الاثنين - 28 ذو القعدة 1443 هـ - 27 يونيو 2022 م

الأسماء والصفات عند الإمام الذهبي

A A
 #مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

الإمام الذهبي هو أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ولد سنة 673 هـ بدمشق، وطلب علم القراءات، ثم شغف بالحديث حتى ملك عليه قلبه، فرحل في طلبه، واجتهد -بذل وحصَّل- وتبوأ مكانة قلما يصل إليها أحد، ألف في كثير من الفنون، وأشهر كتبه (تاريخ الإسلام)، و(سير أعلام النبلاء)، توفي سنة 748هـ .

والإمام الذهبي رأس في الحديث والرواية، قال عنه ابن السبكي: «هو إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنىً ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جُمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها» [طبقات الشافعية الكبرى (9/101)]

والمشهور المعلوم عن الإمام الذهبي أنه على مذهب أهل الحديث في العقيدة، وفي باب الأسماء والصفات خاصة لا يختلف قوله عنهم في ذلك.

ومن العجب أنَّ أحد مشاركي مؤتمر جروزني -السيء الذكر- قد اتهم الذهبي وغيره من أئمة الحديث بأنهم كانوا يفوّضون معاني الآيات والأحاديث الواردة في بعض الصفات، وأن مآل الأمر عندهم في الاعتقاد يؤول إلى منهج الأشاعرة والماتريدية، وأنهم يسلكون مسلك التفويض والتأويل.

وقد ذكر هذا الباحث أن الذهبي من أكثر الناس تأكيداً على أن المذهب الصواب الذي مشى عليه سلف الأمة هو تفويض معاني آيات الصفات.

وذكر قوله في السير: «فقولنا في ذلك -يعني آيات الصفات- بابه الإقرار والإمرار، وتفويض معناه إلى قائله الصادق المعصوم. [السير (8/105)]

وذكر هذا الباحث رد الذهبي على ابن خزيمة في تكفير من تأول الصفات [راجع مقال الأشاعرة وكتاب التوحيد لابن خزيمة وهو من إصدار مركز سلف] ثم قال: «فهذا موقف الذهبي يأمر بتفويض المعنى، ويعذر من تأول الصفات، وقد علمت أنه ما تأوّل من تأوّل إلا صيانة لأفهام العوام وحفظاً لها من الوقوع في درن التشبيه، فالتأويل ضرورة تقدر بقدرها».

وعليه فالتفويض الذي يقول به مآله إلى التأويل لأنه يعذر من قال بالتأويل.

وهذا تلبيس عجيب!

فالذهبي لا يرى كفر من تأوّل الصفات فقط، لا أنه يرى أنهم مصيبون فيما ذهبوا إليه من تأويل الصفات وكيف يكون هذا وهو نفسه قد نص على إنكار التأويل حيث يقول: « قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلاً، وهي أهم الدين، ولو كان تأويلها سائغاً لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قرائتها وإمرارها على ما جائت به هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات الله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين » [ السير (10/505-506)]

وقال: «قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً وإثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف». [مختصر العلو (ص: 141)].

لأجل ذلك سنبين في هذا المقال عقيدة الذهبي في باب الأسماء والصفات، وما هو مذهبه فيها، وهل كان مفوضاً في ذلك أم كان سلفي المعتقد؟

لا بد من الإشارة إلى أن الذهبي يرى أن مذهب السلف هو إمرار نصوص الصفات كما جاءت دون تكلف معرفة حقيقتها، وينقل إجماع السلف على ذلك [مختصر العلو (141-142)]

ويثبت الصفات الخبرية التي لا يثبتها الأشاعرة، كصفة الوجه واليدين والأصابع، والقدم والساق، والمجيء والإتيان، بل إنه ألف كتاب الأربعين في صفات رب العالمين وذكر في الجزء الأول منه هذه الصفات مع الاستدلال على وجوب إجرائها على الظاهر بما سرده من الآيات والأحاديث وأقوال السلف.

كما نجد الذهبي يثبت الاستواء على العرش وأنه تعالى في السماء، بل ألف كتابا مستقلا في هذا وهو الكتاب المعروف بـ “العلو للعلي الغفار”، وقد ذكر فيه أقوال السلف، التي تدل على أن المعتقد الصحيح هو: الإيمان بأن الله فوق العالم بذاته وأنه جل جلاله مستوٍ على العرش.

ونجده رحمه الله يستدل على صحة المنهج السلفي بالقاعدة المشهورة: القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك ليس كمثله شيء في صفاته [السير (13/300)].

ولم يقف الإمام الذهبي في نصرته للمنهج السلفي عند إثبات الصفات على ما هو ظاهر منها بل أكد على أن هناك مقامان مذمومان، مقام التأويل وصرفها عن موضوع الخطاب، والمقام الثاني مقام التشبيه بصفات المخلوقين. [السير (10/610-611)]

بل إنه ذهب إلى أبعد من هذا عندما ذكر أن إثبات صفات الله وعدم تأويلها، وإمرارها بلا تكييف هو ما كان عليه أبو الحسن الأشعري وأصحابه، إلى أن وقع الاختلاف بعد ذلك في زمن أبي حامد [السير (17/558-559)]

فكيف يصح بعد هذا أن يقال: إن الذهبي يؤولُ قوله إلى مذهب الأشاعرة؟

وهل يصح أن يحكم على شخص بأنه يؤول مذهبُه إلى ما يقول به الأشاعرة إلا إذا جرى على أصولهم، والذهبي ما وافق الأشاعرة في أصولهم، بل أنكر عليهم قولهم.

ومما يؤكد ما ذكرنا من أن الإمام الذهبي كان على المنهج السلفي رادًّا لبدع الأشاعرة: أنه قد حيل بينه وبين تولي مشيخة دار الحديث الأشرفية مع كونه إمام أهل الحديث في زمانه وما ذاك إلا لأنه لم يكن على مذهب الأشاعرة، [انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (3/74)].

بل قال ابن السبكي عنه: إنه «كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة، شديد الازدراء بأهل السنة الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة» [طبقات الشافعية الكبرى (9/103)].

ومراده بأهل السنة: الأشاعرة كما فسره هو بنفسه، فهل كان ينكر عليهم أنهم يقولون بمثل قوله أو بما يؤول قوله إليه أو بما يعذرهم فيه؟!

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

هل خالف حديث «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم» العقل والعلم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: زعم البعض أن حديث «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم» جاء مخالفًا لنظريات العلم والطبيعة والعقل، وجعل هذا الحديث سبيلًا للطعن في رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وفي المنهج النقدي لأهل الحديث. وسوف نتناول في هذه المقالة مناقشة دعوى مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا بنو […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017