الأربعاء - 14 ذو القعدة 1445 هـ - 22 مايو 2024 م

سمومٌ استشراقية وسُبُل مواجهتها

A A

لا يخفى على دارسٍ للواقع العلمي للصراع الفكري بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية أن المعني الأول بصياغة الأفكار حول الإسلام سلبا أو إيجابا هي الحركة الاستشراقية، فقد أوقف المستشرقون حياتهم العلمية وإنجازاتهم الثقافية لدراسة الدين الإسلامي وقيمه ومبادئه، ولا شك أن محاولة نقد الإسلام من داخله أو ما يسمى بعملية التفجير من الداخل قد أسهمت في تشويش كثير من الأفكار وإثارة الشبهات حول الإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يقتصر هذا الجهد على المخالفين للإسلام، بل أثر على كثير من المثقفين وقادة الفكر في العالم الإسلامي، وأربكهم في كثير من القضايا، وزعزع قناعتهم في المسلَّمات، وسوف نقوم بإلمامة سريعة ببعض المناهج الاستشراقية؛ لنقدم الوسائل العلمية لمواجهتها، ومن بين أهم مناهجهم التي اعتمدوا في نقد الإسلام من الداخل المناهج الآتية:

منهج التحليل بدل البناء على الوقائع:

هو منهج خطير، من لم يتنبه له فإنه يقع أسيرا للشِّباك التي يرميها القوم في بحور الشريعة، فمن ذلك أن الواحد منهم يقدّم نتيجة لم يكلف نفسه بفحص مقدماتها، ألا ترى “ول ديورانت” يقول في كتابه الموسوعي “قصة الحضارة” عن النبي صلى الله عليه وسلم: “وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء واجبات الحب والحرب، لكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره، وظن أن يهود خيبر قد دسّوا له السُّم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت”([1]).

فهو يريد من خلال هذا التحليل أن ينكر واقعة دس السم للنبي صلى الله عليه وسلم، وبطبيعة الحال سوف يصل إلى نتيجتين:

الأولى: تبرئة اليهود من هذا الجرم.

والثانية: نفي معجزة من معجزات وهي تحديث الكتف للنبي صلى الله عليه وسلم بوضع السم فيها، وقس على ذلك.

تبنيهم دعوى الاستفادة:

فهم لا ينطلقون من أن القرآن نزل من عند الله، وأن محمدا رسول الله؛ وإنما يجعلون من نصوص القرآن والسنة نصوصا مؤلفة من شخص واحد، أو من أشخاص متعددين، وأثناء التأليف قاموا بالاستفادة من مجموعة من المعارف المختلفة الموجودة في زمنهم كالكتب السماوية والحضارات الموجودة، ويقومون بالاستدلال على ذلك بأي تشابه أو تواطؤ وجدوه يشهد لهذه الفكرة، وهذا ما دندن حوله المستشرق الألماني “تيودور نولدكه” في كتابه “تاريخ القرآن”([2])، وفي جانب القانون جعلوا الإسلام مجرد نسخة من القانون الروماني، وما الإسلام إلا لون من ألوان الجمع بين الإسلام والمسيحية، وهو مجرد قراءة توفيقية، إلى غير ذلك من الدعاوى التي يصدرها هؤلاء المناوئون للإسلام.

ومعضلة المستشرق أيا كان أنه يتعامل مع الأديان على أنها منفصلة عن بعضها لا يجمع بينها رابط، فلما جاء دور المقارنة سمح لمخيلته أن تنسج إجابات عن تساؤلات بنيت على رؤية سطحية مسبقة: من تأثر بمن؟ وما أدلة التأثير؟ وهكذا بدل أن تكون حالات التشابه بين الأديان عاملًا يوحّدها ويرجعها إلى منبعها الأصلي، ومن ثم يؤكد غايتها المتجسدة في هداية البشر، فقد تحولت بيد المستشرق إلى أداة سطوٍ فكري؛ يتم بواسطتها إفراغ الإسلام من مضمونه، وذلك بإرجاعه إلى مصادر خارجية كالنصرانية واليهودية والمجوسية والبوذية والبابلية([3]).

العلمانية والمادية:

وهو منهج يتم استبعاد البعد الديني من خلاله لأي تصرف يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويتمّ تفسير تصرفاتهم تفسيرًا ماديًّا نفعيًّا، فتفسر الفتوحات على أنها مطامع توسعية دعا إليها الجفاف، فندرة المياه في الجزيرة العربية كانت عاملًا أساسيًّا في كثرة الفتوحات إلى هذا الحد([4])، ويتم توزيع هذه التهمة على سائر الإنجازات الحضارية للأمة، وفق زبد من مضحكات التأويل ومستكرهات المنطق، ومن ثم فإن التوسع لا يمكن أن يفهم إلا في إطار عوامل اقتصادية بحته لا علاقة لها بنشر القيم أو الدوافع الدينية.

وخطر هذه النظرة أن أصحابها يستندون إلى أحداث ووقائع يفسرونها تفسيرًا خاصًّا بهم، فلزم على المدافعين عن الهوية الإسلامية أن يكونوا على قدر من التيقظ والوعي، يخولهم لمواجهة هذا الفكر، وذلك لا يكون إلا باستخدام آليات علمية جادة تضع حدًّا لهذه الثغرات، وتبدي الإسلام في صورته الحقيقية؛ بعيدا عن التصورات الوهمية التي قدمها هؤلاء، وذلك بتبني وسائل متعددة غير تقليدية يمكن معها المناجزة على أكثر من صعيد، ومن هذه الوسائل:

– إعداد موسوعات للرد على المستشرقين.

– إعداد دائرة معارف إسلامية جديدة.

– فتح معاهد للدراسات الاستشراقية في الجامعات الإسلامية، تعنى بما يصدر عن المستشرقين تصنيفًا ودراسةً ونقدًا.

– تدريس الاستشراق وآثاره ومناهجه في الأقسام العلمية في الجامعات الإسلامية([5]).

هذا وينبغي استحضار أن الاستشراق وجه من وجوه الاستعمار؛ فلذلك هو قوي بقوته، فكلما ضعفت الأمة ماديًّا انعكس هذا الضعف على العطاء العلمي والثقافي؛ فلذلك ينبغي إدراك ذلك أثناء المواجهة العلمية للاستشراق، وهو أن من عوامل استقوائه على الأمة ضعفها وشعور أبنائها بالضعف، فينبغي إنشاء وعي ثقافي بتاريخ الأمة ومقوماتها ونقاط قوتها في الماضي والحاضر، وتعزيز الثقة بالثقافة الإسلامية وتقويتها في نفوس الشباب والمبتعثين للخارج، مع استغلال الموارد الاقتصادية للأمة في نشر دينها والتعريف بنبيها صلى الله عليه وسلم وبرسالته، كما ينبغي التركيز على جوانب الخلل العلمي في البحث الاستشراقي، وتبيين عدم نزاهة الآليات العلمية عندهم، وينبني على ذلك بطبيعة الحال عدم صحة النتائج التي بنوها على مقدماتهم الباطلة، والتي استحضروا فيها العداء والخصومة الثقافية أكثر من استحضارهم لأخلاق العلم، وهو أمر لن يجد الباحث فيه كبير عناء، هذا بالإضافة إلى توفير مادة علمية مبسطة لغير المختصين، خصوصًا من المبتعثين وأصحاب التخصصات في العلوم الإنسانية؛ لأنهم عرضة للأفكار الاستشراقية؛ لاحتكاكهم بالعلوم الغربية وضعف تصور كثير منهم للعلوم الشرعية؛ وذلك أن الدراسات الاستشراقية ركزت جهودها على تاريخ الأمة القديم، ولا سيما الفتن والحروب الأهلية والفرق الدينية الهامشية وكل مسألة تظهر سلبيات هذا التاريخ، كما عمدوا إلى تعظيم دور الفرق الدينية بقصد النيل من وحدة الإسلام، ووحدة مجتمعه وحضارته، وجعلوا من الفرق الدينية صانعًا لعقيدة المسلمين على مرِّ التاريخ، فلزم أن يؤرَّخ لهذه الفرق، والمدافعة التي حصلت بينها وبين أهل السنة في سبيل حماية العقيدة الإسلامية من كل دخيل عليها حتى بقيت ناصعة واضحة لمن أرادها، وعليه فإن أخذ هذا المعنى بالحسبان وتوفير هذه المادة ومحاولة تقريبها من الجميع يعد من أعظم أبواب نصرة الدين.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) قصة الحضارة (4/ 46).

([2]) تاريخ القرآن (1/ 20) وما بعدها.

([3]) مناهج المستشرقين (ص: 10)، وانظر: الاستشراق في السيرة النبوية، لعبد الله النعيم (ص: 34).

([4]) ينظر: محمد في مكة (ص: 56).

([5]) ينظر: دراسات في تميز الأمة الإسلامية (2/ 1224) وما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

كيف أحبَّ المغاربةُ السلفيةَ؟ وشيء من أثرها في استقلال المغرب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدّمة المعلِّق في كتابِ (الحركات الاستقلاليَّة في المغرب) الذي ألَّفه الشيخ علَّال الفاسي رحمه الله كان هذا المقال الذي يُطلِعنا فيه علَّالٌ على شيءٍ من الصراع الذي جرى في العمل على استقلال بلاد المغرب عنِ الاسِتعمارَين الفرنسيِّ والإسبانيِّ، ولا شكَّ أن القصةَ في هذا المقال غيرُ كاملة، ولكنها […]

التوازن بين الأسباب والتوكّل “سرّ تحقيق النجاح وتعزيز الإيمان”

توطئة: إن الحياةَ مليئة بالتحدِّيات والصعوبات التي تتطلَّب منا اتخاذَ القرارات والعمل بجدّ لتحقيق النجاح في مختلِف مجالات الحياة. وفي هذا السياق يأتي دورُ التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله كمفتاح رئيس لتحقيق النجاح وتعزيز الإيمان. إن الأخذ بالأسباب يعني اتخاذ الخطوات اللازمة والعمل بجدية واجتهاد لتحقيق الأهداف والأمنيات. فالشخص الناجح هو من يعمل […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017