الخميس - 21 ذو الحجة 1440 هـ - 22 أغسطس 2019 م

الأسماء والصفات عند الإمام الذهبي

A A
 #مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

الإمام الذهبي هو أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ولد سنة 673 هـ بدمشق، وطلب علم القراءات، ثم شغف بالحديث حتى ملك عليه قلبه، فرحل في طلبه، واجتهد -بذل وحصَّل- وتبوأ مكانة قلما يصل إليها أحد، ألف في كثير من الفنون، وأشهر كتبه (تاريخ الإسلام)، و(سير أعلام النبلاء)، توفي سنة 748هـ .

والإمام الذهبي رأس في الحديث والرواية، قال عنه ابن السبكي: «هو إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنىً ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جُمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها» [طبقات الشافعية الكبرى (9/101)]

والمشهور المعلوم عن الإمام الذهبي أنه على مذهب أهل الحديث في العقيدة، وفي باب الأسماء والصفات خاصة لا يختلف قوله عنهم في ذلك.

ومن العجب أنَّ أحد مشاركي مؤتمر جروزني -السيء الذكر- قد اتهم الذهبي وغيره من أئمة الحديث بأنهم كانوا يفوّضون معاني الآيات والأحاديث الواردة في بعض الصفات، وأن مآل الأمر عندهم في الاعتقاد يؤول إلى منهج الأشاعرة والماتريدية، وأنهم يسلكون مسلك التفويض والتأويل.

وقد ذكر هذا الباحث أن الذهبي من أكثر الناس تأكيداً على أن المذهب الصواب الذي مشى عليه سلف الأمة هو تفويض معاني آيات الصفات.

وذكر قوله في السير: «فقولنا في ذلك -يعني آيات الصفات- بابه الإقرار والإمرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم. [السير (8/105)]

وذكر هذا الباحث رد الذهبي على ابن خزيمة في تكفير من تأول الصفات [راجع مقال الأشاعرة وكتاب التوحيد لابن خزيمة وهو من إصدار مركز سلف] ثم قال: «فهذا موقف الذهبي يأمر بتفويض المعنى، ويعذر من تأول الصفات، وقد علمت أنه ما تأوّل من تأوّل إلا صيانة لأفهام العوام وحفظاً لها من الوقوع في درن التشبيه، فالتأويل ضرورة تقدر بقدرها».

وعليه فالتفويض الذي يقول به مآله إلى التأويل لأنه يعذر من قال بالتأويل.

وهذا تلبيس عجيب!

فالذهبي لا يرى كفر من تأوّل الصفات فقط، لا أنه يرى أنهم مصيبون فيما ذهبوا إليه من تأويل الصفات وكيف يكون هذا وهو نفسه قد نص على إنكار التأويل حيث يقول: « قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلاً، وهي أهم الدين، ولو كان تأويلها سائغاً لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قرائتها وإمرارها على ما جائت به هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات الله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين » [ السير (10/505-506)]

وقال: «قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً وإثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف». [مختصر العلو (ص: 141)].

لأجل ذلك سنبين في هذا المقال عقيدة الذهبي في باب الأسماء والصفات، وما هو مذهبه فيها، وهل كان مفوضاً في ذلك أم كان سلفي المعتقد؟

لا بد من الإشارة إلى أن الذهبي يرى أن مذهب السلف هو إمرار نصوص الصفات كما جاءت دون تكلف معرفة حقيقتها، وينقل إجماع السلف على ذلك [مختصر العلو (141-142)]

ويثبت الصفات الخبرية التي لا يثبتها الأشاعرة، كصفة الوجه واليدين والأصابع، والقدم والساق، والمجيء والإتيان، بل إنه ألف كتاب الأربعين في صفات رب العالمين وذكر في الجزء الأول منه هذه الصفات مع الاستدلال على وجوب إجرائها على الظاهر بما سرده من الآيات والأحاديث وأقوال السلف.

كما نجد الذهبي يثبت الاستواء على العرش وأنه تعالى في السماء، بل ألف كتابا مستقلا في هذا وهو الكتاب المعروف بـ “العلو للعلي الغفار”، وقد ذكر فيه أقوال السلف، التي تدل على أن المعتقد الصحيح هو: الإيمان بأن الله فوق العالم بذاته وأنه جل جلاله مستوٍ على العرش.

ونجده رحمه الله يستدل على صحة المنهج السلفي بالقاعدة المشهورة: القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك ليس كمثله شيء في صفاته [السير (13/300)].

ولم يقف الإمام الذهبي في نصرته للمنهج السلفي عند إثبات الصفات على ما هو ظاهر منها بل أكد على أن هناك مقامان مذمومان، مقام التأويل وصرفها عن موضوع الخطاب، والمقام الثاني مقام التشبيه بصفات المخلوقين. [السير (10/610-611)]

بل إنه ذهب إلى أبعد من هذا عندما ذكر أن إثبات صفات الله وعدم تأويلها، وإمرارها بلا تكييف هو ما كان عليه أبو الحسن الأشعري وأصحابه، إلى أن وقع الاختلاف بعد ذلك في زمن أبي حامد [السير (17/558-559)]

فكيف يصح بعد هذا أن يقال: إن الذهبي يؤولُ قوله إلى مذهب الأشاعرة؟

وهل يصح أن يحكم على شخص بأنه يؤول مذهبُه إلى ما يقول به الأشاعرة إلا إذا جرى على أصولهم، والذهبي ما وافق الأشاعرة في أصولهم، بل أنكر عليهم قولهم.

ومما يؤكد ما ذكرنا من أن الإمام الذهبي كان على المنهج السلفي رادًّا لبدع الأشاعرة: أنه قد حيل بينه وبين تولي مشيخة دار الحديث الأشرفية مع كونه إمام أهل الحديث في زمانه وما ذاك إلا لأنه لم يكن على مذهب الأشاعرة، [انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (3/74)].

بل قال ابن السبكي عنه: إنه «كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة، شديد الازدراء بأهل السنة الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة» [طبقات الشافعية الكبرى (9/103)].

ومراده بأهل السنة: الأشاعرة كما فسره هو بنفسه، فهل كان ينكر عليهم أنهم يقولون بمثل قوله أو بما يؤول قوله إليه أو بما يعذرهم فيه؟!

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

ضوابط الفرح في الشريعة الإسلامية

تمهيد: جاءت الشريعةُ الغراء بتشريعاتٍ جليلةٍ عظيمة، وهذه التشريعات تصبُّ في مصبٍّ واحد، وهو إسعاد العباد وإصلاح دنياهم وأخراهم، فكانت المصالح في العرف الشرعيِّ تفسَّر بالأفراح وأسبابها، كما تفسَّر المفاسد بالأتراح وأسبابها، ولا يخلو نصٌّ شرعيّ من التصريح بهذا المعنى أو التلميح إليه. وحين تكون الشريعةُ قاصدةً لجلب المصالح بالمعنى الذي ذكرنا فإنَّ ذلك يعني […]

حقيقة العرش عند أهل السنة والرد على تأويلات المبتدعة

معتقد أهل السنة والجماعة في العرش: من محاسن أهل السنة والجماعة وأهمِّ ما يميِّزهم عن غيرهم تمسُّكهم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعدم معارضتهما بالأهواء الكاسدة والآراء الفاسدة؛ “فيؤمنون بأن الله عز وجل خلق العرشَ واختصَّه بالعلو والارتفاع فوقَ جميع ما خلَق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه”([1])، […]

إبراهيم الخليل وإقامة الحج على التوحيد (2)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: جعل الله لإبراهيم عليه السلام الذكرَ الحسنَ في الآخرين بعد جهاد عظيم عاشه في سبيل الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، وكان عليه السلام داعية إلى التوحيد في كل حال، ففي الورقة الماضية تكلمنا عن جهاده وإرسائه قواعد التوحيد خارج مكة المكرمة، وفي هذه الورقة سيكون حديثنا عن إرسائه […]

إبراهيم الخليل وإقامة الحج على التوحيد (1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: سأل سائل فقال: في زماننا الذي تشعبت فيه الأهواء والقدوات، هل هناك من كتب الله له الذكر الحسن في العالمين من أهل الديانات ؟ فقلت: قد حصل ذلك لإبراهيم عليه السلام؛ حيث طلب من المولى بعد جهاد جهيد عاشه في سبيل الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك أن يجعل […]

مقاصدُ الحجِّ العقديَّة -حتى يكون حجُّنا وفق مرادِ الله سبحانه وتعالى-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: لا ريب أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الحكيم العليم، وأنَّه عز وجلَّ لم يشرع شيئًا إلا لحكمة، ونصوص الكتاب والسنة مليئةٌ بذكر حِكَمِ الأحكام الشرعية، وليس شيءٌ من أحكام الله سواء كان صغيرًا أو كبيرًا إلا ولله الحكمة البالغة في تشريعِه، بل لا يوجد فعلٌ من أفعال الله […]

إهلال النبي ﷺ بالتوحيد في الحج … أهميته ودلالته

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد: فإن التوحيد الذي هو إفراد الله تعالى بالعبادة وبما يليق به تعالى من ربوبيته وأسمائه وصفاته ، هو أول وأوجب الواجبات وآكد المهمات ، فهو أول الدين وآخره […]

الاتباع.. مقصد الحجّ الأسنى

تمهيد: يظلُّ المقصود الأعظم من العبادات تربيةَ الإنسان على الاستسلام لله سبحانه وتعالى، وعبادته وفقَ ما شرع، حتى يمكن له النهوضُ إلى مراتبِ التمكين الذي وعده الله به كخليفة في الأرض، ولا شكَّ أنَّ الحجَّ عبادة عظيمةٌ، بل ركن أساس من أركان الإسلام، وفيه دروسٌ وعبر ومقاصد وحِكَم عظيمة، والجهل بهذه الحكم والغايات والمقاصد يحوِّل […]

أولويَّة العقيدة في حياةِ المسلم وعدَم مناقضتها للتآلف والتراحم

 تمهيد: تصوير شبهة: يتكلَّم الناسُ كثيرًا في التآلُف والتراحُم ونبذِ الفرقة والابتعادِ عن البغضاءِ والشحناء، ولا يزال الكلامُ بالمرء في هذه القضايا واستحسانها ونبذِ ما يناقضها حتى يوقعَه في شيءٍ منَ الشطَط والبعد عن الحقِّ؛ لأنه نظَر إليها من حيثُ حسنُها في نفسِها، ولم ينظر في مدَى مشروعيَّة وسيلته إليها إن صحَّ أنها وسِيلة. وانقسم […]

حال السلف مع قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}

التحذير من مخالفة منهج السلف: يخالف بعضُ الناس فهمَ السلف بحجَّة الاستدلالِ ببعض الآيات والأحاديثِ، حيث ينزلونها على غير مواضِعها. ومن تلك الآياتِ التي يكثر دورانها على الألسنة في باب صفات الباري سبحانه وتعالى استدلالًا واحتجاجًا قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7]. وفيها أعلَمَنا الله عز وجل أنَّ مِن كتابه آياتٍ […]

المنفلوطي ودعوته إلى عقيدة التوحيد

قال المنفلوطي رحمه الله: (والله، لن يسترجعَ المسلمون سالفَ مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادةِ الحياة وهنائها، إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدةِ التوحيد، وإنَّ طلوع الشمس من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقربُ مِن رجوع الإسلام إلى سالفِ مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون […]

“لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ” تنبضُ بالتوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: فاتحةُ الحجِّ تدلُّنا على أهمِّ غاياته، وترشِدُنا إلى أعظمِ مغازيه، وتبيِّن لنا أسمى مراميه، فإن من أوائل الأشياء التي ينطِق بها الحاجُّ قوله: “لبَّيكَ اللَّهم لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”. هذا النصُّ الذي يردِّده الحاجُّ في أكثر لحظاتِ الحجّ، […]

عرض وتعريف بكتاب: الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السنة النبوية – دراسة نقدية

بطاقة الكتاب: عنوان الكتاب: الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السنة النبوية – دراسة نقدية. المؤلف: غازي محمود الشمري. الناشر: دار النوادر. تاريخ الطبع: الطبعة الأولى، سنة 1433هـ. عدد الصفحات: 599 صفحة. أصل الكتاب: الكتاب في أصله رسالة علمية، تقدَّم بها الباحث للحصول على درجة الماجستير من جامعة أم درمان الإسلامية. قيمة الكتاب وغايتُه: تبرز أهمية […]

سوق الجهاد في العهد الأموي (2) (الفتوحات الإسلامية من 96هـ-132هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أوَّل ما يستفتح به هذا الجزء هو خلافة أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، الذي سار على درب من سبقه في الاهتمام بسوق الجهاد في سبيل الله، وتثبيت أركانه وتقوية دعائمه؛ إعلاء لكلمة الإسلام، وإرهابًا لعدو الله وعدو المؤمنين، وفيما يلي سرد لأهم الفتوحات والغزوات التي وقعت في خلافته […]

  سوق الجهاد في العهد الأموي (1) (الفتوحات الإسلامية من 41هـ-96هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تكاثرت سهام الأعداء -من الرافضة ومن تبعهم من الليبراليين والعلمانيين وغيرهم- على الدولة الأمويّة، ورموها عن قوس واحدة؛ سعيًّا منهم لإسقاط فضائلها، ونشر البغض والكراهية لها، متغافلين عما قامت به تلك الدولةُ المباركة مِن نصرةٍ للإسلام والمسلمين، وإذلالٍ للشرك وأهلِه؛ بما تضمَّنته أيامُها من كثرةِ الفتوحات الإسلامية واتِّساع رقعة […]

حكم الحلف بغير الله تعالى

إن أعظم مطلوبٍ من المكلَّف هو توحيدُ الله تعالى بالعبادة، فلأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب؛ لذا عظَّم الشرع جناب التوحيد غايةَ التعظيم، فحرم الشركَ وجعله سببَ الخلود في النار، وأخبر أنه تعالى يغفِر كلَّ ذنب إلا الشرك، وحرَّم كلَّ الطرق المؤدِّية للشرك حمايةً لجناب التوحيد وصيانةً له. ومن تلك الأمور التي حرِّمت صيانةً لجناب التوحيد: […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017