الأحد - 14 رمضان 1440 هـ - 19 مايو 2019 م

خصائِصُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بين الحقيقة والخُرافَة

A A

المقدمة:

“أصلُ المحبَّة: الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكونُ لما يستلذُّه الإنسَان ويستحسِنه؛ كحسن الصُّورة والصوت والطَّعام ونحوها، وقد يستلذُّه بعقلِه للمعاني الباطنة؛ كمحبَّة الصَّالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانهِ إليه ودفعهِ المضارَّ والمكاره عنه. وهذه المعاني كلُّها موجودة في النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصِّراط المستقيم، ودوام النعم والإبعاد من الجحيم”([1]).

ولا شكَّ أنَّ حبَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم مما يذوق به الإنسانُ حلاوةَ الإيمان، وهو من أوجَب الواجبات كما يقول ابن تيمية رحمه الله: “محبَّة الله -بل محبة الله ورسوله- مِن أعظم واجباتِ الإيمان وأكبر أصولِه وأجلِّ قواعده؛ بل هي أصلُ كلِّ عملٍ من أعمال الإيمان والدِّين”([2]). ومحبَّتُه تكون باتباع ما جاء به، والانتهاء عمَّا نهى عنه، وتصديقِه وتوقيرِه وتبجيلِه.

ومن أَعظم ما يجب بثُّه بين الناس وإشاعتهُ فيهم: النُّصوصُ التي تدلُّ على وجوب محبَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وتبيِّنُ فضلَه، وتزرعُ توقيرَهُ ونصرتَه في قلوب المسلمين، لكن بشرط تحرِّي النصوص الصحيحة الثابتة، والابتعاد عن النصوص الواهية الباطلة.

تمهيد:

من الأخطاء التي يقع فيها بعضُ الدُّعاة إلى الله: الاستنادُ في إظهار شيءٍ من الدين إلى أحاديثَ واهية، وذكرُ خصائص للنبي صلى الله عليه وسلم غير ثابتة، والدينُ ليسَ بحاجةٍ إلى من يكمِّله، فقد قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ففيما صحَّ وثبتَ الغنية والكفاية. ومن هذا الباب -أي: زيادة ما لم يثبُت في الدين- ما يذكر للنَّبي صلى الله عليه وسلم من بعض الخصال، نظموا فيها أبياتًا قالوا فيها:

خُـصَّ نبيُّنا بعشـر خصــالْ *** لم يحتلم قط وما له ظلالْ

والأرض ما يخرج منه تَبتلِع *** كذلـك الذُّبابُ عنه ممتنعْ

تنامُ عيناه وقلبُه لا ينام *** من خلفهِ يرى كما يرى أمَام

لم يتثاءَب قطُّ وهي السَّابعة *** وُلدَ مخـتونًا إليـها تابعـة

تعرفه الدَّواب حين يركَبُ *** تأتي إليه سرعة لا تهرُب

يعلو جُلوسُه جلوس الجُلسَا *** صلَّى عليه الله صُبحًا ومَسَا

وهذِهِ الخصائِصُ أكثر من يولَع بها الصُّوفية([3])، وينقلها بعض المشتغلين بالعلم والدعاة إلى الله من غير تثبُّت ولا تحرٍّ([4]).

ولنا معها عدَّة وقفَات:

الوقفة الأولى:

أنَّ الاعتماد في الخصائص النبوية على ما قالَه الله سبحانه وتعالى وصحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لا نتجاوزه، وكما لا يجوز إنكارُ ما ثبت منها، فكذلك لا يجوزُ لنا أن نبتدِع ما لم يُوجد، أو نضيف ما لم يصِحَّ، وقد حذَّر النَّبي صلى الله عليه وسلم في مناسباتٍ عديدة من الغلوِّ فيه فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنَّما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله»([5]). والدَّعوة إلى عدم الغلوّ في النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجافاةً له، ولا عدمَ حبٍّ أو نقصانَه كما يُتَّهم به أهل السنة، وإنَّما هو عينُ العقل والشرع؛ إذ إنَّنا نتمسَّك بالنُّصوص الشرعية الصحيحة ولا نتجاوزها، وهذه النصوص الشَّرعية لها حقائق معنويَّة تقوم بقلب العبد، فيحقِّق بها أعلى مراتبِ الحبِّ، فلا حاجَة إلى أن نلفِّق لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللإسلام ما به نحبهما.

الوقفة الثانية:

هذهِ الخصائص التي ذُكرت للنَّبي صلى الله عليه وسلم وبعد وضعها في الميزان العلمي المنضبط يتبين أنَّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- قسمٌ فيه حديث صحيح صريح.

2- قسمٌ فيه حديث صحيح غير صريح.

3- قسمٌ لا يثبُت فيه حديثٌ.

وسنَنطلقُ من هذا التقسيم في مناقشتنا لهذه الخصائص، فنرتبها بهذا الترتيب لا بالترتيب الوارد في الأبيات، وسيكون تعدادها متسلسلًا من الأولى إلى العاشرة، أي: دون البداية برقم جديد عند كل قسم.

القسم الأول: الخصائص التي فيها حديثٌ صريح صحيح: وهي:

الخصيصة الأولى: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه.

وقد ورد في هذا حديثٌ صحيحٌ، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: ما كانَ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرةَ ركعة، يصلِّي أربع ركعات، فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطولهن، ثم يصلِّي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلِّي ثلاثًا، فقلت: يا رسول الله، تنام قبلَ أن توتر؟ قال: «تنام عيني، ولا ينام قلبي»([6]).

الخصيصة الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم تعرفُه الدَّواب.

وهذا صحيحٌ ثابت في عدَّة وقائع، منها حديث عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه قال: كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجتِه، فرأينا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذنا فرخَيها، فجاءَت الحُمَّرة فجعلت تفرش، فجاءَ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مَن فجَع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها»([7]).

ومن ذلك: حديث عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ خَلفَه، فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أخبر به أحدًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ ما استتر به في حاجته هدَف أو حائش نخل، فدخلَ يومًا حائطًا من حيطان الأنصار، فإذا جملٌ قد أتاه، فجرجر وذرفت عيناه -وفي رواية: فلمَّا رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حنَّ وذرفت عيناه-، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلَّم سَراته وذِفراه فسكن، فقال: «من صاحب الجمل؟» فجاء فتًى من الأنصار فقال: هُو لي يا رسول الله، فقال: «أما تتَّقي الله في هذه البهيمة التي ملَّككها الله؟! إنَّه شكا إليَّ أنك تُجيعه وتدئِبه»([8]).

ومن ذلك أيضًا: تسابُق الجمل إليه يوم النَّحر، كما في حديث عبد الله بن قرط أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعظمُ الأيَّام عند الله يوم النَّحر ثم يوم القر»، وقرَّب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس بدنات -أو: ست- ينحرهنَّ، فطفقن يزدلفن إليه؛ أيتهن يبدأ بها، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفية لم أفهمها، فسألت بعض من يليني: ما قال؟ قالوا: قال: «من شاء اقتطع»([9]).

الخصيصة الثالثة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه.

وهذا ثابتٌ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو من معجزاته، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل ترون قبلتي ها هنا؟ فوالله ما يخفى عليَّ خشوعكم ولا ركوعكم؛ إنِّي لأراكم من وراء ظهري»([10])، وعن أنس بن مالك، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «أقيموا صفوفكم، فإنِّي أراكم من وراء ظهري»، وكان أحدُنا يلزق منكبَه بمنكب صاحبِه، وقدمَه بقدمه([11]). قالَ ابن حجر رحمه الله: “والصَّواب المختار أنَّه محمولٌ على ظاهره، وأنَّ هذا الإبصارَ إدراكٌ حقيقيّ خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم، انخرقت له فيه العادة”([12]).

وقد اختلَف العلماء في هذا الإبصار: هل هو عامٌّ أم هو خاص بالصلاة؟ ورجَّح بعض العلماء أن ذلك خاصٌّ بالصلاة، واستدلُّوا على ذلك بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع كفّار قريش عليه سلَى الجزور ولو كان يرى ذلك لتجنَّبه، وليس هذا بقوي، فإن هناك اعتباراتٍ عديدةً لعدم تجنُّبه ذلك غير أنه لم يرَ، والشَّاهد أن جنسَ هذا ثابتٌ للنَّبي صلى الله عليه وسلم سواء كان في الصلاة أو خارجها.

القسم الثاني: خصائص للنبي صلى الله عليه وسلم فيها حديثٌ صحِيح غير صَريح: وهي:

الخصيصة الرابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتثاءَبُ.

وهذهِ المسألة قد ذكَر فيها بعضُ العلماء أدلةً، منهم ابن الملقن حيث قال: “ومنَ الفوائد الجليلة أنَّه عليه الصَّلاة والسلام كان لا يتثاءَب، أخرجه البخاري في تاريخه الكبير([13])، وأخرجه في كتاب الأدب تعليقًا، وقال مسلمة بن عبد الملك: ما تثاءبَ نبيٌّ قط، وإنَّها علامة النُّبوة”([14]). وقال المقريزي: “خرَّج البخاري في كتابه الكبير… وابن أبي شيبة في مصنفه([15]) من مرسل يزيد بن الأصم قال: ما تثاءَبَ النَّبي صلى اللَّه عليه وسلَّم في الصلاة قط، ولابن سعدٍ من حديث سفيان، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم قال: ما رُئي النبي صلى اللَّه عليه وسلّم متثائبًا في الصلاة قطّ، وقال مسلمة بن عبد الملك: ما تثاءب نبيٌّ قط”([16]). وقال ابن حجر: “وَمنَ الخصائِص النَّبويةِ ما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في التَّاريخ من مرسل يزيد بن الأصم قال: ما تثاءب النبي صلَّى الله عليه وسلم قطّ، وأخرجَ الخطابيّ من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: ما تثاءب نبيٌّ قط، ومسلمة أدركَ بعضَ الصحابة وهو صدوق. ويؤيِّد ذلك ما ثبَت أنَّ التثاؤبَ من الشيطان، ووقع في الشفاء لابن سبع أنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يتمطَّى لأنَّه من الشَّيطان، والله أعلم”([17]). وذكر هذه الخصيصة السيوطي([18]).

فذكر هؤلاء العلماء في هذه المسألة أحاديثَ صريحة لكنَّها مرسلة لا تثبت، واستندوا أيضًا إلى أحاديث أخرى صحيحة، وبنوا عليها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتثاءَب، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التثاؤُب من الشَّيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردَّه ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحِكَ الشَّيطان»([19])، وفي روايةٍ: «إن الله يحبُّ العطاس، ويكرهُ التثاؤب، فإذا عطس فحمدَ الله، فحقّ على كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما التَّثاؤب فإنَّما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع، فإذا قال: ها، ضحكَ منهُ الشَّيطان»([20]). فإذا كان التَّثاؤب من الشيطان فإن النبي صلى الله عليه وسلم منزَّهٌ عن أن يأتي بعملٍ هو من الشيطان، واعتمد على هذا العلماء في تقرير هذِه المسألَة، يقولُ العيني: “قوله: «من الشيطان» إنما نسب التثاؤب إليه لأنَّه هو الذي يزيِّن للنفس شهوتها، وهو من امتلاء البدن وكثرة المأكل، وقيل: ما تثاءب نبيّ قطّ؛ لأنه لا يضاف إليه عملٌ للشيطان فيه حظّ”([21]).

الخصيصة الخامسة: أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لا يحتلم.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثةِ أقوال:

القول الأول: أنَّ الأنبياء لا يحتلمون، قال ابن الملقن: “والأشهَر امتناعُ الاحتلام عليهم”([22])، وكذلك ذكره السيوطي، وذكر دليلَه فقال: “باب الآية في حفظه صلى الله عليه وسلم من الاحتلام. أخرجَ الطَّبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس، والدِّينَوَريّ في المجالسة من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: ما احتلم نبي قطّ، وإنما الاحتلام من الشيطان”([23]). بل قال السيوطي: “وأيُّ مانع من أن يكون ذلك خصيصة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنَّهن لا يحتلمن، كما أنَّ من خصائص الأنبياء عليهم السلام أنَّهم لا يحتلمون؛ لأنَّ الاحتلام من الشَّيطان، فلم يسلّط عليهم، وكذلك لم يسلط على أزواجه تكريمًا له”([24]).

فجملة ما استدلّوا به:

1- قوله عليه الصلاة والسلام: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان»([25]).

2- حديث سليمان بن يسار، أنَّه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن الرَّجل يصبح جنبًا: أيصوم؟ قالت: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يصوم([26]).

3- قول ابن عباس رضي الله عنهما: “ما احتلم نبيٌّ قط، إنَّما الاحتلام من الشيطان”([27]).

القول الثَّاني: يجوز وقوع الاحتلام من الأنبياء.

ودليلهم: حديثُ سليمان بن يسار، أنَّه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن الرجل يصبح جنبًا: أيصوم؟ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يصوم([28]).

وفي بيانِ وجه الاستدلال من هذا الحديث قال ابن حجر -رحمه الله- بعد أن نقل قول القرطبي في منع الاحتلام: “وقال غيره: في قولها: (من غير احتلام) إشارة إلى جوازِ الاحتلام عليه، وإلا لما كان للاستثناء معنى، ورُد بأنَّ الاحتلام من الشيطان وهو معصومٌ منه، وأجيب بأنَّ الاحتلام يطلَق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيءٍ في المنام”([29]).

القول الثالث: التفصيل، فإن أريد به فيضٌ من البدن دون تلاعُبِ الشَّيطان وما يكون منه من حلم يفضي إلى الاحتلام فإنَّ هذا جائز، ولم يأت حديثٌ يمنعُه، كما لم يأت حديثٌ يخبر بوقوعه، وأمَّا إن أريد به ما يحصل من الشَّيطان فهذا ممنوع، وفي بيان هذا يقول ابن كثير رحمه الله: “هل كان يحتلم؟ على وجهين، صحَّح النَّووي المنعَ، ويشكِل عليه حديثُ عائشة في الصحيحين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من غير جماع، غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم. والأظهر في هذا التفصيلُ، وهو أن يقال: إن أريد بالاحتلام فيضٌ من البدن، فلا مانع من هذا، وإن أريد به ما يحصل من تخبُّط الشيطان، فهو معصوم من ذلك صلى الله عليه وسلم”([30]).

والأمر في هذا قريبٌ؛ لعدم وجود نصٍّ صريح يقضي بالإمكان أو الوقوع أو المنع، وليس هو مما يُعاب به أحدٌ إن كان مجرَّد فيض، وفي القول الثالث جمعٌ بين الأدلة.

القسم الثالث: خصائص لا يثبت فيها حديث، وهي:

الخصيصة السادسة: أنَّه صلى الله عليه وسلم ولد مختُونًا.

وهذه أيضًا من الخصائِص التي حصل فيها خلافٌ بين أهل العلم، وقد استدلُّوا بحديثٍ ورد عند الطبراني قال فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم: «مِن كرامتي على ربِّي عز وجل أني وُلِدتُ مختونًا، ولم ير أحدٌ سوأتي»([31])، وذكره الحاكم في مستدركه وقال: “وقد تواترت الأخبار أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولِد مختونًا”([32])، وقال ابن القيم: “في إسناده عدة مجاهيل”([33])، وقد أطالَ فيه الألباني الكلام في سلسلة الأحاديث الضعيفة، وخلاصتُه أنَّ الحديث منكر([34]).

وأفاض ابن القيم -رحمه الله- الكلام في هذه المسألة فقال: “الفصل الثالث عشر في ختان النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختُلف فيه على أقوال، أحدها أنه ولد مختونًا، والثاني أن جبريل ختنه حين شقَّ صدره، الثالث أن جدَّه عبد المطلب ختنه على عادة العرب في ختان أولادهم”([35]).

ثم أفاض في ذكر الحجج، ثم قال: “ولو ولد مختونًا فليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ كثيرًا من الناس يولَد غير محتاج إلى الختان”([36]).

ثم قال مرجِّحًا قول من يقول: إنَّ جده ختنه: “وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع، وهو -على ما فيه- أشبه بالصواب وأقرب إلى الواقع”([37]).

والشَّاهد أنَّه لا يثبت حديثٌ يفيد ولادتَه مختونًا، وهو وإن ولد عليه الصلاة والسلام كذلك فإنَّ هذا لا يعدُّ من خصائصه؛ إذ إنَّ كثيرًا من الناس يولدون مختونِين، وممَّا يدلُّ على ذلك أيضًا قول ابن حجر رحمهُ الله: “وقد استحبَّ العُلماء من الشَّافعية فيمن ولد مختونًا أن يمرَّ بالموسى على موضِع الختان من غير قطع”([38]). فإيراد هذه المسألة دليلٌ على وجودِها وتحقُّقها واقعًا، فالأقرب أنه لم يولَد مختونًا، وإنما ختنَه جدُّه كما نقل ابن القيم رحمه الله، وهذا ما مال إليه السيوطي حيث قال: “جاء شيءٌ كثير في الخصائص، على أنَّه ورد أن جدَّه عبد المطلب ختنَه يوم سابعه، ومال إليه الحافظ الذهبي، وضعَّف رواية أنه ولد مختونا”([39]).

الخصيصة السابعة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا ظلَّ له.

وهذا ممَّا تذكُره الصوفية كثيرًا، ويستندون في ذلك إلى أمرين:

الأول: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نورٌ، ويسمُّونه النور الضيائي، “وهذه النُّورانية أصيلة فيه صلَّى الله عليه وسلم، وهي أوَّل ما خلَقَ الله تعالى من الأنوار في الأكوان، كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه: «أوَّل ما خلقَ الله نور نبيِّك يا جابر»، وإن كانَ هذا الحديث فيه نظر عند أهل الحديث، فإنَّ نورانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأولية خلقها لا تحتاج إلى دليل، فنوره صلى الله عليه وسلم ظاهر ووجوده باهر… وهذه الحقائق هي أدلّة في حدِّ ذاتها”([40]).

وفي الحقيقة ليست الصوفية وحدَها من قالت بهذا القول، بل دخل هذا على غير الصوفية، يقول البهوتي الحنبلي: “(ولم يكن له) صلى الله عليه وسلم (فيءٌ) أي: ظلٌّ (في الشَّمس والقمر؛ لأنَّه نوراني، والظِّل نوع ظُلمة). ذكرهُ ابن عقيل وغيره، ويشهد له أنَّه سأَلَ الله أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نورًا، وختَم بقوله: «واجعلني نورا»، (وكانت الأرض تجتذب أثقالَه) للأخبار (وساوى الأنبياءُ في معجزاتِهم وانفردَ بالقرآن) فآدم خلقه الله بيده، ومحمد شق صدره وملأه ذلك الخلق النبوي، وأعطي إدريس علوَّ المكان ومحمَّد المعراج، ولَمَّا نجا إبراهيم من النَّار نجّى محمَّدًا من نار الحرب”([41]).

الثاني: أنَّ الغمام كان يظلِّله دائمًا.

وهذان المستندان لا دليلَ صحيح عليهما، وحتى لا نقفز على أدلتهم بهذا القول المرسل نناقشها من خلال النّقاط الآتية:

1- أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَشر، والطبيعة البشريَّة تقتضي أن يكونَ له ظلٌّ كما لسائر الناس، بل الطبيعة الجسمانيَّة تقتضي ذلك، ولا يخرج النَّبي صلى الله عليه وسلم عن السنن الكونية إلا بأدلَّة خاصَّة، فالأصل فيه أن يجري عليه ما يجري على الناس كلِّهم، وقد أكَّد الله بشريته في آيات كثيرة، يقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]، ويقول تعالى: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93]، وممَّا يؤكد بشريته أنَّه قد نسي من الصلاة، وكان يتعرض لما يتعرَّض له البشر، فيحزن ويضيق صدره، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97].

2- ضعف الأدلة التي استند عليها من يقول: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا ظلَّ له، وقد استدلوا بعدَّة أحاديث تفيد هذ المعنى، منها قولُ النَّبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لي نورًا»، أو قال: «واجعلني نورًا»([42]). وهذا الفهم للنص يلزم منه أن يُفهَم الحديث كاملًا بهذا الفهم، فيكون أمامه وخلفه وفوقه وتحته نورٌ حسّيّ، بل ويخرج من بصره نورٌ حسّيّ! فلمَّا لم يكن كذلك عرفنا أنَّه ليس المراد منه النور الحسِّيّ، فالقول بأنه صلى الله عليه وسلم نورٌ لا ظلَّ له من خلال هذا الحديث تكلُّفٌ واضِح، واستدلالٌ غريب لا يصح.

ومن أدلَّتهم: حديث ذكوان أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يُرى له ظلٌّ في شمسٍ ولا قمر.

وهذا لا يثبتُ إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذكوان تابعيٌّ لم ير النَّبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث مرسل. أمَّا السند إلى ذكوان فقد ذكره السيوطي فقال: “أخرج الحكيم الترمذي من طريق عبد الرحمن بن قيس الزعفراني، عن عبد الملك بن عبد الله بن الوليد، عن ذكوان”([43])، وعبد الرحمن هذا لا يقبل حديثه لكذبه، قال عنهُ الذهبي: “كذَّبه ابن مهدي وأبو زرعة، وقال البخاري: ذهب حديثه، وقال أحمد: لم يكن بشيء”([44])، وقال ابن حجر: “متفق على تضعيفه”([45])، فكيف ينبني حكمٌ على حديث كهذا؟!

ومن أدلَّتهم أيضًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله نور نبيِّك يا جابر».

وهذا الحديث ليس له سندٌ في كتب الحديث، وحكم عليه الألباني بالبطلان([46]). وقد كتب الشيخ عبد الله الغماري بحثًا أسماه: (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر)، ساق فيه الحديث بطوله، وهو حديث طويل ركيكٌ يراجع في كتاب الغماري، وقد خلص إلى أن الحديث موضوع، وقال: “وعزْوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ؛ لأنه لا يوجد في مصنفه، ولا جامعه، ولا تفسيره، وقال الحافظ السيوطي في الحاوي: ليس له إسناد يعتمد عليه. وهو حديث موضوع جزمًا([47]). ثم قال: “وبالجملة فالحديث منكرٌ موضوع لا أصلَ له في شيء من كتب السُّنّة”([48]).

قال الشيخ محمد زياد التكلة: “اتفق أهل الحديث قاطبة أنَّ هذا الحديث كذب لا أصل له، وأول ما جاء به شيخ أهل الحلول والاتحاد محيي الدين بن عربي -المتوفى في القرن السابع الهجري-، وجاء به دون سند! فسبعة قرون ولا يعرف هذا الحديث في كتب المسلمين، ويجيء وفيه مصطلحات فلسفية وصوفية متأخّرة! وإنما يعرف شبيهه في كتب الإسماعيلية الذين درس عندهم ابن عربي، والذين أخذوه بدورهم من الفلسفة اليونانية مع تبديل بعض المصطلحات فقط! ثم وهم بعض أهل العلم في القرن العاشر وعزاه لعبد الرزاق، ولم يذكر بقيَّة اسمه، ولا في أيّ كتاب هو، ولا ذكر سنده! وجاء من بعده من غير المحققين فحسبوه عبد الرزاق المشهور عند المحدثين، وهو الإمام الحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة 211هـ، وقد طبعت كتبه، ولم يكن هذا الحديث فيها بالتأكيد”([49]).

فتبين من هذا أن الحديث لا تقوم به حجة، ولا يُبنى عليه حكم.

3- ثبوت أحاديث تفيدُ وجود الظلِّ للنبي صلى الله عليه وسلم.

فاستنادُ هؤلاءِ إلى أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تُظلِّله غمامة دائمًا ليس فيه حديث، وزيادة على ذلك فإن هناك أحاديثَ تضادُّ هذ القول.

من ذلك حديث أنس رضي الله عنه، قال: وكانت -أي: بيرحاء- حديقةً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها، ويستظلُّ بها، ويشرب من مائها([50]). فمن أي شيء كان يستظلّ إن كان مظلَّلًا أصلا بالغمامة؟!

ومن ذلك حديث خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بردةً له في ظلِّ الكعبة([51]).

وفي الحديث الذي أخرجه البخاري في الهجرة: فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار -ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم- يحيِّي أبا بكر، حتى أصابت الشمسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلَّل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك([52]). فانظر كيف أنَّ الشمس قد أصابته فظلَّله أبو بكر بردائه، وهو نصٌّ صريح في إبطال أنَّ هناك غمامةً دائمةً تظلله؛ إذ لو كان كذلك لما أصابته الشمس، ولما احتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى أن يظلله.

ومن الأحاديث حديث يعلى رضي الله عنه قال: فبينا النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظلَّ به([53]).

وفي حديث جابر قال: فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم([54]).

فكلُّ هذه الأحاديث تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان تظلِّله غمامة، فلذلك كان يبحث عن الظِّل يستظلّ به. وقد اقتصرتُ على ما ورد في الصحيحين، وفي الباب أكثر من ذلك.

4- لو لم يكن له ظلٌّ لكان هذا من الأمور التي استدلَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم على نبوَّته، وذُكر في القرآن كما ذُكر الكثير من معجزاته؛ لأنَّ هذا من أقوى الأدلة على خرقه للسنن الكونية، وهو شيءٌ يشاهده الجميع، بل هو أمرٌ غريب كانت الدواعي متضافرة على نقله، ومع ذلك لم يُنقل شيء من هذا القبيل.

وأختم الحديث في هذه المسألة بفتوى اللجنة الدائمة (الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن قعود، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الرزاق عفيفي) حول هذا الموضوع، إذ وردهُم سؤال نصُّه: هنا في الباكستان علماء فرقة البريلوية يعتقدون أنَّه لا ظلَّ للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا دلالة على عدم بشرية النبي صلى الله عليه وسلم. هل هذا هو الحديث الصحيح، ليسَ الظل للنبي صلى الله عليه وسلم؟

فكان الجواب:

هذا القولُ باطلٌ منافٍ لنصوص القرآن والسنة الصريحة الدالة على أنه صلوات الله وسلامه عليه بشرٌ، لا يختلف في تكوينه البشريّ عن النَّاس، وأن له ظلًّا كما لأيِّ إنسان، وما أكرمه الله به من الرسالة لا يخرجه عن وصفه البشريّ الذي خلقه الله عليه من أمّ وأبٍ، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} الآية [الكهف: 110]، وقال تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} الآية [إبراهيم: 11].

أما ما يروى من أن النبي صلى الله عليه وسلم خلق من نور الله فهو حديث موضوع([55]).

الخصيصة الثامنة: أنَّ الأرض تبتلع ما يخرج منهُ صلى الله عليه وسلم.

ليس في هذا أيضًا دليلٌ صحيح، بل غاية ما فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لها: «أما علمتِ أنَّ اللَّه أمرَ الأرض أن تبتلع ما خرج من الأنبياء؟!» وهذا الحديثُ ذكره المقريزي، وذكر أيضًا قول ابن عباس: “لم يحدث رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلّم في موضعٍ قط إلا ابتلعته الأرض”([56]).

وذكر السيوطي طُرقًا أخرى فقال: “باب المعجزة في بوله وغائطه صلى الله عليه وسلم. أخرج البيهقي من طريق حسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الغائط دخلتُ في إثره، فلا أرى شيئًا! إلا أني كنت أشمّ رائحة الطيب، فذكرتُ ذلك له فقال: «أما علمتِ أن أجسادَنا تنبت على أرواح أهل الجنّة، فما خرج منها من شيء ابتلعته الأرض»([57]).

ثمَّ ذكر أن البيهقي قد ضعَّف الحديث لأنَّه عن ابن علوان، بل ذكر أنه موضوع، وعقَّب عليه السيوطي فقال: “كلَّا، ليس كما قال؛ فإنَّ الحديث له طريقٌ آخر عن عائشة، قال ابن سعد([58]): أخبرنا إسماعيل بن أبان الوراق، حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشي، عن محمد بن زاذان، عن أم سعد، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، تأتي الخلاءَ فلا يُرى منك شيء من الأذى! قال: «أوَما علمتِ أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء؟! ولا يرى منه شيء»، وأخرجه أبو نعيم من هذا الطريق.

وله طريقٌ ثالث: قال أبو نعيم: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا علي بن أحمد بن سليمان المصري، حدثنا زكريا بن يحيى البلخي، حدثنا شهاب بن معمر العوفي، حدثنا عبد الكريم الخزاز، حدثنا أبو عبد الله المديني، عن ليلى مولاة عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إنَّك تدخل الخلاء، فإذا خرجتَ دخلتُ إثرك فما أرى شيئًا! إلا أني أجد رائحةَ المسك، قال: «إنَّا معشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح أهل الجنة، فما خرج منها من شيء ابتلعته الأرض».

وله طريق رابع: قال الحاكم في المستدرك: أخبرني مخلد بن جعفر، حدثنا محمد بن جرير، حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا المنهال بن عبيد الله عمن ذكره، عن ليلى مولاة عائشة، عن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته، فدخلت فلم أر شيئًا! ووجدت ريح المسك، فقلت: يا رسول الله، إني لم أر شيئًا! قال: «إن الأرض أُمِرت أن تكفته منا معاشر الأنبياء».

وله طريق خامس: قال الدارقطني في الأفراد: حدثنا محمد بن سليمان الباهلي، حدثنا محمد بن حسان الأموي، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إني أراك تدخل الخلاءَ، ثم يجيء الذي بعدك فلا يرى لما يخرج منك أثرًا! فقال: «يا عائشة، أما علمتِ أنَّ الله أمرَ الأرض أن تبتلع ما خرج من الأنبياء؟!»([59]).

وبعد الفحص والتدقيق نجدُ أنَّ هذه الأحاديث كلها لا تصحّ:

أمَّا حديث حسين بن علوان بسنده عن عائشة فإنَّ البيهقي قد كفانا المؤونة فيه، وبيَّن أنه حديث موضوع باطل، وأقرَّه على ذلك المقريزي والسيوطي.

وأمَّا الحديث الذي رواه ابن سعد؛ ففيه عنبسة بن عبد الرحمن القرشي وهو شديد الضعف، بل متَّهمٌ بالوضع، قال ابن معين: لا شيء([60])، وقال البخاري: تركوه([61])، وقال أبو حاتم: هو متروك الحديث، كان يضع الحديث([62]).

وشيخه محمد بن زاذان ضعيف جدًّا أيضًا، قال البخاري: منكر الحديث، لا يكتب حديثه([63])، وَقَال أبو حاتم: متروك الحديث، ولا يكتب حديثه([64]).

وأمَّا رواية أبي نعيم؛ ففيها عبد الكريم الخزاز، قال الأزدي: واهي الحديث جدًّا([65])، وذكرهُ الذَّهبي في ديوان الضعفاء([66]).

وأمَّا رواية الحاكم في مستدركه، ففيها رجلٌ مبهَم كمَا هو واضحٌ في السَّند.

وأمَّا رواية الدارقطني فقد أوردها ابن الجوزي وقال: “قال الدارقطني: تفرَّد به محمد بن حسان، قال أبو حاتم الرازي: كان كذابًا”([67]).

وبهذا يتبيَّن أنَّه لا يثبتُ حديثٌ في هذا الباب، قال القسطلاني: “وقد سئل الحافظ عبد الغني المقدسى: هل روي أنه صلى الله عليه وسلم كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال: قد رُوي ذلك من وجه غريب، والظاهر يؤيِّده؛ فإنه لم يُذكر عن أحد من الصحابة أنَّه رآه ولا ذكره، وأما البول فقد شاهَده غير واحِد”([68]).

الخصيصة التاسعة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يمتنِعُ عنه الذُّباب.

وهذا ذكره ابن الملقن نقلًا فقال: “ورأيت في (أعذب الموارد وأطيب الموالد) للعَزَفي السبتيّ أنَّ من خصائصِ سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنَّه كان لا ينزل عليه الذباب”([69]).

وقال السيوطي: “ذكر القاضي عياض في الشفاء والعَزَفي في مولده أنَّ من خصائصهِ صلَّى الله عليه وسلم أنَّه كان لا ينزل عليه الذُّباب، وذكره ابن سبع في الخصائص بلفظ أنه لم يقع على ثيابه ذباب قطّ”([70]).

وإنَّك ترى أنَّهُما قد نقلا ذلك عن غيرهما ولم يذكُرا فيه حديثًا، وقد ذكره القاضي عياض فلم يذكر أيّ نصٍّ([71])، فليس لهذا أصل.

الخصيصة العاشرة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان أطول القوم حين يجالسه أحد أو يماشيه.

ولم يثبت أيضًا حديث في ذلك، وغاية ما ذكروه حديث عائشة رضي الله عنها في وصفه صلى الله عليه وسلَّم إذ قالت: “كان من صفةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قامته: أنَّه لم يكن بالطويل البائن، ولا المشذب الذَّاهب -والمشذَّب: الطويل نفسه إلا أنَّه المخفف-، ولم يكن صلى الله عليه وسلم بالقصير المتردِّد، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس يُنسَب إلى الطول إلا طالهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربَّما اكتنفه الرَّجلان الطَّويلان فيطولهما، فإذا فارقاهُ نُسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الربعة، ويقول: نسب الخير كله إلى الربعة([72]).

وفي سند هذه الرواية صبيح بن عبد الله الفرغاني، قال عبد الغني المصري: منكر الحديث، وقال الخطيب في كتاب التلخيص: صاحب مناكير([73]).

وأخيرًا: حبُّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم وتوقيره وتبجيله لا يتنَافى مع تمحيصِ ما يَرِد عنه صلى الله عليه وسلم، بل من أعظم الحبِّ له عليه الصَّلاة والسَّلام أن ننفِي عنهُ ما لم يصح، وهذه الخصائِص العشرة التي انتشر ذكرها بينَ النَّاس فيها صحيح ومختلف فيه وضعيف كما بيَّنَّا، وإنَّ من فقه الدَّعوة -بل من واجباتها- أنَّ الداعية ينتقي صحاح الأحاديث، ففيها الغنية والكفاية، ولا يدع مجالًا للطَّاعنين في الخطاب الدعوي بعمومه ومحاولة إسقاطه والنَّيل منه، وأعظم سبيل يعترض عليهِم في ذلك هو أن نعتمد على ما صحَّ في الدين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) شرح النووي على صحيح مسلم (2/ 14).

([2]) مجموع الفتاوى (10/ 48).

([3]) انظر الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=NQ5rcmtP3oc

([4]) انظر الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=mYlsT-tXDVo

والرابط: https://www.youtube.com/watch?v=E_HJi-TsSwk

([5]) أخرجه البخاري (3445).

([6]) أخرجه البخاري (3569).

([7]) أخرجه أبو داود (2675)، وصححه الحاكم (7599)، ووافقه الذهبي، وصححه إسناده النووي في رياض الصالحين (1610)، وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة (25).

([8]) أخرجه أحمد (1745)، وأبو داود (2549)، وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة (20).

([9]) أخرجه أحمد (19075)، وأبو داود (1765)، وصححه ابن حبان (2811)، وحسَّن إسناده البيهقي في الكبرى (14685).

([10]) أخرجه البخاري (418).

([11]) أخرجه البخاري (725).

([12]) فتح الباري (1/ 514).

([13]) التاريخ الكبير (8/ 492-493).

([14]) غاية السول في خصائص الرسول (ص: 301).

([15]) مصنف ابن أبي شيبة (2/ 188) برقم (7982).

([16]) إمتاع الأسماع (10/ 319).

([17]) فتح الباري (10/ 613).

([18]) الخصائص الكبرى (1/ 112).

([19]) أخرجه البخاري (3289)، ومسلم (2994).

([20]) أخرجها البخاري (6226).

([21]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (22/ 227).

([22]) غاية السول في خصائص الرسول (ص: 290).

([23]) الخصائص الكبرى (1/ 120).

([24]) تنوير الحوالك شرح موطأ مالك (1/ 55).

([25]) أخرجه البخاري (3292)، ومسلم (2261).

([26]) أخرجه مسلم (1109).

([27]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11564)، قال عنه الألباني: “باطل”. سلسلة الأحاديث الضعيفة (3/ 624).

([28]) أخرجه مسلم (1109).

([29]) فتح الباري (4/ 144).

([30]) الفصول في السيرة (ص: 302).

([31]) المعجم الصغير (936).

([32]) المستدرك على الصحيحين (2/ 657).

([33]) تحفة المودود بأحكام المولود (ص: 136).

([34]) سلسلة الأحاديث الضعيفة (13/ 575-587).

([35]) تحفة المودود بأحكام المولود (ص: 201).

([36]) المرجع نفسه (ص: 204).

([37]) المرجع نفسه (ص: 206).

([38]) فتح الباري (10/ 340).

([39]) تنوير الحوالك شرح موطأ مالك (1/ 128).

([40]) انظر: مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند، ربيع الأول 1436هـ الموافق ليناير 2015م، العدد: 3، انظر:

http://www.darululoom-deoband.com/arabic/magazine/tmp/1420374821fix3sub2file.htm

([41]) كشاف القناع عن متن الإقناع (5/ 31-32).

([42]) أخرجه مسلم (763).

([43]) الخصائص الكبرى (1/ 122).

([44]) ميزان الاعتدال (2/ 583).

([45]) لسان الميزان، ت: أبو غدة (9/ 356).

([46]) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/ 820).

([47]) مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر (ص: 11).

([48]) المرجع نفسه.

([49]) انظر: http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=98923

([50]) أخرجه البخاري (2758).

([51]) أخرجه البخاري (3612).

([52]) أخرجه البخاري (3906).

([53]) أخرجه البخاري (4329)، ومسلم (1180).

([54]) أخرجه البخاري (4136).

([55]) انظر الرابط:

https://ar.islamway.net/fatwa/11504/%D9%87%D9%84-%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D8%AD-%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%8A-%D8%B5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87-%D9%88%D8%B3%D9%84%D9%85-%D9%84%D9%85-%D9%8A%D9%83%D9%86-%D9%84%D9%87-%D8%B8%D9%84

([56]) إمتاع الأسماع (5/ 302).

([57]) الخصائص الكبرى (1/ 120).

([58]) الطبقات الكبرى (1/ 170-171).

([59]) المرجع نفسه (1/ 121).

([60]) الجرح والتعديل (6/ 403).

([61]) التاريخ الكبير (7/ 39).

([62]) الجرح والتعديل (6/ 403).

([63]) التاريخ الكبير (1/ 88).

([64]) الجرح والتعديل (7/ 260).

([65]) ينظر: ميزان الاعتدال (2/ 647).

([66]) (ص: 255).

([67]) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (1/ 183).

([68]) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (2/ 91).

([69]) غاية السول في خصائص الرسول (ص: 203-204).

([70]) الخصائص الكبرى (1/ 117).

([71]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (1/ 368).

([72]) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (1/ 298)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (3/ 356).

([73]) ينظر: ميزان الاعتدال (2/ 307)، لسان الميزان، ت: أبي غدة (4/ 305).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

فريضة صيام رمضان…بين القطع والتشغيب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: يُطلُّ عَلينا في هذا الزَّمان بين الفينةِ والأخرى عبر شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل الاجتماعيِّ بعضُ من ليس لهم همٌّ ولا شغلٌ ولا مشروعٌ إلا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وحضارتهم وثوابت دينهم، وقد طالت سهامُهم المسمومةُ -ردَّها الله في نحورهم- كلَّ مقدَّسات الإسلام؛ فشكَّكوا في القرآنِ الكريم، وطعنوا […]

رمضان وحماية المسلم من الشهوات والشبهات

رمضان شهرُ خيرٍ وبركةٍ، وهو من مواسم الخير التي امتنَّ الله بها على المؤمنين؛ ليزيدوا في أعمال البرِّ، ويصحِّحوا علاقتِهم بالله سبحانه وتعالى. وللمؤمن مع هذا الشهرِ علاقةٌ لا يمكن التعبيرُ عنها إلا بحمد الله والثناء عليه؛ ذلك أنَّ بلوغَ الشهر هو زيادةٌ في العمر، وزيادةٌ في الطاعة لله سبحانه، فعن طلحة بن عبيد الله […]

الأمانة العلمية لدى السلفيين.. نشر كتب المخالفين نموذجًا

يتعامَل السلفيّون مع ما يصدُر من أيِّ مسلم -وخصوصًا من العلماء- تعاملًا شرعيًّا، فلا يوجَد لدَيهم موقفُ رفضٍ مطلَق أو قبول مطلَق، وإنما المعامَلة مع الأقوال -سواء كانت للسَّلفيين أو مخالفيهم- تخضَع لقانون الشَّرع الذي يقِرُّ مبدأ الحقّ ويردُّ الباطل؛ ولذلك تعاملوا مع الإنتاج الفقهي بنظرةِ تحكيمِ الدليل وتقويم المنتَج، فما كان مِن هَذا التراثِ […]

الحداثيُّون… حديث في التناقضات

    المقدمة كانت امرأة بمكة المكرمة قد اتخذت الغزْل شغلًا لها، فعملت مغزلًا تغزل الصوفَ والشعر والوبر، فاتخذت لذلك ما شاء الله لها من الجواري، فكنَّ يجمعن الصوفَ والشعَر والوبر، وتغزل هي وجواريها من بداية اليوم حتى نهايته، ويبذلون جهدَهم وطاقتهم في فتل الصوفِ خيوطًا. ولكن هذه المرأة كان في عقلِها شيءٌ، وكانت كثيرةَ […]

تغريدات لمقالة (أين العرب عن تدوين الحديث؟)

1.لاتتوقف الشبهات المثارة ضد الإسلام، في أصله ومصدر تشريعه، وتشريعاته، وطريقة تنظيمه للحياة، وحدوده، وغير ذلك من مسائل الدين، وقد فشى في الأيام الأخير الطعن في السنة النبوية بطعون شتى، ومنها هذه الشبهة التي تناقلها بعض الكتاب 2. تقول الشبهة إن أصحاب الصحاح الستة ( وهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) كلهم […]

خصائِصُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بين الحقيقة والخُرافَة

المقدمة: “أصلُ المحبَّة: الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكونُ لما يستلذُّه الإنسَان ويستحسِنه؛ كحسن الصُّورة والصوت والطَّعام ونحوها، وقد يستلذُّه بعقلِه للمعاني الباطنة؛ كمحبَّة الصَّالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانهِ إليه ودفعهِ المضارَّ والمكاره عنه. وهذه المعاني كلُّها موجودة في النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر […]

أين العرب عن تدوين الأحاديث؟!

بين الفينَة وأختِها تثور زوبعات، وتُنفخ فقاعات، وتطلُّ رؤوسُ شبهاتٍ ضدَّ الإسلام وتراثِه، وبعضُ تلك الشُّبهات والأسئلة لها حظٌّ من النظر وتستحقُّ البحث والدراسة، بينما هناك شبهاتٌ أخرى فسادُها يُغني عن إفسادها، وحكايتُها كافية في إبطالِها؛ لهشاشة بنيانِها، وتهافُت أصولِها التي بُنيَت عليها. ومن تلكَ الشُّبهات: ما أثير مؤخَّرًا حول الكُتُب الستة وأعجميَّة كُتَّابها، وسأنقل […]

عرض وتعريف بكتاب آياتُ العقيدة المتوهَّم إشكالها

 عنوان الكتاب: آيات العقيدة المتوهَّم إشكالها. المؤلف: الدكتور زياد بن حمد العامر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة المجمعة. الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض. تاريخ الطبع: الطبعة الأولى، سنة 1435هـ. عدد الصفحات: 595 صفحة. أصل الكتاب: رسالة دكتوراه في قسم العقيدة، بكلية أصول الدين، بجامعة ام القرى. خطة الكتاب: يتكوَّن الكتاب من: مقدمة، وتمهيد، وعشرة […]

عِنايةُ المستشرقين وأذنابهم بغُلاةِ الصُّوفيَّةِ (الحَلَّاجُ أنْموذجًا)

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة الحمدُ لله على نِعمةِ الإسلامِ والعَقلِ الصَّحيحِ الموافِقِ لسَليمِ الفِطرةِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا مُحمَّدٍ نبيِّ الرَّحمةِ، والدَّاعي إلى ربِّه وهادِي الأُمَّةِ، وعلى آلِه وجميعِ أصحابِه البَررَةِ، المُرتضَينَ لصُحبتِه، والمختارِين لنُصرتِه، والمُبلِّغين بَعدَه لآثارِه وسُنَّتِه. وبعدُ: فإنَّ الإسلامَ الذي مَصْدَرُ تلقِّيه الكِتابُ والسُّنةُ الصَّحيحةُ بفَهْمِ سَلفِ الأُمَّةِ؛ هو الإسلامُ […]

متى يقرأ طالب العلم لابن تيمية؟

إن طلبَ العلم درجاتٌ ومناقلُ ورُتَب، لا ينبغي تعدِّيها، ومن تعدَّاها جملةً فقد تعدَّى سبيلَ السلف -رحمهم الله-، ومن تعدَّى سبيلهم عامدًا ضلَّ، ومن تعداه مجتهدًا زلَّ. فأوَّل العلم حفظ كتاب الله -عز وجل- وتفهُّمه، وكلّ ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه([1]). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التدرُّج في التربية بصغارِ العلم قبل […]

متى يكون القول مذهبًا للسلف؟

تكثر الدَّعوى على السلف في تسمية مذاهبهم وتعيينها، فكثيرًا ما نقرأ في كتب المتأخِّرين نقلًا يدَّعي صاحبه أنه هو مذهب السلف وقولهم، وفي نفس الوقت نجِد من يردُّ عليه وينفي القولَ عن السلف ويبيِّن غلطَ الناقل عنهم، وهذا يوقع القارئَ العادي في ارتباكٍ علميٍّ وشكّ معرفي؛ مما يجعل السؤال عن الضابط والمعيار المنهجي لمذهب السلف […]

تغريدات مقالة: حديث قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن- والكيف مجهول!!

  حاجة العباد إلى توحيد الله سبحانه بأسمائه وصفاته أعظم من كل حاجة؛ فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بذلك، وأن يكون الله وحده هو غاية مطلوبهم، وإيثار التقرب إليه قرة عيونهم.   الإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله -عز وجل- وكذلك كل ما جاء به الكتاب، أو […]

براءة السلفية من الفرَقِ الغالية -فكّ الارتباط وإبطال دعوى الصِّلة بينها-

لم يتوقَّف النَّيلُ من أهل السنة والجماعة منذ أن أطلَّت البدع برؤوسها في البلاد الإسلاميَّة، فلو سبرتَ أغوارَ التاريخ ستجِد أنَّ كبارَ أئمَّة أهل السنة والجماعة قد اضطُهدوا وعُذِّبوا وسُجنوا على يد فِرقٍ كثيرة، ولا يمكن لهذا السيل الجارف أن يتوقَّف، ورغم ذلك ظلَّ مذهب أهل السنة والجماعة شامخًا عزيزًا منتشرًا بين الناس إلى يومنا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017