الاثنين - 04 شوّال 1439 هـ - 18 يونيو 2018 م

إجراء نصوص الصفات على ظاهرها عند ابن عبد البر

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

#إصدارات_مركز_سلف

 

شاع عند كثير من الكسالى فكريًّا نسبة الإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد الشهير ب”ابن عبد البر” القرطبي المالكي، إلى أهل التأويل، أو التفويض، بينما الإمام من  أكابر علماء أهل السنة والجماعة في بلاد المغرب الإسلامي، وكانت ملامح منهج أهل السنة واضحة في تآلفيه وتقريراته؛ وذلك راجع بعد الله عز وجل إلى علمه بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، واهتمامه بتحقيق أقوال السلف، وقد ألف في ذلك كتبًا صارت من دواوين الإسلام، من أهمها كتاباه “التمهيد” و”الاستذكار”، وقد كان على منهج أهل السنة في  الأسماء والصفات، وسوف نحاول إبراز ذلك من خلال التركيز على موقفه من إجراء النصوص على ظاهرها في هذا الباب، ولذلك مظاهر منها:

أولا: رفضه التأويل الكلامي، فهو يرى وجوب التمسك بالكتاب والسنة، والإعراض عن التأويل الكلامي، ويؤكد على ذلك، ويجعله بمثابة القاعدة والأصل، فيقول: “الحجة القاطعة عند الاختلاف فيما لا نص فيه من الكتاب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم[1] ويقول:” الهدى كل الهدى في اتباع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي المبينة لمراد كتاب الله”. [2]

ويؤكد رفضه لمنهجهم بما نقله عن ابن خويز منداد المالكي أنه قال:” أهل الأهواء عند الإمام مالك، وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريًّا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها. فقال أبو عمر – تعليقًا على تأويل ابن خويز منداد لكلام مالك -: ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله فإنه يسلم، ولا يناظر فيه”[3].

وهذا الكلام من عبد البر فيه أمور مهمة:

_رفضه للتأويل وإقراره لابن خويز منداد على فهمه لكلام مالك في أهل الكلام.

_تأكيده على أن باب الصفات وأسمائه العمدة فيه النقل والإجماع.

_قبوله لخبر الآحاد في الصفات وأنها لا تأول بحجة أنها آحاد وهذا ما عناه بقوله: ” وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله فإنه يسلم ولا يناظر فيه”.

ثانيا :إثبات ظواهر النصوص وعدم قبول التفويض: ويؤكد ابن عبد البر ما يريد بإثبات الصفات، وأنه ليس إثبات الألفاظ دون المعاني، وأنها لا تصرف عن ظاهرها بالتأويل؛ فيقول: “أهل السنة مجمعون على الإِقرار بالصفات الواردة  كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أنّ من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة والحمد لله “. [4]  ويؤكد على أنه لا يلزم من الجهل بالكيفية نفي الصفة، كما لا يلزم من إثباتها التشبيه فيقول:” وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل؛ لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقرونًا بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا، ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفيةِ على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه”. [5]

ثالثا: نموذجان من إجراء النصوص على ظاهرها عنده: كما أسلفنا، فالمنهج الغالب على ابن عبد البر هو إجراء النصوص على ظاهرها، ونكتفي في ذلك بنموذجين مهمين: هما كلامه في صفة العلو، وصفة النزول:

  1. صفة العلو: تعرض الإمام ابن عبد البر لهذه الصفة في أكثر من موضع، وأثبتها ورد على من تأولها، وكلامه فيها صريح ظاهر في أنه يجريها على ظاهرها، ومن ذلك قوله:” فظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، والاختلاف في ذلك بيننا فقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر”. [6] ويقول في حديث الجارية “أين الله؟”. [7]: ” فعلى ذلك جماعة أهل السنة، وهم أهل الحديث، ورواته المتفقهون فيه وسائر نقلته كلهم يقول ما قال الله تعالى في كتابه: { ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ } [سورة طه:5]. وأن الله عز وجل في السماء، وعلمه في كل مكان، وهو ظاهر القرآن”. [8]

وقد عقد فصلًا في “التمهيد” و”الاستذكار” للرد على منكري هذه الصفة، ومن تأولها من المتكلمين المخالفين لظاهر الكتاب والسنة، وأتى بنقولات نفيسة، ومطولة ليس هذا محل ذكرها.

  1. صفة النزول: وقد أثبت هذه الصفة ولم يتأولها، بل أجراها على ظاهرها، ونقل ذلك عن جماهير السلف حيث يقول:” وأما قوله عليه الصلاة السلام: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني؛ فأستجيب له من يسألني؛ فأعطيه، من يستغفرني؛ فأغفر له”[9]. فهو حديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، وطرقه كثيرة صحاح بألفاظ متقاربة ومعنى واحد[10].

ويقول أيضًا: “الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه”. [11] ويقول: “وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ينزل ربنا إلى السماء الدنيا” عندهم مثل قول الله عز وجل: { فَلَمَّا تَجَلَّىٰ} [سورة الأعراف:143]. ومثل قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا } [سورة الفجر:22].  كلهم يقول: ينزل ويتجلى ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له، وفي قول الله عز وجل: { فَلَمَّا تَجَلَّىٰ} [سورة الأعراف:143]. دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليًّا للجبل وفي ذلك ما يفسر معنى حديث التنزيل”[12].

وحاصل الأمر أن الإمام ابن عبد البر المالكي كان سائرًا على منهج أهل الحديث في الفقه والمعتقد، وهذا حاله الغالب عليه في كتبه، وقد أصله وفصله.

 

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

[1] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (22/ 40).

[2] الاستذكار ج6 ص 129

[3] جامع بيان العلم وفضله ج2 ص 96

[4] التمهيد ج 5 ص 145

[5] التمهيد ج 7ص 137

[6] التمهيد ج 7 ص 134

[7] رواه مسلم رقم 571 عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمي

[8] الاستذكار ج 7 ص 337

[9] رواه البخاري رقم 1145، ومسلم رقم 758، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[10] الاستذكار ج 2 ص 526

[11] التمهيد ج 5 ص120

[12] التمهيد ج 7 ص 130

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الظاهرة الشحرورية في التاريخ والمنطلقات والمآلات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة نادى مناد على رؤوس الناس يقول: أدركوا الناس، ستهلك الأمة، تلاعبوا بكتاب الله، وضاعت السنة، وأهانوا الشريعة…!! فقيل له: على هونك، ما الخطب؟! قال: ظهر لنا على رؤس الأشهاد وفي كل وسائل التواصل وفي التلفاز دكتور في هندسة التربة يدعى محمد شحرور…! فقلنا: وماذا عساه أن يقول؟ فليقل في […]

تعقيب على مقال (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب…) المنشور في جريدة السبيل

   نشرت جريدة السبيل الأردنيّة يوم الخميس الموافق 10/ مايو/ 2018م مقالًا للدكتور علي العتوم عنوانه: (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير أهل البدع)، وقد تضمّن المقال -رغم قصره- قدرًا كبيرًا من المغالطات الناشئة عن عدم تحرير المسائل العلمية، ومحل النزاع في مسائل الخلاف، والتسرع في استصدار أحكام وتقييمات كلّيّة […]

يصرخون: “ذاك عدوُّنا من العلماء”!

عن أنس رضي الله عنه قال: بلَغ عبدَ الله بنَ سلام مقدَمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأتاه، فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ، قال: ما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول […]

الغائية والتوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد… ما الذي حصل حين انحرفت البشرية عن غايتها ومسارها الصحيح؟! إن انحراف الإرادة البشرية هو ما أدى إلى عدد هائل من المفاسد والأضرار لا تتخيله العقول البشرية القاصرة، بل ولا تستطيع أن تبكيها البشرية جمعاء، وماذا عساها أن تفعل […]

حقيقة النصب وموقف أهل السنة منه

من سمات أهل البدع وصفهم أهل السنة بالأوصاف المنفّرة عنهم، ومن ذلك اتهام الروافض لهم بالنّصب والعداء لأهل البيت، وقد شاركهم في ذلك بعض الطوائف المنتسبة للتّصوف الذين تأثروا بالتشيع، ونال رموز مقاومة الرافضة وشبهاتهم القسط الأكبر من هذا الاتهام، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي اتّهموه بالنصب ومعاداة علي رضي الله عنه. […]

فوائد من غزوة بدر

لم تكن غزوة بدر حدثًا عاديًّا يمكن تناوله تناولًا سرديًّا دون النظر إلى الدلالات والعبر التي تحملها تفاصيل هذا الحدث العظيم الذي سمى القرآن يومه “يوم الفرقان”، وحكى أحداثه، وأنزل فيه ملائكته المقربين؛ استجابة لدعوة الموحدين من المؤمنين، فقد كانت النخبة المؤمنة في ذلك الزمن مجتمعة في هذه المعركة في أول حدث فاصل بينهم وبين […]

ضوابط في تدبر القرآن الكريم

 حث الله عباده على تدبر الوحي والنظر فيه من جميع جوانبه؛ في قصصه وأخباره وأحكامه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين هذا الوحي للناس ليسهل عليهم تدبره وفهم معانيه على وفق مراد الله عز وجل، فقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]. وقد ذكر الطبري -رحمه […]

الإيمان بالملائكة حقيقتُه وتأثيرُه في حياة المؤمن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قضية الملائكة من أكبر القضايا التي شغلت المجتمعات البشرية على اختلافها بين معتقد لوجودهم، وناف لهم، والمعتقدون لوجودهم اختلفوا في اعتقادهم طرائق قددًا، فمنهم العابد لهم من دون الله، ومنهم المعتقد فيهم أنهم بنات الله، ومنهم من اتّخذهم عدوا، وآخرون جعلوهم جنسًا من الجن، كل هؤلاء تحدث القرآن عنهم […]

إطلاق (المعنى) و(التأويل) والمراد بها عند السلف في الصفات

من الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من الناس: حمل الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة على اصطلاحات المتأخرين؛ يقول الإمام ابن القيم: “وهذا موضع زلَّت فيه أقدام كثير من الناس، وضلَّت فيه أفهامهم؛ حيث تأولوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح […]

التمائم عند المالكية

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس التوحيد، ويردهم إلى الجادة التي حادوا عنها لطول عهدهم بالرسالة، واجتيال الشياطين لهم عن دينهم وتحريفهم له، وقد شمل هذا التحريف جميع أبواب الدين، بما في ذلك أصله وما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وقد انحرف الناس في هذا الأصل على أشكال وأحوال، ومن بين مظاهر الانحراف […]

العلم اللدني بين القبول والرفض

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فإن الكلام عن “العلم اللدني” مزلة أقدام؛ لذا كان لزامًا على المؤمن الوقوف على حقيقته، وكيفية دفع الشبهات التي وقع فيها أهل الانحراف والزيغ، ومقدمة ذلك أمور([1]): أولًا: إن العلم الحقيقي الذي […]

فَبِأَيِّ فَهمٍ يُؤمِنُون؟ مُناقَشَة لإِمكَانِيَّة الاستِغنَاءِ باللُّغَة عَن فَهمِ الصَّحَابَة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن بداهة الأمور أن كلّ من أراد أن يستوضح قضيَّة أو أمرًا سيتجه للبحث عنه عند ذويه ومن ابتكره وشارك في صناعته، فمن أراد أن يستوعب أفكار أرسطو ذهب يستعرض نصوص أصحابه والفلاسفة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017