الأربعاء - 16 ربيع الأول 1441 هـ - 13 نوفمبر 2019 م

التجديد والثورة على السلف

A A

لم يكن التجديد الإيجابيُّ مرفوضًا في داخل الثقافة الإسلامية، وكان تداوله تداولًا بريئًا لا يحمل أي شحنة ثقافية في رفض النقل عن السلف، ولا يعدّ المجدد خصيمًا للسلف ولا لإنتاجهم العلميّ، بل مستوعبًا وموضّحًا ما اندرس منه، وهنا استطاع المجدّدون من الأئمة البناء على المنجزات التي سبقتهم والإضافة إليها، دون الانحياز إلى فِناء آخر والبناء فيه بحجة التجديد.

وقد كان المجددون من العلماء الراسخين في العلم معروفين بمؤهلاتهم التي تخوّلهم لهذا المقام العظيم، والتي من أهمها لزوم غرز أهل العلم، والاتصاف بسمتهم ودلهم، مع طول ممارسة العلم، وهو ما غاب في زماننا، حيث صار التجديد علَمًا على المشاغبين وخريجي التخصّصات العلمية الذين لا يعرفون من الشرع إلا اسمه ومن الفقه إلا رسمه، ويوقعون شقاقًا بين تخصصاتهم وبين العلم الشرعي، ثم يتبرعون بممارسة وظيفة المجدِّد؛ ليخرقوا الإجماع، ويردوا التأويل، ويختلقوا لدين الله آليات جديدة؛ بحجة التجديد في الفقه والفهم.

ونظرا لكثرة المجددين غير المؤهَّلين وشيوع هذا الوصف، فإنه قد التبس على الناس أمر دينهم، وعمي عليهم مفهوم التجديد، وصار مريبا لما اتسم به مدَّعوه من خروج على الشرع، ورد لأحكامه، وتتفيهٍ لمنجزات السلف ومحاولة تجاوزها، ونحن في هذا المقال سنحدِّد مفهوم التجديد، ونبين من يحقّ له ذلك، وعلاقة التجديد بالتراث.

مفهوم التجديد:

التجديد لغة: إعادة الشيء إلى سيرته الأولى، جدَّد الثوب تجديدًا: صيَّره جديدًا، وتجدَّد الشيء تجدُّدًا: صار جديدًا، تقول: جدَّده فتجدَّد وأجَدَّه -أي: الثوب- وجدَّده واستجدَّه: صيَّره، أو لبِسه جديدًا فتجدَّد. والجديد: نقيض البلى والخلق([1]).

أما التجديد في الاصطلاح الشرعي: فهو اجتهاد في فروع الدين المتغيرة، مقيَّد محدود بأصوله الثابتة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»([2]).

وعرف العلماء التجديد في الحديث بـ: “إحياء ما اندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة، وما ذهب من السنن وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة”([3]).

وقد علق ابن حجر -رحمه الله- على الحديث فقال: “ولا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة، وهو متجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدَّعى ذلك في عمر بن عبد العزيز؛ فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها، ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما من جاء بعده فالشافعي، وإن كان متَّصفا بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل، فعلى هذا كلّ من كان متَّصفا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، سواء تعدد أم لا”([4]).

وجميع من تكلَّم في المجدِّد من العلماء جعله رديفًا للمجتهد، وطلبوا فيه ما طلبوا في المجتهد، قال ابن القيم رحمه الله: “الْمُفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام: أحدهم: العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة؛ فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحيانا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي -رحمه الله ورضي عنه- في موضع من الحج: قلته تقليدًا لعطاء، فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم، ويتأدَّى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها دينها»، وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته”([5]).

ويلاحظ أن التجديد هو مستوى من المعرفة العالية بالنصوص والتمسك بها وعدم الخروج عن مدلولها، مع مراعاة الاتباع بشرطه الشرعي الذي يشمل الوقوف عند السنة واتباع سبيل المؤمنين المأمور به شرعًا في قوله سبحانه: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

وهذا القيد من العلماء في مفهوم التجديد الظاهر أنه كان تحسُّسًا من الانفلات العلمي الذي يتَّسم به أهل البدع في كثير من أطروحاتهم الفقهية والعقدية، كما هو شأن سائر طوائف أهل البدع، وقد ظهر حديثًا في زمننا مجدِّدون جعلوا النصَّ هو محل التجديد، وجعلوا تجاوُزَه علامة الاجتهاد الحقيقيّ، بحيث لا يستقرّ للرجل قدَم في العلم حتى يثورَ على المألوف، ويتجاوز الإنجاز العلمي لدى السلف، ويعتبره تراثًا لا بدَّ من نفضه من أجل الخروج إلى مساحة أوسع في التعامل مع النصوص، وهذه المحاولة عادَة ما تلغي كثيرًا من مسائل الاجتهاد وطرق الاستدلال، وتصفها بالعوائق العقلية لعملية الاجتهاد والتجديد؛ لأنه لا يمكن التجديد في ظل الالتزام بضوابط السلف التي تعيق المبدع عن فهم النص فهمًا ذاتيًّا بعيدًا عن التوجيهات المؤدلجة للنصوص -كما يزعمون-، وقد أنتج هذا التوجُّه مظاهر تفلت أصحابها من الدين، وقسموا القرآن عضين، ولم يكن لهم في القرآن من مشاركة غير التشكّي والتشكيك والردّ، أمَّا السنة الغراء فقد أخذت مقاعد الاحتياط، ونُظِر إليها بعين التهمة، واتخذوا أقوال العلماء والسلف ظهريًّا.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: لسان العرب (3/ 111)، الصحاح للجوهري (2/ 454).

([2]) أخرجه أبو داود (3740).

([3]) فيض القدير (1/ 10).

([4]) فتح الباري (13/ 295).

([5]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 163).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

(الكتاب والسنة) مقال للمسلم النمساوي الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وبعد: فإن قضية السنة وحجيتها بقيت منذ ثلاثة عشر قرناً هي القضية الأولى لمن يريدون إسقاط الإسلام من داخله، وسار المسلمون مع هذه القضية مسيرة طويلة رادِّين عليها أحياناً، ومتأثراً بعضهم بها أو ببعض مستلزماتها أحياناً، وفي […]

هل خصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا من الأمَّة بشيءٍ من الدين؟

النبي صلى الله عليه وسلم بلَّغ البلاغَ المبين: المفهومُ مِن نصوصِ الشرع ومِن محكمات الدِّين أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم بلَّغ كلَّ ما أُنزل إليه من ربه، ولا يسعُه غيرُ ذلك، وهذا عامّ في فضائل الأعمال وفي شرائع الأحكام، فلا يكتُم فضلًا في عمل، كما أنَّه لا يكتم تشريعًا، وهذا مصداق قوله صلى الله […]

يعيش لها الجهابذة… شيء من أحوال المحدثين في حفظ السنة والذبّ عنها

قدَّم الإمام المحدث أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الرازي الشهير بابن أبي حاتم (327هـ) كتابه “الجرح والتعديل” بهذا النصِّ الذي يبيِّن فيه دقَّةَ المحدِّثين وجهودَهم في الذبِّ عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي لم يُعرَف مثلُها في الدنيا -وهو ما نقصد الإشارة إلى طرف منه في هذا المقال-، وأيضًا يبيِّن موقفَ […]

الدلائِل القُرآنيَّة على أنَّ (لا إله إلا الله) تعنِي لا معبُودَ بحقٍّ إلَّا الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   تمهيد: معرفةُ المصطلحات وضبطُها لها أهميَّة بالغةٌ في حياتنا، سواء تعلَّق المصطلح بأمرٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ، وقد تجِد الشخصَين يتجادلان ويتخاصمَان وهما في الحقيقة متَّفقان على المراد، فالوعيُ بالمفاهيم والمُصطلحات يعدُّ لبنةً أساسيَّةً في الاتفاق ونبذ الاختلاف، ويوضِّح ذلك ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: “فإنَّ كثيرًا من […]

خلاصات وتحقيقات (33)

وضوح أدلة القرآن في تقرير التوحيد: (والله سبحانَه حاجَّ عبادَه على ألسن رسلِه وأنبيائِه فيمَا أراد تقريرهم به وإلزامهم إيَّاه بأقرب الطُّرق إلى العقل، وأسهلِها تناولًا، وأقلِّها تكلفًا، وأعظمها غناءً ونفعًا، وأجلِّها ثمرةً وفائدةً، فحُجَجُه سبحانه العقلية التي بينها في كتابِهِ جمعت بينَ كونِها عقلية سمعية، ظاهرة واضحة، قليلَة المقدمات، سهلة الفَهم، قريبَة التَّناول، قاطعة […]

هَل غَلِط السَّلفيُّون في مفهوم العبادة؟ -مناقشة للأشاعرة والمتصوِّفة في مفهوم العبادة-

الخلاف في مفهوم العبادة: الخلافُ في مفهومِ العبادة خلافٌ في أصلٍ كبير، وينبَني عليه كثيرٌ منَ الأحكام، ومن ثَمَّ حرِص علماءُ الملَّة على تحرير مفهوم العبادة؛ لأنَّ به يتَّضح ما كان حقًّا لله عز وجل وما هو من خصائص المعبود، وما هو حقٌّ للعبد يمكن أن يُصرَف له تبعًا لعبادةٍ أو خاصًّا به، وتحريرُ هذا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017