الاثنين - 24 محرّم 1441 هـ - 23 سبتمبر 2019 م

إبراهيم الخليل وإقامة الحج على التوحيد (2)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

المقدمة:

جعل الله لإبراهيم عليه السلام الذكرَ الحسنَ في الآخرين بعد جهاد عظيم عاشه في سبيل الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، وكان عليه السلام داعية إلى التوحيد في كل حال، ففي الورقة الماضية تكلمنا عن جهاده وإرسائه قواعد التوحيد خارج مكة المكرمة، وفي هذه الورقة سيكون حديثنا عن إرسائه معالم التوحيد في أرض مكة المكرمة زادها الله شرفًا وتعظيمًا.

فهذا النبي الكريم هو أول من وضع معالم الحج، فهو الذي جاء بهاجر عليها السلام إلى أرض مكة المكرمة، وابنهما إسماعيل عليه السلام الذي نبع بين رجليه ماء زمزم، بعد أن سعت هاجر عليها السلام بين الصفا والمروة فشُرع للناس السعي بينهما بعد، وهو الذي بنى البيت الحرام ووقف على حجر سمِّي اليوم بمقام إبراهيم، وأرسى قواعد البيت الحرام وأسسه على التوحيد.

اللهم اجعل عملنا كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل فيه لأحد شيئًا.

تمهيد:

رغب إبراهيم عليه السلام في الذرية وابتلاه الله سبحانه وتعالى بأن كانت زوجته سارة عليها السلام عقيمًا لا تلد، ولمَّا علمت رغبته في الولد أهدته جارية اسمها هاجر عليها السلام، فتزوجها عليه السلام وأنجبت له إسماعيل عليه السلام، ولكن الغيرة أخذت مأخذها من سارة عليها السلام، فطلبت من إبراهيم عليه السلام أن يبعدها عنها، ولله في أقداره شؤون وحكم.

فقد كان ذلك سببًا في خروج هاجر وإسماعيل عليهما السلام إلى أرض مكة المكرمة وإرساء قواعد الحج ومعالم التوحيد في مكة المكرمة.

أوحى الله سبحانه وتعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن يقصي هاجر وإسماعيل عليهما السلام إلى صحراء مكة القاحلة التي لا بشر فيها ولا مذر، فما كان من إبراهيم المؤمن الموحد إلا أن استجاب لنداء ربه وأذعن وانقاد له، فخرج بهاجر وابنهما إلى صحراء مكة القاحلة وتركهما هناك كما أمره الله سبحانه وتعالى!!

وهذا هو التوحيد والإيمان، وإن لم يكن عليه السلام إمام الموحدين لما بدر منه مثل هذا الفعل بأن يترك زوجته وولده الذي رزقه بعد شغف وانتظار أن يتركهما في بيداء قاحلة لا ماء فيها ولا زرع، ولكنه التوحيد والإيمان.

وقفل رحمه الله راجعًا إلى موطنه، وهنا كان السؤال من هاجر عليها السلام كيف تتركنا في هذا الوادي المجدب فلا ماء ولا زاد ولا طعام؟!

فتركها إبراهيم عليه السلام ولم يجب عليها.

ففهمت أن ذلك استجابة لأمر خالقه ومولاه، وقالت: آلله أمرك بهذا؟

 فقال: نعم.

فقالت بنفس المؤمنة الموحدة الموقنة بحفظ ربها ومولاها: إذن لا يضيعنا اللّه، ورضيت بالبقاء في هذه الصحراء القاحلة؛ موقنة بأن الله سيحفظها ويسخر لتلك المنطقة من يشيدها ويعمرها بالإيمان والأعمال الصالحة ويغدق الله على أهلها بالخيرات.

إن هذا الإيمان وهذا المستوى العالي من اليقين بالله سبحانه وتعالى والانقياد لأوامره من أكبر الدلائل على عمق عقيدة التوحيد في نفوس أهل هذا البيت الإخلاص.

وعلى إثر هذه العقيدة النقية الصافية، وعلى يد هذه القلوب الموحدة المؤمنة قامت شعائر حج بيت الله الحرام، فقد أقفل إبراهيم عليه السلام راجعًا إلى موطنه، واستسلم لأمر ربه وترك زوجته وولده موقنًا بما وعده الله ولم يطرق باب أحد ولم يلجأ إلى أحد ولم يستعن بأحد سوى الأحد الديان، فقد التجأ إلى ربه ورفع إليه يديه متضرعًا، ولكن أتدري بم كان يدعو؟!

لقد بلغ في الإيمان بتوحيد الربوبية مبلغًا عظيمًا، حيث دعا الله سبحانه وتعالى وقال: وهو موقن بأن هذه الوادي القفر القاحل سيغدو بلدًا عامرًا وليست مسكنًا لبيت أو قرية لجماعة؟!

فقال عليه السلام ما قصه الله علينا: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 35 – 36]، فإبراهيم عليه السلام يطلب من مولاه موقنًا بوعده أن يجعل تلك الصحراء التي ستنقلب إلى بلد عظيم آمنًا!! وأن يجعل هذا البلد وأهله في أمن وأمان ورخاء مستمر!!

ومع الأمن والأمان في البلدان سأل ربه أن يرزقهم الأمن في عقيدتهم وإيمانهم بأن يجعلهم من أهل التوحيد والإخلاص لرب العالمين، فطلب من مولاه أن يقيم بلدهم على التوحيد ويجنبه ويجنبهم الشرك والوثنية وعبادة الأصنام، ومع هذا الطلب استسمح مولاه تعالى واستغفر لمن أعرض عنه وأشرك به، وهذا الخوف والحذر من إبراهيم من الشرك على نفسه وعلى أهله هو ما جعل كثيرًا من العلماء يعقد الأبواب والفصول في التخويف من الشرك بالله سبحانه وتعالى كما قال إبراهيم التيمي: “من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم”([1]).

يقول الإمام الطبري (310) رحمه الله معلقًا على هذه الآية: “وقوله (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) يقول: فمن تبعني على ما أنا عليه من الإيمان بك وإخلاص العبادة لك وفراق عبادة الأوثان، فإنه مني: يقول: فإنه مستنّ بسنَّتِي، وعامل بمثل عملي (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول: ومن خالف أمري فلم يقبل مني ما دعوته إليه، وأشرك بك، فإنه غفور لذنوب المذنبين الخَطائين بفضلك، ورحيم بعبادك تعفو عمن تشاء منهم”([2]).

وبعد أن انتهى عليه السلام من مناجاة ربه أن يقيمهم على التوحيد ويجنبهم الشرك نادى مولاه بأن يرزقهم الله من الطعام والشراب، ولكن لم يكن الطعام والشراب لذات الطعام والشراب وإنما: {لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}، وناجى مولاه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى تلك الصحراء القاحلة وتقصده، ليعظِّموه سبحانه وتعالى ويوحدوه ويشكروه على آلائه ونعمه.

وقد نقل لنا المولى سبحانه وتعالى نصَّ دعائه في قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 37 – 38].

يقول الإمام الطبري (310) رحمه الله في ذلك: “فتأويل الكلام إذن: ربنا إني أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع. وفي قوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم يكن هنالك يومئذ ماء، لأنه لو كان هنالك ماء لم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بيتك الذي حرّمته على جميع خلقك أن يستحلوه…

وقوله (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) يقول: فعلت ذلك يا ربنا كي تؤدّى فرائضك من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرّم. وقوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) يخبر بذلك تعالى ذكره عن خليله إبراهيم أنه سأله في دعائه أن يجعل قلوب بعض خلقه تنزع إلى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرَّم. وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حج بيته الحرام”([3]).

ثم أكد عليه السلام على أن ذلك كله قائمٌ على التوحيد، وعلى إرضاء المولى سبحانه وتعالى وطاعته وتعظيمه، فهو “إنما قصد بذلك رضا الله عنه في محبته أن يكون ولده من أهل الطاعة لله، وإخلاص العبادة له على مثل الذي هو له، فقال: ربنا إنك تعلم ما تخفي قلوبنا عند مسألتنا ما نسألك، وفي غير ذلك من أحوالنا، وما نعلن من دعائنا”([4]).

هاجر أول من سعت بين الصفا والمروة

ولنرجع من جديد إلى أحداث القصة التي ابتدأناها وهي قصة هاجر وإسماعيل عليهما السلام، والآية التي تطرقنا لها ليست بعيدة عنها بل هي من ذات القصة ونجد تكملة قصتهما في تفاسيرها تكملتها، يقول ابن عباس عمَّا حصل لهاجر عليها السلام بعد أن تركها إبراهيم عليه السلام: “ومع الإنسانة شَنَّة فيها ماء، فنفِد الماء فعطشت وانقطع لبنها، فعطش الصبيّ، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض، فصَعِدت بالصفا، فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا؟ فلم تسمع، فانحدرت، فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض، فصَعِدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا، أو ترى أنيسا، فسمعت صوتا، فقالت كالإنسان الذي يكذّب سمعه: صه، حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني، فقد هلكتُ وهلك من معي، فجاء المَلك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم، فضرب بقدمه ففارت عينا، فعجلت الإنسانة فجعلت في شَنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رَحِمَ اللهُ أُمَّ إِسْماعيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنا مَعِينا”، وقال لها الملك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما هي عين لشرب ضِيفان الله، وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله بيتا هذا موضعه”([5]).

فهذه هي قصة مشروعية السعي بين الصفا والمروة، يقول ابن عباس في ذلك: “إنّ أوّل من سَعى بين الصَّفا والمروة لأمُّ إسماعيل”([6]).

قصة إسماعيل والتسليم لأمر الله سبحانه وتعالى

لا يكاد الباحث يستطيع تنقيب كل مظاهر التوحيد في هذا البيت النبوي المبارك، فقد استعرضنا جملة لا بأس بها من مواقف ربِّ هذا البيت إبراهيم عليه السلام، وما زالت قلوبنا مليئة بالاحترام لربَّة هذا البيت بعد أن سمعنا إيمانها ويقينها بالله سبحانه وتعالى، ولم يختلف الحال أيضًا مع أبناء هذا البيت المبارك، فقد جعل الله النبوة محصورة في ذلك البيت من بعد إبراهيم عليه السلام، وإسماعيل عليه السلام ممن برز رسوخ التوحيد في قلبه، والإيمان بين أضلاعه، والتسليم والانقياد لربه، فقد أوحى الله سبحانه وتعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه إسماعيل تقرُّبًا إليه، فلم يتردد ولم يتوان بل انقاد هذا النبي الموحد بنفس مطمئنة لأمر ربه، وكلَّم ابنه إسماعيل عليه السلام، فما كان من الابن الموقن بدين الله وأمره إلا أن سلَّم لأمره سبحانه وتعالى وأيقن بأن ما كان من الله فهو الأصلح والأنفع، وطلب من أبيه أن ينقاد لأمر الله سبحانه وتعالى، وقال: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } [الصافات: 102].

ثم فداه الله سبحانه وتعالى بكبش عظيم، وكان ذلك بلاء ابتلى به الله سبحانه وتعالى إبراهيم وابنه، وظهر فيه إيمانهما وتوحيدهما عليهما السلام، وقوة يقينهما به سبحانه([7]).

يقول ابن القيم (751) رحمه الله: “الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره بذبح المحبوب، فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه، فقد حصل المقصود فنسخ الأمر وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا، وحصل مراد الرب”([8]).

بناء البيت على التوحيد

ليس الابتلاء بذبح الولد هو البلاء الوحيد الذي ابتلي به إبراهيم عليه السلام وظهر فيه إيمانه وتوحيده لله سبحانه وتعالى، بل ابتلي عليه السلام بكلمات أوحاهن الله إليه، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن، فجعله الله عز وجل إمامًا للناس في الإيمان به وفي توحيده وفي أداء مناسك الحج([9]).

فقد أمره الله سبحانه وتعالى بأن يرجع إلى مكة ويبني بها بيته الحرام الكعبة المشرفة، وخير ما نأخذ عنه القصة كلام الله سبحانه وتعالى حيث يقول: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125].

فالله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم ببناء هذا البيت الذي “جعله مرجعا للناس ومعاذا، يأتونه كل عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرا”([10])، وأيضًا جعله الله سبحانه وتعالى آمنًا يلقي في الرجل قاتل أبيه ولا يهجوه ولا يتعرض له حتى يخرج منه([11])، وكانت هذه هي عاقبة البناء على التوحيد كما أمر الله سبحانه وتعالى.

فقد أمره الله سبحانه وتعالى أن يبني البيت مطهَّرًا من الشرك الوثنية وعبادة الأصنام، وأن يبنيه على الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتوحيده في العبادة وفي الربوبية، وأن يجعله ملاذًا ومكانًا للموحدين ويطهر من أهل الشرك والوثنية، سواء عند بنائه وتأسيسه أو بعد بنائه؛ لتكون محلًّا لعبَّاد الله سبحانه وتعالى من الطائفين والعاكفين والمصلين، كما قال تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125].

يقول الإمام الطبري (310) رحمه الله: “وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين “والتطهير” الذي أمرهما الله به في البيت، هو تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك بالله”([12]).

ثم دعا الله سبحانه وتعالى أن يرزق أهل هذا البلد الأمن وأن يغدق عليهم بالثمرات بأنواعها الحسية والمعنوية، وأن يجعلها لأهل الإيمان والتوحيد، وأما من كفر فقد قال الله تعالى: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].

وقدمنا بهذه المقدمة لينجلي للقارئ أن أسس هذا البيت قام على التوحيد كما سبق أن ذكرنا، وبالفعل قدم إبراهيم عليه السلام من فلسطين إلى مكة وبنى البيت الحرام ومعه ابنه إسماعيل عليه السلام يناوله الحجارة، وارتفع به البناء فقام على حجر ليكمل البناء وهو مقام إبراهيم الموجود حتى زماننا هذا؛ وكان المقصود من ذلك أن يعبد الله سبحانه وتعالى ويعظَّم، وحالهما ما ذكر الله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127].

يقول الإمام الطبري: “وفي إخبار الله تعالى ذكره أنهما رفعا القواعد من البيت وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم – دليل واضح على أن بناءهما ذلك لم يكن مسكنا يسكنانه، ولا منزلا ينزلانه، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقربا منهما إلى الله بذلك. ولذلك قالا “ربنا تقبل منا”([13]).

فبناؤه منهما كان تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى وإذعانًا وإقرارًا له بالتوحيد، وأيضًا كانا يلهجان بالتوحيد والاستسلام لله سبحانه، فكانا يقولان: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128]، أي: “يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك”([14]).

وأخبر الله سبحانه وتعالى أن ملته هي الملة الحقة التي يطلبها كل عاقل فقال: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130]، فقد “قال له ربه: أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة، فقال إبراهيم مجيبا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة، لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره”([15])، ووصى بالتوحيد والإخلاص لله سبحانه وتعالى في العبادة ذريته من بعده.

وفي آية أخرى أخبر الله سبحانه وتعالى صراحة ببناء البيت على التوحيد، قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26]، فأمره أن يقيم هذا البيت معظِّمًا له مجتنبًا الإشراك به سبحانه وتعالى في عبادته ومطهرًا له من عبادة الأوثان، فقد أمره أن يقيمه على أساس: {أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا}؛ فللتوحيد أُقِيم المسجد الحرام، وأُسِّس لتقوى الله من أول لحظة.

وكما أمره الله تعالى ببناء البيت على التوحيد أمره الله سبحانه وتعالى أن يدعو الناس إلى الحج، فقال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } [الحج: 27]، فنادى بذلك فبلغ ندائه كل أهل الأرض، وتتابعت الأجيال على حج هذا البيت العظيم، وصار الناس يأتون إلى بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة ويذكرون الله تعالى ويوحدونه كما أخبر سبحانه، وقد أردف الله سبحانه تعظيم حرماته وشعائره وأحكامه في الحج بالأمر بالتوحيد وأن تجعل العبادة والطاعة له وحده سبحانه وتعالى دونما ند أو شريك، فقال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 30 – 31]، فأمر الله تعالى الناس بأن يجتنبوا عبادة الأوثان، وقول الشرك، مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له، وإفراد الطاعة والعبادة له خالصا دون الأوثان والأصنام، غير مشركين به شيئا من دونه، فإنه من يُشرك بالله شيئا من دونه، فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحقّ وهلاكه وذهابه عن ربه، مَثل من خرّ من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني من بعيد.

فقد كان البناء البيت من أساسه على التوحيد، وأمره الله تعالى بأن يجعله محلًّا لأهله، وكان عليه السلام يبيني وهو يدعو لأهل التوحيد، ثم نادى الناس إلى الحج وحذرهم من الشرك بالله تعالى وخوفهم منه، وهذا كله يدلنا على الترابط الوثيق بين الحج والتوحيد.

اتباع إبراهيم عليه السلام في التوحيد ونبذ الشرك

وقد أمر الله سبحانه وتعالى باتباع إبراهيم عليه السلام في هذا المنهج الذي سار عليه من التوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى، وأن نسير على الحنيفية السمحة التي سار عليها عليه السلام، قال الله تعالى: { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123]، وكثيرًا ما يرد في القرآن ذكر إبراهيم عليه السلام ليؤكد على توحيده وإيمانه وينفي عنه الشرك، قال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 161 – 164].

وفي موضع آخر من تلك المواضع أخبر الله تعالى عن توحيد إبراهيم عليه السلام ثم أردفه بذكره بنائه للبيت على هذا التوحيد، قال تعالى: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 95 – 97]

ولو لاحظنا هنا نجد التوالي الذي جعله الله لهذه القضايا هنا ينبئنا عن مركزية الخليل إبراهيم عليه السلام مع قضية التوحيد وعلاقته بحج بيت الله الحرام، فالله سبحانه وتعالى ناقش أهل الكتاب بأنكم إن كنتم “محقين في دعواكم أنكم على الدّين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورُسله =”فاتبعوا ملة إبراهيم”، خليل الله، فإنكم تعلمون أنه الحق الذي ارتضَاه الله منْ خلقه دينًا، وابتعث به أنبياءَه، ذلك الحنيفية -يعني الاستقامة على الإسلام وشرائعه- دون اليهودية والنصرانية والمشركة…، فإنه لم يكن يشرك في عبادته أحدًا من خلقه، فلا يتخذ بعضكم بعضًا أربابًا من دون الله تطيعونهم كطاعة إبراهيم ربه = وأنتم يا معشرَ عبدة الأوثان، فلا تتخذوا الأوثان والأصنام أربابًا، ولا تعبدوا شيئًا من دون الله، فإن إبراهيم خليل الرحمن كان دينُه إخلاص العبادة لربه وحدَه، من غير إشراك أحد معه فيه. فكذلك أنتم أيضًا، فأخلصوا له العبادة ولا تشركوا معه في العبادة أحدًا، فإن جميعكم مقرُّون بأنّ إبراهيم كان على حقّ وَهدْى مستقيم، فاتبعوا ما قد أجمع جميعُكم على تصويبه من ملته الحنيفية، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائر الملل غيرها، أيها الأحزاب، فإنها بدَع ابتدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صوابٌ وحق من ملة إبراهيم، هو الحق الذي ارتضيتُه وابتعثتُ به أنبيائي ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءَني به يوم القيامة”([16]).

وبعد الانتهاء من تثبيت أركان التوحيد أخبر الله سبحانه وتعالى عن البيت الذي شيَّده إبراهيم عليه السلام على التوحيد؛ وهو “أول بيت وضع للناس؛ لعبادة الله فيه مباركًا وهدًى ومآبًا لنُسْك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيما لله وإجلالا له”([17]).

الملك عبد العزيز يسير على نهج الخليل إبراهيم.

وبعد هذه الجولة حول بناء إبراهيم للحج على التوحيد وتتابع أهله على ذلك لنرى ما الذي كان عليه الملك عبد العزيز رحمه الله في السنوات الأولى حين قدم للحج، فقد أقام الملك عبد العزيز رحمه الله كلماته في الحج على هذه القضية الكبرى، وهذا ما نجده إن بحثنا عن نموذج في عام 1347هـ، فقد استقبله أهل مكة وأقاموا له مأدبة عشاء، وألقى فيها كلمته،  فصرَّح وكرَّر بأن دولته قائمة على التوحيد ليس إلا، وعلى اتباع الكتاب والسنة ليس إلا، وذاك ديدنه في كثير من مقولاته وخطاباته، يقول رحمه الله: “نحن لسنا أصحاب مذهب جديد وعقيدة جديدة، ولم يأت محمد ابن عبدالوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما كان عليه السلف الصالح…

هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب يدعو إليها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله -عز وجل- خالصة من كل شائبة، منزهة من كل بدعة، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من إحن وأوصاب…

إن المسلمين بخير ما داموا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما هم ببالغين سعادة الدارين…

لقد كنتُ لا شيء.. وأصبحت اليوم وقد استوليت على بلاد شاسعة واسعة يحدها شمالا العراق وبر الشام، وجنوبا اليمن، وغربا البحر الأحمر، وشرقا خليج فارس..

لقد فتحت هذه البلاد ولم يكن عندي من الأعتاد سوى قوة الإيمان وقوة التوحيد، ومن التجدد غير التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، فنصرني الله نصرًا عزيزًا”([18]).

الخاتمة

في ختام هذا العمل نجد أننا أيقنا أن الحج عبادة توحيدية قائم معالمه على التوحيد، وبناه وشرعه الشارع على أسس الإيمان وإفراد العبادة لله، فإبراهيم وأهله وولده هم من بنوا البيت الحرام على التوحيد، ولهم مواقفهم وجهودهم في التوحيد.

وما أحسن أن نختم القول هنا بما بدأناه به في أول البحث، وهو اجتماع أمم الأرض على اعتبار إبراهيم عليه السلام والاعتراف بفضله ومكانته، وهذا كله كان بعد جهاده وبذله في سبيل التوحيد كما رأينا في هذا البحث والذي قبله، فكان من دعائه أن قال: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84]، أي: “واجعل لي في الناس ذكرًا جميلا وثناء حسنا، باقيا فيمن يجيء من القرون بعدي”([19])، دعا بذلك وجعله الله مرضيًّا عند غالب أهل الأرض، فاليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى عليهما السلام، والنصارى آمنوا بعيسى عليه السلام وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكلهم يتولى إبراهيم.

والعاقل الحصيف يعتبر بهذه الأحداث لينظر في إيمانه وتوحيده وعلاقته بالله سبحانه وتعالى، فالعاقبة الحسنة لأهل الإيمان والتوحيد، ففي الدنيا ذكر حسن وثناء حسن، وفي الآخرة حور حسان وجنات وروح وريحان.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) جامع البيان (17/ 17).

([2]) جامع البيان (17/ 18).

([3]) جامع البيان (17/ 26 وما بعدها).

([4]) جامع البيان (17/ 28).

([5]) جامع البيان (17/ 19).

([6]) جامع البيان (17/ 19).

([7]) من المعروف الخلاف بين العلماء في تحديد الذبيح من أبناء إبراهيم عليه السلام ولكل قول مرجحاته وأدلته وليس هذا مقام تفصيل ذلك.

([8]) زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 73).

([9]) جامع البيان (2/ 11 وما بعدها).

([10]) جامع البيان (2/ 26).

([11]) جامع البيان (2/ 29).

([12]) جامع البيان (2/ 38).

([13]) جامع البيان (3/ 72).

([14]) جامع البيان (3/ 73).

([15]) جامع البيان (3/ 92).

([16]) جامع البيان (6/ 17 وما بعدها).

([17]) جامع البيان (6/ 22).

([18]) صحيفة أم القرى، عدد (229)، المنشور يوم الأربعاء في السادس من ذي الحجة عام 1347هـ الموافق 16 مايو 1929م.

([19]) جامع البيان (19/ 364).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مقال تاريخي للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله

إن استيلاء إمام السنة في هذا العصر عبد العزيز السعود(المقصود فيه الملك عبدالعزيز) على الحجاز , وشروعه في تطهير الحرمين الشريفين من بدع الضلالة , وقيامه بتجديد السنة قد كشف لأهل البصيرة من المسلمين أن ما كان من تساهل القرون الوسطى في مقاومة أهل البدع ؛ قد جر على الإسلام وأهله من الأرزاء , والفساد […]

تغريدات مقالة : دثار الفرق الغالية

لم يمر عصر دون أن يُنال من السلفية، ولم يمضِ وقتٌ دون أن تُلصق بها التهم، مع أنَّ كثيرا من تلك التهم لا أساس لها من الصحة؛ لكنها تُشاع وتذاع في كل مكان   ومن ذلك ما يشاعُ من إلصاق الفرق الغالية في التَّكفير بأهل السنة والجماعة، والادعاء بأن هذه الفرق ماهي إلا مخرجات فكرِ […]

محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم سيِّدُ ولَد آدَم ودَفعُ شُبَه المنكِرينَ

 تصوير الشبهة: لا يخفى على مَن مارس شيئًا من العلم أو رُزِق أدنى لمحة من الفهم تعظيمُ الله لقدر نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وتخصيصُه إيَّاه بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنقاد لزِمام، وتنويهُه بعظيم قدره بما تكِلُّ عنه الألسنة والأقلام([1]). ومما يُرثَى له أن يظهرَ في وقتنا المعاصر -ممن ينتسب إلى الإسلام- من ينكِر سيادةَ […]

هل يحبُّ الله الكافرين؟ ضلالُ التيجانية وارتباك الأشاعرة

مقولة التيجاني: وردَت كلماتٌ على لسان شيخِ التيجانية ومؤسِّسها الشيخ أحمد التيجاني مصرِّحةٌ بأن الله يحبُّ الكافرين، وقد حاول بعض التيجانيِّين الدفاعَ عنه بحمل كلامِه على ما يصرِّح به الأشاعرةُ من مرادفَةِ المحبَّة للإرادة، وأبدى في ذلك وأعاد، وصرف القولَ حتى يجدَ مخرجًا لشيخه مما قال([1]). وغالبُ من نقل عنهم أنَّ الإرادةَ بمعنى المحبة إمَّا […]

عرض وتعريف بكتاب: “التطاول الغربي على الثوابت الإسلامية”

معلومات الكتاب: العنوان: التّطاوُل الغربيّ على الثوابت الإسلامية رؤية مستقبليّة. المؤلف: الدكتور محمد يسري، رئيس مركز البحوث وتطوير المناهج في الجامعة الأمريكية المفتوحة. دار النشر: دار اليسر. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى، سنة: 1428هـ/ 2007م. محتوى الكتاب: يتكوَّن الكتاب من: مقدمة، وستة مباحث، وخاتمة. المقدّمة: تحدَّث فيها المؤلف عن عالمية الشريعةِ، وأنه يقابل عالميتها عالميةٌ أخرى […]

سُنَّة الصَّحابةِ حجَّةٌ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  من شعارُ أهل البدع: استبدال سنَّةٍ بسنَّةٍ وطريقةٍ بطريقة هو شعارُ أهلِ البدع والضلالات؛ حيث يريدون من الأمَّةِ أن تستبدلَ الذي هو الأدنى بالذي هو خير، يريدونَ مِنها أن تستبدلَ سنَّةَ الضلالة والغواية بسنَّةِ الرشاد والهداية، سنَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وسنةِ أصحابه الكرام وخلفائه الراشدين رضي الله […]

يومُ عاشوراء في تراثِ ابن تيميّة رحمه الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة “كان ابنُ تيمية -باتِّفاق خصومِه وأنصاره- شخصيَّةً ذاتَ طرازٍ عظيم؛ فهو فقيهٌ ومتكلِّم ناقدٌ للمنطق الأرسطي والتصوف من جهة، وناقدٌ استثْنائي وباحثٌ أخلاقي من جهة أخرى“. هكذا ابتدأت الباحثةُ الألمانية (أنكه فون كوجلجن) بحثًا مطوَّلا عن ابن تيمية بعنوان: (نقد ابن تيمية للمنطق الأرسطي ومشروعه المضاد)([1]). وهذا القول تسنده […]

دعوى رؤية النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقظة وتلفيق الأحكام

كمال الدين وتمام النعمة: إكمال الدين من أكبر نعم الله تعالى على عباده المؤمنين؛ فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبيٍّ غير نبيِّهم -صلوات الله وسلامه عليه-، فقد جعله الله تعالى خاتمَ الأنبياء والمرسلين، وبعثه إلى جميع الثقلين الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما […]

الأدب مع الله تعالى.. بين الإرشادات القرآنية العالية ومقامات التصوُّف الغالية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الأدبُ عنوان المحبةِ وشعارُ التَّقوى، ودِين الأنبياء وشرعُ الحكماء، وبه يتميَّز الخاصَّة منَ العامةِ، ويُعرف الصادق من الكاذِب، ولا جمالَ للقلب إلا بهِ، فمن حُرِمَه حُرم خيرًا كثيرًا، ومن تحقَّقه ظَفر بالمرادِ في الدنيا والآخرة، وبه يصل العبدُ إلى مقامات العبوديَّة الحقيقيَّة من إحسانٍ ورضا عن الله سبحانه […]

تغريدات مقالة: يومُ عاشوراء ووسطيَّة أهل السُّنة

الناس في دين الله ثلاثة أصناف، فإما غالٍ فيه بالزيادة عليه، أوالجافي عنه بارتكاب المحرمات أو ترك الواجبات، وهما مذمومان، أما الصنف الثالث: فهو التوسط والاعتدال والذي يتمثل في التمسك بالكتاب والسنة. المسلمون أهل وسط بين أهل الأديان كلها، كما قال الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا)، يقول الطبري رحمه الله: ” فلا هم أهلُ […]

يومُ عاشوراء ووسطيَّة أهل السُّنة

أصناف الناس في التزامهم بالدين: النَّاس في دين الله ثلاثة أصناف: الصِّنف الأول: الغالي فيه، وهو المتشدِّد في الدين والمتنطِّع فيه، ويكون غالبًا بفعل شيء لم يأت به الشرع فيكون محدثًا، أو بزيادةٍ على القدر الذي أتى به الشَّرع حتى وإن كان الأصل مشروعًا. الصِّنف الثاني: الجافي عنه، وهو المفرِّط في الدِّين إما بترك الواجبات […]

يومُ عاشوراء ينطِقُ بالتَّوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الإنسانُ منذ أن يبدأَ فيه الشعورُ بمن حولَه وهو في سنِّ الطفولة تثور في نفسِه تلك الأسئلة العميقة، وتُلِحّ عليه، فلا يجد مفرًّا منها، أسئلةٌ مثل: من أين أتيتُ؟ وإلى أين أسير؟ من أين جاء هذا الوجود العظيم؟ لماذا أنا موجود؟ ما الغاية التي يجب أن أحقِّقها؟ لماذا […]

هل خالفت “السلفيَّةُ المعاصِرة” منهجَ السلف في المقررات العقدية والتفقُّه؟

 تصوير التهمة: بعضُ خصوم السلفية اليومَ لا يفتؤون يرمونها بكلِّ نقيصةٍ، وإذا رأوا نقطةً سوداءً ركَّزوا عليها العدسة؛ ليجعلوا منها جبلًا يسدُّ أبصار العالَم، فلا يرونَ غيرَه، ولا يتحدَّثون إلا عنه، ولم تزل الخصومةُ ببعضهم حتى أوبقَته في أنفاقِ الفجور عياذًا بالله، وأعمته عن حالِه وحالِ ما يدعُو إليه، فلا يستنكِف مادحُ علمِ الكلام والمفتخِرُ […]

عرض ونقد لكتاب: “الخلافات السياسية بين الصحابة رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ”

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معلومات الكتاب: مؤلف الكتاب: الدكتور محمد المختار الشنقيطي. تقديم: الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، والأستاذ راشد الغنوشي. الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى، 2013م. محتويات الكتاب: ليس الكتابُ مؤلَّفًا عبرَ خطَّة بحثيَّة أكاديميَّة، وإنما هو مكوَّن من عناوين عريضة تعبِّر عن فكرة الكاتب وعن مضمونها […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017