الاثنين - 28 رمضان 1442 هـ - 10 مايو 2021 م

الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والخلط بينهما

A A

 إن منهج السلف هو أسعد المناهج بالعقل وبالنقل، وهو منهج وسط بين المناهج المنحرفة التي ظنَّت التعارض بينهما، فهو وسط بين الإفراط والتفريط.

ومن القضايا التي يتجلَّى فيها وسطية هذا المنهج قضيَّة: الإرادة والأمر الإلهيين.

فإنه من المعلوم أن كل ما في الكون إنما يجري بأمر الله تعالى، وأن الله تعالى إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، وأن الله تعالى أرسل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام، وفيه الأوامر والنواهي الشرعية التي من استجاب لها كان مؤمنًا، ومن لم يستجب وأعرض عنها كان كافرًا أو عاصيًا بحسب فعله.

فما أراد الله تعالى حصوله في الكون هو الإرادة الكونية القدرية. وما أراده الله تعالى من الأوامر والنواهي الشرعية هو الإرادة الشرعية.

فإرادته الكونية هي الإرادة التي يلزم منها وقوع الشيء، ولا يلزم منها محبته. والإرادة الشرعية هي التي يلزم منها محبة الشيء، ولا يلزم منها وقوعه.

ولا تلازم بين هاتين الإرادتين، فقد يجتمعان وقد يفترقان:

فمثال الإرادة الكونية غير الشرعية: إرادة كفرِ الكافر، فإن كفره أمرٌ لا يحبُّه الله ولا يرضاه، لكن الله تعالى أراده كونًا لأنَّه قد وقع، ولا يقع في ملكه إلا ما يشاء.

ومثال الإرادة الشرعية غير الكونية: إيمان الكافر، فإن الله تعالى يريد منه الإيمان شرعًا ويحبُّه منه، لكنه لم يرده كونًا لكونه لم يقع.

وقد يجتمعان فيكون الفعل مرادًا لله شرعًا وكونًا ومثاله: إيمان المؤمن، فإنه أمر وقع وهو مما يحبه الله ويرضاه([1]).

ومناط التكليف هو الأمر الشرعي، فالعبد مخاطبٌ بما أمره الله به شرعًا، وليس بما قدَّره الله كونًا.

ثم إن الإرادة والأمر مترادفان؛ إذ إن حقيقتها طلب حصول الفِعل، فتنقسم الإرادة إلى كونية وشرعية، وينقسم الأمر إلى كوني وشرعي، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، فعبَّر بالإرادة والأمر في الإرادة الكونية، وكذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]، فعبر بالإرادة في الأمر الشرعي.

أما المخالفون لمنهج أهل السنة فقد حصل لديهم خلط بين الإرادتين، بسبَب خلطهم بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدَّر الله حصوله في الكون، وقد أوقعهم هذا الخلط في مزالق ومضايق وإشكالات كثيرة.

وسبب هذا الخلط أنهم فشلوا في الجواب عن السؤال عن إرادة الله لكفر الكافر، فإنهم إذا قيل لهم: هل يريد الله من الكافر الكفر؟ لم يفرِّقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وظنوا التلازم بين وقوع الشيء وبين محبة الله له ورضاه به، فطلبوا تأويل ذلك.

وهذا السؤال لا إشكال فيه على منهج السلف؛ إذ إن الكفر الحاصل من الكافر أراده الله كونًا لكونه قد وقع، لكن لم يرده شرعًا لأنه لا يحبُّ الكفر ولا يرضى به، فلا ينافي أمره الشرعي للكافر بالإيمان ما سبق في علمه من أنه لا يؤمن.

وقد نتج عن الزلل في هذا الموضع جملة من الأقوال والمسائل التي أدخلوها في كتب أصول الفقه، ومبناها على هذه القضية، نوردها باختصار فيما يلي:

المسألة الأولى: قول الأشاعرة بأن الأمر بالشيء لا يستلزم إرادته:

ذهبت الأشاعرة إلى أنه ليس من شرط الأمر إرادة الآمر امتثال المأمور، فيجوز أن يأمر سبحانه بالشيء وهو لا يريده([2]).

وعمدتهم في الاستدلال على ذلك هو أنه يجوز -في العقل- للسيد إذا أراد معاقبة عبده أن يأمره بأن يفعل الفعل وهو لا يريد منه حصوله، إنما يأمره حتى يُمهِّد لعقوبته، وهو في هذه الحالة غير مريد للامتثال منه.

والأشاعرة يصرِّحون بأن الذي دعاهم إلى هذا القول هو أمر الله تعالى للكافر بالإيمان، وأنه لو أراده منه لوقع، فكونه لم يقع يدل على أنه غير مراد([3])، ونتيجة لذلك فصلوا الأمر عن الإرادة، وجعلوا الإرادة لا تتعلق إلا بما وجد، دون ما لم يوجد.

وقد ترتَّب على ذلك أن قال بعضهم بأن الله مريد للمحرمات التي وقعت راضٍ بها، وأن المراد بالآيات التي فيها أن الله لا يرضى بالكفر وبالمعاصي هو نفي إرادة التكليف بها([4]).

المسألة الثانية: تجويز الأشاعرة للتكليف بما لا يطاق:

الأشاعرة يجوِّزون التكليف بما لا يطاق([5])، وسبب ذلك هو محاولة الجمع بين علم الله السابق من الكافر بأنه لن يؤمن وبين أمره تعالى له بالإيمان، فقد ظنوا أن هذا تكليف له بما لا يطاق؛ إذ كيف يكلَّف بالإيمان وهو غير قادر عليه لأن الله قدر أنه لن يؤمن؟! ومن ثم ذهبوا إلى جوازه، وهذا على الرغم من قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقد تأولوا الآية بتأويلات بعيدة.

المسألة الثالثة: قول المعتزلة بامتناع النسخ قبل التمكن من الامتثال:

الأمر عند المعتزلة لا بد فيه من إرادة الآمر امتثال المأمور([6])؛ ولذا فإن القول بجواز نسخ الأمر قبل التمكن من الفعل يبطل هذا الشرط عندهم، فذهبوا إلى عدم جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الفعل([7])، وتأوَّلوا ما أخبر الله سبحانه في كتابه عن نسخ أمره تعالى لنبيِّه إبراهيم بذبح إسماعيل، بتأويلات بعيدة([8])، وهو قول مشهور لهم في الأصول.

المسألة الرابعة: قول المعتزلة بأن الأمر لا يدخل فيه من علم الله أنه لن يفعل:

وهذا القول أيضًا مبنيٌّ عندهم على القول بأنه لا بد في الأمر من إرادة امتثال المأمور، وظنهم التلازم بين الوقوع الكوني والمحبة؛ ولذا أشكل عليهم علم الله تعالى السابق بالمأمور الذي علم أنه لن يمتثل، فقالوا: إن الأمر لا يتناوله، فإذا قيل لهم: فبم يكون العبد مطيعًا؟ قالوا: الطاعة هي موافقة الإرادة، وليس موافقة الأمر([9]).

المسألة الخامسة: نفي غلاة القدرية علم الله تعالى بأفعال عباده قبل أن تقع:

المعتزلة قدرية لأنهم يقولون بنفي خلق أفعال العباد، ومع ذلك لم يكفروا بسبب التأويل، أما غلاة القدرية فلم يتأوَّلوا، ولما أشكل عليهم كيف يعلم الله ويخلق الكفر الحاصل من بني آدم وقد أمرهم بالإيمان؛ صرَّحوا بأن الله لا يعلم أفعال العباد قبل إيقاعها، ونفوا العلم عن الله تعالى بلا تأويل، وهؤلاء كفَّرهم الصحابة رضي الله عنهم([10]).

وهذه الأقوال السابقة كلُّها أقوال باطلة، ولها لوازم لو التزموها لكفروا، لكن تأويلهم مانع من تكفيرهم، عدا غلاة القدرية فقد كفرهم الصحابة، والسبب في هذا التردي هو الخلط بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، والحق ما قاله أهل السنة من التفريق بينهما وعدم تلازمهما.

وهكذا وقع كل فريق في أنواع من الباطل بسبب الحيدة عن منهج السلف، فأسعد الناس بالحق هم السلف رضوان الله عليهم، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص: 114).

([2]) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (1/ 131).

([3]) انظر: الوصول إلى الأصول (1/ 132)، غاية المرام في علم الكلام (ص: 66، 96).

([4]) انظر: المسائل المشتركة (ص: 121).

([5]) انظر: الوصول إلى الأصول (1/ 81).

([6]) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص: 436).

([7]) انظر: المعتمد (1/ 55، 407).

([8]) انظر: المعتمد (1/ 410).

([9]) انظر: الواضح لابن عقيل (1/ 132).

([10]) انظر: مجموع الفتاوى (13/ 36).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: خلق اللهُ الإنسان فأحسن خَلقَه، وأودع فيه وسائل المعرفة والتَّمييز بين الخير والشر، وميزه بالعقل عن سائر الأنواع الأخرى من مخلوقات الله على الأرض، ثم كان من كرمه سبحانَه وإحسانِه إلى البشرية أن أرسل إليهم رسلًا من أنفسهم؛ إذ إنَّ الإنسان مع عقله وتمييزه للأمور ووسائله المعرفية الفطرية […]

ليلة القدر ..بين تعظيم الشرع واعتقاد العامة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. عظم الشرع بعض الأوقات لمعنى أو لمصلحة أودعها فيها، وهذا المعنى وهذه المصلحة هما قصد الشارع من التعظيم، فينبغي مراعاة قصد الشارع من جهة الشرع لا من جهة اعتقاد المكلف؛ لأن الشرع جاء لمخالفة الإنسان داعية هواه والتزامه بالشرع، وأحيانا يتوارد […]

مُنكرو السنةِ في مواجهةٍ مع القرآن الكريم..(دعوى الاكتفاء بالقرآن.. عرضٌ ومناقشة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة كان المسلمون على منهجٍ واحدٍ في مَصادر التشريع، آخذين بالكتاب والسنة اللّذين يمثِّلان قطبَ النظامِ المعرفي في الإسلام، وبقيت الأمَّة على ذلك حتى ظَهَرت حُفنَة من الأريكيين([1]) ممَّن قال فيهم النَّبي صلى الله عليه وسلم: «لا ألفِيَنَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري ممَّا أمرت به أو […]

معنى كون الحلال بيِّنًا والحرامِ بيِّنًا

لسانُ الشارع لِسانٌ مبينٌ، وقد قصد للبيان والإرشادِ، وصَرفَ العبارةَ في ذلك، ومِنَ المقطوع به أنَّ الحلال الذي يتوقَّف صلاحُ أمر الناس قد بُيِّن أحسنَ بيان، كما أنَّ الحرامَ الذي يتوقَّف عليه الفسادُ قد بُيِّن أحسنَ بيانٍ، وقد أحال النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيانِ أصول الأشياء في أكثر مِن مناسبة، قال عليه الصلاة […]

{ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى الليل}..دعوى تأخير الإفطار ومناقشتها

كتَب الله الصِّيامَ على المسلمين، وبيَّن ذلك بجلاء في كتابه، وجعله من أركان الإسلام، وهو عبادة عُظمى واضحة الحدِّ والمعالم والأحكام، بيَّنها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في آيات متتاليات، فكان الصيام بتلك الآيات واضحًا جليًّا عند المسلمين، عرفوا ماهيَّته، وحدودَه، ومفطراتِه، ومتى يصومون ومتى يفطرون، وجاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وعملُه […]

استدعاء التصوُّف.. الأسباب والمخاطر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يطلُّ اليومَ التصوفُ برأسه من جديدٍ، بعد أن فترت سوقُه لعقود طويلةٍ، وصارت مقالاته لا تجدُ لها رواجًا، بل كثير من منتسبيه العقلاء يستحيون مما يُحكى في كتبهم من خرافات وشَعوَذات كانوا يسيطرون بها على عقول العامَّة والخاصة قديمًا، ويُرهبون الناسَ مِن مخالفتهم بهذه الحكايات السَّمجة، حتى صار […]

السلفيون وشِرك القصور

لا يخفى على مسلم يتلو القرآن من حين إلى حين أن توحيد الله عز وجل أعظم ما أمر به في كتابه الكريم ، وأن الشرك به سبحانه أعظم ما نهى عنه فيه . واستغرق ذلك من الذكر الحكيم الكثير  الكثير من آياته بالأمر والنهي المباشرين كقوله تعالى : ﴿فَأَرسَلنا فيهِم رَسولًا مِنهُم أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ […]

تعارض الأحاديث في تعيين ليلة القدر

أخبارُ الشرع محمولةٌ على الصدق، وأوامره محمولة على التَّعظيم، ولا يمكن لمؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقدَ في الشرع غيرَ اللائق به، ومع ذلك فإنَّ التعارض واردٌ لكنه لا يكون في القطعيّات ولا في الأخبار؛ لأنها إما صِدق أو كذِب، والأخير منفيٌّ عن الشرع جملةً وتفصيلًا، لكن إذا وردَ ما ظاهره التعارضُ بين الأخبار […]

تعظيمُ الإسلامِ لجميع الأنبياء عليهم السلام

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: للوهلة الأولى ولمن ليس لديه سابقُ علم بالأديان السماوية يظنّ أن الأنبياء عليهم السلام لا علاقةَ تربط بعضَهم ببعض، فلا غايةَ ولا منهج، بل قد يظنُّ الظانُّ أنهم مرسَلون من أرباب متفرِّقين وليس ربًّا واحدًا لا شريكَ له؛ وذلك لما يراه من تناحر وتباغُض وعِداء بين أتباع هذه […]

رمضان …موسمٌ للتزوُّد بالقوَّة والنشاط

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: نبراسُ المسلم في حياته الدنيا قولُه تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، فهو يخطو الخطوةَ التي أمره الله ورسولُه صلى الله عليه وسلم بها، ويتوقَّف عن أيِّ خطوة نهى الله ورسوله صلى […]

حديث: «كِلْتا يديه يمين» والردّ على منكري صفة اليد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من محاسن اعتقاد السلف بناؤه على نصوص الوحي كتابًا وسنة، بعيدًا عن التكلُّف والتعقيد الكلاميّ، غير معارض للفطر السليمة والعقول المستقيمة؛ لذا كان منهج السلف محكمًا في صفات الباري سبحانه؛ وهو إثباتها على حقيقتها وظاهرها، مع نفي مشابهتها أو مماثلتها لصفات المخلوقين، مع قطع طمع العقول في إدراك كيفيتها؛ […]

حكمة الصيام بين الشرع وشغب الماديين

في عالم المادَّة لا صوتَ يعلُو فوق المحسوس، ولا حِكمة تُقبل إلا بقدر ما توفِّر من اللذَّة الجسمانية، وحاجةُ الروح موضوعَةٌ على مقاعِد الاحتياط، لا يتحدَّث عنها -بزعمهم- إلا الفارغون والكُسالى وأصحابُ الأمراض النفسية، لكن هذه النظرةَ وإن سادت فإنها لم تشيِّد بنيانا معرفيًّا يراعِي البدنَ، ويوفِّر حاجةَ الروح، وإنما أنتجَت فراغًا معرفيًّا وضعفًا في […]

عرض ونقد لكتاب:(تكفير الوهابيَّة لعموم الأمَّة المحمديَّة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: كل من قدَّم علمه وأناخ رحله أمام النَّاس يجب أن يتلقَّى نقدًا، ويسمع رأيًا، فكلٌّ يؤخذ من قوله ويردّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعملية النَّقدية لا شكَّ أنها تقوِّي جوانب الضعف في الموضوع محلّ النقد، وتبيِّن خلَلَه، فهو ضروريٌّ لتقدّم الفكر في أيّ أمة، كما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017