الجمعة - 22 جمادى الأول 1441 هـ - 17 يناير 2020 م

ملخص في معنى (الظاهر) في نصوص الصفات

A A

تنازع الناسُ في الألفاظ ودلالتها على المراد، ونظرًا لأن القرآن نزل بلسان عربيٍّ مبين لزمَ حملُه على المعهود من هذا اللسان، فأحيانا يرد اللفظ في لغة العرب ويراد به ظاهره، وأحيانا يرد ويراد به غير ذلك، ويعرف ذلك بالسياق، أو من القرائن، ومما يدل عليه التركيب. وقد كان من أعظم الأبواب التي دخل منها الباطل على كثير من المخالفين للمنهج القويم اعتمادُ علوم أجنبيةٍ على الشرع، أعلت من شأن اللفظ المفرد على حساب التركيب، ودقَّقت في المعاني التي لم يقصد الشارع التدقيق فيها، والتدقيق فيها خروج عن معهود اللسان وأسلوب القرآن.

وكان من بين هذه المسائل التي طالتها يد التأويل وأُعملت فيها الفنون المختلفة المجانفة للشرع مسألة الأسماء والصفات، فقد ادعى الناس فيها دعوى كثيرة، في المراد من ذلك الظاهر، فساروا الناس في ذلك على طريقتين:

الطريق الأولى: طريق السلف وهو: اعتماد الظاهر فيها، واعتبار أن معناها الظاهر مقصود للشارع، وهو المعنى اللائق بالله سبحانه، ولا يوهم تشبيهًا، بل هو متحدِّد بإضافته إلى الله عز وجل، وبه يزول الاشتراك المدَّعى.

الطريق الثاني: طريق جمهور المتكلِّمين وهو: اعتقاد أن ظاهر تلك النصوص غير مراد لله سبحانه وتعالى، ومن ثمَّ وجب تأويلها أو تفويضها مع اعتقاد نفي الظاهر.

ولم يختلف جميع هؤلاء على معنى الظاهر، لكنهم اختلفوا فيما يفهم منه هل هو لائق بالله أم لا، والحقّ الذي عليه السلف ونطق به العلماء هو اعتقاد ظواهر النصوص، واعتماد ما دلت عليه، مع نفي التشبيه.

والظاهر هو: المعنى المتبادر إلى الذهن من الكلمة عند تجرّدها عن القرائن اللفظية أو الحالية، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره، فالحقيقة ظاهر في مقابل المجاز، ولا يجوز دعوى المجاز في كلام الله تعالى إلا بدليل أو قرينة ظاهرة تصرف الكلام عن ظاهره، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: “آمنت بما جاء عن الله، وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على مراد رسول الله”([1])، ويقول أبو الحسن الأشعري: “فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71] وقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] على المجاز؟ قيل له: حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة. ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة، كذلك قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدَين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادَّعاه خصومنا إلا بحجة. ولو جاز ذلك لجاز لمدَّع أن يدَّعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، وإذا لم يجز هذا لمدَّعيه بغير برهان لم يجز لكم ما ادَّعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازًا بغير حجة، بل واجب أن يكون قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين؛ إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيديّ، وهو يعني النعمتين”([2]).

ونفس المعنى أكَّده الغزالي -رحمه الله-، وأكَّد على أن التمسك بالظاهر هو السبيل الأسلم حيث يقول: “الحق فيه الاتباع، والكفّ عن تغيير الظواهر رأسًا، والحذر من إبداء تصريح بتأويل لم يصرّح به الصحابة رضوان الله عنهم، وحسم باب السؤال رأسًا، والزجر عن الخوض في الكلام والبحث واتّباع ما تشابه من الكتاب والسنة”([3]).

ومحلّ الاستشهاد بكلام الغزالي هو دعوته للوقوف مع الظاهر، ونفي التأويل، ولا يرد على هذا تفويضه، فالتفويض إذا كان موقفًا للشَّخص لا إشكال فيه، وإنما الإشكال أن يكون منهجًا وموقفًا تُلزم به الأمّة؛ وإلا فإن العالم قد يعتبر بعضَ آيات الأحكام أو الصّفات متشابهةً في حقِّه؛ لشبهة عرضت عليه، فيتوقُّف فيما لم يظهر له حتى يتبيَّن، لكن الذي يعاب هو المجازفة ومطالبة الأمة بالتوقف وإلزامها بالجهل بصفات الباري جل وعلا.

وقد صور شيخ الإسلام ابن تيمة -رحمه الله- موقف السلف من الظاهر بعبارة مختصرةٍ حيث قال: “فمذهب السلف -رضوان الله عليهم- إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها”([4]).

فالظاهر في الصفات هو المعنى المتبادر إلى الذهن الذي يفهمه صاحب اللسان من وضع الكلمة أو من تركيبها، ولا يجوز العدول عنه إلا بدليل، وهذا الدليل إما أن يكون شرعيًّا، فلا بدَّ من دليل يبيِّن المعنى المراد بدل الظاهر، والدليل هو قرينة السياق أو التقييد أو التخصيص وغيرها من الأمور التي يقيَّد بها، وإما أن يكون عقليًّا فلا بد أن يكون بدهيًّا معلوما للمخاطب وقت الخطاب لا مولَّدًا حادثًا بعده، وما سوى ذلك فهو تكلُّف وخروج بالقرآن عن معهوده في الخطاب، فإن الظواهر في باب الأخبار إذا لم تكن مقصودة للشارع فإنه يلزم من ذلك أن الشارع لم يكن قاصدًا للبيان في أعظم أبواب الدين، ولم يأت بما يوجب العلم في ذلك، ويزيل الشبهة ويقطع لسان المعاند، وهذا إزراء بالشرع والعقل، وردٌّ لهما معا، فإن العقل يشهد بأن النص جاء للهدَى والبيان، وأنه شفَى الصدور فيما حارت فيه من أمر الغيب بالأخبار أو بتبيين أن التسليم هو الطريق الصحيح لتناول قضية معينة، فأخبار الله عز وجل حق وصدق، ومحال عليه سبحانه أن يبين الأحكام الشرعية أكمل بيان ثم يتكلَّم في أعظم أبواب الدين بالألغاز أو بما ليس على ظاهره.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: العرش للذهبي (1/ 11).

([2]) الإبانة عن أصول الديانة (ص: 140).

([3]) فيصل التفرقة (ص: 27).

([4]) الفتاوى (4/ 6).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

التَّقليد المذموم.. إلغاءٌ للشَّخصية وتمهيدٌ للخرافة

المسلم الذي يهمُّه أمرُ هذه الأمَّة يجب عليه أن يبحثَ دائمًا عن أدوائها؛ ليكون هو الطَّبيب الذي يضع يدَه على المرض، فيتفحَّصه ويعالجه بما يناسبه. ومن الأمراض التي عانت الأمة الإسلامية منها كثيرًا وأحدثت شروخًا في الفكر الإسلاميّ القائم على اتّباع الكتاب والسنة وإعمال العقل في دائرته ومجاله: مرض التقليد المذموم، وهذا المرض لم يصب […]

عرض وتعريف بكتاب «ابن تيمية» لجون هوفر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد: لازال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني الشهير بابن تيمية والملقب بشيخ الإسلام يملأ الدنيا ويشغل الناس، ليس في العالم الإسلامي فحسب بل والعالم الغربي! وقد صدر قبل فترة ضمن سلسلة “صُنَّاع العالم الإسلامي” كتابٌ بعنوان: […]

بضاعَتُكم ردَّت إليكُم (موقف نصر حامد أبو زيد من محمَّد شحرور)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يأتي متطبِّب يدَّعي أنَّه حاذق في الطبّ، فيتلاعب بأبجديّات الطب، ويتعالى على أدواته، ويقدح في مسلَّماته، فلِمَ تكون درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تقريبا؟! ولم يكون السكَّر الطَّبيعي في الدم هو ما بين 120 إلى 126؟! ولم يكون معدَّل نبضات القلب ما بين 60 إلى 90؟! بل لِم نصدق […]

إثبات الربوبية بين الوحي وأصحاب الإعجاز العلمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: قضية الربوبية من القضايا التي تشغل كلَّ عاقل في هذا الكون ما دام جسدُه يتحرَّك وعقلُه يستوعِب الأشياءَ، وذلك لنوازعَ كثيرةٍ في النفس البشريَّة، منها أهميةُ معرفة الربِّ فطرةً ودينًا وعقلًا، ومنها حبُّ الاطلاع على الأشياء والوقوف على حقائقها بما يضمَن الطمأنينةَ واليقينَ بالمعتقَد. والعقلُ البشريُّ في مرحلةٍ […]

حديث: «الشمسُ والقمَر مكوَّران في النَّار يومَ القيامة» تفسيرٌ ورفعُ إشكال

تكذيبُ حديثٍ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقلُّ خطرًا عنِ الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقُله، وأهل العلم “لا يجيزون مخالفةَ حديث تبيَّن إمكان صحَّته، ثم ثبت صحَّة إسناده، ولم يعلم ما يقدح فيه أو يعارضه”([1])، وقد أفرط العقلانيون في ردّ الأحاديث الثابتة بالأهواءِ والمزاعم الباطلة، […]

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: قدَّر الله تعالى أن تُبتلى كلُّ أمّة بمن يحيد عنِ الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتُليت أمَّة الإسلام بمثل ذلك منذ عصرها الأول، فظهرتِ الخوارجُ والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرها من الفِرق، واستمرت هذه الفرق إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء أفكارها ومعتقداتها وانبعاثها من مراقدها بين الحين […]

موقِف عُلماء الحنابلة من ابن تيميّة ومدى تأثير مدرسته في الفقه الحنبلي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إنَّ شيخَ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يمثِّل شخصيةً فريدة، لها تأثيرها في التاريخ الإسلاميِّ؛ إذ جمع بين العلم والعمل والجهاد والسّلوك؛ ومنزلته في المذهب الحنبليِّ لا تخفَى على من له أدنى ممارسَة للفقه الحنبليِّ وأصوله، وتأثيره فيمن عاصَره ومن جاء بعدَه واضح لا ينكَر؛ حتى فيمن جالسه […]

تغريدات في التعريف بكتاب من شبهات الحداثيين حول الصحيحين

1- لم يترك الحداثيون شيئا من ثوابت الإسلام إلا وخاضوا فيه تغييرا وتبديلًا، ولم يتركوا مصدرًا من مصادر التشريع في الدين إلا ومارسوا عليه مناهجهم النقدية، وتجديدهم المزعوم، وفي هذه التغريدات سنتعرف على كتاب مهم تناول موقفهم من الصحيحين. 2-اسم الكتاب: من شبهات الحداثيين حول الصحيحين (عرض ونقد). موضوعه: يتناول الكتاب موقف الحداثيين من الصحيحين، […]

حديث طعنِ الشيطان والردُّ على المشكِّكين

المتأمِّل فيما يُثار من الشبهات حَول السنَّةِ النبويّة يرى أنها تدور في حلقةٍ مفرغة من تعظيم العقل وإقحامِه فيما لا يحسنه، وفيما لا دخل له فيه أصلًا، وإنَّك لتجد بعضَهم يردّ الحديث النبويَّ الصحيحَ الثابت ويستنكره بناء على ما توهَّمه من مخالفةِ العقل، ويكون الحديث واردًا في بعض الأمور التي لا تثبت إلا عن طريق […]

القُطب والغَوث والأبدالُ والأوتادُ بين الصّوفيّةِ ودلالات النّصوص الشرعيّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: ما أعظمَ البشارةَ لعبدٍ أخلص التوحيدَ لله تعالى ربّه ومولاه؛ فلم يلتجئ ويتضرَّع إلا لله تعالى خوفًا وطمعًا رغبةً ورهبةً؛ فاستحقَّ بذلك الإجابة وحصولَ الرشد والهداية؛ قال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]؛ ويا […]

ملخص في معنى (الظاهر) في نصوص الصفات

تنازع الناسُ في الألفاظ ودلالتها على المراد، ونظرًا لأن القرآن نزل بلسان عربيٍّ مبين لزمَ حملُه على المعهود من هذا اللسان، فأحيانا يرد اللفظ في لغة العرب ويراد به ظاهره، وأحيانا يرد ويراد به غير ذلك، ويعرف ذلك بالسياق، أو من القرائن، ومما يدل عليه التركيب. وقد كان من أعظم الأبواب التي دخل منها الباطل […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017