الخميس - 24 ربيع الأول 1441 هـ - 21 نوفمبر 2019 م

الأدب مع الله تعالى.. بين الإرشادات القرآنية العالية ومقامات التصوُّف الغالية

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تمهيد:

الأدبُ عنوان المحبةِ وشعارُ التَّقوى، ودِين الأنبياء وشرعُ الحكماء، وبه يتميَّز الخاصَّة منَ العامةِ، ويُعرف الصادق من الكاذِب، ولا جمالَ للقلب إلا بهِ، فمن حُرِمَه حُرم خيرًا كثيرًا، ومن تحقَّقه ظَفر بالمرادِ في الدنيا والآخرة، وبه يصل العبدُ إلى مقامات العبوديَّة الحقيقيَّة من إحسانٍ ورضا عن الله سبحانه وتعالى. ولا شكَّ أن عبادَ الله المخلصين لا يصلون إلى هذه المرتبة التي يقنط الشيطانُ من أصحابها إلا بالترقِّي في مقامات الأدب مع الله، والتي تغلق على الشيطان الأبوابَ، وتسدُّ عليه المنافذَ، فلا يكون له على أصحابِ هذا المقامِ سبيلٌ، كما قال الله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65].

والأدبُ مع الله هو موضوعُ القرآن الكريم، والصراطُ المستقيم الذي به يصِل العبد إلى ربِّه، ومن أراد أن يتأمَّل أمثلتَه الحيَّة فلينظُر إلى تعبير القرآن ولفظ الأنبياء والصالحين ممن شهد لهم القرآنُ بذلك.

وفي هذه الورقة العلميةِ مقارنةٌ سريعة بين طريقَة القرآنِ في الأدبِ مع الله وبين الطرقِ المستحدَثة، وبيان كيف أنَّ هذه الأخيرةَ لا توصِل إلى ما يوصِل إليه القرآنُ الكريم، ولا تحقِّق المرادَ المبتغى منها، بل ربَّما توصِل إلى نقيضه وضدِّه، وقد جعلتها في ثلاثة مطالب:

الأول: تعريف الأدب.

الثاني: الأدب بين يدي القرآن.

ثالثًا: الأدَب مع الله عند أصحاب التصوف الغالي.

وهذا أوان الشروع في المقصود، والله المستعانُ وعليه التكلان.

أولًا: تعريف الأدب:

الأدب لغة:

قال ابن فارس: “الهمزة والدال والباء أصل واحدٌ تتفرَّع مسائله وترجع إليه، فالأدب: أن تجمع الناس إلى طعامك، وهي المأدُبَة والمأْدَبَة، والآدِب: الداعي. قال طرفة:

نحن في المشتاة ندعو الجفلى                 لا ترى الآدِب فينا ينتقر

ومن هذا القياس الأدب أيضًا؛ لأنه مجمَع على استحسانه”([1]).

والمأدُبة: الطعام يدعَى الناسُ إليه، والمأدَبة مفعلَة من الأدَب([2]).

الأدب في الاصطلاح:

يختلف المراد بالأدب بحسَب الموضوعات الشرعية التي تتناوله، إلا أن ثمةَ معنًى جامعًا له، وهو أن المقصود به ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في أحواله، فتجدهم يقولون: آداب القاضي، وآداب حامل القرآن، وآداب العالم، وآداب طالب العلم، وآداب المفتي والمستفتي، وغير ذلك، والمقصود هنا عندَنا الأدَب بمعناه الخاصّ، وهو الأدب مع الله والذي يشمَل ثلاثة أنواع:

النوع الأوّل: صيانةُ معاملته أن يشوبَها بنقيصة.

النوع الثاني: صيانة قلبِه أن يلتفتَ إلى غير الله.

النوع الثالث: صيانة إرادته أن تتعلَّق بما يمقتك عليه الله تعالى([3]).

وعرفه ابن عطاء بقوله: “الأدب: الوقوفُ مع المستحسنات، فقيل له: وما معناه؟ فقال: أن تعاملَه سبحانه بالأدب سرًّا وعلنًا. ثم أنشد:

إذا نطقَت جاءت بكل ملاحة     وإن سكتَت جاءت بكل مليح”([4]).

وعبارةُ العلماء في الأدبِ يقصدون بها انكسارَ العبدِ تحت الحياء وذُلَّهُ تحت المهابةِ، فلا ينطوي قلبه على قبيحٍ، ولا يصرُّ على ذنبٍ. وهذا المعنى مصرِّفٌ في كلامهم، وقد تنوَّعت عباراتهم في التعبير عنه، وهي ترجع إلى ما ذكرنا. وأكثر أهل الدنيا ينظرون إلى الأدَب في البلاغة والفصاحة، ويغفلون عن معناه الذي هو مراعاة اللفظ مع حفظ القلب من مخالفة ذلك؛ ولهذا كان القرآن يؤكِّد على معنى الأدبِ الذي هو جامعٌ لمعنى التعبُّد والخضوع لله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن كلِّ نقيصة.

ثانيًا: الأدب بين يديِ القرآن الكريم:

القرآنُ كلُّه أدبٌ مع الله في تشريعه وأحكامه وأخباره، فالتنزيه لله فيه ظاهر، فقد ورد لفظ التسبيح بالأمر والماضي والمضارع، مفتحةً به عدَّةُ سور من القرآن الكريم، قال تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم} [الجمعة: 1]، وقال سبحانه: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [التغابن: 1]، وقال سبحانه: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [الحديد: 1]، وقال سبحانه: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [الحشر: 1]، وقال سبحانه: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [الصف: 1]، وقال سبحانه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1].

وسواء قصد بالتسبيح لفظُه الذي هو الذكر، أو قصد به معناه الذي هو التنزيه، فهو يرشد إلى معنى الأدب مع الله وتحقُّقه في حياة المسلم.

وإذا أردنا دراسةً للأدب كمقامٍ في العبودية فلننظر إلى حال الأنبياء والملائكَة والصالحين مع الله، وكل هذا مذكورٌ في القرآن الكريم:

أولا: أدب الأنبياء مع الله في القرآن الكريم:

فمن الأدب مع الله نسبةُ الخير إليه ونفي الشرِّ عنه، وهذا ما تحقَّقه الأنبياء في حديثهم عن الله سبحانه وتعالى:

فهذا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- يحدِّث عن ربِّه، ويذكُر نعمَه عليه، وينسب الأفعال إليه، فلمَّا وصل إلى المرض نسَب المرضَ إلى نفسِه والشفاءَ إلى الله فقال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، قال السمعاني: “وَقَوله: {وَإِذَا مَرضتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} ذكر إِبْرَاهِيم -عَلَيْهِ السَّلَام- هَذَا؛ لأَنهم كَانُوا يرَوْنَ الْمَرَض من الأغذية والشفاء من الْأَدْوِيَة، وَقَوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ} هُوَ اسْتِعْمَال أدَب، وَإِلَّا فالممرض والشافي هُوَ الله تَعَالَى بِإِجْمَاع أهل الدّين، وَقَالَ بعض أَصْحَاب الخواطر: وَإِذا مَرضت بالخوف يشفيني بالرجاء، وَقيل: إِذا مَرضت بالطمع يشفيني بالقناعة”([5]).

وهذا المعنى مطَّرد في القرآنِ في نفي النقيصةِ عن الله عز وجل وعدمِ نسبة الشَّرِّ إليه.

ومن مقامات الأدب العالية ما حكى الله عز وجل عن أيوب في دعائه، فتارة ينسب الشر إلى الشيطان، وتارة ينسبه للمجهول، وكل هذا تأدُّبا مع الله كما حكى الله عنه في قوله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين} [الأنبياء: 83]، وقوله أيضا عنه: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]. فقد حقَّق أيوب مقامَين من مقامات الأدَب: الأول: الصبر على أقدار الله، والثاني: حسن التعبير في حق الله عز وجل([6])، وقد سماه الله صابرًا فقال: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44].

وحتى قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} كان دعاءً ولم يكن شكايةً كما نقل البغوي؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَجَبْنا لَهُ}، عَلَى أَنَّ الْجَزَعَ إِنَّمَا هُوَ فِي الشَّكْوَى إِلَى الْخَلْقِ، فَأَمَّا الشَّكْوَى إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَكُونُ جزعًا، ولا تَركَ صبر([7]).

ويحسُن في هذا المقام ذكرُ قصَّة يعقوب -عليه الصلاة والسلام-، وهي تدلُّ على مقام عالٍ من الأدب، فحين اجتمع عليه فقدُ البصر وفقدُ الأبناء لم ينسَ الله، وإنما اكتَفى به ولجأ فقال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86]. قال شيخ الإسلام بن تيمية: “وَالصَّبْر الْجَمِيل صَبر بِلَا شكوى، قَالَ يَعْقُوب -عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام-: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ}، مَعَ قَوْله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18]، فالشكوى إلى الله لَا تنَافِي الصَّبْر الْجَمِيل”([8]).

فالدعاءُ والشكوى إلى الله واللَّجأ إليه هو مقامَ أدب مع الله، ومقصد من مقاصد العبادة.

ومن مقامات الأدب مع الله ما ذكَر الله سبحانه من قصَّة الذبيح، وقد أشاد القرآن بها، فهي جمعت بين مقام الصبر ومقام الرضا وحسن الظنِّ بالله عز وجل، فحين رأى إبراهيم في المنام أنه يذبَح ابنه لم يتردَّد في ذلك، وبادر بإخبار ولدِه، فكان جواب ولده في قمَّة الأدب مع الله، وذلك بسرعة استجابته لأمر الله ووعده بالصبر وتعليقه للصبر بالمشيئة، قال الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين} [الصافات: 102]. قال ابن كثير رحمه الله: “{قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} أي: امضِ لما أمرك الله من ذبحي، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} أي: سأصبر وأحتسبُ ذلك عند الله عز وجل. وصدق -صلوات الله وسلامه عليه- فيما وعد؛ ولهذا قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مَرْيَم: 54، 55]، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] أَيْ: فَلَمَّا تَشَهَّدَا وَذَكَرَا اللَّهَ تَعَالَى: إِبْرَاهِيمُ عَلَى الذَّبْحِ، وَالْوَلَدُ عَلَى شَهَادَةِ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: {أَسْلَمَا} يَعْنِي: اسْتَسْلَمَا وَانْقَادَا: إِبْرَاهِيمُ امْتَثَلَ أمْرَ اللَّهِ، وَإِسْمَاعِيلُ طَاعَةَ اللَّهِ وَأَبِيهِ”([9]).

ومن معاني الأدب الحسنة ما ذكر الله عز وجل عن عيسى عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب} [المائدة: 116]. وقد علَّق ابن القيم -رحمه الله- تعليقًا حسنًا على هذه الآية، وكيف كان جواب نبي الله عيسى -عليه السلام- في غاية الأدب مع الله، فقال: “تأمَّل أحوال الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- مع الله، وخطابهم وسؤالهم، كيف تجدها كلّها مشحونة بالأدب قائمة به؛ قال المسيح عليه السلام: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} ولم يقل: لم أقله، وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب، ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره فقال: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي}، ثم برَّأ نفسه عن علمه بغيبِ ربه وما يختصّ به سبحانه، فقال: {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}، ثم قال: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118]، وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام، أي: شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدًا لغيرك، فإذا عذبتهم -مع كونهم عبيدك- فلولا أنهم عبيدُ سوءٍ مِن أبخس العبيد وأعتاهم على سيدهم وأعصاهم له لم تعذبهم؛ لأن قربة العبودية تستدعي إحسانَ السيد إلى عبده ورحمته، فلماذا يعذِّب أرحم الراحمين وأجود الأجودين وأعظم المحسنين إحسانًا عبيده لولا فرط عتوِّهم، وإباؤهم عن طاعته، وكمال استحقاقهم للعذاب؟! ثم قال: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]، ولم يقل: الغفور الرحيم، وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى؛ فإنه قاله في وقت غضب الربِّ عليهم، والأمر بهم إلى النار، فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة، بل مقام براءة منهم، فلو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأشعر باستعطافِه ربَّه على أعدائه الذين قد اشتدَّ غضبه عليهم، فالمقام مقام موافقة للربِّ في غضَبه على من غضِب الربُّ عليهم، فعدَل عن ذكر الصِّفتين اللتين يسأل بهما عطفَه ورحمته ومغفرته إلى ذكر العزة والحكمة المتضمِّنتين لكمال القدرة وكمال العلم”([10]).

وأدب الأنبياء مع الله لا يُحصَى، فهم أهله، وأولى الناس به، ولا بأس أن نعرج على بعض من أدب الملائكة مع الله.

ثانيا: أدب الملائكة مع الله في القرآن الكريم:

الملائكة عباد لله، مكرمون، اختصوا من بين سائر المخلوقات بالعبودية لله سبحانه وتعالى، ومقام الأدب يظهَر في العبودية الكاملة التي لا تتخلَّلها معصية؛ ولذا يقول الله عنهم: {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [التحريم: 6]. فأعلى مقاماتِ الأدَب فعلُ المأمور وترك المحظور([11])، وقال عنهم سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون} [الأعراف: 206].

ولا يخفى أن العبادةَ تشبَّه بالملائكة، كما المعصيَةَ تشبَّه بالشياطين، وحين يحكي القرآن حالَ الملائكة وأدبهم مع الله فإنك تسمع العجب، يقول الله حكايةً عنهم وهم يتحدَّثون عن أنفسهم وعن حياتهم القائمة على العبودية فيقولون: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64]. قال الطبري: “ذكر أن هذه الآية نزلت من أجل استبطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل بالوحي”([12]). فحسب الملائكة تحقيق العبودية وامتثال الأمر الكوني والشرعي أدبًا مع الله([13]).

وقال سبحانه وتعالى واصفًا لأدبهم معَه ومنزِّها لهم عن دعوى أهل الشرك في حقَّهم: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون} [الأنبياء: 27]. قال السعدي رحمه الله: “وأخبر عن وصف الملائكة بأنهم عبيد مربوبون مدبَّرون، ليس لهم من الأمر شيء، وإنما هم مكرمون عند الله، قد أكرمهم الله، وصيَّرهم من عبيد كرامته ورحمته؛ وذلك لما خصَّهم به من الفضائل والتطهير عن الرذائل، وأنهم في غاية الأدب مع الله، والامتثال لأوامره، فـ{لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} أي: لا يقولون قولا مما يتعلَّق بتدبير المملكة حتى يقول الله؛ لكمال أدبهم، وعلمهم بكمال حكمته وعلمه، {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} أي: مهما أمرهم، امتثلوا لأمره، ومهما دبرهم عليه فعلوه، فلا يعصونه طرفةَ عين، ولا يكون لهم عمل بأهواء أنفسهم من دون أمر الله، ومع هذا فالله قد أحاط بهم علمه، فعلم {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: أمورهم الماضية والمستقبلة، فلا خروج لهم عن علمه، كما لا خروج لهم عن أمره وتدبيره، ومن جزئيات وصفهم بأنهم لا يسبقونه بالقول أنهم لا يشفعون لأحد بدون إذنه ورضاه، فإذا أذن لهم وارتضى من يشفعون فيه شفعوا فيه”([14]).

ومن أدبهم مع الله إرجاع العلم إليه سبحانه كما في قصة آدم -عليه الصلاة والسلام-، فقد قالوا حين قال الله لهم: {أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين} [البقرة: 31]، فكان جوابهم: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم} [البقرة: 32].

فأدب الملائكة هو كأدب الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فيه مطابقة السرِّ للعلن، ومراقبة الله، كما أنه لا يخرج عن مقامات العبودية لله سبحانه وتعالى، من رضا بالله وعن الله، ووقوف عند أمره ونهيه سبحانه.

ثالثا: أدب المؤمنين مع الله:

الله سبحانه وتعالى وصف عباده المؤمنين بأوصافٍ ومدحهم بأفعال هي الأدب وبها يتحصَّل المقصود من العبادة، ومن هذه الأوصاف تعظيمُ الله سبحانه وحسن الظن به والاكتفاء به عن خلقه، فقد وصف الله أهل الإيمان في أدبهم معه فقال: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل} [آل عمران: 173].

ومن معاني الأدب الخشية، وهي مقام عظيم عند الله سبحانه وتعالى، وقد رتب عليه أجرًا عظيمًا فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان} [الرحمن: 46]، وقال سبحانه: {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيد} [إبراهيم: 14]، يَعْنِي: الْمَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحسابِ([15]).

ومن مقامات الأدب مع الله تعظيم شعائره، وقد أرشد القرآن إلى ذلك فقال: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 30]، وقال سبحانه: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج: 32]. وقد فسرت شعائر الله بالدين كله([16])، “والأدبُ هو الدين كله، فإن ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة من الأدب، والتطهر من الخبث من الأدب، حتى يقف بين يدي الله طاهرا؛ ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمَّل الرجل في صلاته للوقوف بين يدي ربه”([17]).

يقول ابن القيم رحمه الله: “فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته، لا ببدنه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب، لا تقوى الجوارح، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}، وقال: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم} [الحج: 37]، وَقَالَ النَّبِي: «التَّقْوَى هَاهُنَا» وَأَشَارَ إِلَى صَدره([18]). فالكيِّس يقطع من المسافة بصحَّة العزيمة وعلوِّ الهمة وتجريد القَصد وصحَّة النية مع العمل القليل أضعافَ أضعافِ ما يقطعه الفارغُ من ذلك مع التعَب الكثير والسفر الشاقِّ؛ فإنَّ العزيمة والمحبة تذهِب المشقةَ وتطيب السيرَ، والتقدُّمُ والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمَم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدَّم صاحِب الهمَّة مع سكونه صاحبَ العمل الكثير بمراحلَ، فإن ساواه في همَّته تقدَّم عليه بعمله، وهذا موضِعٌ يحتاج إلى تفصيلٍ يوافق فيه الإسلام والإحسان”([19]).

فبتحقُّق شعائر الإسلام على ظاهرك وحقائق الإيمان في باطنك يتحقَّق معنى الأدب، وهذا خلاصةُ ما ذكرته الآية.

ومن أدبِ الألفاظ مع الله عز وجل ما حكاه الله سبحانه عن صالحي الجنِّ فقال يحكي قولهم: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ} ولم يقولوا: أراده بهم، ثم قالوا: {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] قال ابن كثير رحمه الله: “وهذا من أدبهم في العبارة، حيث أسندوا الشرَّ إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله عز وجل، وقد ورد في الصحيح: «والشرُّ لَيس إليك»([20])”([21]).

فهذا هو الأدب مع الله كما يصفه القرآن، وكما تمثَّلَه الصالحون من أهل الشرائع، فهو لا يخرج عن معنى امتثال الأمر والوقوف تحت مظلَّة الحياء والخشية والسعي إلى مقام الرضا بالله وعن الله، كما وصف الله تعالى الصحابة الكرام: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].

ثالثًا: الأدَب مع الله عند أصحاب التصوف الغالي:

إذا قارنَّا بين ما يذكره القرآن عن الأدَب مع الله وبين ما يحاوله أصحابُ التصوُّف الغالي نجد البونَ شاسعًا والفرق ظاهرًا؛ لأنَّ هؤلاء أُوتوا مِن حيثُ عبَّروا عن مقصدهم ومرادِهم بعباراتٍ غير عبارة القرآن، وسلَكوا للوصول طُرقًا لم تكُن هي الموصِلة إلى المقصود في زمن صفاء الإسلام ونقائه، وأيامَ كان الصحابة يمثِّلونه كما أمرهم الله، ومن تلك الألفاظ التي تدور على ألسنتهم كثيرًا لفظ “المقامات”.

إنَّ مصطلح المقام عند الصوفية يعدُّ بريئًا من حيث دلالتُه المصطلحيَّة الأولى، فالمقصود به مقامُ العبد عند ربِّه والترقِّي في المقامات، ينتهي بالعبد إلى التوحيد ومعرفة الله عز وجل واطمئنان النفس وسعادتها، فالمقام كما يرى أبو نصر الطوسي: “مقام العبد بين يدي الله عز وجل فيما يقام فيه من العبادات والمجاهدات والرياضات والانقطاع إلى الله عز وجل”([22]). ويشترط القشيري على المريد أن لا ينتقلَ من مقامٍ إلى مقامٍ حتى يستوفيَ أحكامَ المقامِ الأول؛ “فإن من لا قناعة له لا يصحُّ له التوكُّل، ومن لا توكُّلَ له لا يصحُّ له التسليم، ومن لا توبةَ له لا تصحّ له الإنابة، ومن لا ورعَ له لا يصحُّ له الزهد”([23]).

وقد اختلفَ الصوفيةُ في ترتيب المقاماتِ، فكلُّ عارفٍ منهم يصف طريقَه على نحو ما وصل به، فقد يقدِّم مقامًا على مقامٍ، كما أنهم يفرِّقون بين المقام والحال، فالحال معنًى يرد على القلب من غير تعمُّد، بينما المقام يتحقَّق بالمجاهدة والكسب، والحال متقلِّب؛ ولهذا سمِّي حالًا لتحوُّله، بينما المقام مستقِرٌّ، والحال عندهم مثل الطَّرب والحزن والشوق والمحبة، بينما المقام مثل الزهد والتوبة والإنابة والقناعة والفقر والرضا والتوكل([24]).

وعند إمعان النظر في هذه المقامات، وبعيدًا عن الاصطلاحات التي لها مورد شرعيٌّ ومعنى يحسُن السكوت عليه، فإنَّ المتفحِّص لها يجِد فيها خروقًا كبيرةً عند غلاةِ القوم هي محلُّ نقدٍ من عامَّة الفقهاء ومن خواصّ أهل الملة ممن عرفوا حقيقةَ الدين واتَّبعوه، بل بعضُها اصطدامٌ بالمعتقَد في كلِّ أبوابه.

من ذلك أن المريدَ في سَيره إلى الله ينبغي له أن يعتقدَ في شيخَه أنه لا يخالفُ الشرع، وإن خالفَه ظاهرًا فلا ينكر عليه، فالصّوفيّ الغالي يبدَأ طريقَه إلى الله بتقديم الشيخ على ظاهر الشرع، فهذا أحمد بن المبارك السِّجِلماسيُّ يروي عن شيخه عبد العزيز الدباغ قوله: “واعلم -وفقك الله- أن الوليَّ المفتوح عليه يعرف الحقَّ والصواب، ولا يتقيَّد بمذهب من المذاهب، ولو تعطَّلت المذاهبُ بأسرها لَقَدر على إحياء الشريعةِ، وكيف لا وهو الذي لا يغيبُ عنه النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عَين، ولا يخرجُ عن مشاهدة الحقِّ -جل جلاله- في أحكامه التكليفيَّة وغيرها؟! وإذا كان كذلك فهو حجَّة على غيره، وليس غيره حجَّةً عليه؛ لأنه أقربُ إلى الحق من غير المفتوح عليه، وحينئذ فكيف يسوغ الإنكار على من هذه صفتُه ويقال: إنه خالف مذهب فلان في كذا؟! إذا سمعت هذا فمَن أراد أن ينكرَ على الوليِّ المفتوح عليه لا يخلو إما أن يكونَ جاهلًا بالشريعة كما هو الواقع غالبًا من أهل الإنكار، وهذا لا يليق به الإنكار، والأعمى لا ينكر على البصير أبدًا”([25]).

ويؤكِّد هذا المعنى أيضًا النابغةُ القلاوي -رحمه الله- في نظمه المعروف بـ(بوطليحية) فيقول:

فلا تقل: “إنا وجدنا” الآية          وبالكتاب زن سوى الولاية

فربَّما خالف بعض الأوليا            في ظاهر الشرع لكي يبتليا

من لم يكن صحيح الاعتقاد         في الأولياء من أهل الانتقاد

فسلموا لتسلموا أقوالهم              وحالهم واجتنبوا فعالهم([26])

فانظر إلى ما ترى ممَّا مضى من التّسليم لأمر الله عز وجل عند الأنبياء والصالحين، وما عند شيوخ التصوف من تعظيم طرقهم وأحوالهم الباطلة، وتقديمها على ظاهر الشرع، وقد ذكر البغدادي دعواهم أن التصوفَ ظاهرُه تلبيسٌ وباطنه تقديس([27]).

فكانت هذه العبارة مدخَلا لسوءِ الأدب على الله عز وجل، ومخالفة شرعه، وبها سوَّغ القوم باطلَ الحلَّاج.

وقد زاد غلاةُ المتصوِّفة على غيرهم بالكلام في الأحوال التي هي استمراءٌ لسوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى، والكلام في حقِّه بما لا يليق، ومخالفة شرعه ظاهرًا مخالفةً لا تحتمل التأويل، فقد تكلَّموا في الأحوال بما يسمّونه الجمعَ والفرقَ، والجمعُ عندهم هو: “شهود الحق بلا خلق”([28])، وهو ما يسمَّى: وحدة الشّهود، والفرق: “شهود قيام الخلق بالحقّ، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة، من غير احتجابِ صاحبه بأحدهما عن الآخر”([29]).

ولا يزال الصوفيّ يتكلَّم بهذه الاصطلاحات ويترقَّى في هذه الأحوال المصاحبة للمقامات حتى يصير به الأمرُ إلى القول بالحلول والكلام في حقِّ الله والنبيِّ بما لا يليق، ودونك نماذج من سوء الأدب على الله وعلى الشرع.

فحين يصل السالك إلى مقامِ الفناء -وهو الذي يدَّعي فيه كثير من المتصوفة الحلول والاتحاد ويتلفَّظون بذلك- فإن القلم يرتفع عنه، ويتكلَّم بما أجمعت الشرائع على منعِه، ففي مقام الفناء كان البسطامي يقول: “سبحاني سبحاني، ما أعظم شأني”([30])، وفيه يقول: “قال لي الحق: يا أبا يزيد، كل هؤلاء خلقي إلا أنت، فأنت أنا وأنا أنت”([31]).

وأين هذا من مقام موسى وهو يكلِّم الله فيقول: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين} [الأعراف: 143]. فقارن بين قول موسى: “سبحانك تبت إليك”، وبين قول البسطامي: “سبحاني”.

وقارن بين قول عيسى: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب} [المائدة: 116]، وبين ما مرَّ من تجويز مخالفة ظاهر الشرع على الأولياء ووجوب اتباعهم في ذلك؛ تلحظ الفرق بين من يسعَى إلى الترقِّي في مدارج العبودية كما يقرِّرها الوحي، وبين الفلسفات الوضعية القائمة على تعظيم البشَر والاكتفاء بهم من دون الرسل والتعبير بألفاظهم المجملة.

والمسلم مطالَب بالوقوف في بابِ العبادة والترقِّي إلى الله عز وجل حيثُ وقف النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، ولله درُّ الإمام أبي زرعة الرازي حيث قال حين سئل عن كتب الصوفية: إياك وهذه الكتبَ؛ هذه كتبُ بدعٍ وضلالات، عليك بالأثر؛ فإنك تجدُ فيه ما يغنيك عن هذه الكتب، قيل له: في هذه الكتب عبرة! قال: من لم يكن له في كتابِ الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أنَّ مالك بن أنس وسفيان الثوريَّ والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنَّفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء، هؤلاء -يعني الصوفية- قوم خالفوا أهلَ العلم، يأتوننا مرَّةً بالحارث المحاسبي، ومرة بعبد الرحيم الدبيلي، ومرة بحاتم الأصم، ومرة بشقيق البلخي، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع!([32]).

ولا يخفى عليك -أخي القارئ الكريم- ما توارد عليه أهل العلم من الردِّ على الصوفية في دعواهم العلم الباطن، وأن ما كان عليه الخضر هو الذي يتعبَّد به خواص المتصوفة، وما كان عند موسى هو الشرع الظاهر. وهذا زندقة وسوء أدب مع الله([33]).

وهذا ابن عربي يقرِّر وحدة الوجود ويشرحها، فيسوِّي بين الخالق والمخلوق، ويجعلهما شيئًا واحدًا فيقول:

يا خالق الأشياء في نفسه           أنت لـــــــــمـــــــــا تخلق جامــــــــــــع

تخلق ما لا ينتهــــي كونــــــــــه           فيك فأنت الضيق الواسع([34])

ويقول أيضًا:

فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا      وليس خلقًا بذاك الوجه فاذكروا

جمِّع وفرّق فإن العيـــــــن واحدة       وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر([35])

وانظر إلى هذا المعنى وسوء الأدب على الله مع ما تقرأ في كتاب الله من التنزيه عن الشريك والمساوي والاتحاد بالمخلوقات، والتأكيد على مباينته لخلقه، وانظر إلى ندم الكفار الذي يتحدَّث عنه القرآن فيقول: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِين} [الشعراء: 98].

وما من مقامٍ من مقامات التصوُّف الغالي إلا وقع فيه اختلالٌ عندهم، فالزهد غلَوا فيه حتى تركوا الزواج وطلب الذرية، ورغبوا عن سنة خير البريَّة صلى الله عليه وسلم، فعن أنس أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السِّرِّ، فقال بعضهم: لا أتزوَّج النساءَ، وقال بعضهم: لا آكلُ اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»([36]).

ومقام التوكُّل غلَوا فيه حتى تركوا الأسبابَ وفسَّروه بالتواكُل، وكلُّ هذا سوءُ أدب على الله.

فمن أراد الهدايةَ فعليه بالقرآن، فهو كتابها، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه، فقد كانوا المثالَ العمَلي للقرآنِ في المعتقد والسلوك، وغيرهم تبعٌ لهم، ولا يمكن الزيادةُ عليهم، فما فوقهم محسِّر، وما دونهم مقصِّر.

تنبيه:

يحسنُ قبلَ خَتم هذه الورقة العلميةِ تنبيهُ القارئ الكريم إلى أنَّ الصوفية درجاتٌ كما أن الباطل دركات؛ ولذا قيَّدنا الكلام عن التصوُّف بالغالي؛ لأن المنتسبين لهذه النِّحلة فيهم السُّنِّي الذي تلكَّم بعبارةِ القوم ولم يُرِد ما أرادوا مِنها، بل قصَد معنًى شرعيًّا مستقيمًا، فأخطأ التعبير عنه، فهؤلاء ليسوا مقصودين بالكلام، وإن كان الاشتباه وَرَد عليهم من حيث عدُولُهم عن تعبير القرآن إلى إشارات القَوم واصطلاحهم، لكن العِبرة بحال الرجلِ وما هو عليه قبل أن يتكلَّم بالمتشابه من الألفاظ، فقد يُقبل من رجلٍ ما لا يقبل مِن غيره؛ لأن له حسناتٍ تشفَع له وتدلُّ على حَسن قصده فيما قال، بخلاف من لم يُعرف عنه إلا الباطل، ولا قصد الحق، كما أنَّ عذر الرجل في خطئه لا يعني عدمَ نصحِه والإنكار عليه والله الموفق.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرا.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) مقاييس اللغة (1/ 74).

([2]) المرجع السابق (1/ 75).

([3]) ينظر: مدراج السالكين (2/ 356).

([4]) ينظر: المرجع السابق (2/ 356).

([5]) تفسير السمعاني (4/ 53).

([6]) ينظر: تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (4/ 94).

([7]) تفسير البغوي (3/ 310).

([8]) الزهد والورع والعبادة (ص: 99).

([9]) تفسير ابن كثير (7/ 28).

([10]) مدراج السالكين (3/ 359) بتصرُّف يسير.

([11]) ينظر: الفوائد (ص122)، وروضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن القيم (ص: 58).

([12]) تفسير الطبري (15/ 578).

([13]) ينظر: قاعدة في المحبة لابن تيمية (ص: 10).

([14]) تيسير الكريم الرحمن (ص: 521).

([15]) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (2/ 364).

([16]) تفسير القرطبي (12/ 150).

([17]) مدارج السالكين (2/ 363).

([18]) أخرجه البخاري (6064)، ومسلم (2564).

([19]) الفوائد (ص: 141-142).

([20]) أخرجه مسلم (771).

([21]) تفسير ابن كثير (8/ 240).

([22]) اللمع (ص: 95).

([23]) الرسالة (ص: 56).

([24]) ينظر: الرسالة للقشيري (ص: 56 وما بعدها)، واللمع (ص: 65 وما بعدها).

([25]) الإبريز (ص: 192).

([26]) نظم بوطليحية -تحقيق يحيى البراء- (ص: 126). وهو نظم حسَن لأمَّهات كتب المذهب على طريقة الهلالي في نور البصر، لكنَّ صاحبه ضمَّنه بعضَ العبارات الصوفية التي خرمته، ومنها ما ذكرنا.

([27]) الفرق بين الفرق (ص: 249).

([28]) ينظر: اصطلاحات الصوفية للقاشاني (ص: 41)، ومتممات جامع الأصول في الأولياء (ص: 80).

([29]) المراجع السابقة.

([30]) ينظر: درر الغواص للشعراني (ص: 85)، إيقاظ الهمم لابن عجيبة (ص: 204).

([31]) ينظر: روضة التعريف بالحب الشريف (ص: 353).

([32]) ينظر: تلبيس إبليس (ص: 166).

([33]) ينظر: تفسير القرطبي (12/ 55).

([34]) الفصوص (ص: 77).

([35]) المصدر السابق (ص: 89).

([36]) أخرجه مسلم (1401).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض ونقد لكتاب: السلفية وأثرها في تشتيت الأمة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمّة: مكثتُ زمنًا طويلًا أتابع السجالَ الواقعَ بين سعيد فودة وخصومِه، وكنتُ في بعض الأحيان أقرأ الردَّ عليه ولا أقف على كلامِه، فأتعاطفُ معه لعلمي بتجوُّز الناس في هذا الزمان في البحث العقدي ونسبتهم للشخص لازم قوله، وولوعهم بتتبّع الزلات وتصيُّد العثرات إلا من رحم الله تعالى، فلا تزلّ […]

ميراثُ فاطمةَ رضي الله عنها مِن أرْضِ فدَك .. تحقيقاتٌ وأنظار

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثُرَ في الآونةِ الأخيرةِ الحديثُ حول قصَّةِ أرض فدك، والتي يدَّعي فيها المدَّعونَ أنها حقٌّ للسَّيدةِ فاطمةَ رضي الله عنها مِن إرث أبيها صلى الله عليه وسلم، وشنَّعوا فيها كثيرًا على أصحابِ النبي صلوات الله وسلامه عليهِ.  وفدكٌ أرض للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أرضِ خيبرَ، ومن […]

مفهوم الطائِفة بين القرآن والإِسقاطات الخاطئةِ

استخدَم القرآنُ الكريم لفظَ الطائفة استخدامًا لغويًّا، فلم يحدِّد لها معنًى يخصُّها تكون به سلبيَّة أو إيجابيَّة، وإنما جُلُّ استخدامِه لها أنها تعني الجماعةَ منَ الناس اجتَمَعُوا على الخير أو على الشَّرِّ، ويأتي المدحُ أو الذَّمُّ بناءً على طبيعة الاجتماع. ويمكن إجمالُ معاني الطائفةِ في القرآن بحسب الاستخدام في ثلاثة معان: المعنى الأول: إطلاق الطائفة […]

مقوِّمات السلفية المعاصرة.. وقفة مع متَّهمي السلفيّة بامتهان الوعظ والبُعد عن المنهج العلميّ الرصين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    تمهيد: لم تزل الأصواتُ تعلو بنقدِ السلفية واتهامها حتى صارت مزعجةً لمن صدرت عنهم، وصارت أقرب إلى الصُّراخ والعويل منها إلى صوتِ العلم والعقل، وآل الناسُ في السلفية إلى أمر مريج، وقولٍ مختلف لا يتميَّز فيه حقٌّ من باطل، وحَسْبُ الناكثين عن الحقِّ المصرِّين على الحنث العظيم أن […]

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017