهر حديثًا في زمننا مجدِّدون جعلوا النصَّ هو محل التجديد، وجعلوا تجاوُزَه علامة الاجتهاد الحقيقيّ، بحيث لا يستقرّ للرجل قدَم في العلم حتى يثورَ على المألوف، ويتجاوز الإنجاز العلمي لدى السلف، ويعتبره تراثًا لا بدَّ من نفضه من أجل الخروج إلى مساحة أوسع في التعامل مع النصوص، وهذه المحاولة عادَة ما تلغي كثيرًا من مسائل الاجتهاد وطرق الاستدلال، وتصفها بالعوائق العقلية لعملية الاجتهاد والتجديد؛ لأنه لا يمكن التجديد في ظل الالتزام بضوابط السلف التي تعيق المبدع عن فهم النص فهمًا ذاتيًّا بعيدًا عن التوجيهات المؤدلجة للنصوص -كما يزعمون-، وقد أنتج هذا التوجُّه مظاهر تفلت أصحابها من الدين، وقسموا القرآن عضين، ولم يكن لهم في القرآن من مشاركة غير التشكّي والتشكيك والردّ، أمَّا السنة الغراء فقد أخذت مقاعد الاحتياط، ونُظِر إليها بعين التهمة، واتخذوا أقوال العلماء والسلف ظهريًّا.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: لسان العرب (3/ 111)، الصحاح للجوهري (2/ 454).

([2]) أخرجه أبو داود (3740).

([3]) فيض القدير (1/ 10).

([4]) فتح الباري (13/ 295).

([5]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 163).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

التعريف بكتاب: نجد قبل الوهابية.. الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية إبان القرون الثلاثة التي سبقت الحركة الوهابية

واحد من أكثر التحالفات نجاحًا هو التحالف الذي قام بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، كما أن واحدة من أكثر الدعوات التي كتب الله لها القبول وانتشرت شرقا وغربًا هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولو لم يكن من حسناتها إلا أنها حرَّكت الماء الراكد وأرجعت الأمة إلى التفكّر والتعقّل […]

ترجمة الشيخ محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم السلفي الندوي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ المحدث العلامة المسند الطبيب، أمير جمعية أهل الحديث بولاية هريانة بالهند، محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم بن عبد الحليم بن ذريا بن دهن سنكه بن نعمت بن نظام، السلفي الندوي. مولده: ولد في الثامن عشر من شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وثلاث وخمسين للهجرة النبوية، […]

هل منع أتباعُ الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب الناسَ من الحجّ؟ بين الحقيقة والتَّزوير

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قد يَأتي أحدُهم ويسلِّط عدستَه على واحدٍ من النَّاس وهو يشقُّ بطنَ آخر، ثم يبدأ يخبر الناس بأنَّ هذا تعدٍّ وتجنٍّ وظُلم، ويتلقَّى النَّاسُ ذلك على هذا الحال، فيتَّهمون هذا الذي يقطِّع بطنَ الآخر بأشنع التُّهم. وهذه الصورةُ بلا شكٍّ ظلم وتجنٍّ، لكن هل هي الحقيقة كاملة؟! لو أبعد […]

ملخص من مقال: (التسامح  السلفي في المعتقد بين انفلات المعاصرين وتشدد بعض المتكلمين )

ظهر التكفير بشكل عشوائي عند كثير من المتكلمين، وكان من ذلك أن أصلوا أصولا يلزم عليها تكفير عامة المسلمين وانفراط عقد الدين لتعقيدها ومخالفتها للشرع.   وفي مقابل التكفير العشوائي ظهرت جماعة من المعاصرين دعت إلى وحدة الأديان ورأت وصف المؤمن يشمل كل مصدق بالله ولو كفر بالرسل والكتب وأشرك بالله عز وجل، فجعلوا الإيمان […]

عرض وتعريف بكتاب: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السلف في فهم الكتاب والسنة

أولا: بطاقة الكتاب: العنوان: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السَّلف في فهم الكتاب والسنة. اسم المؤلف: وليد بن راشد السعيدان. الطبعة: الدار العالمية للنشر والتوزيع. عدد الصفحات: 124 صفحة. ثانيا: موضوع الكتاب: يريد المؤلف في هذا الكتاب أن يشرح قاعدةً مهمَّةً من قواعد أهل السنة والجماعة في العقائد، وهي: (كلُّ فهمٍ يخالف فهم السَّلف في […]

معنى الفتنة في حقِّ الأنبياء.. ضبط المصطلح وحرج الفهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  فمِن المعلوم عند كلِّ من يعتَنق دينًا من الأديان السماوية أهميةُ الأنبياء فيه وقداستهم، وأن الدينَ قائم على أخبارهم وتصديقِهم، فلا يمكن معرفةُ حكمٍ من أحكام الله إلا عن طريقهم، وأيّ تنقُّص منهم هو تنقّص من الدين، كما أن نبوَّتهم دليلٌ على علوِّ مقامهم عند الله سبحانه وتعالى وتعظيمه […]

ترجمة الشيخ يحيى بن عبد الله التشادي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ومولده: هو: الشيخ يحيى بن عبد الله بن أحمد التشادي. مولده: ولد -رحمه الله- في قرية شكين التابعة لمدينة أبشة بدولة تشاد عام 1958م. طلبه للعلم ومشايخه: بدأ -رحمهُ الله- منذ الصِّغر يهتمُّ بالقرآن الكريم، فحفظه على يد والده رحمه الله، وتلقَّى تعليمه إلى الثانوية بالمعاهد الشرعية بمدينة […]

الانغلاق المعرفي لدى التيار الحداثي

يغلِب على الخطابِ الحداثيِّ الخفةُ والكِبر العلميّ، وتغيبُ عنه التُّؤدة والأناة والتثبُّت والموضوعيَّة؛ وذلك أنه غلب على كثير من منتسبي الفكر الحداثي النَّفَسُ الشبابيّ الثائر؛ مما أدى بهم إلى ممارسة نوعٍ من المرح في البحث والتلقائية في النقاش والبساطة في النقد ومخرجاته، وكلُّ هذا يرجِع إلى تحكُّم عقلية المصادرة للآراء في مكوِّن الفكر الحداثي؛ لأن […]

الاجتماع الأوَّل بين علماء نجد وعلماء مكة

ذكرنا في الورقة العلميَّة المنشورة في “مركز سلف” بعنوان “اتّفاق عقيدة علماء نجد وعلماء مكة”([1]) أنه في عام ١١٨٤هـ أرسل الشيخ محمدُ بن عبد الوهاب والإمامُ عبد العزيز بن محمد بن سعود الشيخَ عبد العزيز الحصين إلى والي مكة الشريفِ أحمد بن سعيد -بطلب منه-، ولم نبيِّن هل كان هذا أول اجتماع بين علماء نجد […]

(السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام.. مناقشتها والرد عليها)

المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام.. مناقشتها والرد عليها. اسم المؤلف: د. عماد السيد محمد إسماعيل الشربيني، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف. دار الطباعة: دار اليقين، مصر. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1422هـ-2002م. حجم الكتاب: يقع الكتاب في جزأين، ويبلغ عدد صفحاته (506) صفحة. أصل الكتاب: […]

حينَ ينتقِدُ الحداثيّون صحيحَ البخاري (حسن حنفي أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: لا شكَّ أنَّ السنة تحتل مرتبةً عالية في التشريع الإسلامي، فهي تُعدُّ المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وهي حجَّة كما هو حال القرآن الكريم؛ لذلك لم يفرِّق الصحابة الكرام بين الأمر الوارد في القرآن الكريم وبين ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانَ القرآن الكريم […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017