الخميس - 14 صفر 1442 هـ - 01 أكتوبر 2020 م

سمومٌ استشراقية وسُبُل مواجهتها

A A

لا يخفى على دارسٍ للواقع العلمي للصراع الفكري بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية أن المعني الأول بصياغة الأفكار حول الإسلام سلبا أو إيجابا هي الحركة الاستشراقية، فقد أوقف المستشرقون حياتهم العلمية وإنجازاتهم الثقافية لدراسة الدين الإسلامي وقيمه ومبادئه، ولا شك أن محاولة نقد الإسلام من داخله أو ما يسمى بعملية التفجير من الداخل قد أسهمت في تشويش كثير من الأفكار وإثارة الشبهات حول الإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يقتصر هذا الجهد على المخالفين للإسلام، بل أثر على كثير من المثقفين وقادة الفكر في العالم الإسلامي، وأربكهم في كثير من القضايا، وزعزع قناعتهم في المسلَّمات، وسوف نقوم بإلمامة سريعة ببعض المناهج الاستشراقية؛ لنقدم الوسائل العلمية لمواجهتها، ومن بين أهم مناهجهم التي اعتمدوا في نقد الإسلام من الداخل المناهج الآتية:

منهج التحليل بدل البناء على الوقائع:

هو منهج خطير، من لم يتنبه له فإنه يقع أسيرا للشِّباك التي يرميها القوم في بحور الشريعة، فمن ذلك أن الواحد منهم يقدّم نتيجة لم يكلف نفسه بفحص مقدماتها، ألا ترى “ول ديورانت” يقول في كتابه الموسوعي “قصة الحضارة” عن النبي صلى الله عليه وسلم: “وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء واجبات الحب والحرب، لكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره، وظن أن يهود خيبر قد دسّوا له السُّم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت”([1]).

فهو يريد من خلال هذا التحليل أن ينكر واقعة دس السم للنبي صلى الله عليه وسلم، وبطبيعة الحال سوف يصل إلى نتيجتين:

الأولى: تبرئة اليهود من هذا الجرم.

والثانية: نفي معجزة من معجزات وهي تحديث الكتف للنبي صلى الله عليه وسلم بوضع السم فيها، وقس على ذلك.

تبنيهم دعوى الاستفادة:

فهم لا ينطلقون من أن القرآن نزل من عند الله، وأن محمدا رسول الله؛ وإنما يجعلون من نصوص القرآن والسنة نصوصا مؤلفة من شخص واحد، أو من أشخاص متعددين، وأثناء التأليف قاموا بالاستفادة من مجموعة من المعارف المختلفة الموجودة في زمنهم كالكتب السماوية والحضارات الموجودة، ويقومون بالاستدلال على ذلك بأي تشابه أو تواطؤ وجدوه يشهد لهذه الفكرة، وهذا ما دندن حوله المستشرق الألماني “تيودور نولدكه” في كتابه “تاريخ القرآن”([2])، وفي جانب القانون جعلوا الإسلام مجرد نسخة من القانون الروماني، وما الإسلام إلا لون من ألوان الجمع بين الإسلام والمسيحية، وهو مجرد قراءة توفيقية، إلى غير ذلك من الدعاوى التي يصدرها هؤلاء المناوئون للإسلام.

ومعضلة المستشرق أيا كان أنه يتعامل مع الأديان على أنها منفصلة عن بعضها لا يجمع بينها رابط، فلما جاء دور المقارنة سمح لمخيلته أن تنسج إجابات عن تساؤلات بنيت على رؤية سطحية مسبقة: من تأثر بمن؟ وما أدلة التأثير؟ وهكذا بدل أن تكون حالات التشابه بين الأديان عاملًا يوحّدها ويرجعها إلى منبعها الأصلي، ومن ثم يؤكد غايتها المتجسدة في هداية البشر، فقد تحولت بيد المستشرق إلى أداة سطوٍ فكري؛ يتم بواسطتها إفراغ الإسلام من مضمونه، وذلك بإرجاعه إلى مصادر خارجية كالنصرانية واليهودية والمجوسية والبوذية والبابلية([3]).

العلمانية والمادية:

وهو منهج يتم استبعاد البعد الديني من خلاله لأي تصرف يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويتمّ تفسير تصرفاتهم تفسيرًا ماديًّا نفعيًّا، فتفسر الفتوحات على أنها مطامع توسعية دعا إليها الجفاف، فندرة المياه في الجزيرة العربية كانت عاملًا أساسيًّا في كثرة الفتوحات إلى هذا الحد([4])، ويتم توزيع هذه التهمة على سائر الإنجازات الحضارية للأمة، وفق زبد من مضحكات التأويل ومستكرهات المنطق، ومن ثم فإن التوسع لا يمكن أن يفهم إلا في إطار عوامل اقتصادية بحته لا علاقة لها بنشر القيم أو الدوافع الدينية.

وخطر هذه النظرة أن أصحابها يستندون إلى أحداث ووقائع يفسرونها تفسيرًا خاصًّا بهم، فلزم على المدافعين عن الهوية الإسلامية أن يكونوا على قدر من التيقظ والوعي، يخولهم لمواجهة هذا الفكر، وذلك لا يكون إلا باستخدام آليات علمية جادة تضع حدًّا لهذه الثغرات، وتبدي الإسلام في صورته الحقيقية؛ بعيدا عن التصورات الوهمية التي قدمها هؤلاء، وذلك بتبني وسائل متعددة غير تقليدية يمكن معها المناجزة على أكثر من صعيد، ومن هذه الوسائل:

– إعداد موسوعات للرد على المستشرقين.

– إعداد دائرة معارف إسلامية جديدة.

– فتح معاهد للدراسات الاستشراقية في الجامعات الإسلامية، تعنى بما يصدر عن المستشرقين تصنيفًا ودراسةً ونقدًا.

– تدريس الاستشراق وآثاره ومناهجه في الأقسام العلمية في الجامعات الإسلامية([5]).

هذا وينبغي استحضار أن الاستشراق وجه من وجوه الاستعمار؛ فلذلك هو قوي بقوته، فكلما ضعفت الأمة ماديًّا انعكس هذا الضعف على العطاء العلمي والثقافي؛ فلذلك ينبغي إدراك ذلك أثناء المواجهة العلمية للاستشراق، وهو أن من عوامل استقوائه على الأمة ضعفها وشعور أبنائها بالضعف، فينبغي إنشاء وعي ثقافي بتاريخ الأمة ومقوماتها ونقاط قوتها في الماضي والحاضر، وتعزيز الثقة بالثقافة الإسلامية وتقويتها في نفوس الشباب والمبتعثين للخارج، مع استغلال الموارد الاقتصادية للأمة في نشر دينها والتعريف بنبيها صلى الله عليه وسلم وبرسالته، كما ينبغي التركيز على جوانب الخلل العلمي في البحث الاستشراقي، وتبيين عدم نزاهة الآليات العلمية عندهم، وينبني على ذلك بطبيعة الحال عدم صحة النتائج التي بنوها على مقدماتهم الباطلة، والتي استحضروا فيها العداء والخصومة الثقافية أكثر من استحضارهم لأخلاق العلم، وهو أمر لن يجد الباحث فيه كبير عناء، هذا بالإضافة إلى توفير مادة علمية مبسطة لغير المختصين، خصوصًا من المبتعثين وأصحاب التخصصات في العلوم الإنسانية؛ لأنهم عرضة للأفكار الاستشراقية؛ لاحتكاكهم بالعلوم الغربية وضعف تصور كثير منهم للعلوم الشرعية؛ وذلك أن الدراسات الاستشراقية ركزت جهودها على تاريخ الأمة القديم، ولا سيما الفتن والحروب الأهلية والفرق الدينية الهامشية وكل مسألة تظهر سلبيات هذا التاريخ، كما عمدوا إلى تعظيم دور الفرق الدينية بقصد النيل من وحدة الإسلام، ووحدة مجتمعه وحضارته، وجعلوا من الفرق الدينية صانعًا لعقيدة المسلمين على مرِّ التاريخ، فلزم أن يؤرَّخ لهذه الفرق، والمدافعة التي حصلت بينها وبين أهل السنة في سبيل حماية العقيدة الإسلامية من كل دخيل عليها حتى بقيت ناصعة واضحة لمن أرادها، وعليه فإن أخذ هذا المعنى بالحسبان وتوفير هذه المادة ومحاولة تقريبها من الجميع يعد من أعظم أبواب نصرة الدين.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) قصة الحضارة (4/ 46).

([2]) تاريخ القرآن (1/ 20) وما بعدها.

([3]) مناهج المستشرقين (ص: 10)، وانظر: الاستشراق في السيرة النبوية، لعبد الله النعيم (ص: 34).

([4]) ينظر: محمد في مكة (ص: 56).

([5]) ينظر: دراسات في تميز الأمة الإسلامية (2/ 1224) وما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مُحاكَمَة الملِحد إلى بَدَهيَّات العَقلِ

مِن مآزقِ العقل البشريِّ الحيرةُ في وجود الخالِق، وهي عَرَض مَرَضيٌّ يَدخُل في دائرة الوسوَسَة وليس في نطاق العِلم؛ لأنه في صورته النهائيَّة يعني الخروجَ بالإنسان من دائرة العَقل إلى الجنونِ، ومن هنا اقترحَ كثيرٌ من العقلاءِ معالجتَه على أنه ظاهرةٌ مَرَضِيّة، وليس ظاهرةً فِكريَّة أو علميَّة وإن حاول أصحابُه ذلك؛ لأنَّ الأعمى قد تراه […]

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (2)

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    7- طريقة في الاستسقاء: ذكر المؤلف في حوادث سنة 1291هـ: وفي يوم السادس والعشرين من شهر ذي القعدة أمر الباشا بالقراءة على سبعين ألف حجر آية: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الآية، وكل مائة مرة يقرأ هذا الدعاء: (اللهم لا تهلك عبادك بذنوب عبادك، ولكن برحمتك الشاملة اسقنا ماء […]

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (1)

   للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: يُعدُّ كتاب (الحوادث المكية) للمؤرخ المكي أحمد بن أمين بيت المال (1255-1323هـ) المسمّى بـ: (النّخبة السّنيَّة في الحوادث المكية) أو (التحفة السنية في الحوادث المكية)([1]) مِن أهمِّ الكتب في تاريخ مكة المكرمة في الحقبة ما بين (1279هـ) و(1322هـ)؛ لما يتميَّز به من تدوين الحوادث الحوليَّة والانفراد بذكر […]

سنُّ أمّ المؤمنين عائشةَ عندَ زواج النبيِّ ﷺ بها تحقيقٌ ودَفعُ شبهة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدّمة: يتفنَّن المخالِفون في تَزيين ادِّعاءاتهم الباطلةِ بزخرُفِ مُوافقة العَقل والمبالغةِ في الحسابات الموهومة؛ فتراهم يحاولون إضفاءَ الصّبغة الأكاديميّة والموضوعيَّة العلميَّة عليها، والواقعُ يكذِّب دعواهم، والمنهَج العلميُّ يثبت خلافَ مزاعمهم، وبالمثال يتَّضح المقال. مِن ذلك ما ادَّعاه بعضُ الكُتّاب من عدَم دقَّة كثير من الأحاديث والروايات المتعلِّقةِ بالإسلام والتي […]

علاقةُ الجن بالبشر في حدود النصوص الشرعية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدَّمة: عالم الغيب عالم محجوبٌ عن الإنسان، لا يطَّلع عليه إلا بقدرِ ما تسمح به السنَن الكونيَّة، وما يقدِّمه الوحيُ مِن معلومات يقينيَّة عنه، ومع ندرةِ المعلومات عن العوالم الغيبية وقلة الوسائل لمعرفتها فإنَّ الإنسان يأبى إلا أن يحاول الاطِّلاع عليها، ويظلُّ طلبُ الحقيقة عنها سؤالًا يشغل بالَ […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب:الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا. اسم المؤلف: د. فضة بنت سالم العنزي، أستاذ مساعد بجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية. دار الطباعة: مركز دلائل، الرياض، المملكة العربية السعودية. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1440هـ-2019م. حجم الكتاب: […]

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو […]

تلخيص كتاب جلاء الحداثة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» بيان ورد التباس

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ شهرةَ المبطِل في باطله لا تنفُخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه؛ فما يقوم به أصحاب الأهواء من اتخاذهم بعض الأحاديث الصحيحة متكَأً لهم؛ فيحمِلُونها على غير محاملها، ويُحمِّلُونها ما لا تحتمله من التحريفات والتأويلات الفاسدة؛ تمهيدًا لاستخدامها بالباطل لتكون برهانًا ودليلًا على نشر شبهاتهم […]

عرض وتعريف بكتاب: صيانة الجناب النبوي الشريف

بيانات الكتاب: عنوان الكتاب: صيانَة الجَناب النَّبوي الشَّريف (ردُّ الإشكالات الواردة على سبعة أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم). المؤلف: د. أسامة محمد زهير الشنطي (الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة). الناشر: مبرة الآل والأصحاب. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى، سنة 1441هـ. حجم الكتب: 535 صفحة. التعريف العام بموضوع الكتاب: يهدف هذا الكتاب إلى تحليل ومناقشة سبعة […]

جواب شبهةٍ حول حديث: «من تصَبَّح بسبعِ تَمرات»

من المسلَّم به أنَّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم محمولٌ على التشريع والإخبار، ويستحيل في حقِّه الكلام بالظنِّ والتخمين، وإن جُوِّز من باب الاجتهاد فيمتنع إقرارُه من القرآن، ولذلك أمثلةٌ كثيرة في القرآنِ، منها قضيَّة أسرى بدرٍ، فقد أنزل الله فيهم قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ […]

خلاصة كتاب معالم المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

  المفاضلة بين الأنبياء – تحرير مفهوم ودفع إيهام –

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فقد خلق الكون كله، واختار من ذلك ما شاء من الأمكنة والأزمنة ففضل بعضها على بعض. والمفاضلة مفاعلة من الفضل، وهي المقارنة بين شيئين أو جهتين وتغليب أحدهما على الآخر في الفضل، إذا فالمفاضلة إثبات الفضل لشيءٍ على آخر، وتقديمه بذلك عليه، ولذا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017