الخميس - 24 ربيع الأول 1441 هـ - 21 نوفمبر 2019 م

إبراهيم الخليل وإقامة الحج على التوحيد (1)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

المقدمة:

سأل سائل فقال: في زماننا الذي تشعبت فيه الأهواء والقدوات، هل هناك من كتب الله له الذكر الحسن في العالمين من أهل الديانات ؟

فقلت: قد حصل ذلك لإبراهيم عليه السلام؛ حيث طلب من المولى بعد جهاد جهيد عاشه في سبيل الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك أن يجعل له الذكر الحسن في الآخرين فكتب الله له ما كان.

فهذا النبي الكريم هو أول من وضع معالم الحج، فهو الذي جاء بهاجر عليها السلام إلى أرض مكة المكرمة، وابنهما إسماعيل عليه السلام الذي نبع بين رجليه ماء زمزم، بعد أن سعت هاجر عليها السلام بين الصفا والمروة فشُرع للناس السعي بينهما بعد، وهو الذي بنى البيت الحرام ووقف على حجر سمِّي اليوم بمقام إبراهيم، وأرسى قواعد البيت الحرام وأسسه على التوحيد، ولكن أمر التوحيد لم يكن وليد تلك اللحظة في حياته بل كان التوحيد همُّه وهدفه في مقتبل عمره كما في منتهى حياته

فعلى يده ويد ذريته ابتدأت مراسم حج بيت الله العظيم، وهم من أرسوا قواعدها ونصبوا معالمها، وهي من أرقى الأسر الموحدة في تاريخ البشرية جمعاء، فالحج قام في أصله على ذا البيت التوحيدي، وأعاده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ما كان عليه من قبل، وفي هذه الورقة سنبرز شيئا من تلك الجوانب التوحيدية في بيت هذا النبي الكريم؛ لنقف حقيقة هذا المؤسس الحقيقي الذي قامت على يديه معالم الحج ومبانيه، ولندرك أهدافه ومراميه، ونعلم مقاصده ومعانيه، فقد بنى البيت على التوحيد وشرَّع شرائع الحج من أجله.

اللهم اجعل عملنا كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل فيه لأحد شيئًا.

تمهيد:

هذا النبي الكريم الذي كانت عليه يديه بدايات معالم الحج قد صارع الشرك وأهله أيما مصارعة، وقارعهم بالحجة والبيان وبكل وسيلة أوتيها، وعاش حياته يدعو إلى التوحيد والإيمان، وينبذ الشرك والأوثان، ويخلص البشرية من الخرافات والأصنام، وكان أول من يناوئه في ذلك والده الذي بين يديه تربى، وأبوه الذي في كنفه عاش وترعرع، فقد كان أبوه من عبدة الأصنام، بل كان من صناعها وبائعيها، ذلك هو إبراهيم عليه السلام، ومع كون والده من أهل الشرك والأوثان ضرب لنا أروع الأمثلة في البر به والعطف عليه، والاستغفار له حتى أيقن أنه عدو لله حين مات على الشرك فاستغفر وأناب، وقد أثابه الله تعالى بأفضل الجزاءات وأجزل المثوبات، فقد امتن سبحانه وتعالى عليه بأن جعل الأنبياء كلهم من ذريته، وجعله من عباده الصالحين، وجعل له الذكر الحسن في الآخرين.

وخير من نأخذ عنه قصة إبراهيم وحياته هو ربنا سبحانه وتعالى، وحكاياته عنه في كتابه الكريم؛ ولنستعرض في مبتدأ بحثنا جملة من الآيات التي تكلمت عن دعوته إلى التوحيد ومقارعته للشرك وأهله بالحجج والبراهين، والمناقشة والحوار بأنواع الأدلة العقلية والواقعية والحسية، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم: 41 – 51].

ففي هذه الآيات بين المولى سبحانه وتعالى تفصيل دعوته لأبيه وأنه دعاه إلى التوحيد وحذره من الشرك، وقد ابتدأ إبراهيم عليه السلام الدعوة به وبقومه أيضا ولم يفرده بذلك كما في الآيات الأخرى مثل قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 16، 17]، فهو قد دعا قومه إلى نبذ الشرك والأصنام، وعبادة الواحد الديان، ودلل لهم بالدلائل الواضحة سفاهة ما هم عليه من الباطل والخرافة، وأرشدهم إلى الحق والصواب الذي يقتضيه العقل والمنطق والخبر، وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا بذكر قصته للناس، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أمر لأمته من بعده، يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: “واذكر أيضا يا محمد إبراهيم خليل الرحمن، إذ قال لقومه: اعبدوا الله أيها القوم دون غيره من الأوثان والأصنام، فإنه لا إله لكم غيره، (واتقوه) يقول: واتقوا سخطه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ما هو خير لكم مما هو شرّ لكم”([1]).

من أدلة إبراهيم عليه السلام على توحيد الله:

ثم انتقل إبراهيم عليه السلام بعد دعوته التوحيدية إلى ذكر الدلائل والبراهين الدالة على ما دعا إليه، يقول الإمام الطبري: “فتأويل الكلام إذن: إنما تعبدون من دون الله أوثانا، وتصنعون كذبا وباطلا…،  إن أوثانكم التي تعبدونها، لا تقدر أن ترزقكم شيئا (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ) يقول: فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم، تدركوا ما تبتغون من ذلك (وَاعْبُدُوهُ) يقول: وذلوا له (وَاشْكُرُوا لهُ) على رزقه إياكم، ونعمه التي أنعمها عليكم”([2]).

فهذه دعوته واضحة، دعا قومه في العراق إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان التي لا تنفع ولا تضر، وذلك هو لب التوحيد.

وقد كانت البرهنة والاستدلال بعد التنظير والاستهلال طريقة إبراهيم عليه كما في هذه الآية وغيرها من الآيات، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) } [الشعراء: 69 – 83]

ففي هذه الآيات كذلك يقص الله سبحانه تعالى علينا قصة إبراهيم عليه السلام ودعوته لقومه إلى التوحيد وهجر الشرك والأوثان، وهنا يبين الله تعالى لنا استدراج إبراهيم عليه السلام لأهل الشرك وإبطال آلهتهم وإثبات التوحيد، فبدأ ببيان بطلان ما يفعلونه من عبادة الأصنام والأوثان، واستدرجهم بسؤالهم عمنا يفعلونه مع معبوداتهم وآلهتهم تلك، فأجابوا بأننا نؤله هذه الأصنام ونعكف على عبادتها ونصلي  لها، فكان الجواب والرد الذي أسكتهم أن سألهم عن الدليل الذي يدل على أنه إله يستحق العبادة، وعن أي شيء من الدوافع التي تدفع إلى عبادتها والأدلة التي يستندون إليها في فعلهم ذلك، فقال لهم:

هل تسمع هذه الآلهة التي تعبدونها مناجاتكم وطلباتكم وأدعيتكم؟ ثم إن سمعت فهل تستطيع إجابتكم وتلبية ندائكم وطلبكم؟ ثم هل تستطيع إنقاذكم من عذاب الله وبطشه إن حل بكم؟

هل من نفع تنتفعونه في العاجل أو في الآجل بعد عبادتكم لهذه الأصنام؟

هل من ضر تتوقونه بعبادتكم لتلك الآلهة سواء منها أو من غيرها، فتحميكم وتقيكم الأضرار؟

فماذا كان جوابهم وماذا كان ردهم؟

لم يكن لهم دليل مقنع أو حجة واضحة يستندون إليها، بل كان قولهم المشركين وأهل الخرافات والأساطير في كل وقت وكل مكان، وهو قولهم: لا ما يسمعوننا إذا دعوناهم، ولا ينفعوننا ولا يضرّون، ويدل على ذلك أنهم أجابوه: وجدنا آباءنا يعبدون هذه الآلهة فعبدناها، ولا نعلم الفائدة والمغزى من ذلك ولا الدافع الذي يدفعنا إلى ذلك غير أننا نتبع آباءنا فيما فعلوا وعبدوا فنحن نفعل ذلك اقتداء بهم!!!

فبان لهم بطلان قولهم وزيف آلهتهم التي يعبدونها، وأبطل الشرك عليه السلام وعبادة الأوثان، وبيَّن لهم الدلائل والبراهين التي تدل على الإله الحق، فقال رحمه الله تعالى: إن كل تلك الآلهة التي تعبدونها من دون الله تعالى آلهة باطلة لا برهان على عبادتها ولا دليل على تأليهها والانقياد لها، فهي باطلة وأنا لا أقر بها بل أنا بريء منها ومن عابديها، ولكني أعبد من دلت الدلائل والبراهين على استحقاقه للعبادة، ومن تضافرت الآيات والبينات على كونه إلها متفردًا بالطاعة والانقياد والإخلاص له سبحانه، ثم راح يسرد الدلائل والبينات على التوحيد ونبذ الشرك:

  • فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان ولا شريك له في الخلق، وخالق الإنسان أولى بالتأليه والتقديس والتبجيل، وأولى بإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والانقياد، فمن انفرد بالخلق أولى بالإفراد بالعبادة، وهذا هو التوحيد.
  • وخالق الإنسان أعلم بما يهديه ويصلح له وينفعه سواء أكان في هذه الدار أم في الدار الآخرة بعد الموت، ولذا فخالق الإنسان أولى بالاتباع والطاعة دون ما سواه، بل إفراده بالطاعة والاتباع أمر لا ينبغي للإنسان الإعراض عنه.
  • والله سبحانه وتعالى هو الذي سخر للإنسان كل أنواع النعم التي يتقلب فيها، وهو المستحق تبعًا لذلك لعبادته وطاعته، ومن أهم تلك النعم تسخير طعام الإنسان وشرابه، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في هذا الكون وسخر له أنواع المأكولات والمطعومات والمشروبات، يأكل منها ما لذَّ وطاب له، وجعل الناس في ذلك أصناف شتى كما جعل المأكولات والمشروبات أصنافًا شتى، فمنهم من يتلذذ باللحوم ومنهم من يتلذذ بالنباتيات ومنهم من يتلذذ بالمشروبات وكل نوع من هذه الأنواع تحته أنواع وأنواع، ولولا تسخير الله سبحانه وتعالى لهذه المطعومات والمشروبات لما استطاع الإنسان أن يعيش يومًا واحدًا على هذا الكون، أليس من سخَّر كل ذلك هو الأولى بأن يسمع له ويطاع؟! أليس من أعطى الإنسان كل تلك الأنواع من الأطعمة والأشربة أولى بأن يفرد بالعبادة؟! أفيليق بالعاقل أن يعطيه الله سبحانه وتعالى كل تلك النعم ثم يعرض عنه بل ويقبل على غيره ويعبد غيره ويطلب الرزق من غيره؟! أو يجعله سبحانه وتعالى المنعم ومن لا ينعم سواء بسواء؟!
  • ومن الدلائل على التوحيد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحفظ الإنسان ويدبر شئونه ويكلؤه برعايته وحفظه وتربيته سبحانه وتعالى، فهو الذي يحفظه من الآفات والعاهات، وهو الذي يشفيه من الأمراض والصائب والموبقات، وهو الذي ييسر له أموره وشؤونه في الحياة وفي الممات، أو من العقل أن يعرض الإنسان عمن كان كذلك ثم هو يقبل على غيره بالطاعة والعبادة والخضوع والانقياد؟! أو يساوي بينه سبحانه وتعالى بين من لا يملك شيئًا من ذلك في العبادة؟!
  • والله سبحانه وتعالى كما خلق الإنسان فبيده سبحانه وتعالى موت هذا الإنسان وفناؤه، فهو المحيي وهو المميت، وهو المالك لمصير الإنسان بعد الموت، وحري بمن كان كذلك أن يكون مستحقًّا بإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة والطاعة.

يقول الإمام الطبري (310) في بيان دعوة إبراهيم عليه السلام إلى التوحيد: “فربي هذا الذي بيده نفعي وضرّي، وله القدرة والسلطان، وله الدنيا والآخرة، لا الذي لا يسمع إذا دعي، ولا ينفع ولا يضرّ. وإنما كان هذا الكلام من إبراهيم احتجاجا على قومه، في أنه لا تصلح الألوهة، ولا ينبغي أن تكون العبودة إلا لمن يفعل هذه الأفعال، لا لمن لا يطيق نفعا ولا ضرّا”([3]).

إبراهيم عليه السلام ودعوته لأبيه إلى التوحيد

والأدهى والأمر في هذه القضية أن أباه كان من أولئك المشركين بالله سبحانه وتعالى، بل ومن عبدة الأصنام والأوثان، بل من صناعها وبائعيها، وهو ما جعل دعوته أصعب وأشد من غيره، فهو مأمور بالبر بأبيه ومأمور بدعوته إلى ما يخالف عقيدته وهواه.

فها هو إبراهيم يدعو والده إلى التوحيد ويحذره من عاقبة الشرك والمشركين، وقد بدأ بالحوار معه هنا أيضًا بإبطال آلهته وبالسؤال عن البراهين والحجج الدافعة إلى تأليهها وعبادتها من دون الله سبحانه وتعالى، فقال له: يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42]، وبيَّن أنها لا تملك أدوات المعرفة والعلم والإدراك فضلًا عن أن تنفع غيرها أو تضر، “فما تصنع بعبادة الوَثَن الذي لا يسمع (وَلا يُبْصِرُ) شيئا، ولا يدفع عنك ضرّ شيء، إنما هو صورة مصوّرة لا تضرّ ولا تنفع، يقول ما تصنع بعبادة ما هذه صفته؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءك، وإذا أحيط بك أبصرك فنصرك، وإذا نزل بك ضرّ دفع عنك”([4]).

وبذلك أبطل عبادة آلهته وبيَّن زيف حججهم وخلو عملهم واعتقادهم من البراهين، ثم انتقل عليه السلام إلى بيان ما أوحى الله سبحانه وتعالى إليه من العلم الحق والعقيدة الصحيحة والعمل الصالح، فقال: {يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم: 43]، فحاوره بأنه إن كان لم يعبد تلك الأصنام والأوثان اتباعًا لهواه وهوى آبائه الأقدمين دون حجة وبرهان وعلم، فإن الله سبحانه وتعالى قد أعطاه علم ذلك وبلغه البلاغ المبين بما بيَّن به الحق وأهمية التوحيد، وحذره من الشرك، وأقام على كل ذلك من البينات والحجج ما يعرف به العاقل سبيل الحق ويستبين سبيل المشركين والضالين.

يقول الإمام الطبري (310) رحمه الله: “قال إبراهيم لأبيه: يا أبت إني قد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك فاتبعني: يقول: فاقبل مني نصيحتي؛ أبصرك هدى الطريق المستوي الذي لا تضلّ فيه إن لزمته، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه”([5]).

وبعد ذلك تحدث إبراهيم عليه السلام عن أن ذلك الذي يعتقده والده ويفعله ليس إلا إغواء من الشيطان وإضلال، وليس من العقل أن يترك ابن آدم ما كان عليه أبوه آدم عليه السلام ثم هو يتبع عدوه اللدود الشيطان عليه من الله ما يستحق، وأيضًا ليس من المنطق أن يسمع الإنسان ويطيع لمن يكفر بمولاه وخالقه ورازقه، ولمن يعادي ربه وخالقه ويعصيه، فقال: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم: 44].

ثم قال عليه السلام: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45]، فانتقل بعد عرض الحجج والبراهين والترغيب في الحق إلى الترهيب من الباطل ومن عواقبه الوخيمة، فمن خالف أمر الله سبحانه وتعالى وخالف شرعه ودينه فهو مهدد بالعقاب الأليم من الله سبحانه وتعالى سواء أكان ذلك في الدنيا أم في الآخرة.

ومع كل تلك الدلائل والبينات لم يسلم له والده بما ذكر، بل عاند وأصر على شركه وعاند على ذلك، {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) } [مريم: 46 – 51]، فإبراهيم عليه السلام لم يعرض عن البر بأبيه رغم شركه وعبادته للأصنام، بل ظل يستغفر له حتى مات وعلم أنه من أعداء الله تعالى فأعرض عن ذلك، كما قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114].

يقول الإمام الطبري (310) رحمه الله: “فلما تبين له بموته مشركًا بالله، تبرأ منه، وترك الاستغفار له…

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب…، أنه لما تبين له أن أباه لله عدوٌّ، يبرأ منه، وذلك حال علمه ويقينه أنه لله عدوٌّ، وهو به مشرك، وهو حالُ موته على شركه”([6]).

إبراهيم عليه السلام والاحتجاج للتوحيد

المواقف التي دعا فيها إبراهيم عليه السلام إلى التوحيد ونبذ الشرك وأعمل فيها المنطق والحجة والبرهان ليست بالقليلة، بل هي كثيرة جدًّا، ومن تلك المواقف ما قصَّه الله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].

فهنا احتج عليه هذا المشرك بأنه يملك شيئًا من خصائص الله سبحانه وتعالى، وأمرًا من الأمور التي ينسبها أهل التوحيد لله تعالى وهو التدبير، فأهل التوحيد يؤمنون بتوحيد الربوبية وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير، ولكن هذا الطاغية يزعم أنه يشارك المولى سبحانه وتعالى في التدبير، وأنه يحيي ويميت؛ حيث إنه يؤتى بالشخص من الناس فيأمر بقتله وإماتته فيموت، ويؤتى بآخر فيستحيي من كان يريد قتله فيعفو عنه فيحيى ويعيش، ففند إبراهيم عليه السلام شبهته ونقله من هذه القضية المشتبهة من قضايا التدبير إلى قضية أخرى وهو تدبير أمر الشمس الظاهرة لكل ذي بصر.

“قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: فإن الله الذي هو ربي يأتي بالشمس من مشرقها، فأت بها- إن كنت صادقا أنك إله- من مغربها! قال الله تعالى ذكره:”فبهت الذي كفر”، يعني انقطع وبطلت حجته”([7])، فطلب منه إن كان مشاركًا لله سبحانه وتعالى في التدبير أن ينقل مسار الشمس، وبدل أن تطلع من المشرق يجعلها تطلع من المغرب إن كان بيده شيء من التدبير، فماذا كان؟!

لقد بهت واندحر ولم يحر جوابًا، وانتصر أهل التوحيد ورفع الله إبراهيم عليه السلام وقمع أهل الشرك وحججهم وهو الحال مع أهل الشرك في كل زمان ومكان.

إبراهيم عليه السلام وقصة الكوكب

فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتفكِّر في قصة إبراهيم عليه السلام التي دارت بينه وبين أبيه آزر، ونقاشه معه ومحاورته له بالحجة والبرهان، وكانت بداية القصة أن أنكر إبراهيم على أبيه آزر الشرك وعبادة الأصنام، وأبطل ألوهيتها واستحقاقها للعبادة، فقال: “أتتخذ أصنامًا آلهة”، تعبدها وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك فسوَّاك ورزقك؟”([8]).

ووصف حالهم بالضلال المبين، أي: “يتبين لمن أبصَره أنه جوْرٌ عن قصد السبيل، وزوالٌ عن محجة الطريق القويم. يعني بذلك أنه قد ضلّ هو وهم عن توحيد الله وعبادته، الذي استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم، دون غيره من الآلهة والأوثان”([9]).

والله سبحانه وتعالى قد امتن على إبراهيم عليه السلام وأراه ملكوت السماوات والأرض كما “قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قولُ من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله: “وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض”، أنه أراه ملك السماوات والأرض، وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما، وجلَّى له بواطنَ الأمور وظواهرَها…

وأما قوله:”وليكون من الموقنين”، فإنه يعني أنه أراه ملكوت السماوات والأرض، ليكون ممن يقرّ بتوحيد الله، ويعلم حقيقة ما هداه له وبصّره إياه، من معرفة وحدانيته، وما عليه قومه من الضلالة، من عبادتهم الأصنام، واتخاذهم إياها آلهة دون الله تعالى”([10]).

وقد أظهر عليه السلام بطلان كل المعبودات التي يعبدها أهل الشرك بأنها زائلة لا دوام لها، فالكواكب والأفلاك والقمر والشمس زائلة وليس لها شيء من الدوام والإله لا يجوز زواله وعدمه بعد وجوده، بل الإله لا بد أن يكون له كمال الحياة وكمال القيومية وذلك لله سبحانه وتعالى، وهذا ما نادى به إبراهيم عليه السلام بعد أن أبطل عبادات المشركين وتبرأ منها؛ حيث انتقل بعد ذلك إلى بيان الإله الحق والأدلة الدالة عليه سبحانه وتعالى: {قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 78 – 82]، يقول الإمام الطبري رحمه الله: “لما تبيّن له الحق وعرَفه، شهد شهادةَ الحقّ، وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولم يستوحش من قِيل الحقِّ والثبات عليه، مع خلاف جميع قومه لقوله، وإنكارهم إياه عليه، وقال لهم: “يا قوم إنّي بريء مما تشركون” مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم، إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض، الدائم الذي يبقى ولا يفنى، ويُحْيي ويميت = لا إلى الذي يفنى ولا يبقى، ويزول ولا يدوم، ولا يضر ولا ينفع.

ثم أخبرهم تعالى ذكره: أن توجيهه وجهه لعبادته، بإخلاص العبادة له، والاستقامة في ذلك لربه على ما يحبُّ من التوحيد، لا على الوجه الذي يوجَّه له وَجْهه من ليس بحنيف، ولكنه به مشرك، إذ كان توجيه الوجه على غير التحنُّف غير نافع موجِّهه، بل ضارّه ومهلكه وما أنا من المشركين”([11]).

إبراهيم عليه السلام وقصة هدمه للأصنام

وممن عانده واستكبر ووقف أمام دعوته إلى التوحيد قومه الذين دعاهم عليه السلام، فعاندوه واستكبروا وتجبروا على دلائل المولى سبحانه وتعالى وآياته ورسله، وإبراهيم صابر عليهم محتسب في دعوتهم، يأتيهم بكل وسيلة ليقنعهم ويبصرهم الحق والهدى والصراط المستقيم، فمرة يأتيهم بالأدلة العقلية وتارة يخبرهم بما بلغه الله سبحانه وتعالى، وأخرى يخوفهم بعاقبة المجرمين من قبلهم، وقد يتنزل معهم حتى يأتيهم بأدلة حسية واقعية، وهذا ما حصل منه حين رأى الإصرار من قومه على الشرك وعلى عبادة الأصنام التي كانوا يعبدونها، فأراد إبراهيم أن يوضح لهم بأسلوب حسي واقعي يرونه بأعينهم ويتلمسونه بكل حواسهم، يقول الله سبحانه وتعالى عن ذلك: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} [الصافات: 83 – 98].

فقد أثنى الله سبحانه وتعالى على إبراهيم عليه السلام في مفتتح هذه الآيات بأنه من عباده الموحدين، بل ممن سلَّم الله قلبه من الشرك كثيره وقليله فقال: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 83 – 84].

يقول الإمام الطبري في تفسيرها: “يقول تعالى ذكره: إذ جاء إبراهيم ربه بقلب سليم من الشرك، مخلص له التوحيد”([12])، وهذه الرفعة التي بلَّغه الله إياها لم تكن وليد لحظتها بل كانت نتيجة مثابرة ومناجاة والتجاء ودعوات منه عليه السلام كما قال الله تعالى عنه في موضع آخر: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] وسيأتي الكلام على هذه الآيات تفصيلا لما لها من ارتباط بالحج والتوحيد.

ثم تحدث عن الوسيلة التي أعملها لدعوتهم إلى التوحيد وبيان زيف وبطلان آلهتهم التي يدعونها وأنها لا تملك لنفسها شيئًا فضلًا عن أن تنفع غيرها أن تضره، فقد دعاه ملكهم لحضور عيد من أعيادهم، وكان قومه من أهل التنجيم فتعلل بأنه رأى شيئًا من النجوم وعلم أنه مصاب بالطاعون فعصب رأسه؛ ليتركه قومه ويبعدوا عنه ويتركوه والأصنام التي يعبدونها في معبدهم، وقد كان ما أراد، فقد اعتزلوه ونكصوا عنه خوفًا من أن يعديهم، فلما تركوه جعل يتهكَّم بأصنامهم وتماثيلهم تلك التي يعبدونها، فقرب إليهم الطعام وطلب منهم أن يأكلوها إن كانوا يملكون لأنفسهم نفعًا، فلم يكن بمقدورهم أن يملكوا شيئًا من النفع لأنفسهم، وهل يملكون دفع الضر عن أنفسهم؟!

نعم، لقد انهال إبراهيم عليه السلام على تلك الأصنام ضربًا وتحطيمًا ونسفًا بفأس من حديد، ولم يكن بمقدور واحد من تلك الأصنام أن يدفع عن نفسه ذلك الضر، فكيف يعبد عاقل شيئًا لا يملك نفعًا لنفسه ولا ضرًّا؟!

فقد حطَّمها عليه السلام وجعلها قطعًا متناثرة، ثم وضع الفأس في عنق الصنم الأكبر، كما فصَّل المولى سبحانه تعالى ذلك في قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 58 – 61]، وهنا أقام عليهم الحجة والبرهان، فجاءوه عجلين مسرعين، وسألوه و{قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 62 – 65]، فأحالهم إلى آلهتهم التي يعبدونها ليسألوها، إن كانت آلهتهم تملك نفعًا أو تدفع عن نفسها ضرًّا، وبذلك قامت عليهم الحجة وبان لهم بطلان ما يعتقدونه من تأليه تلك الآلهة وعبادتها من دون الله سبحانه وتعالى، فمن يتفرد بملكية النفع والضر هو المستحق للعبادة ولإفراده بها.

فاحتج عليهم إبراهيم عليه السلام بذلك و{قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 62 – 67].

فما كان منهم إلا أن عتوا وعاندوا وازدادوا غيا إلى غيِّهم، ولجأوا إلى منطق التجبُّر بالقوة بدلًا من المقارعة بالحجة كما هو حال الظلمة والمجرمين مع الرسل والأنبياء، فحاولوا إحراقه ولكن الله عز وجل أنقذه؛ حيث نادى إبراهيم عليه السلام ربه ولم يناج غيره وأظهر إخلاصه وتوحيده لله سبحانه وتعالى وقال حسبنا الله ونعم الوكيل([13])، وكان التوحيد من الأمور التي عصمته من حرِّ تلك النار بإذن الله سبحانه وتعالى.

وأيضًا حذرهم وخوَّفهم وهو في تلك الحال من الإشراك بالله سبحانه وتعالى {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 24 – 27].

فأهل الشرك والوثنيون يتخذون من معبوداتهم يتوادون بها فيما بينهم، ولكن ذلك كله سيكون سرابًا في الآخرة ولن يبقى بينهم شيئًا، يقول الإمام الطبري: “الذين اتخذوا الأوثان آلهة يعبدونها، اتخذوها مودة بينهم، وكانت لهم في الحياة الدنيا مودة، ثم هي عنهم منقطعة… يقول تعالى ذكره: ثم يوم القيامة أيها المتوادّون على عبادة الأوثان والأصنام، والمتواصلون على خدماتها عند ورودكم على ربكم، ومعاينتكم ما أعدّ الله لكم على التواصل، والتوادّ في الدنيا من أليم العذاب، (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ) يقول: يتبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضُكم بعضا.

وقوله: (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ) يقول جلّ ثناؤه: ومصير جميعكم أيها العابدون الأوثان وما تعبدون، النار (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) يقول: وما لكم أيها القوم المتخذو الآلهة، من دون الله (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ) من أنصار ينصرونكم من الله حين يصليكم نار جهنم، فينقذونكم من عذابه”([14]).

الخاتمة

لم ينته الحديث عن إبراهيم عليه السلام بل هنا مبتدأ الحديث عن حج بيت الله الحرام، فقد نصره الله على أولئك ونجاه من النار وجعلها عليه بردًا وسلامًا، ثم أمره بالخروج من أرض العراق إلى الأرض المقدسة في الشام ومعه زوجته سارة عليها السلام فأقام بها، ثم انتقل إلى مصر ثم إلى فلسطين، ولكنه رغب في الولد وكانت زوجته سارة عقيمًا، فأهدت إليه جارية تسمَّى هاجر، ومع هاجر عليها السَّلام بدأت قصة ماء زمزم والسعي بين الصفا والمروة وبناء البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، وهو محل حديثنا في الورقة الثانية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

يتبع هذه الورقة ورقة أخرى

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) جامع البيان ت شاكر (20/ 18).

([2]) جامع البيان ت شاكر (20/ 20).

([3]) جامع البيان ت شاكر (19/ 363).

([4]) جامع البيان ت شاكر (18/ 203).

([5]) جامع البيان ت شاكر (18/ 203 – 204).

([6]) جامع البيان ت شاكر (14/ 518، 523).

([7]) جامع البيان ت شاكر (5/ 432).

([8]) جامع البيان ت شاكر (11/ 469).

([9]) جامع البيان ت شاكر (11/ 469).

([10]) جامع البيان ت شاكر (11/ 475).

([11]) جامع البيان ت شاكر (11/ 487).

([12]) جامع البيان ت شاكر (21/ 62).

([13]) صحيح البخاري (4563).

([14]) جامع البيان ت شاكر (20/ 25).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض ونقد لكتاب: السلفية وأثرها في تشتيت الأمة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمّة: مكثتُ زمنًا طويلًا أتابع السجالَ الواقعَ بين سعيد فودة وخصومِه، وكنتُ في بعض الأحيان أقرأ الردَّ عليه ولا أقف على كلامِه، فأتعاطفُ معه لعلمي بتجوُّز الناس في هذا الزمان في البحث العقدي ونسبتهم للشخص لازم قوله، وولوعهم بتتبّع الزلات وتصيُّد العثرات إلا من رحم الله تعالى، فلا تزلّ […]

ميراثُ فاطمةَ رضي الله عنها مِن أرْضِ فدَك .. تحقيقاتٌ وأنظار

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثُرَ في الآونةِ الأخيرةِ الحديثُ حول قصَّةِ أرض فدك، والتي يدَّعي فيها المدَّعونَ أنها حقٌّ للسَّيدةِ فاطمةَ رضي الله عنها مِن إرث أبيها صلى الله عليه وسلم، وشنَّعوا فيها كثيرًا على أصحابِ النبي صلوات الله وسلامه عليهِ.  وفدكٌ أرض للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أرضِ خيبرَ، ومن […]

مفهوم الطائِفة بين القرآن والإِسقاطات الخاطئةِ

استخدَم القرآنُ الكريم لفظَ الطائفة استخدامًا لغويًّا، فلم يحدِّد لها معنًى يخصُّها تكون به سلبيَّة أو إيجابيَّة، وإنما جُلُّ استخدامِه لها أنها تعني الجماعةَ منَ الناس اجتَمَعُوا على الخير أو على الشَّرِّ، ويأتي المدحُ أو الذَّمُّ بناءً على طبيعة الاجتماع. ويمكن إجمالُ معاني الطائفةِ في القرآن بحسب الاستخدام في ثلاثة معان: المعنى الأول: إطلاق الطائفة […]

مقوِّمات السلفية المعاصرة.. وقفة مع متَّهمي السلفيّة بامتهان الوعظ والبُعد عن المنهج العلميّ الرصين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    تمهيد: لم تزل الأصواتُ تعلو بنقدِ السلفية واتهامها حتى صارت مزعجةً لمن صدرت عنهم، وصارت أقرب إلى الصُّراخ والعويل منها إلى صوتِ العلم والعقل، وآل الناسُ في السلفية إلى أمر مريج، وقولٍ مختلف لا يتميَّز فيه حقٌّ من باطل، وحَسْبُ الناكثين عن الحقِّ المصرِّين على الحنث العظيم أن […]

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017