الاثنين - 05 جمادى الآخر 1442 هـ - 18 يناير 2021 م

الأسماء والصفات عند الإمام الذهبي

A A
 #مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

الإمام الذهبي هو أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ولد سنة 673 هـ بدمشق، وطلب علم القراءات، ثم شغف بالحديث حتى ملك عليه قلبه، فرحل في طلبه، واجتهد -بذل وحصَّل- وتبوأ مكانة قلما يصل إليها أحد، ألف في كثير من الفنون، وأشهر كتبه (تاريخ الإسلام)، و(سير أعلام النبلاء)، توفي سنة 748هـ .

والإمام الذهبي رأس في الحديث والرواية، قال عنه ابن السبكي: «هو إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنىً ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جُمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها» [طبقات الشافعية الكبرى (9/101)]

والمشهور المعلوم عن الإمام الذهبي أنه على مذهب أهل الحديث في العقيدة، وفي باب الأسماء والصفات خاصة لا يختلف قوله عنهم في ذلك.

ومن العجب أنَّ أحد مشاركي مؤتمر جروزني -السيء الذكر- قد اتهم الذهبي وغيره من أئمة الحديث بأنهم كانوا يفوّضون معاني الآيات والأحاديث الواردة في بعض الصفات، وأن مآل الأمر عندهم في الاعتقاد يؤول إلى منهج الأشاعرة والماتريدية، وأنهم يسلكون مسلك التفويض والتأويل.

وقد ذكر هذا الباحث أن الذهبي من أكثر الناس تأكيداً على أن المذهب الصواب الذي مشى عليه سلف الأمة هو تفويض معاني آيات الصفات.

وذكر قوله في السير: «فقولنا في ذلك -يعني آيات الصفات- بابه الإقرار والإمرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم. [السير (8/105)]

وذكر هذا الباحث رد الذهبي على ابن خزيمة في تكفير من تأول الصفات [راجع مقال الأشاعرة وكتاب التوحيد لابن خزيمة وهو من إصدار مركز سلف] ثم قال: «فهذا موقف الذهبي يأمر بتفويض المعنى، ويعذر من تأول الصفات، وقد علمت أنه ما تأوّل من تأوّل إلا صيانة لأفهام العوام وحفظاً لها من الوقوع في درن التشبيه، فالتأويل ضرورة تقدر بقدرها».

وعليه فالتفويض الذي يقول به مآله إلى التأويل لأنه يعذر من قال بالتأويل.

وهذا تلبيس عجيب!

فالذهبي لا يرى كفر من تأوّل الصفات فقط، لا أنه يرى أنهم مصيبون فيما ذهبوا إليه من تأويل الصفات وكيف يكون هذا وهو نفسه قد نص على إنكار التأويل حيث يقول: « قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلاً، وهي أهم الدين، ولو كان تأويلها سائغاً لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قرائتها وإمرارها على ما جائت به هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات الله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين » [ السير (10/505-506)]

وقال: «قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً وإثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف». [مختصر العلو (ص: 141)].

لأجل ذلك سنبين في هذا المقال عقيدة الذهبي في باب الأسماء والصفات، وما هو مذهبه فيها، وهل كان مفوضاً في ذلك أم كان سلفي المعتقد؟

لا بد من الإشارة إلى أن الذهبي يرى أن مذهب السلف هو إمرار نصوص الصفات كما جاءت دون تكلف معرفة حقيقتها، وينقل إجماع السلف على ذلك [مختصر العلو (141-142)]

ويثبت الصفات الخبرية التي لا يثبتها الأشاعرة، كصفة الوجه واليدين والأصابع، والقدم والساق، والمجيء والإتيان، بل إنه ألف كتاب الأربعين في صفات رب العالمين وذكر في الجزء الأول منه هذه الصفات مع الاستدلال على وجوب إجرائها على الظاهر بما سرده من الآيات والأحاديث وأقوال السلف.

كما نجد الذهبي يثبت الاستواء على العرش وأنه تعالى في السماء، بل ألف كتابا مستقلا في هذا وهو الكتاب المعروف بـ “العلو للعلي الغفار”، وقد ذكر فيه أقوال السلف، التي تدل على أن المعتقد الصحيح هو: الإيمان بأن الله فوق العالم بذاته وأنه جل جلاله مستوٍ على العرش.

ونجده رحمه الله يستدل على صحة المنهج السلفي بالقاعدة المشهورة: القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك ليس كمثله شيء في صفاته [السير (13/300)].

ولم يقف الإمام الذهبي في نصرته للمنهج السلفي عند إثبات الصفات على ما هو ظاهر منها بل أكد على أن هناك مقامان مذمومان، مقام التأويل وصرفها عن موضوع الخطاب، والمقام الثاني مقام التشبيه بصفات المخلوقين. [السير (10/610-611)]

بل إنه ذهب إلى أبعد من هذا عندما ذكر أن إثبات صفات الله وعدم تأويلها، وإمرارها بلا تكييف هو ما كان عليه أبو الحسن الأشعري وأصحابه، إلى أن وقع الاختلاف بعد ذلك في زمن أبي حامد [السير (17/558-559)]

فكيف يصح بعد هذا أن يقال: إن الذهبي يؤولُ قوله إلى مذهب الأشاعرة؟

وهل يصح أن يحكم على شخص بأنه يؤول مذهبُه إلى ما يقول به الأشاعرة إلا إذا جرى على أصولهم، والذهبي ما وافق الأشاعرة في أصولهم، بل أنكر عليهم قولهم.

ومما يؤكد ما ذكرنا من أن الإمام الذهبي كان على المنهج السلفي رادًّا لبدع الأشاعرة: أنه قد حيل بينه وبين تولي مشيخة دار الحديث الأشرفية مع كونه إمام أهل الحديث في زمانه وما ذاك إلا لأنه لم يكن على مذهب الأشاعرة، [انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (3/74)].

بل قال ابن السبكي عنه: إنه «كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة، شديد الازدراء بأهل السنة الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة» [طبقات الشافعية الكبرى (9/103)].

ومراده بأهل السنة: الأشاعرة كما فسره هو بنفسه، فهل كان ينكر عليهم أنهم يقولون بمثل قوله أو بما يؤول قوله إليه أو بما يعذرهم فيه؟!

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

ترجمة الشيخ محمد السعيدي بن محمد الجردي (1)

  اسمه ونسبه وكنيته ونسبته: هو الشيخ الفقيه الأصولي محمد السعيدي بن محمد بن عبد السلام أبو عبد الرحمن الجردي، مفتي طنجة. مولده: ولد في إقليم تطوان، وتحديدًا في قرية الجردة إحدى قرى منطقة أنجرة، وكانت ولادته عام ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسين للهجرة النبوية (1358هـ-1940م). نشأته العلمية: حفظ الشيخ القرآن في صباه، وأتم حفظه وهو […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

تحقيق قول القرافي في حُكم المجسمات

  المعلوم أن علماء الإسلام أجمعوا على حُرمة عمل المجسمات ذوات الظل التي على هيئة ذوات أرواح تامات الخِلقة ، ولم يكن ذلك خاصاً بمذهب من مذاهب أهل السنة دون مذهب ، وليس خاصاً بالسلفيين أو مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب ، كما يُثيره البعض ، قال النووي الشافعي :”وأجمعوا على منع ما كان […]

المفاضلة بين الصحابة.. رؤية شرعية

لا يختَلِف اثنانِ على وجود التفاضُل بين المخلوقات؛ سواء كانت أمكنةً أو أزمنةً أو أعيانًا، حيوانًا أو بشرًا أو ملائكةً، لكن الاختلاف يقع وبشدَّة في معيار هذا التفاضل وطريقة إدراكه، هل هو بمجرَّد الحسِّ والمشاهدة، أم بمجرَّد مسائل معنوية، أم بقضايا مركبة، وهل هذا التركيب عقلي أو شرعي أو حسي، والنظر الشرعي يقول بوجود التفاضل، […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا-(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، وقد تواترت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، يقول تعالى وهو يبين مراتب أوليائه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فالله سبحانه وتعالى قد رتب أولياءه حسب الأفضلية، […]

عرض وتعريف بكتاب “نظرات في مناهج الفرق الكلامية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على المتابع للحركة الفكرية البعثُ الأشعريّ الجديد في مواجهة التيار السلفي الممتدّ، ولم تعد النقاشات مقتصرةً على المحاضِن العلمية ومجالس الدراسة، بلِ امتدَّت إلى الساحة الإعلامية ليشارك فيها عامّة الناس ومثقَّفوهم؛ ولذا كانت الحاجة ماسَّةً إلى كتاب يتناول منهج الأشاعرة بالبيان والنقد بالأسلوب الهادئ المناسب لغير […]

دلالة الترك عند الأصوليين والموقف السلفي

  مما يُرمى به السلفيون في الآونة الأخيرةِ أنهم يخترعون قواعدَ لا أصلَ لها عند الأصوليين، ويدلِّل أصحابُ هذا الاتهام على ذلك بمسألة التَّرك، فإذا ما استدلَّ السلفيون على بدعيَّة بعض الأمور بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تركها وأعرض عنها، وأن تَرْكه حجة؛ فيزعمون أنَّ هذه قاعدةٌ منِ اختراع السلفيين، وأنَّ الترك لا يدلُّ […]

التراجُع عنِ المنهج السلفيِّ قراءة موضوعيَّة للمسوِّغات([1])

مِنَ الواردِ جدًّا أن يتراجعَ أيُّ تجمُّع بشري عن فكرةٍ ما أو دِين، ومن المقبولِ عَقلًا وشرعًا أن يكونَ لهذا التراجع مسوِّغات موضوعية، بعضها يرجع إلى المنهج، وبعضها يرجع إلى الدّين أو التديُّن، لكن هذه الحالة ليست مَقبولة في الدين الإسلامي، ولا في المنهج الحق؛ فلذلك يضطرُّ أصحاب ترك المناهج الجادَّة إلى محاولة إيجاد مسوِّغات […]

العلامة محمد البشير الإبراهيمي فخرُ علماءِ الجزائر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه الترجمة مُستقاة من الترجمتين اللَّتين كتبهما الشيخ الإبراهيمي لنفسه، إحداهما بعنوان: (خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية)، وكان كتبها بطلبٍ من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عندما انتُخِب عضوًا عاملًا فيه سنة 1961م، وهي منشورة في آثاره (5/ 272-291)، والأخرى بعنوان: (من […]

هل كل ما خلقه الله يحبه؟

  مقدمة: “ليس -الله تعالى- منذ خلق الخلق ‌استفاد ‌اسم ‌الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى استحقَّ هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم؛ ذلك بأنه على كل شيء قدير”([1]). والخلق خلقُه، والأمر أمرهُ، سبحانه لا يعزب عن […]

قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} ومُحدَثَة البيت الإبراهيمي

ردُّ الابتداع والإحداث في الدّين أصلٌ عظيم من أصول دين الإسلام، يدلُّ على ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ»([1])؛ ولهذا يقول الإمام النووي: “وهذا الحديث قاعدة عظيمةٌ من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه […]

ثناء العلماء على الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: انتشرت العقيدةُ السلفية في أرجاء المعمورة -بفضل الله تعالى- في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين، وازداد تمسُّك الناس بها والدفاع عنها؛ لأنها الحقُّ المبين والصراط المستقيم، وقد هيأ الله في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي من يقوم بتجديد الدين، ونبذ الخرافات وما استحُدِث منَ البدع، إلا […]

زواج المسلمة من غير المسلم -مناقشة مثارات الغلط في المسألة-

يُثار بين الفينة والأخرى جدلٌ حول قضيَّة زواج المسلمة من غير المسلم، وخاصَّة الكتابيّ، رغم إجماع المسلمين سلفًا وخلفًا بكلّ طوائفهم ومذاهبهم على حرمةِ ذلك، وعدم انعقادِه أصلًا، ولم يخالف في ذلك إلا آحادٌ من شُذَّاذ الآفاق من مُدَّعي التنوير من المعاصرين، وعامَّتهم ممن لا يلتزم بقواعد الاستنباط ولا مناهج الاستدلال التي سار عليها علماء […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017