الاثنين - 28 ذو القعدة 1443 هـ - 27 يونيو 2022 م

ملخص في معنى (الظاهر) في نصوص الصفات

A A

تنازع الناسُ في الألفاظ ودلالتها على المراد، ونظرًا لأن القرآن نزل بلسان عربيٍّ مبين لزمَ حملُه على المعهود من هذا اللسان، فأحيانا يرد اللفظ في لغة العرب ويراد به ظاهره، وأحيانا يرد ويراد به غير ذلك، ويعرف ذلك بالسياق، أو من القرائن، ومما يدل عليه التركيب. وقد كان من أعظم الأبواب التي دخل منها الباطل على كثير من المخالفين للمنهج القويم اعتمادُ علوم أجنبيةٍ على الشرع، أعلت من شأن اللفظ المفرد على حساب التركيب، ودقَّقت في المعاني التي لم يقصد الشارع التدقيق فيها، والتدقيق فيها خروج عن معهود اللسان وأسلوب القرآن.

وكان من بين هذه المسائل التي طالتها يد التأويل وأُعملت فيها الفنون المختلفة المجانفة للشرع مسألة الأسماء والصفات، فقد ادعى الناس فيها دعوى كثيرة، في المراد من ذلك الظاهر، فساروا الناس في ذلك على طريقتين:

الطريق الأولى: طريق السلف وهو: اعتماد الظاهر فيها، واعتبار أن معناها الظاهر مقصود للشارع، وهو المعنى اللائق بالله سبحانه، ولا يوهم تشبيهًا، بل هو متحدِّد بإضافته إلى الله عز وجل، وبه يزول الاشتراك المدَّعى.

الطريق الثاني: طريق جمهور المتكلِّمين وهو: اعتقاد أن ظاهر تلك النصوص غير مراد لله سبحانه وتعالى، ومن ثمَّ وجب تأويلها أو تفويضها مع اعتقاد نفي الظاهر.

ولم يختلف جميع هؤلاء على معنى الظاهر، لكنهم اختلفوا فيما يفهم منه هل هو لائق بالله أم لا، والحقّ الذي عليه السلف ونطق به العلماء هو اعتقاد ظواهر النصوص، واعتماد ما دلت عليه، مع نفي التشبيه.

والظاهر هو: المعنى المتبادر إلى الذهن من الكلمة عند تجرّدها عن القرائن اللفظية أو الحالية، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره، فالحقيقة ظاهر في مقابل المجاز، ولا يجوز دعوى المجاز في كلام الله تعالى إلا بدليل أو قرينة ظاهرة تصرف الكلام عن ظاهره، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: “آمنت بما جاء عن الله، وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على مراد رسول الله”([1])، ويقول أبو الحسن الأشعري: “فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71] وقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] على المجاز؟ قيل له: حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة. ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة، كذلك قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدَين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادَّعاه خصومنا إلا بحجة. ولو جاز ذلك لجاز لمدَّع أن يدَّعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، وإذا لم يجز هذا لمدَّعيه بغير برهان لم يجز لكم ما ادَّعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازًا بغير حجة، بل واجب أن يكون قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين؛ إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيديّ، وهو يعني النعمتين”([2]).

ونفس المعنى أكَّده الغزالي -رحمه الله-، وأكَّد على أن التمسك بالظاهر هو السبيل الأسلم حيث يقول: “الحق فيه الاتباع، والكفّ عن تغيير الظواهر رأسًا، والحذر من إبداء تصريح بتأويل لم يصرّح به الصحابة رضوان الله عنهم، وحسم باب السؤال رأسًا، والزجر عن الخوض في الكلام والبحث واتّباع ما تشابه من الكتاب والسنة”([3]).

ومحلّ الاستشهاد بكلام الغزالي هو دعوته للوقوف مع الظاهر، ونفي التأويل، ولا يرد على هذا تفويضه، فالتفويض إذا كان موقفًا للشَّخص لا إشكال فيه، وإنما الإشكال أن يكون منهجًا وموقفًا تُلزم به الأمّة؛ وإلا فإن العالم قد يعتبر بعضَ آيات الأحكام أو الصّفات متشابهةً في حقِّه؛ لشبهة عرضت عليه، فيتوقُّف فيما لم يظهر له حتى يتبيَّن، لكن الذي يعاب هو المجازفة ومطالبة الأمة بالتوقف وإلزامها بالجهل بصفات الباري جل وعلا.

وقد صور شيخ الإسلام ابن تيمة -رحمه الله- موقف السلف من الظاهر بعبارة مختصرةٍ حيث قال: “فمذهب السلف -رضوان الله عليهم- إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها”([4]).

فالظاهر في الصفات هو المعنى المتبادر إلى الذهن الذي يفهمه صاحب اللسان من وضع الكلمة أو من تركيبها، ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل، وهذا الدليل إما أن يكون شرعيًّا، فلا بدَّ من دليل يبيِّن المعنى المراد بدل الظاهر، والدليل هو قرينة السياق أو التقييد أو التخصيص وغيرها من الأمور التي يقيَّد بها، وإما أن يكون عقليًّا فلا بد أن يكون بدهيًّا معلوما للمخاطب وقت الخطاب لا مولَّدًا حادثًا بعده، وما سوى ذلك فهو تكلُّف وخروج بالقرآن عن معهوده في الخطاب، فإن الظواهر في باب الأخبار إذا لم تكن مقصودة للشارع فإنه يلزم من ذلك أن الشارع لم يكن قاصدًا للبيان في أعظم أبواب الدين، ولم يأت بما يوجب العلم في ذلك، ويزيل الشبهة ويقطع لسان المعاند، وهذا إزراء بالشرع والعقل، وردٌّ لهما معا، فإن العقل يشهد بأن النص جاء للهدَى والبيان، وأنه شفَى الصدور فيما حارت فيه من أمر الغيب بالأخبار أو بتبيين أن التسليم هو الطريق الصحيح لتناول قضية معينة، فأخبار الله عز وجل حق وصدق، ومحال عليه سبحانه أن يبين الأحكام الشرعية أكمل بيان ثم يتكلَّم في أعظم أبواب الدين بالألغاز أو بما ليس على ظاهره.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: العرش للذهبي (1/ 11).

([2]) الإبانة عن أصول الديانة (ص: 140).

([3]) فيصل التفرقة (ص: 27).

([4]) الفتاوى (4/ 6).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

هل خالف حديث «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم» العقل والعلم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: زعم البعض أن حديث «لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم» جاء مخالفًا لنظريات العلم والطبيعة والعقل، وجعل هذا الحديث سبيلًا للطعن في رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وفي المنهج النقدي لأهل الحديث. وسوف نتناول في هذه المقالة مناقشة دعوى مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم: «لولا بنو […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017