الأحد - 28 جمادى الأول 1448 هـ - 08 نوفمبر 2026 م

الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والخلط بينهما

A A

 إن منهج السلف هو أسعد المناهج بالعقل وبالنقل، وهو منهج وسط بين المناهج المنحرفة التي ظنَّت التعارض بينهما، فهو وسط بين الإفراط والتفريط.

ومن القضايا التي يتجلَّى فيها وسطية هذا المنهج قضيَّة: الإرادة والأمر الإلهيين.

فإنه من المعلوم أن كل ما في الكون إنما يجري بأمر الله تعالى، وأن الله تعالى إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، وأن الله تعالى أرسل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام، وفيه الأوامر والنواهي الشرعية التي من استجاب لها كان مؤمنًا، ومن لم يستجب وأعرض عنها كان كافرًا أو عاصيًا بحسب فعله.

فما أراد الله تعالى حصوله في الكون هو الإرادة الكونية القدرية. وما أراده الله تعالى من الأوامر والنواهي الشرعية هو الإرادة الشرعية.

فإرادته الكونية هي الإرادة التي يلزم منها وقوع الشيء، ولا يلزم منها محبته. والإرادة الشرعية هي التي يلزم منها محبة الشيء، ولا يلزم منها وقوعه.

ولا تلازم بين هاتين الإرادتين، فقد يجتمعان وقد يفترقان:

فمثال الإرادة الكونية غير الشرعية: إرادة كفرِ الكافر، فإن كفره أمرٌ لا يحبُّه الله ولا يرضاه، لكن الله تعالى أراده كونًا لأنَّه قد وقع، ولا يقع في ملكه إلا ما يشاء.

ومثال الإرادة الشرعية غير الكونية: إيمان الكافر، فإن الله تعالى يريد منه الإيمان شرعًا ويحبُّه منه، لكنه لم يرده كونًا لكونه لم يقع.

وقد يجتمعان فيكون الفعل مرادًا لله شرعًا وكونًا ومثاله: إيمان المؤمن، فإنه أمر وقع وهو مما يحبه الله ويرضاه([1]).

ومناط التكليف هو الأمر الشرعي، فالعبد مخاطبٌ بما أمره الله به شرعًا، وليس بما قدَّره الله كونًا.

ثم إن الإرادة والأمر مترادفان؛ إذ إن حقيقتها طلب حصول الفِعل، فتنقسم الإرادة إلى كونية وشرعية، وينقسم الأمر إلى كوني وشرعي، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، فعبَّر بالإرادة والأمر في الإرادة الكونية، وكذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]، فعبر بالإرادة في الأمر الشرعي.

أما المخالفون لمنهج أهل السنة فقد حصل لديهم خلط بين الإرادتين، بسبَب خلطهم بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدَّر الله حصوله في الكون، وقد أوقعهم هذا الخلط في مزالق ومضايق وإشكالات كثيرة.

وسبب هذا الخلط أنهم فشلوا في الجواب عن السؤال عن إرادة الله لكفر الكافر، فإنهم إذا قيل لهم: هل يريد الله من الكافر الكفر؟ لم يفرِّقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وظنوا التلازم بين وقوع الشيء وبين محبة الله له ورضاه به، فطلبوا تأويل ذلك.

وهذا السؤال لا إشكال فيه على منهج السلف؛ إذ إن الكفر الحاصل من الكافر أراده الله كونًا لكونه قد وقع، لكن لم يرده شرعًا لأنه لا يحبُّ الكفر ولا يرضى به، فلا ينافي أمره الشرعي للكافر بالإيمان ما سبق في علمه من أنه لا يؤمن.

وقد نتج عن الزلل في هذا الموضع جملة من الأقوال والمسائل التي أدخلوها في كتب أصول الفقه، ومبناها على هذه القضية، نوردها باختصار فيما يلي:

المسألة الأولى: قول الأشاعرة بأن الأمر بالشيء لا يستلزم إرادته:

ذهبت الأشاعرة إلى أنه ليس من شرط الأمر إرادة الآمر امتثال المأمور، فيجوز أن يأمر سبحانه بالشيء وهو لا يريده([2]).

وعمدتهم في الاستدلال على ذلك هو أنه يجوز -في العقل- للسيد إذا أراد معاقبة عبده أن يأمره بأن يفعل الفعل وهو لا يريد منه حصوله، إنما يأمره حتى يُمهِّد لعقوبته، وهو في هذه الحالة غير مريد للامتثال منه.

والأشاعرة يصرِّحون بأن الذي دعاهم إلى هذا القول هو أمر الله تعالى للكافر بالإيمان، وأنه لو أراده منه لوقع، فكونه لم يقع يدل على أنه غير مراد([3])، ونتيجة لذلك فصلوا الأمر عن الإرادة، وجعلوا الإرادة لا تتعلق إلا بما وجد، دون ما لم يوجد.

وقد ترتَّب على ذلك أن قال بعضهم بأن الله مريد للمحرمات التي وقعت راضٍ بها، وأن المراد بالآيات التي فيها أن الله لا يرضى بالكفر وبالمعاصي هو نفي إرادة التكليف بها([4]).

المسألة الثانية: تجويز الأشاعرة للتكليف بما لا يطاق:

الأشاعرة يجوِّزون التكليف بما لا يطاق([5])، وسبب ذلك هو محاولة الجمع بين علم الله السابق من الكافر بأنه لن يؤمن وبين أمره تعالى له بالإيمان، فقد ظنوا أن هذا تكليف له بما لا يطاق؛ إذ كيف يكلَّف بالإيمان وهو غير قادر عليه لأن الله قدر أنه لن يؤمن؟! ومن ثم ذهبوا إلى جوازه، وهذا على الرغم من قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقد تأولوا الآية بتأويلات بعيدة.

المسألة الثالثة: قول المعتزلة بامتناع النسخ قبل التمكن من الامتثال:

الأمر عند المعتزلة لا بد فيه من إرادة الآمر امتثال المأمور([6])؛ ولذا فإن القول بجواز نسخ الأمر قبل التمكن من الفعل يبطل هذا الشرط عندهم، فذهبوا إلى عدم جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الفعل([7])، وتأوَّلوا ما أخبر الله سبحانه في كتابه عن نسخ أمره تعالى لنبيِّه إبراهيم بذبح إسماعيل، بتأويلات بعيدة([8])، وهو قول مشهور لهم في الأصول.

المسألة الرابعة: قول المعتزلة بأن الأمر لا يدخل فيه من علم الله أنه لن يفعل:

وهذا القول أيضًا مبنيٌّ عندهم على القول بأنه لا بد في الأمر من إرادة امتثال المأمور، وظنهم التلازم بين الوقوع الكوني والمحبة؛ ولذا أشكل عليهم علم الله تعالى السابق بالمأمور الذي علم أنه لن يمتثل، فقالوا: إن الأمر لا يتناوله، فإذا قيل لهم: فبم يكون العبد مطيعًا؟ قالوا: الطاعة هي موافقة الإرادة، وليس موافقة الأمر([9]).

المسألة الخامسة: نفي غلاة القدرية علم الله تعالى بأفعال عباده قبل أن تقع:

المعتزلة قدرية لأنهم يقولون بنفي خلق أفعال العباد، ومع ذلك لم يكفروا بسبب التأويل، أما غلاة القدرية فلم يتأوَّلوا، ولما أشكل عليهم كيف يعلم الله ويخلق الكفر الحاصل من بني آدم وقد أمرهم بالإيمان؛ صرَّحوا بأن الله لا يعلم أفعال العباد قبل إيقاعها، ونفوا العلم عن الله تعالى بلا تأويل، وهؤلاء كفَّرهم الصحابة رضي الله عنهم([10]).

وهذه الأقوال السابقة كلُّها أقوال باطلة، ولها لوازم لو التزموها لكفروا، لكن تأويلهم مانع من تكفيرهم، عدا غلاة القدرية فقد كفرهم الصحابة، والسبب في هذا التردي هو الخلط بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، والحق ما قاله أهل السنة من التفريق بينهما وعدم تلازمهما.

وهكذا وقع كل فريق في أنواع من الباطل بسبب الحيدة عن منهج السلف، فأسعد الناس بالحق هم السلف رضوان الله عليهم، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص: 114).

([2]) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (1/ 131).

([3]) انظر: الوصول إلى الأصول (1/ 132)، غاية المرام في علم الكلام (ص: 66، 96).

([4]) انظر: المسائل المشتركة (ص: 121).

([5]) انظر: الوصول إلى الأصول (1/ 81).

([6]) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص: 436).

([7]) انظر: المعتمد (1/ 55، 407).

([8]) انظر: المعتمد (1/ 410).

([9]) انظر: الواضح لابن عقيل (1/ 132).

([10]) انظر: مجموع الفتاوى (13/ 36).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017