الأحد - 01 جمادى الآخر 1441 هـ - 26 يناير 2020 م

بين تأثير القرآن وأساليب اليونان: البعث نموذجا

A A

كانت ولا تزال قضية الأسلوب وطريقة الاستدلال من أهم قضايا النزاع في المسائل العلمية والعملية؛ لأن الشرع في تقرير القضايا يطلب الموافقة في التصور والأسلوب، ولا يكتفي بالموافقة التلقائية؛ لأنها قد تكون رديفة الهوى، فالمسلم مطالب شرعًا بالاقتناع بجميع قضايا الدين وفقًا لما تقرّره النصوص، وهو مع ذلك مطالب بالتسليم بطريقة الدين في تقريرها وإقامة الحجة عليها، فمن اقتنع بالبعث والنشور لأن كتابًا سماويًّا غير القرآن أخبره بذلك، فإن ذلك لا ينفعه ما لم يؤمن بخبر القرآن وأسلوبه وما يقرر وما يضيف بهذا الصدد، وذلك لتميز أسلوب القرآن في تقرير مسائل الاعتقاد وقضية البعث خصوصا؛ لأنه يخاطب في الإنسان عقله وفكره وعاطفته، ويرشده إلى الحق عبر كثير من المؤثرات والأدلة، ولا يعتمد أسلوبًا واحدًا كما هو شأن بعض العلوم العقلية.

واليوم نعرض للقارئ الكريم نبذة مختصرة عن أساليب القرآن في تقرير البعث والنشور، ونبيِّن الفرق بينها وبين طريقة المناطقة من متكلمين وفلاسفة، ونحن نجمع بينهم في هذا المقام مع علمنا ببعض الفروق بينهم؛ لأنه يجمع بينهم أسلوب واحد وهو محل المقارنة، وهو اعتماد الأدلة العقلية وجعل الوحي عاضدًا لها بدل العكس، وهو اعتماد الوحي وجعل الأدلة العقلية تابعة له.

وقد تميَّزت طريق القرآن في إثبات البعث بأمور، منها: الإحالة إلى الواقع المشاهد، وذلك بأمور:

أولًا: بذكر القصص المعروفة عند الأمم، وخصوصًا أهل الكتاب؛ من إحياء الله لبعض من مات في هذه الدنيا، كما ذكر الله عز وجل في البقرة فقال: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُون} [البقرة: 72]، وقوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [البقرة: 73]، وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُون} [البقرة: 243].

وكذلك قصة عزير: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة: 259].

ثانيًا: ومنه كذلك ضرب الأمثلة من الواقع والحياة، وهو أسلوب يمتاز بأمرين: القرب وقلة المقدمات، وسرعة التأثير، وقد ضرب الله الأمثلة على البعث بأمور يشترك الناس في العلم بها وفي إدراك ما ينبني على مقدماتها، ومن ذلك ما ذكره سبحانه في الواقعة فقال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون} [الطور: 35].

قال جبير بن مطعم: “لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 35-37] كاد قلبي أن يطير”([1]).

وقوله: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُون} [الواقعة: 58]، إلى قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذكَّرُون} [الواقعة: 62]. “وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الاستدلال بخلق النوعين -أعني الذكر والأنثى- من النطفة جاء موضَّحًا في غير هذا الموضع، وأنه يستدل به على أمرين هما: قدرة الله على البعث، وأنه ما خلق الإنسان إلا ليكلفه ويجازيه، وقد جمع الأمرين قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (39) أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ} [القيامة: 36-40]، فذكر دلالة ذلك على البعث في قوله: {أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ}، وذكر أنه ما خلقه ليهمله من التكليف والجزاء؛ منكرا على من ظن ذلك بقوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}، أي: مهملا من التكليف والجزاء”([2]).

ثالثًا: أسلوب التحدّي، من ذلك أن منكري البعث تدور أدلتهم حول استبعاده، فيعمد القرآن إلى التحدي والإحالة إلى الأشياء المستعظمة في نفوس هؤلاء، وتعجيزهم بها، من ذلك: قوله سبحانه: {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51]، وغير ذلك من الأدلة العقلية في بابها.

وقد أجمل ابن القيم خصائص الأدلة العقلية في القرآن بقوله: “الله سبحانه حاجَّ عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل، وأسهلها تناولًا، وأقلُّها تكلُّفًا، وأعظمها غناءً ونفعًا، وأجلّها ثمرةً وفائدة، فحججه سبحانه العقلية التي بيَّنها في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية، ظاهرة واضحة، قليلة المقدمات، سهلة الفهم، قريبة التناول، قاطعة للشكوك والشبه، ملزمة للمعاند والجاحد؛ ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع”([3]).

وقد كانت طريقة المتكلمين على الضدِّ من هذا، فقد عمدوا إلى مسألة الأعراض والأجسام، وخفضوا فيها ورفعوا، وجعلوها أصل الباب ونظرية الجوهر الفرد، وقد فصلنا ذلك في مقال سابق([4])، وبينا طريقتهم فيه، وهي تمتاز بالغموض وقلة التأثير وعدم الشمول؛ وذلك أنه لا يمكن إفهامها لكل أحد، والوحي يخاطب به جميع الناس، فلزم أن تكون قضاياه واضحة لهم، سهلة الاعتقاد، أما أدلة المتكلمين فقد امتازت ببعد المقدمة وتعقيد النتائج والغموض في التقعيد لها وعدم القدرة على التسليم بها، بينما كانت أدلة القرآن واضحة البيان ساطعة البرهان، تحيل على العقل الصريح، وتستند إلى الحس الملموس، ولا يستطيع أحد دفعها بمثلها، ومع بلوغها لا يتركها الإنسان إلى غيرها إلا مكابرة واستكبارًا.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه البخاري (4573).

([2]) أضواء البيان (7/ 473).

([3]) الصواعق المرسلة (4/451).

([4]) إثبات وجود الله بين القرآن والفلسفة وعلم الكلام https: //salafcenter.org/2626/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

اشتراط القطعية في الدليل حتى يكون حجة.. رؤية موضوعية

تمهيد: في أهمية التسليم لأحكام الله تعالى: ليسَ للمسلمِ أن يتعاملَ مع الوحي بمحاذَرة أو يشترط لقبولِه شروطًا، فذلِك مناقضٌ لأصل التسليم والقبول الذي هو حقيقةُ الإيمان والإسلام؛ ولهذا المعنى أكَّدت الشريعةُ على ضرورة الامتثال، وأنه مِن مقاصد الأمر الشرعيِّ كما الابتلاء، ولا شكَّ أنَّ السعي إلى الامتثال يناقِض الندِّيَّة وسوءَ الظنِّ بالأوامر الشرعية، والناظِر […]

حديث: «إذا هلك قيصر فلا قيصر» بيان ورفع إشكال

مقدمة: كثيرةٌ هي دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها إخباره بما سيكون في المستقبل من الغيوب، فتحقَّق بعض ذلك على ما أخبر به في حياته وبعد موته؛ كالإخبار عن انتشار أمره، وافتتاح الأمصار والبلدان الممصَّرة كالكوفة والبصرة وبغداد على أمته، والفتن الكائنة بعده، وغير ذلك مما أخبر به، ورآه الناس عيانًا، وبعضها […]

الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي

اتَّفق سلف الأمة على أنه لا حجَّة لأحد على الله في تركِ واجب، ولا في فعل محرَّم؛ وتصديق ذلك في كتاب الله قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، والمعنى: “لا حجَّة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده”، قاله الربيع بن أنس رحمه الله([1]) . فمن احتجَّ […]

السَّلَفيةُ..بين المنهج الإصلاحي والمنهج الثَّوري

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدِّمة: يتعرَّض المنهجُ السلفيّ لاستهدافٍ مستمرّ من الخصوم والمناوئين؛ بالتهم والافتراءات وإثارة الشبهات حولَ الأفكار والمواقف، وذلك طبيعيّ لا غرابةَ فيه إن وضعناه في سياقِ الصراع بين اتِّجاه إصلاحيٍّ والاتجاهات المخالفة له، لكن الأخطر من دعاوي المناوئين وتهم الخصوم هو محاولة السعي لقراءة المنهج السلفيِّ والنظر إليه خارجَ إطار […]

التَّقليد المذموم.. إلغاءٌ للشَّخصية وتمهيدٌ للخرافة

المسلم الذي يهمُّه أمرُ هذه الأمَّة يجب عليه أن يبحثَ دائمًا عن أدوائها؛ ليكون هو الطَّبيب الذي يضع يدَه على المرض، فيتفحَّصه ويعالجه بما يناسبه. ومن الأمراض التي عانت الأمة الإسلامية منها كثيرًا وأحدثت شروخًا في الفكر الإسلاميّ القائم على اتّباع الكتاب والسنة وإعمال العقل في دائرته ومجاله: مرض التقليد المذموم، وهذا المرض لم يصب […]

عرض وتعريف بكتاب «ابن تيمية» لجون هوفر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد: لازال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني الشهير بابن تيمية والملقب بشيخ الإسلام يملأ الدنيا ويشغل الناس، ليس في العالم الإسلامي فحسب بل والعالم الغربي! وقد صدر قبل فترة ضمن سلسلة “صُنَّاع العالم الإسلامي” كتابٌ بعنوان: […]

بضاعَتُكم ردَّت إليكُم (موقف نصر حامد أبو زيد من محمَّد شحرور)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يأتي متطبِّب يدَّعي أنَّه حاذق في الطبّ، فيتلاعب بأبجديّات الطب، ويتعالى على أدواته، ويقدح في مسلَّماته، فلِمَ تكون درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تقريبا؟! ولم يكون السكَّر الطَّبيعي في الدم هو ما بين 120 إلى 126؟! ولم يكون معدَّل نبضات القلب ما بين 60 إلى 90؟! بل لِم نصدق […]

إثبات الربوبية بين الوحي وأصحاب الإعجاز العلمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: قضية الربوبية من القضايا التي تشغل كلَّ عاقل في هذا الكون ما دام جسدُه يتحرَّك وعقلُه يستوعِب الأشياءَ، وذلك لنوازعَ كثيرةٍ في النفس البشريَّة، منها أهميةُ معرفة الربِّ فطرةً ودينًا وعقلًا، ومنها حبُّ الاطلاع على الأشياء والوقوف على حقائقها بما يضمَن الطمأنينةَ واليقينَ بالمعتقَد. والعقلُ البشريُّ في مرحلةٍ […]

حديث: «الشمسُ والقمَر مكوَّران في النَّار يومَ القيامة» تفسيرٌ ورفعُ إشكال

تكذيبُ حديثٍ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقلُّ خطرًا عنِ الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقُله، وأهل العلم “لا يجيزون مخالفةَ حديث تبيَّن إمكان صحَّته، ثم ثبت صحَّة إسناده، ولم يعلم ما يقدح فيه أو يعارضه”([1])، وقد أفرط العقلانيون في ردّ الأحاديث الثابتة بالأهواءِ والمزاعم الباطلة، […]

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: قدَّر الله تعالى أن تُبتلى كلُّ أمّة بمن يحيد عنِ الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتُليت أمَّة الإسلام بمثل ذلك منذ عصرها الأول، فظهرتِ الخوارجُ والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرها من الفِرق، واستمرت هذه الفرق إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء أفكارها ومعتقداتها وانبعاثها من مراقدها بين الحين […]

موقِف عُلماء الحنابلة من ابن تيميّة ومدى تأثير مدرسته في الفقه الحنبلي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إنَّ شيخَ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يمثِّل شخصيةً فريدة، لها تأثيرها في التاريخ الإسلاميِّ؛ إذ جمع بين العلم والعمل والجهاد والسّلوك؛ ومنزلته في المذهب الحنبليِّ لا تخفَى على من له أدنى ممارسَة للفقه الحنبليِّ وأصوله، وتأثيره فيمن عاصَره ومن جاء بعدَه واضح لا ينكَر؛ حتى فيمن جالسه […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017