الاثنين - 28 ذو القعدة 1443 هـ - 27 يونيو 2022 م

الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والخلط بينهما

A A

 إن منهج السلف هو أسعد المناهج بالعقل وبالنقل، وهو منهج وسط بين المناهج المنحرفة التي ظنَّت التعارض بينهما، فهو وسط بين الإفراط والتفريط.

ومن القضايا التي يتجلَّى فيها وسطية هذا المنهج قضيَّة: الإرادة والأمر الإلهيين.

فإنه من المعلوم أن كل ما في الكون إنما يجري بأمر الله تعالى، وأن الله تعالى إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، وأن الله تعالى أرسل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام، وفيه الأوامر والنواهي الشرعية التي من استجاب لها كان مؤمنًا، ومن لم يستجب وأعرض عنها كان كافرًا أو عاصيًا بحسب فعله.

فما أراد الله تعالى حصوله في الكون هو الإرادة الكونية القدرية. وما أراده الله تعالى من الأوامر والنواهي الشرعية هو الإرادة الشرعية.

فإرادته الكونية هي الإرادة التي يلزم منها وقوع الشيء، ولا يلزم منها محبته. والإرادة الشرعية هي التي يلزم منها محبة الشيء، ولا يلزم منها وقوعه.

ولا تلازم بين هاتين الإرادتين، فقد يجتمعان وقد يفترقان:

فمثال الإرادة الكونية غير الشرعية: إرادة كفرِ الكافر، فإن كفره أمرٌ لا يحبُّه الله ولا يرضاه، لكن الله تعالى أراده كونًا لأنَّه قد وقع، ولا يقع في ملكه إلا ما يشاء.

ومثال الإرادة الشرعية غير الكونية: إيمان الكافر، فإن الله تعالى يريد منه الإيمان شرعًا ويحبُّه منه، لكنه لم يرده كونًا لكونه لم يقع.

وقد يجتمعان فيكون الفعل مرادًا لله شرعًا وكونًا ومثاله: إيمان المؤمن، فإنه أمر وقع وهو مما يحبه الله ويرضاه([1]).

ومناط التكليف هو الأمر الشرعي، فالعبد مخاطبٌ بما أمره الله به شرعًا، وليس بما قدَّره الله كونًا.

ثم إن الإرادة والأمر مترادفان؛ إذ إن حقيقتها طلب حصول الفِعل، فتنقسم الإرادة إلى كونية وشرعية، وينقسم الأمر إلى كوني وشرعي، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، فعبَّر بالإرادة والأمر في الإرادة الكونية، وكذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]، فعبر بالإرادة في الأمر الشرعي.

أما المخالفون لمنهج أهل السنة فقد حصل لديهم خلط بين الإرادتين، بسبَب خلطهم بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدَّر الله حصوله في الكون، وقد أوقعهم هذا الخلط في مزالق ومضايق وإشكالات كثيرة.

وسبب هذا الخلط أنهم فشلوا في الجواب عن السؤال عن إرادة الله لكفر الكافر، فإنهم إذا قيل لهم: هل يريد الله من الكافر الكفر؟ لم يفرِّقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وظنوا التلازم بين وقوع الشيء وبين محبة الله له ورضاه به، فطلبوا تأويل ذلك.

وهذا السؤال لا إشكال فيه على منهج السلف؛ إذ إن الكفر الحاصل من الكافر أراده الله كونًا لكونه قد وقع، لكن لم يرده شرعًا لأنه لا يحبُّ الكفر ولا يرضى به، فلا ينافي أمره الشرعي للكافر بالإيمان ما سبق في علمه من أنه لا يؤمن.

وقد نتج عن الزلل في هذا الموضع جملة من الأقوال والمسائل التي أدخلوها في كتب أصول الفقه، ومبناها على هذه القضية، نوردها باختصار فيما يلي:

المسألة الأولى: قول الأشاعرة بأن الأمر بالشيء لا يستلزم إرادته:

ذهبت الأشاعرة إلى أنه ليس من شرط الأمر إرادة الآمر امتثال المأمور، فيجوز أن يأمر سبحانه بالشيء وهو لا يريده([2]).

وعمدتهم في الاستدلال على ذلك هو أنه يجوز -في العقل- للسيد إذا أراد معاقبة عبده أن يأمره بأن يفعل الفعل وهو لا يريد منه حصوله، إنما يأمره حتى يُمهِّد لعقوبته، وهو في هذه الحالة غير مريد للامتثال منه.

والأشاعرة يصرِّحون بأن الذي دعاهم إلى هذا القول هو أمر الله تعالى للكافر بالإيمان، وأنه لو أراده منه لوقع، فكونه لم يقع يدل على أنه غير مراد([3])، ونتيجة لذلك فصلوا الأمر عن الإرادة، وجعلوا الإرادة لا تتعلق إلا بما وجد، دون ما لم يوجد.

وقد ترتَّب على ذلك أن قال بعضهم بأن الله مريد للمحرمات التي وقعت راضٍ بها، وأن المراد بالآيات التي فيها أن الله لا يرضى بالكفر وبالمعاصي هو نفي إرادة التكليف بها([4]).

المسألة الثانية: تجويز الأشاعرة للتكليف بما لا يطاق:

الأشاعرة يجوِّزون التكليف بما لا يطاق([5])، وسبب ذلك هو محاولة الجمع بين علم الله السابق من الكافر بأنه لن يؤمن وبين أمره تعالى له بالإيمان، فقد ظنوا أن هذا تكليف له بما لا يطاق؛ إذ كيف يكلَّف بالإيمان وهو غير قادر عليه لأن الله قدر أنه لن يؤمن؟! ومن ثم ذهبوا إلى جوازه، وهذا على الرغم من قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقد تأولوا الآية بتأويلات بعيدة.

المسألة الثالثة: قول المعتزلة بامتناع النسخ قبل التمكن من الامتثال:

الأمر عند المعتزلة لا بد فيه من إرادة الآمر امتثال المأمور([6])؛ ولذا فإن القول بجواز نسخ الأمر قبل التمكن من الفعل يبطل هذا الشرط عندهم، فذهبوا إلى عدم جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الفعل([7])، وتأوَّلوا ما أخبر الله سبحانه في كتابه عن نسخ أمره تعالى لنبيِّه إبراهيم بذبح إسماعيل، بتأويلات بعيدة([8])، وهو قول مشهور لهم في الأصول.

المسألة الرابعة: قول المعتزلة بأن الأمر لا يدخل فيه من علم الله أنه لن يفعل:

وهذا القول أيضًا مبنيٌّ عندهم على القول بأنه لا بد في الأمر من إرادة امتثال المأمور، وظنهم التلازم بين الوقوع الكوني والمحبة؛ ولذا أشكل عليهم علم الله تعالى السابق بالمأمور الذي علم أنه لن يمتثل، فقالوا: إن الأمر لا يتناوله، فإذا قيل لهم: فبم يكون العبد مطيعًا؟ قالوا: الطاعة هي موافقة الإرادة، وليس موافقة الأمر([9]).

المسألة الخامسة: نفي غلاة القدرية علم الله تعالى بأفعال عباده قبل أن تقع:

المعتزلة قدرية لأنهم يقولون بنفي خلق أفعال العباد، ومع ذلك لم يكفروا بسبب التأويل، أما غلاة القدرية فلم يتأوَّلوا، ولما أشكل عليهم كيف يعلم الله ويخلق الكفر الحاصل من بني آدم وقد أمرهم بالإيمان؛ صرَّحوا بأن الله لا يعلم أفعال العباد قبل إيقاعها، ونفوا العلم عن الله تعالى بلا تأويل، وهؤلاء كفَّرهم الصحابة رضي الله عنهم([10]).

وهذه الأقوال السابقة كلُّها أقوال باطلة، ولها لوازم لو التزموها لكفروا، لكن تأويلهم مانع من تكفيرهم، عدا غلاة القدرية فقد كفرهم الصحابة، والسبب في هذا التردي هو الخلط بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، والحق ما قاله أهل السنة من التفريق بينهما وعدم تلازمهما.

وهكذا وقع كل فريق في أنواع من الباطل بسبب الحيدة عن منهج السلف، فأسعد الناس بالحق هم السلف رضوان الله عليهم، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص: 114).

([2]) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (1/ 131).

([3]) انظر: الوصول إلى الأصول (1/ 132)، غاية المرام في علم الكلام (ص: 66، 96).

([4]) انظر: المسائل المشتركة (ص: 121).

([5]) انظر: الوصول إلى الأصول (1/ 81).

([6]) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص: 436).

([7]) انظر: المعتمد (1/ 55، 407).

([8]) انظر: المعتمد (1/ 410).

([9]) انظر: الواضح لابن عقيل (1/ 132).

([10]) انظر: مجموع الفتاوى (13/ 36).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

هل خالف حديث «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم» العقل والعلم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: زعم البعض أن حديث «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم» جاء مخالفًا لنظريات العلم والطبيعة والعقل، وجعل هذا الحديث سبيلًا للطعن في رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وفي المنهج النقدي لأهل الحديث. وسوف نتناول في هذه المقالة مناقشة دعوى مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا بنو […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017