الجمعة - 26 جمادى الأول 1448 هـ - 06 نوفمبر 2026 م

قاعدة: “لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحلَّه” بيانٌ ودفع شبهة

A A

دين الله تعالى وسطٌ بين الغالي فيه والجافي عنه؛ وهذه الوسطيةُ هي أبرز ما يميِّز أهلَ السنة والجماعة عن أهل البدع والغواية، ففي باب الوعيد نجد أن أهل السنة والجماعة وسطٌ بين الخوارج القائلين بالتكفير بكلّ ذنب، وبين المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب.

وفي هذه المقالةِ شرحٌ وبيانٌ لقاعدة أهل السنة والجماعة قاطبة في باب الوعيد وهي: “لا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله”، يعقُبه تفنيدٌ للإشكالات والشّبهات التي أُثيرت حولها.

تنصيص الأئمَّة على هذه القاعدة:

نصَّ غير واحدٍ من أئمة أهل السنة والجماعة على هذه القاعدة، ومن أشهرهم الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت 321هـ)، إذ يقول في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: “ولا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه”([1]).

كما حكَى بعضُ الأئمة الاتفاقَ على تلك القاعدة، ما بين مطلقٍ للَفظها ومقيِّد بالاستحلال، فبعضُهم يقول: “لا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذَنب”، وبعضهم يقيِّده بقوله: “إذا لم يستحلَّه”. ولما كان المقام لا يناسبه التطويل فيكتفَى بذكر أشهرِ من نصَّ عليها:

  • الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ):

يقول أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي: سألت أبا حنيفة النعمان بن ثابت -رضي الله عنه- عن الفقه الأكبر، فقال: “ألا تكفِّرَ أحدًا من أهل القبلة بذنب”([2]).

وقال أيضًا: “ولا نكفِّر مسلمًا بذنبٍ منَ الذنوب، وإن كانت كبيرة، إذا لم يستحلَّها”([3]).

  • الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ):

قال: “لا ينبغي لأحدٍ من أهل الإسلام أن يشهدَ على رجلٍ من أهل الإسلام بذنبٍ أذنَبه بكفر، وإن عظُم جرمه، وهو قول أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا”([4]).

  • الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ):

يقول محمد بن حميد الأندرابي: قال أحمد بن حنبل في بيان صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة: “ولم يشكّ في إيمانه، ولم يكفِّر أحدًا من أهل التوحيد بذنبٍ”([5]).

  • الإمام ابن عبد البر المالكي (ت 463هـ):

يقول: “وقد اتَّفق أهل السنة والجماعة -وهم أهل الفقه والأثر- على أن أحدًا لا يخرجه ذنبه -وإن عظم- من الإسلام، وخالفهم أهل البدع”([6]).

شرح القاعدة:

اتَّفق أهل السنة والجماعة على عدم تكفير مرتكب الكبيرة من المسلمين، فمنِ ارتكب كبيرةً من كبائر الذنوب -كالزنا والسرقة ونحوهما، دون الشرك-، ومات عليها من غير توبة، فهو مستحق للوعيد يوم القيامة، وأمره -مع هذا- في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذَّبه بعدله، وإن شاء غفر له وعفَا عنه بفضله؛ كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 116].

وقولهم: “من أهل القبلة”: المراد بهم هنا: مسلمٍ لم يقترف ذنبًا يخرجه من الإسلام؛ يقول الإمام أبو محمد البربهاري (ت 329هـ): “ولا نخرج أحدًا من أهل القبلة من الإسلام، حتى يرُدَّ آيةً من كتاب الله، أو يردَّ شيئًا من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يذبَح لغير الله، أو يصلِّي لغير الله، فإذا فعل شيئًا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجَه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئًا من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة”([7]).

وأما قولهم: “ما لم يستحلَّه”: فمعنى الاستحلال: اعتقاد الشيء المحرم حلالًا. يقول ابن القيم (ت 751هـ): “إن المستحل للشّيء هو الذي يفعله معتقدًا حلَّه”([8])، ويقول الشاطبي (ت 790هـ): “لفظ الاستحلال إنما يستعمل في الأصل فيمن اعتقدَ الشيء حلالًا”([9]).

والمعنى: أن العبد إذا فعل الذنب -ما لم يتضمَّن ترك أصل الإيمان- مع اعتقاده أن الله تعالى حرَّمه عليه، واعتقاد انقياده لله تعالى فيما حرَّمه أو أوجبه عليه، فإن أهل السنة لا يحكمون على هذا العبد بالكفر؛ أما إذا اعتقد أن الله تعالى لم يحرم الذنب، أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم، ورفض أن يسلِّم بحكم الله تعالى، فإنَّ العبدَ في هذه الحالة إما أن يكون جاحدًا أو معاندًا؛ ولهذا قرر علماء أهل السنة والجماعة أن من عصى الله تعالى مستكبرًا كإبليس كفر باتفاق، ومن عصاه مشتهِّيًا لم يكفر([10]).

مناط إعمال القاعدة:

لعل المتأمِّل في كلام الأئمَّة يرى أنهم أوردوا تلك القاعدة المنيفة أصالةً في معرض الرد على مذاهب أهل الزيغ والضلال؛ من الخوارج القائلين بأن مرتكب الكبيرة كافرٌ، كما يخالفون المعتزلة القائلين بأن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، وأوجبوا له الخلود في النار يوم القيامة.

يقول ابن أبي العزّ الحنفي (ت 792هـ): “إن أهل السنة متَّفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًّا، يُقتل على كل حال، ولا يقبَل عفو وليّ القِصاص، ولا تجري الحدودُ في الزنا والسرقة وشرب الخمر! وهذا القول معلومٌ بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام”([11]).

ولما كانت حقيقة الذنب: إما أن يكون فعلًا لمحرم، أو تركًا لواجب؛ فإنه يتبادر لنا سؤال وهو: ما المراد بالذنب في القاعدة؟ وهل تشمل القاعدة جميع الذنوب، سواء كانت متضمنة لترك أصل الإيمان أو غير متضمنة لذلك؟

للعلماء في الجواب عن هذين السؤالين تفصيل؛ يوضحه ما يلي:

من المعلوم بأنَّ هناك بعضَ الذنوب تتضمَّن ترك أصل الإيمان؛ كسبِّ الله تعالى، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، أو السجود لصنم، فهذه الذنوب والمعاصي -المتضمنة ترك أصل الإيمان- لا تندرج قطعًا تحت القاعدة؛ ولهذا يقول الإمام ابن القيم في معرض بيان مجالات إعمال القاعدة: “والكفّ عن أهل القبلة؛ فلا تكفر أحدًا منهم بذنب، ولا تخرجه عن الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث -كما جاء وما روي- فتصدّقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي؛ نحو كفر من يستحلّ نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتَّبِع ذلك ولا تجاوزه”([12]).

إذًا مجالات إعمال القاعدة هو فعل المعاصي التي لا تتضمَّن ترك أصل الإيمان، ومن أبرز أمثلتها كبائر الذنوب؛ من القتل، والزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والكذب، والسرقة، ونحو ذلك، وقد اشتبَه هذا الأمر على بعض العلماء؛ فظنوا أن القاعدةَ عامَّةٌ في جميع الذنوب والمعاصي، سواء تضمَّنت تركَ أصل الإيمان أو لا، وتفنيد تلك الشبهة والجواب عنها في الفقرات الآتية.

شبهة اشتراط الاستحلال القلبي في التكفير بالمعاصي جميعها:

يرى بعضُهم أنه لا يجوز أن نكفِّر العصاةَ المتلبِّسين بشيء من المعاصي لمجرَّد ارتكابهم لها واستحلالهم إياها عمليًّا، إلا إذا ظهر لنا يقينًا منهم ما يكشِف لنا عمَّا في قرارة نفوسهم أنهم لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله اعتقادًا، فإذا عرفنا أنهم وَقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا حينئذ بأنهم كفروا كفرَ ردة([13]).

ويقول أيضًا في تعليقه على كلام الطحاوي -وهو نص القاعدة التي معنا-: “يعني استحلالًا قلبيًّا اعتقاديًّا، وإلا فكلّ مذنب مستحلٌّ لذنبه عمليًّا، أي: مرتكبٌ له، ولذلك فلا بدَّ من التفريق بين المستحلِّ اعتقادًا فهو كافر إجماعًا، وبين المستحلِّ عملًا لا اعتقادًا، فهو مذنبٌ يستحقّ العذاب اللائق به، إلا أن يغفر الله له، ثم ينجيه إيمانه، خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود في النار، وإن اختلفوا في تسميته كافرًا أو منافقًا”([14]).

الجواب الإجمالي عن الشبهة:

قد ظهرت هذه الشبهة قديمًا، وقام بعض محقِّقي العلماء بتفصيل الردِّ عليها وإظهار عوارها؛ ولعل من أبرز الأمثلة على بطلانها: أنه يوجد في أهل القبلة المنافقون الذين يتظاهرون بقول الشهادتين، وهم أكفر من اليهود والنصارى، كما دلَّ على هذا الكتاب والسنة والإجماع.

ومن الأمثلة على فسادها أيضًا: من يقوم بإظهار إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة؛ كالصلاة والزكاة والحج ونحوها؛ يقول ابن أبي العز الحنفي: “لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك، فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كافرًا مرتدًا”([15]).

الجواب المفصَّل الشبهة:

ولتفصيل الجواب عن تلك الشبهة لا بد من بيان مقدّمة هامة، وهي أن الذنوب والمعاصي ليست كلّها على درجة واحدة، وأنها على كثرتها يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

فهي إما أن تكون فعلًا منهيًّا عنه لم يتضمَّن ترك أصل الإيمان، وإما أن تكون فعلًا منهيًّا يتضمن ترك أصل الإيمان، وإما أن تكون عدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وبيان ذلك فيما يأتي:

القسم الأول: الفعل الذي نهى عنه الشارع الحكيم، ولم يتضمَّن ترك الإيمان، وذلك مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر والربا وأكل أموال الناس بالباطل ونحوها، هذه الأفعال يرى أهل السنة والجماعة أن مجردَ فعلها لا يخرج المسلم من حظيرة الإسلام -كما تقدم- إلا إذا اعتقد مرتكبها أنها حلال، وهذا القسم هو مناط إعمال القاعدةِ باتِّفاق أهل السنة والجماعة.

وقد أحسن أبو الحسن الأشعري (ت 324هـ) بتمثيله لهذه القاعدة بارتكاب الكبائر؛ حيث قال في بيانه لاعتقاد أهل السنة: “ولا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب: كنحو الزنا والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر”([16]).

القسم الثاني: الفعلُ المنهي عنه المتضمِّن لترك أصل من أصول الإيمان، ومن أمثلته: سب الله أو سب رسوله، أو إهانة المصحف، أو السجود لصنم، ونحو ذلك؛ فهذا يكفر فاعله بمجرَّد فعله لها، ولا ينظر في جحده أو استحلاله لها؛ وذلك لأن هذه الذنوب قد تضمنت ترك أصل الإيمان؛ ودليل ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 46]، فإذا تضمَّن فعل الذنب تركًا لأصل الإيمان كالشرك بالله تعالى، فإن الله تعالى لا يغفره، وهذا القسم لا يدخل قطعًا في القاعدة عند أهل السنة والجماعة.

ولعل هذا القسم يحتاج إلى شيء من التفصيل، ولندع شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) يفصِّل لنا القول فيه؛ حيث يقول: “إن سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفر، ظاهرًا وباطنًا، وسواء كان السابّ يعتقد أن ذلك محرّم، أو كان مستحلًّا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل”([17]).

وقد حكى الإمام أبو إسحاق ابن راهويه (ت 238هـ) الإجماع على ذلك فقال: “قد أجمع المسلمون أن من سبَّ الله أو سب رسوله -عليه الصلاة والسلام- أو دفع شيئًا مما أنزل الله أو قتل نبيًّا من أنبياء الله أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًّا بما أنزل الله”([18]).

وكذلك نقل عن الشافعي أنه سئل عمَّن هزل بشيءٍ من آيات الله تعالى أنه قال: “هو كافر”، واستدل بقول الله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66]([19]).

وكذلك قال أصحابنا [يعني: الحنابلة] وغيرهم: من سبَّ الله كفر، سواء كان مازحًا أو جادًّا؛ لهذه الآية وهذا هو الصواب المقطوع به([20]).

وقال القاضي أبو يعلى في “المعتمد”: “من سبَّ الله أو سب رسوله فإنه يكفر، سواء استحلَّ سبه أو لم يستحله، فإن قال: لم أستحل ذلك، لم يقبل منه في ظاهر الحكم، رواية واحدة، وكان مرتدًّا؛ لأن الظاهر خلاف ما أخبر؛ لأنه لا غرض له في سب الله وسب رسوله إلا لأنه غير معتقد لعبادته، غير مصدِّق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ويفارق الشارب والقاتل والسارق إذا قال: أنا غير مستحل لذلك أنه يصدَّق في الحكم([21]).

وأكثر من هذا؛ حيث يرى الإمامان الجليلان الحميدي وأحمد بن حنبل -رحمهما الله تعالى- أن هذا القول -أعني: القول بأن من فعل منهيًّا عنه تضمَّن ترك أصل الإيمان فإنه لا يحكم بكفره إلا إذا استحل أو جحد([22])– كفر صراح. ودونك نص كلامهما:

يقول الحميدي: “وأُخبِرت أن قومًا يقولون: إنَّ من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدًا، إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذا كان يقرّ الفروض، واستقبال القبلة.

فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل المسلمين، قال الله جل وعز: {حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]. قال حنبل: قال أبو عبد الله أو سمعته يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره، وعلى الرسول ما جاء به”([23]).

القسم الثالث: عدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، كمن اعتقد عدم وجوب الصلاة أو الزكاة ونحوها، فهذا يكفر، وكذا من اعتقد عدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كمن اعتقد حلَّ الخمر أو الزنا ونحو ذلك.

ويلخص شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقوله: “قد تقرَّر من مذهب أهل السنة والجماعة -ما دل عليه الكتاب والسنة- أنهم لا يكفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا يخرجونه من الإسلام بعمل؛ إذا كان فعلًا منهيًّا عنه؛ مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ ما لم يتضمن ترك الإيمان. وأما إن تضمَّن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت؛ فإنه يكفر به. وكذلك يكفر بعدَم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وعدم تحريم الحرمات الظاهرة المتواترة”([24]).

فتبين لنا بما تقدَّم: أن عدمَ تكفير أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحله منوطٌ بمن ارتكب فعلًا منهيًّا عنه ولم يتضمَّن ترك الإيمان؛ كشرب الخمر أو الربا أو نحو ذلك، ولا يندرج تحت القاعدة الفعل المنهيُّ عنه المتضمِّنُ لترك أصل الإيمان؛ كسب الله ورسوله أو إهانة المصحف ونحو ذلك، فإن فاعله يكفر بمجرد الفعل ما لم يقم مانع معتبر من موانع التكفير، ولا يتعلَّق ذلك باستحلال أو جحود، وكذا لا يندرج تحتها عدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، كمن اعتقد عدم وجوب الصلاة أو الزكاة أو الحج ونحو ذلك، فإنه يكفر أيضًا بمجرد ذلك.

اللَّهمَّ أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) متن الطحاوية بتعليق الألباني (ص: 60).

([2]) الفقه الأكبر (ص: 76).

([3]) الفقه الأكبر (ص: 43).

([4]) موطأ مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني (ص: 325).

([5]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص: 222).

([6]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (17/ 22).

([7]) شرح السنة (ص: 64).

([8]) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (1/ 593).

([9]) الاعتصام (2/ 452).

([10]) ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 521).

([11]) شرح الطحاوية (ص: 321).

([12]) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 411-412).

([13]) ينظر: فتنة التكفير (ص: 10).

([14]) موسوعة الألباني في العقيدة (4/ 224).

([15]) شرح العقيدة الطحاوية (ص: 316-317).

([16]) مقالات الإسلاميين (1/ 227).

([17]) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 512).

([18]) ينظر: المرجع السابق، والسيف المسلول على من سب الرسول لتقي الدين السبكي (ص: 121).

([19]) ينظر: السيف المسلول على من سب الرسول (ص: 125).

([20]) ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 512)، والكلمات النافعة في المكفرات الواقعة (ص: 346).

([21]) ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 512)، والسيف المسلول على من سب الرسول (ص: 131).

([22]) وهي نفس الشبهة التي نناقشها.

([23]) ينظر: السنة لأبي بكر بن الخلال (3/ 586-587).

([24]) مجموع الفتاوى (20/ 90).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017