الأربعاء - 13 ربيع الأول 1440 هـ - 21 نوفمبر 2018 م

حديث: “ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة” التفهّم والمعارضات

A A

إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل. هكذا قدَّم الإمام الشاطبي (ت 790هـ) لبيان العلاقة بين العقل بالنقل، ثم دلَّل على هذه المقدمة بأدلة عدة، لا نطيل المقالة بذكرها([1])، وهذا المعنى هو المقرر عند أهل السنة والجماعة قاطبة، بخلاف أهل الغواية والضلال من المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من العقلانيين والملاحدة.

وفي هذه المقالة تطبيق عملي لتلك العلاقة، التي لطالما حاول العقلانيون إدارتها في صورة المواجهة والمعارضة بين النقل والعقل، ومن ثَمَّ إظهار الغلبة لجانب العقل، وصولًا بهذا التسلسل المدعى إلى إهمال النص وإهداره، حيث يقول أحدهم ترسيخًا لهذه الفكرة المغلوطة: “حتى نرى البخاري نفسه -على جليل قدره ودقيق بحثه- يثبت أحاديث دلَّت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة؛ لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث: «لا يبقى على ظهر الأرض بعد مائة سنة نفس منفوسة»([2])، وقال آخر في حديث أنس مرفوعًا: «إن أخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»([3]): “أعلم أنه كذب، النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذه العبارة”([4]).

ولكي يتسنى لنا مناقشة ما ادعاه العقلانيون والطاعنون في هذه الأحاديث التي تدور حول هذا المعنى، حيث زعموا مخالفتها للقرآن الكريم تارة، أو معارضتها للعقل والواقع تارة أخرى، فلا بد من إيراد نص حديث منها، ثم إيراد كلام العلماء في شرحه وتوجيهه، وإعمال قواعدهم بخصوص ما يشكل منها؛ توصلًا لرد الشبهات المثارة حوله.

نص الحديث:

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة»([5]).

شرح الحديث:

ومعنى: «نفس منفوسة» أي: مولودة([6]).

وفي الحديث إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن أمرين:

أولهما: أنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم متى تقوم الساعة، وأن علمها إلى الله تعالى؛ {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187].

ثانيهما: أن جميع من كان حيًّا في وقت مقالته صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعيش أكثر من مائة سنة، وهو ما صدقه الواقع المشاهد.

وهو ما أجمله الإمام ابن الجوزي بقوله: “إنه صلى الله عليه وسلم عنى بذلك الموجودين حينئذٍ من يوم قوله هذا، وهذا قاله قبل أن يموت بشهر كما روي في الحديث: فما بلغ أحد ممن كان موجودًا من يومئذ مائة سنة”([7]).

درجة الحديث:

هذا الحديث صحيح في أعلى درجات الصحة؛ فقد رواه الإمام مسلم، وشاركه الإمام البخاري في رواية معناه عن جمع من الصحابة، وهم: عائشة، وابن عمر، وأنس بن مالك -رضي الله عنهم أجمعين-.

وبالرغم من صحة الحديث، ووضوح معناه لكل من تأمله وجمع طرقه، فقد جهد العقلانيون والملاحدة في استغلاله والتشغيب به، وفيما يلي أشهر شبهاتهم متبوعة بالرد عليها.

الشبهة الأولى: معارضة الحديث للقرآن:

ادعى العقلانيون أن الحديث معارض للقرآن الكريم؛ ذلك أن الله تعالى يقول: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188]، وفيها نفي لعلم النبي صلى الله عليه وسلم للغيب، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أخبر ببعض الغيب وهو أنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد.

الجواب عن هذه الشبهة:

 أنه لا تعارض البتة بين السنة الصحيحة والقرآن الكريم، وما يبدو أنه تعارض فهو في الظاهر دون الحقيقة، وهنا يجتهد العلماء في توجيه الجمع بينهما، وبيان ذلك:

أنه لا تعارض بين الحديث والآية؛ فإن الله تعالى قد يطلع رسوله على ما يشاء من الغيب؛ إثباتًا لنبوته، وجعل ذلك معجزة شاهدة على صدقه، وعلى هذا نص القرآن الكريم فقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26، 27]، وهذا المعنى هو الذي قرره علماء التفسير في كتبهم، ولولا خشية الإطالة لنقلت أقوالهم([8]):

يقول أبو إسحاق الزجاج (ت 311هـ): “معناه: أنه لا يظهر على غَيْبه إلا الرسل؛ لأن الرسل يستدل على نبوتهم بالآيات المعجزات، وبأن يخبروا بالغيب، فيعلم بذلك أنهم قد خالفوا غير الأنبياء”([9]).

ويقول مكي بن أبي طالب (ت 437هـ): “أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد؛ {إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء”([10]).

وبناء عليه: فإن إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه على رأس مائة سنة لا يوجد على ظهر الأرض ممن هو عليها في ذلك اليوم أحد من قبيل الغيب الذي أعلمه الله تعالى إياه.

الشبهة الثانية: مخالفة الحديث للواقع:

ادعى الطاعنون في هذا الحديث أنه كذب ومخالف للواقع؛ حيث فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»، أنه يعني: أن الساعة ستقوم بعد مائة سنة، وهذا لم يحدث قطعًا، ويكذبه الواقع؛ فقد عاش خلق أكثر من هذا، قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده([11]).

الجواب الإجمالي عن هذه الشبهة:

هذه الشبهة متوهمة، وليست حقيقية، فقد يتوهم بعض الناس المعارضة بين ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وبين العقل([12]).

نعم، قد يقع في نفس المكلف الاشتباه والالتباس لبعض الألفاظ والجمل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وبالطبع وقوع مثل هذا لا يعني بطلان اللفظ المستشكَل، ومن الخطأ الفاحش المسارعة إلى تكذيبه أو الادعاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله؛ إذ إن وجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع عفوًا خاليًا عن الحكمة.

يقول الشيخ المعلمي اليماني (ت 1386هـ) في معرض بيانه لهذا المعنى: “إن استشكال النص لا يعني بطلانه، ووجود النصوص التي يُستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفوًا، وإنما هو أمر مقصود شرعًا؛ ليبلو الله تعالى ما في النفوس، ويمتحن ما في الصدور، وييسر للعلماء أبوابًا من الجهاد يرفعهم الله بها درجات”([13]).

والواجب على المكلف عند عروض الاستشكال في بعض نصوص الكتاب أو السنة أن يقوم بسؤال أهل العلم؛ كما قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، فأوجب الله تعالى على من جهل الحكم أن يسأل العلماء، وأن يعمل بما أفتوه به([14]).

أما المبادرة إلى إشاعة الفهم المغلوط فهو مما حرمه الله تعالى؛ قال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، والتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله؛ فإن الله تعالى قد عصم نبيه صلى الله عليه وسلم من الزلل في القول؛ فقال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]، أي: “لا يتكلم بالباطل”([15]).

أما الجواب التفصيلي عنها:

يمكن دفع هذه الشبهة والجواب عنها من خلال النقاط التالية:

  • بيان النبي صلى الله عليه وسلم للمعنى المراد.
  • الرجوع إلى فهم الصحابة رضي الله عنهم.
  • تصديق الواقع لمقالته صلى الله عليه وسلم.

أولًا: بيان النبي صلى الله عليه وسلم للمعنى المراد:

إن جمع طرق الحديث ورواياته المتعددة مما يسهل الوقوف على المعنى المراد منه، وهذا ما يقرره أهل العلم؛ فيقول الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ): “الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا”([16]).

وبالنظر إلى المعنى المستشكل حول هذا الحديث الذي معنا نجد أنه قد رواه إماما أهل الحديث البخاري ومسلم أو أحدهما في الصحيح من عدة روايات؛ وهي:

  • رواية أنس بن مالك -رضي الله عنه- مرفوعًا بلفظ: «إن أخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»([17]).
  • ورواية أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رجال من الأعراب جفاة، يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه: متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم»، قال هشام: يعني موتهم([18]).

فرواية أم المؤمنين عائشة: «حتى تقوم عليكم ساعتكم» تفسر المشكل في رواية أنس: «حتى تقوم الساعة».

  • ورواية جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة»([19])، وهذه الطريق يفسرها طريق أخرى عن جابر بلفظ: «ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ»([20])، فلفظة «يوم»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وهي حية يومئذ»، كلاهما قد أوضح المراد من الطريق الأولى.
  • ورواية ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعا: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد»([21])، وقد زال الإشكال بما جاء من الزيادة في الطريق الأخرى: عن ابن عمر أنه قال: فوَهِل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث، عن مائة سنة، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض»، يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن([22]).

فتبين من خلال هذا الجمع لطرق الحديث: أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم هو أنه لا يبقى بعد مائة سنة أحد ممن هو موجود في ذلك اليوم على ظهر الأرض.

وقد أشار الإمام النووي (ت 676هـ) إلى هذا بقوله: “سألوه عن الساعة: متى هي؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: «إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم»، وفي رواية: «إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»، وفي رواية ابن عمر: «هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»، وفي رواية: «إن يؤخر هذا»، قال القاضي: هذه الروايات كلها محمولة على معنى الأول، والمراد بساعتكم: موتهم، ومعناه: يموت ذلك القرن أو أولئك المخاطبون”([23]).

كما يقرره الحافظ ابن حجر (ت 852هـ) بقوله: “قوله: «حتى تقوم الساعة» وقع في رواية الباوردي -التي أشرت إليها- بدل قوله: «حتى تقوم الساعة»: «لا يبقى منكم عين تطرف»، وبهذا يتضح المراد. وله في أخرى: «ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة»، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي تقدم بيانه في العلم أنه قال لأصحابه في آخر عمره: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد»([24]).

ثانيًا: الرجوع إلى فهم الصحابة رضي الله عنهم:

لا بيان بعد بيان النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن إمعانًا في توكيد المعنى المراد فإن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- قد أزال الإشكال حول المعنى المراد بهذه الأحاديث؛ وذلك في:

  • بيان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للمعنى المراد: عندما دخل أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري على علي بن أبي طالب، قال له علي: أنت الذي تقول: لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف؟! إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حي اليوم»، والله إن رخاء هذه الأمة بعد مائة عام([25]).
  • وبيان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- للمعنى المراد: حيث قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلَّم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد». قال ابن عمر: فوَهِلَ الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»، يريد بذلك أن يَنْخَرِمَ ذلك القرن([26]).

والمعنى: أنه عندما وَهِل الناس -أي: غلطوا، وذهب وهمهم إلى خلاف الصواب، حيث ظنوا أن المراد أن الدنيا تنتهي بعد مائة سنة([27])– في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبان لهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- المعنى المراد من الحديث بأمرين:

أولهما: روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد».

ثانيهما: قوله: “يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن”، يعني: انقضاء أجل هذا الزمان المخصوص([28]).

وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذا المعنى بقوله: “وكان جماعة من أهل ذلك العصر يظنون أن المراد: أن الدنيا تنقضي بعد مائة سنة؛ فلذلك قال الصحابي: فوهل الناس فيما يتحدثون من مائة سنة، وإنما أراد صلى الله عليه وسلم بذلك انخرام قرنه”([29]).

ثالثًا: تصديق الواقع لمقالته صلى الله عليه وسلم:

وقد تتبع العلماء من كان آخر الصحابة موتًا؛ فوجدوه أبا الطفيل عامر بن واثلة -رضي الله عنه-، وقد مات سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم: «وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة»، فعُدَّ ذلك آية شاهدة على صدقه صلى الله عليه وسلم.

يقول الحافظ ابن حجر: “ووقع في الخارج كذلك، فلم يبق ممن كان موجودًا عند مقالته تلك عند استكمال مائة سنة من سنة موته أحد، وكان آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم موتًا أبو الطفيل عامر بن واثلة، كما ثبت في صحيح مسلم”([30]).

لذا عدَّه بعض العلماء علمًا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم؛ يقول الإمام النووي: “هذه الأحاديث قد فسر بعضها بعضًا، وفيها علم من أعلام النبوة، والمراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قل أمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة”([31]).

فسبحان الله العظيم! المؤمن يرى في هذا الحديث معجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، قد شهد بها الواقع، والعقلانيون يعارضونه ويكذبونه بلا برهان!! {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64].

نسأل الله تعالى التوفيق لما فيه رضاه، ونعوذ به من الخذلان، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: الموافقات (1/ 125).

([2]) فجر الإسلام لأحمد أمين (ص: 218).

([3]) أخرجه البخاري (6167)، ومسلم (2953).

([4]) هذا قول عدنان إبراهيم في إحدى خطبه، ودونك رابط كلامه:

https://www.youtube.com/watch?v=0W9tfOey8ow

([5]) أخرجه مسلم (2538).

([6]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 90).

([7]) كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 70).

([8]) ينظر على سبيل المثال: تفسير الطبري (23/ 671)، وتفسير القرطبي (19/ 27-28)، وتفسير ابن كثير (8/ 247).

([9]) معاني القرآن وإعرابه (5/ 237).

([10]) الهداية الى بلوغ النهاية (12/ 7780).

([11]) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (3/ 70).

([12]) في مركز سلف ورقة علمية تناقش هذه القضية بعنوان: “قواعد وضوابط يرد إليها ما يشكل من الحديث”، ودونك رابطها: https://salafcenter.org/2059/#_ftn20

([13]) الأنوار الكاشفة (ص: 223).

([14]) ينظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي (2/ 379).

([15]) تفسير البغوي (7/ 400).

([16]) ينظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 212).

([17]) تقدم تخريجه.

([18]) أخرجه البخاري (6511)، ومسلم (2952)، واللفظ للبخاري.

([19]) تقدم تخريجه.

([20]) أخرجه مسلم [218 -(2538)].

([21]) أخرجه البخاري (116).

([22]) أخرجه البخاري (601)، ومسلم (2537).

([23]) شرح النووي على صحيح مسلم (18/ 90).

([24]) فتح الباري (10/ 556).

([25]) أخرجه أحمد (714)، وأبو يعلى (467)، وإسناده قوي.

([26]) أخرجه البخاري (601)، ومسلم (2537) واللفظ له.

([27]) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 90)، وفتح الباري لابن حجر (10/ 556).

([28]) ينظر: جامع الأصول لابن الأثير (10/ 388)، وشرح النووي على صحيح مسلم (16/ 90).

([29]) فتح الباري (10/ 556).

([30]) المرجع نفسه.

([31]) شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 90).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض وتعريف لكتاب:نقد فكر الدكتور عدنان إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم   البيانات الفنية للكتاب: عنوانه: (نقد فكر الدكتور عدنان إبراهيم: قراءة نقدية تكشف وتنقض شبهات وأخطاء وأباطيل عدنان إبراهيم في الإيمان والإلحاد والفلسفة والتصوف وعلم الكلام والفرق والحديث والتاريخ). وهو كتاب إلكترونيّ من منشورات شبكة “الألوكة” على الإنترنت. وكتب على غلافه: -دار المحتسب-. ويقع في مجلد واحد، في 486 صفحة. التعريف […]

تناقضات الملحدين وتيه البُعد عن الوحي

لم تشهد البشرية في المعتقدات تناقضًا مع الذات كتناقض من ينكر وجودَ الخالق سبحانه؛ إذ في إنكاره مكابرة للعقل ودفع للحس المشاهد، هذا مع ما يؤدي إليه هذا القول من صراع مع جميع الكائنات التي تشهد بخلاف ما تقول بلسان حالها ومقالها. ومن العجب أن القرآن لم يناقش قضية الإلحاد؛ وذلك لأنها لا تستند إلى […]

حكم تداول كتب الزندقة والسحر والشعوذة وبيعها

لا يخفى على مسلم مطَّلع على الشرع عالمٍ بمقاصده أن الشريعة قاصدة لحفظ العقول وصيانتها عن كلِّ ما يؤثر عليها ويبعدها عن التفكير السليم، ومن ثمَّ وضَّح القرآن مسائل المعتقد، وأمر الوحيُ بالبعد عن الشهوات والشبهات وكلِّ ما يعيق الفكر السليم، وبيَّن سبحانه أنَّ اتباع ما يمكن أن يُفهم فهمًا غير صحيح من الوحي ضلال […]

حديث: “الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها”والرد على دعاوى المكذّبين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تخبط العقلانيون في نظرتهم إلى الغيب، حيث حاولوا فهمه وإجراءه على المشاهد المحسوس، فضلُّوا في فهمهم، وأخطؤوا في رد الأحاديث الصحيحة بأهوائهم. وقديمًا اصطنع مُعلِّموهم الأوائل من المعتزلة صراعًا بين العقل والنقل؛ ثم رأوا تقديس العقل، وتقديمه على النقل من الكتاب والسنة، فانبرى أهل السنة والجماعة للتنفير من بدعتهم، […]

سمومٌ استشراقية وسُبُل مواجهتها

لا يخفى على دارسٍ للواقع العلمي للصراع الفكري بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية أن المعني الأول بصياغة الأفكار حول الإسلام سلبا أو إيجابا هي الحركة الاستشراقية، فقد أوقف المستشرقون حياتهم العلمية وإنجازاتهم الثقافية لدراسة الدين الإسلامي وقيمه ومبادئه، ولا شك أن محاولة نقد الإسلام من داخله أو ما يسمى بعملية التفجير من الداخل قد أسهمت […]

دلالة القرآن على بعث الأجساد والرد على من زعم أنه بعث أجساد غير هذه الأجساد

قضية البعث أصل من أصول الدين التي فصَّلها القرآن أيما تفصيل، وهي لا تقبل النقاش ولا الجدال؛ إذ بالإيمان بها يكون المسلم مسلمًا، وعلى أساسها يَعبد الله تعالى؛ فإن الذي لا يؤمن بالبعث لا يرجو جنّة ولا يخاف نارًا، فضلا عن أن ينتظر ثوابًا أو عقابًا. وقد علق القرآن كثيرا من أعمال الإنسان بهذا المعتقد، […]

ظاهرة السخرية من العلماء: قراءة في المنطلقات والمرجعية

العلماء ورثة الأنبياء، وهم أهل الخشية، والعدول من أهل الشريعة، الذين كُلِّفوا بحملها، فتوقيرهم وإجلالهم توقيرٌ للشرع الذي يحملونه في صدورهم، ورضا بقضاء الله الذي اختارهم لحمل دينه وخلافة نبيِّه، ومن نافلة القول أن يقال: إن هذا المعنى لا ينطبق إلا على الربانيّين منهم، مَن يتلون الكتاب حقَّ تلاوته ويؤمنون به؛ إذ لفظ “العلماء” في […]

حراسة القِيَم وأهمّيتها في زمن التغيّرات

بناء المجتمعات السامية التي يراد لها أن تكون مثالًا يحتذى به في الحضارة البشرية لا يمكن أن يتم إلا عبر صناعة هذه الأمم صناعة أخلاقية محكمة، ومن هنا كان الحديث عن الأخلاق والقيم بالنسبة للإسلام أصلًا من الأصول ومقصدًا من مقاصد البعثة وميزةً من ميزات الدعوة التي يعترف بها الأعداء قبل الموالين، فعن ابن عباس […]

هل توحيد الألوهية بدعة ابن تيمية؟ -إبطال دعوى كون ابن تيمية مخترع مبحث الألوهية-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: “أقضي أياما وأسابيع في سريري أبكي وأصرخ، وكأن شخصًا ما يوخز جسمي بإبر كبيرة، أنا لا أعيش، أنا أحاول ذلك”([1]). تلك كلمات الشابة البلجيكية البالغة من العمر 32 عامًا، والتي قررت الخضوع للموت الرحيم بعد حصولها على الموافقة القانونية للموت الرحيم، مع أنها فتاة في ريعان شبابها وفي […]

ترجمة الشيخ عمر ابن البسكري العُقْبي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الشيخ عمر ابن البسكري العُقْبي([1]) اسمه ونسبه ونسبته: هو: الشيخ عمر بن محمد بن ناجي بن بسكري، ينتهي نسبه إلى بسكري الذي أصبح اسمه لقبًا لعائلته، وأصله من “زْرِيبَة الوادي”، والتي هي الآن بلديةٌ من بلديات دائرة سيدي عقبة، بولاية بسكرة. مولده: ولد بسيدي عقبة سنة 1898م. نشأته وتكوينه […]

حديث: “ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة” التفهّم والمعارضات

إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل. هكذا قدَّم الإمام الشاطبي (ت 790هـ) لبيان العلاقة بين العقل بالنقل، ثم دلَّل على هذه المقدمة بأدلة عدة، لا نطيل المقالة بذكرها([1])، وهذا المعنى هو المقرر […]

ثقافة الإحسان في الإسلام وشمولها لجميع الكائنات

ليس الإحسان في الإسلام شعارًا استهلاكيًّا كما الإنسانية في الثقافات الأخرى، فالإحسان في الإسلام أصل ومرجع وغاية وقيمة تقصد لذاتها، وتطلب في جميع شؤون الحياة، وهي مقدَّمة على جميع القيم السامية عند التعارض، فالإحسان مقدَّم على العدل إذا زاحمه، كما هو الشأن في العفو في القتل قصاصًا، وفي سائر الحقوق؛ ولذلك قرن الله سبحانه وتعالى […]

الاهتمام باللغة وأهميته في الدعوة إلى الله

ميز الله تعالى الإنسان بالنطق، وفضَّله على كثير من الخلق بالبيان والعلم، وهما من أخص صفات الإنسان، فله قدرة جِبِلِّية على التعبير عن الأشياء بما يليق بها، ويجعلها حاضرة في ذهن المستمع؛ ولذا كان من الصفات التي مدح الله بها نفسه خلقُه الإنسانَ وتعليمُه البيانَ، فقال سبحانه: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017