الثلاثاء - 16 رمضان 1440 هـ - 21 مايو 2019 م

قاعدة: “لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحلَّه” بيانٌ ودفع شبهة

A A

دين الله تعالى وسطٌ بين الغالي فيه والجافي عنه؛ وهذه الوسطيةُ هي أبرز ما يميِّز أهلَ السنة والجماعة عن أهل البدع والغواية، ففي باب الوعيد نجد أن أهل السنة والجماعة وسطٌ بين الخوارج القائلين بالتكفير بكلّ ذنب، وبين المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب.

وفي هذه المقالةِ شرحٌ وبيانٌ لقاعدة أهل السنة والجماعة قاطبة في باب الوعيد وهي: “لا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله”، يعقُبه تفنيدٌ للإشكالات والشّبهات التي أُثيرت حولها.

تنصيص الأئمَّة على هذه القاعدة:

نصَّ غير واحدٍ من أئمة أهل السنة والجماعة على هذه القاعدة، ومن أشهرهم الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت 321هـ)، إذ يقول في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: “ولا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه”([1]).

كما حكَى بعضُ الأئمة الاتفاقَ على تلك القاعدة، ما بين مطلقٍ للَفظها ومقيِّد بالاستحلال، فبعضُهم يقول: “لا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذَنب”، وبعضهم يقيِّده بقوله: “إذا لم يستحلَّه”. ولما كان المقام لا يناسبه التطويل فيكتفَى بذكر أشهرِ من نصَّ عليها:

  • الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ):

يقول أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي: سألت أبا حنيفة النعمان بن ثابت -رضي الله عنه- عن الفقه الأكبر، فقال: “ألا تكفِّرَ أحدًا من أهل القبلة بذنب”([2]).

وقال أيضًا: “ولا نكفِّر مسلمًا بذنبٍ منَ الذنوب، وإن كانت كبيرة، إذا لم يستحلَّها”([3]).

  • الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ):

قال: “لا ينبغي لأحدٍ من أهل الإسلام أن يشهدَ على رجلٍ من أهل الإسلام بذنبٍ أذنَبه بكفر، وإن عظُم جرمه، وهو قول أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا”([4]).

  • الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ):

يقول محمد بن حميد الأندرابي: قال أحمد بن حنبل في بيان صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة: “ولم يشكّ في إيمانه، ولم يكفِّر أحدًا من أهل التوحيد بذنبٍ”([5]).

  • الإمام ابن عبد البر المالكي (ت 463هـ):

يقول: “وقد اتَّفق أهل السنة والجماعة -وهم أهل الفقه والأثر- على أن أحدًا لا يخرجه ذنبه -وإن عظم- من الإسلام، وخالفهم أهل البدع”([6]).

شرح القاعدة:

اتَّفق أهل السنة والجماعة على عدم تكفير مرتكب الكبيرة من المسلمين، فمنِ ارتكب كبيرةً من كبائر الذنوب -كالزنا والسرقة ونحوهما، دون الشرك-، ومات عليها من غير توبة، فهو مستحق للوعيد يوم القيامة، وأمره -مع هذا- في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذَّبه بعدله، وإن شاء غفر له وعفَا عنه بفضله؛ كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 116].

وقولهم: “من أهل القبلة”: المراد بهم هنا: مسلمٍ لم يقترف ذنبًا يخرجه من الإسلام؛ يقول الإمام أبو محمد البربهاري (ت 329هـ): “ولا نخرج أحدًا من أهل القبلة من الإسلام، حتى يرُدَّ آيةً من كتاب الله، أو يردَّ شيئًا من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يذبَح لغير الله، أو يصلِّي لغير الله، فإذا فعل شيئًا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجَه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئًا من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة”([7]).

وأما قولهم: “ما لم يستحلَّه”: فمعنى الاستحلال: اعتقاد الشيء المحرم حلالًا. يقول ابن القيم (ت 751هـ): “إن المستحل للشّيء هو الذي يفعله معتقدًا حلَّه”([8])، ويقول الشاطبي (ت 790هـ): “لفظ الاستحلال إنما يستعمل في الأصل فيمن اعتقدَ الشيء حلالًا”([9]).

والمعنى: أن العبد إذا فعل الذنب -ما لم يتضمَّن ترك أصل الإيمان- مع اعتقاده أن الله تعالى حرَّمه عليه، واعتقاد انقياده لله تعالى فيما حرَّمه أو أوجبه عليه، فإن أهل السنة لا يحكمون على هذا العبد بالكفر؛ أما إذا اعتقد أن الله تعالى لم يحرم الذنب، أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم، ورفض أن يسلِّم بحكم الله تعالى، فإنَّ العبدَ في هذه الحالة إما أن يكون جاحدًا أو معاندًا؛ ولهذا قرر علماء أهل السنة والجماعة أن من عصى الله تعالى مستكبرًا كإبليس كفر باتفاق، ومن عصاه مشتهِّيًا لم يكفر([10]).

مناط إعمال القاعدة:

لعل المتأمِّل في كلام الأئمَّة يرى أنهم أوردوا تلك القاعدة المنيفة أصالةً في معرض الرد على مذاهب أهل الزيغ والضلال؛ من الخوارج القائلين بأن مرتكب الكبيرة كافرٌ، كما يخالفون المعتزلة القائلين بأن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، وأوجبوا له الخلود في النار يوم القيامة.

يقول ابن أبي العزّ الحنفي (ت 792هـ): “إن أهل السنة متَّفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًّا، يُقتل على كل حال، ولا يقبَل عفو وليّ القِصاص، ولا تجري الحدودُ في الزنا والسرقة وشرب الخمر! وهذا القول معلومٌ بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام”([11]).

ولما كانت حقيقة الذنب: إما أن يكون فعلًا لمحرم، أو تركًا لواجب؛ فإنه يتبادر لنا سؤال وهو: ما المراد بالذنب في القاعدة؟ وهل تشمل القاعدة جميع الذنوب، سواء كانت متضمنة لترك أصل الإيمان أو غير متضمنة لذلك؟

للعلماء في الجواب عن هذين السؤالين تفصيل؛ يوضحه ما يلي:

من المعلوم بأنَّ هناك بعضَ الذنوب تتضمَّن ترك أصل الإيمان؛ كسبِّ الله تعالى، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، أو السجود لصنم، فهذه الذنوب والمعاصي -المتضمنة ترك أصل الإيمان- لا تندرج قطعًا تحت القاعدة؛ ولهذا يقول الإمام ابن القيم في معرض بيان مجالات إعمال القاعدة: “والكفّ عن أهل القبلة؛ فلا تكفر أحدًا منهم بذنب، ولا تخرجه عن الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث -كما جاء وما روي- فتصدّقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي؛ نحو كفر من يستحلّ نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتَّبِع ذلك ولا تجاوزه”([12]).

إذًا مجالات إعمال القاعدة هو فعل المعاصي التي لا تتضمَّن ترك أصل الإيمان، ومن أبرز أمثلتها كبائر الذنوب؛ من القتل، والزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والكذب، والسرقة، ونحو ذلك، وقد اشتبَه هذا الأمر على بعض العلماء؛ فظنوا أن القاعدةَ عامَّةٌ في جميع الذنوب والمعاصي، سواء تضمَّنت تركَ أصل الإيمان أو لا، وتفنيد تلك الشبهة والجواب عنها في الفقرات الآتية.

شبهة اشتراط الاستحلال القلبي في التكفير بالمعاصي جميعها:

يرى بعضُهم أنه لا يجوز أن نكفِّر العصاةَ المتلبِّسين بشيء من المعاصي لمجرَّد ارتكابهم لها واستحلالهم إياها عمليًّا، إلا إذا ظهر لنا يقينًا منهم ما يكشِف لنا عمَّا في قرارة نفوسهم أنهم لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله اعتقادًا، فإذا عرفنا أنهم وَقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا حينئذ بأنهم كفروا كفرَ ردة([13]).

ويقول أيضًا في تعليقه على كلام الطحاوي -وهو نص القاعدة التي معنا-: “يعني استحلالًا قلبيًّا اعتقاديًّا، وإلا فكلّ مذنب مستحلٌّ لذنبه عمليًّا، أي: مرتكبٌ له، ولذلك فلا بدَّ من التفريق بين المستحلِّ اعتقادًا فهو كافر إجماعًا، وبين المستحلِّ عملًا لا اعتقادًا، فهو مذنبٌ يستحقّ العذاب اللائق به، إلا أن يغفر الله له، ثم ينجيه إيمانه، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود في النار، وإن اختلفوا في تسميته كافرًا أو منافقًا”([14]).

الجواب الإجمالي عن الشبهة:

قد ظهرت هذه الشبهة قديمًا، وقام بعض محقِّقي العلماء بتفصيل الردِّ عليها وإظهار عوارها؛ ولعل من أبرز الأمثلة على بطلانها: أنه يوجد في أهل القبلة المنافقون الذين يتظاهرون بقول الشهادتين، وهم أكفر من اليهود والنصارى، كما دلَّ على هذا الكتاب والسنة والإجماع.

ومن الأمثلة على فسادها أيضًا: من يقوم بإظهار إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة؛ كالصلاة والزكاة والحج ونحوها؛ يقول ابن أبي العز الحنفي: “لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك، فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كافرًا مرتدًا”([15]).

الجواب المفصَّل الشبهة:

ولتفصيل الجواب عن تلك الشبهة لا بد من بيان مقدّمة هامة، وهي أن الذنوب والمعاصي ليست كلّها على درجة واحدة، وأنها على كثرتها يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

فهي إما أن تكون فعلًا منهيًّا عنه لم يتضمَّن ترك أصل الإيمان، وإما أن تكون فعلًا منهيًّا يتضمن ترك أصل الإيمان، وإما أن تكون عدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وبيان ذلك فيما يأتي:

القسم الأول: الفعل الذي نهى عنه الشارع الحكيم، ولم يتضمَّن ترك الإيمان، وذلك مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر والربا وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها، هذه الأفعال يرى أهل السنة والجماعة أن مجردَ فعلها لا يخرج المسلم من حظيرة الإسلام -كما تقدم- إلا إذا اعتقد مرتكبها أنها حلال، وهذا القسم هو مناط إعمال القاعدةِ باتِّفاق أهل السنة والجماعة.

وقد أحسن أبو الحسن الأشعري (ت 324هـ) بتمثيله لهذه القاعدة بارتكاب الكبائر؛ حيث قال في بيانه لاعتقاد أهل السنة: “ولا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب: كنحو الزنا والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر”([16]).

القسم الثاني: الفعلُ المنهي عنه المتضمِّن لترك أصل من أصول الإيمان، ومن أمثلته: سب الله أو سب رسوله، أو إهانة المصحف، أو السجود لصنم، ونحو ذلك؛ فهذا يكفر فاعله بمجرَّد فعله لها، ولا ينظر في جحده أو استحلاله لها؛ وذلك لأن هذه الذنوب قد تضمنت ترك أصل الإيمان؛ ودليل ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 46]، فإذا تضمَّن فعل الذنب تركًا لأصل الإيمان كالشرك بالله تعالى، فإن الله تعالى لا يغفره، وهذا القسم لا يدخل قطعًا في القاعدة عند أهل السنة والجماعة.

ولعل هذا القسم يحتاج إلى شيء من التفصيل، ولندع شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) يفصِّل لنا القول فيه؛ حيث يقول: “إن سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر، ظاهرًا وباطنًا، وسواء كان السابّ يعتقد أن ذلك محرّم، أو كان مستحلًّا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل”([17]).

وقد حكى الإمام أبو إسحاق ابن راهويه (ت 238هـ) الإجماع على ذلك فقال: “قد أجمع المسلمون أن من سبَّ الله أو سب رسوله -عليه الصلاة والسلام- أو دفع شيئًا مما أنزل الله أو قتل نبيًّا من أنبياء الله أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًّا بما أنزل الله”([18]).

وكذلك نقل عن الشافعي أنه سئل عمَّن هزل بشيءٍ من آيات الله تعالى أنه قال: “هو كافر”، واستدل بقول الله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66]([19]).

وكذلك قال أصحابنا [يعني: الحنابلة] وغيرهم: من سبَّ الله كفر، سواء كان مازحًا أو جادًّا؛ لهذه الآية وهذا هو الصواب المقطوع به([20]).

وقال القاضي أبو يعلى في “المعتمد”: “من سبَّ الله أو سب رسوله فإنه يكفر، سواء استحلَّ سبه أو لم يستحله، فإن قال: لم أستحل ذلك، لم يقبل منه في ظاهر الحكم، رواية واحدة، وكان مرتدًّا؛ لأن الظاهر خلاف ما أخبر؛ لأنه لا غرض له في سب الله وسب رسوله إلا لأنه غير معتقد لعبادته، غير مصدِّق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ويفارق الشارب والقاتل والسارق إذا قال: أنا غير مستحل لذلك أنه يصدَّق في الحكم([21]).

وأكثر من هذا؛ حيث يرى الإمامان الجليلان الحميدي وأحمد بن حنبل -رحمهما الله تعالى- أن هذا القول -أعني: القول بأن من فعل منهيًّا عنه تضمَّن ترك أصل الإيمان فإنه لا يحكم بكفره إلا إذا استحل أو جحد([22])– كفر صراح. ودونك نص كلامهما:

يقول الحميدي: “وأُخبِرت أن قومًا يقولون: إنَّ من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدًا، إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذا كان يقرّ الفروض، واستقبال القبلة.

فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين، قال الله جل وعز: {حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]. قال حنبل: قال أبو عبد الله أو سمعته يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره، وعلى الرسول ما جاء به”([23]).

القسم الثالث: عدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، كمن اعتقد عدم وجوب الصلاة أو الزكاة ونحوها، فهذا يكفر، وكذا من اعتقد عدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كمن اعتقد حلَّ الخمر أو الزنا ونحو ذلك.

ويلخص شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقوله: “قد تقرَّر من مذهب أهل السنة والجماعة -ما دل عليه الكتاب والسنة- أنهم لا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا يخرجونه من الإسلام بعمل؛ إذا كان فعلًا منهيًّا عنه؛ مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ ما لم يتضمن ترك الإيمان. وأما إن تضمَّن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت؛ فإنه يكفر به. وكذلك يكفر بعدَم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وعدم تحريم الحرمات الظاهرة المتواترة”([24]).

فتبين لنا بما تقدَّم: أن عدمَ تكفير أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحله منوطٌ بمن ارتكب فعلًا منهيًّا عنه ولم يتضمَّن ترك الإيمان؛ كشرب الخمر أو الربا أو نحو ذلك، ولا يندرج تحت القاعدة الفعل المنهيُّ عنه المتضمِّنُ لترك أصل الإيمان؛ كسب الله ورسوله أو إهانة المصحف ونحو ذلك، فإن فاعله يكفر بمجرد الفعل ما لم يقم مانع معتبر من موانع التكفير، ولا يتعلَّق ذلك باستحلال أو جحود، وكذا لا يندرج تحتها عدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، كمن اعتقد عدم وجوب الصلاة أو الزكاة أو الحج ونحو ذلك، فإنه يكفر أيضًا بمجرد ذلك.

اللَّهمَّ أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) متن الطحاوية بتعليق الألباني (ص: 60).

([2]) الفقه الأكبر (ص: 76).

([3]) الفقه الأكبر (ص: 43).

([4]) موطأ مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني (ص: 325).

([5]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص: 222).

([6]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (17/ 22).

([7]) شرح السنة (ص: 64).

([8]) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (1/ 593).

([9]) الاعتصام (2/ 452).

([10]) ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 521).

([11]) شرح الطحاوية (ص: 321).

([12]) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 411-412).

([13]) ينظر: فتنة التكفير (ص: 10).

([14]) موسوعة الألباني في العقيدة (4/ 224).

([15]) شرح العقيدة الطحاوية (ص: 316-317).

([16]) مقالات الإسلاميين (1/ 227).

([17]) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 512).

([18]) ينظر: المرجع السابق، والسيف المسلول على من سب الرسول لتقي الدين السبكي (ص: 121).

([19]) ينظر: السيف المسلول على من سب الرسول (ص: 125).

([20]) ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 512)، والكلمات النافعة في المكفرات الواقعة (ص: 346).

([21]) ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 512)، والسيف المسلول على من سب الرسول (ص: 131).

([22]) وهي نفس الشبهة التي نناقشها.

([23]) ينظر: السنة لأبي بكر بن الخلال (3/ 586-587).

([24]) مجموع الفتاوى (20/ 90).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

جميل أن يعترف المرء بعدم العلم؛ فيسأل عما لا يعلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»([1])، وأجمل منه أن يُرشَد إلى الطريق؛ فيجاب بالحكمة والموعظة الحسنة؛ انقيادًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ […]

“يُستتاب وإلا قتل” معناها، وهل تكرّس للعنف؟

كثيرٌ ممن يقدِّمون أنفسهم لمناقشة ما يسمُّونه الآراء الفقهيّة المتطرِّفة والتفسير الأحادي للدين يخلطون بين المصطلحات متعدِّدة المعاني في الحقول المعرفية، كما يقعون في مغالطة علمية وهي نزع الأولويات، ففقيه متديِّن ملتزم بالفقه يرى أن الأولوية للنصوص، وأن مقصد حفظ الدين مقصد شرعيّ أصيل لا يمكن تجاهُله ولا إغفاله، وهو في تقرير الأحكام ينطلق من […]

فريضة صيام رمضان…بين القطع والتشغيب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: يُطلُّ عَلينا في هذا الزَّمان بين الفينةِ والأخرى عبر شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل الاجتماعيِّ بعضُ من ليس لهم همٌّ ولا شغلٌ ولا مشروعٌ إلا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وحضارتهم وثوابت دينهم، وقد طالت سهامُهم المسمومةُ -ردَّها الله في نحورهم- كلَّ مقدَّسات الإسلام؛ فشكَّكوا في القرآنِ الكريم، وطعنوا […]

رمضان وحماية المسلم من الشهوات والشبهات

رمضان شهرُ خيرٍ وبركةٍ، وهو من مواسم الخير التي امتنَّ الله بها على المؤمنين؛ ليزيدوا في أعمال البرِّ، ويصحِّحوا علاقتِهم بالله سبحانه وتعالى. وللمؤمن مع هذا الشهرِ علاقةٌ لا يمكن التعبيرُ عنها إلا بحمد الله والثناء عليه؛ ذلك أنَّ بلوغَ الشهر هو زيادةٌ في العمر، وزيادةٌ في الطاعة لله سبحانه، فعن طلحة بن عبيد الله […]

الأمانة العلمية لدى السلفيين.. نشر كتب المخالفين نموذجًا

يتعامَل السلفيّون مع ما يصدُر من أيِّ مسلم -وخصوصًا من العلماء- تعاملًا شرعيًّا، فلا يوجَد لدَيهم موقفُ رفضٍ مطلَق أو قبول مطلَق، وإنما المعامَلة مع الأقوال -سواء كانت للسَّلفيين أو مخالفيهم- تخضَع لقانون الشَّرع الذي يقِرُّ مبدأ الحقّ ويردُّ الباطل؛ ولذلك تعاملوا مع الإنتاج الفقهي بنظرةِ تحكيمِ الدليل وتقويم المنتَج، فما كان مِن هَذا التراثِ […]

الحداثيُّون… حديث في التناقضات

    المقدمة كانت امرأة بمكة المكرمة قد اتخذت الغزْل شغلًا لها، فعملت مغزلًا تغزل الصوفَ والشعر والوبر، فاتخذت لذلك ما شاء الله لها من الجواري، فكنَّ يجمعن الصوفَ والشعَر والوبر، وتغزل هي وجواريها من بداية اليوم حتى نهايته، ويبذلون جهدَهم وطاقتهم في فتل الصوفِ خيوطًا. ولكن هذه المرأة كان في عقلِها شيءٌ، وكانت كثيرةَ […]

تغريدات لمقالة (أين العرب عن تدوين الحديث؟)

1.لاتتوقف الشبهات المثارة ضد الإسلام، في أصله ومصدر تشريعه، وتشريعاته، وطريقة تنظيمه للحياة، وحدوده، وغير ذلك من مسائل الدين، وقد فشى في الأيام الأخير الطعن في السنة النبوية بطعون شتى، ومنها هذه الشبهة التي تناقلها بعض الكتاب 2. تقول الشبهة إن أصحاب الصحاح الستة ( وهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) كلهم […]

خصائِصُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بين الحقيقة والخُرافَة

المقدمة: “أصلُ المحبَّة: الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكونُ لما يستلذُّه الإنسَان ويستحسِنه؛ كحسن الصُّورة والصوت والطَّعام ونحوها، وقد يستلذُّه بعقلِه للمعاني الباطنة؛ كمحبَّة الصَّالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانهِ إليه ودفعهِ المضارَّ والمكاره عنه. وهذه المعاني كلُّها موجودة في النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر […]

أين العرب عن تدوين الأحاديث؟!

بين الفينَة وأختِها تثور زوبعات، وتُنفخ فقاعات، وتطلُّ رؤوسُ شبهاتٍ ضدَّ الإسلام وتراثِه، وبعضُ تلك الشُّبهات والأسئلة لها حظٌّ من النظر وتستحقُّ البحث والدراسة، بينما هناك شبهاتٌ أخرى فسادُها يُغني عن إفسادها، وحكايتُها كافية في إبطالِها؛ لهشاشة بنيانِها، وتهافُت أصولِها التي بُنيَت عليها. ومن تلكَ الشُّبهات: ما أثير مؤخَّرًا حول الكُتُب الستة وأعجميَّة كُتَّابها، وسأنقل […]

عرض وتعريف بكتاب آياتُ العقيدة المتوهَّم إشكالها

 عنوان الكتاب: آيات العقيدة المتوهَّم إشكالها. المؤلف: الدكتور زياد بن حمد العامر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة المجمعة. الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض. تاريخ الطبع: الطبعة الأولى، سنة 1435هـ. عدد الصفحات: 595 صفحة. أصل الكتاب: رسالة دكتوراه في قسم العقيدة، بكلية أصول الدين، بجامعة ام القرى. خطة الكتاب: يتكوَّن الكتاب من: مقدمة، وتمهيد، وعشرة […]

عِنايةُ المستشرقين وأذنابهم بغُلاةِ الصُّوفيَّةِ (الحَلَّاجُ أنْموذجًا)

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة الحمدُ لله على نِعمةِ الإسلامِ والعَقلِ الصَّحيحِ الموافِقِ لسَليمِ الفِطرةِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا مُحمَّدٍ نبيِّ الرَّحمةِ، والدَّاعي إلى ربِّه وهادِي الأُمَّةِ، وعلى آلِه وجميعِ أصحابِه البَررَةِ، المُرتضَينَ لصُحبتِه، والمختارِين لنُصرتِه، والمُبلِّغين بَعدَه لآثارِه وسُنَّتِه. وبعدُ: فإنَّ الإسلامَ الذي مَصْدَرُ تلقِّيه الكِتابُ والسُّنةُ الصَّحيحةُ بفَهْمِ سَلفِ الأُمَّةِ؛ هو الإسلامُ […]

متى يقرأ طالب العلم لابن تيمية؟

إن طلبَ العلم درجاتٌ ومناقلُ ورُتَب، لا ينبغي تعدِّيها، ومن تعدَّاها جملةً فقد تعدَّى سبيلَ السلف -رحمهم الله-، ومن تعدَّى سبيلهم عامدًا ضلَّ، ومن تعداه مجتهدًا زلَّ. فأوَّل العلم حفظ كتاب الله -عز وجل- وتفهُّمه، وكلّ ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه([1]). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التدرُّج في التربية بصغارِ العلم قبل […]

متى يكون القول مذهبًا للسلف؟

تكثر الدَّعوى على السلف في تسمية مذاهبهم وتعيينها، فكثيرًا ما نقرأ في كتب المتأخِّرين نقلًا يدَّعي صاحبه أنه هو مذهب السلف وقولهم، وفي نفس الوقت نجِد من يردُّ عليه وينفي القولَ عن السلف ويبيِّن غلطَ الناقل عنهم، وهذا يوقع القارئَ العادي في ارتباكٍ علميٍّ وشكّ معرفي؛ مما يجعل السؤال عن الضابط والمعيار المنهجي لمذهب السلف […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017