الأحد - 28 جمادى الأول 1448 هـ - 08 نوفمبر 2026 م

الأسماء والصفات عند الإمام الذهبي

A A
 #مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

الإمام الذهبي هو أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ولد سنة 673 هـ بدمشق، وطلب علم القراءات، ثم شغف بالحديث حتى ملك عليه قلبه، فرحل في طلبه، واجتهد -بذل وحصَّل- وتبوأ مكانة قلما يصل إليها أحد، ألف في كثير من الفنون، وأشهر كتبه (تاريخ الإسلام)، و(سير أعلام النبلاء)، توفي سنة 748هـ .

والإمام الذهبي رأس في الحديث والرواية، قال عنه ابن السبكي: «هو إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنىً ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جُمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها» [طبقات الشافعية الكبرى (9/101)]

والمشهور المعلوم عن الإمام الذهبي أنه على مذهب أهل الحديث في العقيدة، وفي باب الأسماء والصفات خاصة لا يختلف قوله عنهم في ذلك.

ومن العجب أنَّ أحد مشاركي مؤتمر جروزني -السيء الذكر- قد اتهم الذهبي وغيره من أئمة الحديث بأنهم كانوا يفوّضون معاني الآيات والأحاديث الواردة في بعض الصفات، وأن مآل الأمر عندهم في الاعتقاد يؤول إلى منهج الأشاعرة والماتريدية، وأنهم يسلكون مسلك التفويض والتأويل.

وقد ذكر هذا الباحث أن الذهبي من أكثر الناس تأكيداً على أن المذهب الصواب الذي مشى عليه سلف الأمة هو تفويض معاني آيات الصفات.

وذكر قوله في السير: «فقولنا في ذلك -يعني آيات الصفات- بابه الإقرار والإمرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم. [السير (8/105)]

وذكر هذا الباحث رد الذهبي على ابن خزيمة في تكفير من تأول الصفات [راجع مقال الأشاعرة وكتاب التوحيد لابن خزيمة وهو من إصدار مركز سلف] ثم قال: «فهذا موقف الذهبي يأمر بتفويض المعنى، ويعذر من تأول الصفات، وقد علمت أنه ما تأوّل من تأوّل إلا صيانة لأفهام العوام وحفظاً لها من الوقوع في درن التشبيه، فالتأويل ضرورة تقدر بقدرها».

وعليه فالتفويض الذي يقول به مآله إلى التأويل لأنه يعذر من قال بالتأويل.

وهذا تلبيس عجيب!

فالذهبي لا يرى كفر من تأوّل الصفات فقط، لا أنه يرى أنهم مصيبون فيما ذهبوا إليه من تأويل الصفات وكيف يكون هذا وهو نفسه قد نص على إنكار التأويل حيث يقول: « قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلاً، وهي أهم الدين، ولو كان تأويلها سائغاً لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قرائتها وإمرارها على ما جائت به هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات الله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين » [ السير (10/505-506)]

وقال: «قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً وإثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف». [مختصر العلو (ص: 141)].

لأجل ذلك سنبين في هذا المقال عقيدة الذهبي في باب الأسماء والصفات، وما هو مذهبه فيها، وهل كان مفوضاً في ذلك أم كان سلفي المعتقد؟

لا بد من الإشارة إلى أن الذهبي يرى أن مذهب السلف هو إمرار نصوص الصفات كما جاءت دون تكلف معرفة حقيقتها، وينقل إجماع السلف على ذلك [مختصر العلو (141-142)]

ويثبت الصفات الخبرية التي لا يثبتها الأشاعرة، كصفة الوجه واليدين والأصابع، والقدم والساق، والمجيء والإتيان، بل إنه ألف كتاب الأربعين في صفات رب العالمين وذكر في الجزء الأول منه هذه الصفات مع الاستدلال على وجوب إجرائها على الظاهر بما سرده من الآيات والأحاديث وأقوال السلف.

كما نجد الذهبي يثبت الاستواء على العرش وأنه تعالى في السماء، بل ألف كتابا مستقلا في هذا وهو الكتاب المعروف بـ “العلو للعلي الغفار”، وقد ذكر فيه أقوال السلف، التي تدل على أن المعتقد الصحيح هو: الإيمان بأن الله فوق العالم بذاته وأنه جل جلاله مستوٍ على العرش.

ونجده رحمه الله يستدل على صحة المنهج السلفي بالقاعدة المشهورة: القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك ليس كمثله شيء في صفاته [السير (13/300)].

ولم يقف الإمام الذهبي في نصرته للمنهج السلفي عند إثبات الصفات على ما هو ظاهر منها بل أكد على أن هناك مقامان مذمومان، مقام التأويل وصرفها عن موضوع الخطاب، والمقام الثاني مقام التشبيه بصفات المخلوقين. [السير (10/610-611)]

بل إنه ذهب إلى أبعد من هذا عندما ذكر أن إثبات صفات الله وعدم تأويلها، وإمرارها بلا تكييف هو ما كان عليه أبو الحسن الأشعري وأصحابه، إلى أن وقع الاختلاف بعد ذلك في زمن أبي حامد [السير (17/558-559)]

فكيف يصح بعد هذا أن يقال: إن الذهبي يؤولُ قوله إلى مذهب الأشاعرة؟

وهل يصح أن يحكم على شخص بأنه يؤول مذهبُه إلى ما يقول به الأشاعرة إلا إذا جرى على أصولهم، والذهبي ما وافق الأشاعرة في أصولهم، بل أنكر عليهم قولهم.

ومما يؤكد ما ذكرنا من أن الإمام الذهبي كان على المنهج السلفي رادًّا لبدع الأشاعرة: أنه قد حيل بينه وبين تولي مشيخة دار الحديث الأشرفية مع كونه إمام أهل الحديث في زمانه وما ذاك إلا لأنه لم يكن على مذهب الأشاعرة، [انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (3/74)].

بل قال ابن السبكي عنه: إنه «كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة، شديد الازدراء بأهل السنة الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة» [طبقات الشافعية الكبرى (9/103)].

ومراده بأهل السنة: الأشاعرة كما فسره هو بنفسه، فهل كان ينكر عليهم أنهم يقولون بمثل قوله أو بما يؤول قوله إليه أو بما يعذرهم فيه؟!

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017