الاثنين - 04 شوّال 1439 هـ - 18 يونيو 2018 م

مفهوم الدليل العقلي ومجاله عند السلف

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

#إصدارات_مركز_سلف

 

لقد أخذ الموقف من العقل حيزا كبيرا من مساحة النقاش في الفكر الإسلامي، وانقسم الناس فيه طرائق شتى، بين من يراه أصلا لكل شيء، وإليه تحاكم الشرائع، وبين من يراه احتياطا لا يستعمل إلا عند الضرورة، وبقدر ما يسد الرمق، وكل من هؤلاء قد استغل خطأ صاحبه وتعميمه للحكم دليلا على صحة ما ذهب إليه، والغريب أن هذين التيارين الغاليين في مفهوم العقل رفضا وقبولا_ ظلّا  يُـحاكم إليهما جميع الخائضين في هذا الموضوع، دون النظر إلى التفاصيل التي تعكس مدى التغاير بين الآراء، وإن اشتركت في الموضوع ومبادئ الأحكام فيه.

وفي هذ المقال سنركز العدسة على مفهوم الدليل العقلي ومجاله عند السلف ومحاولة إزالة اللبس الذي يقع لكثير من المتناولين لهذا الموضوع ونسبة أقوالٍ للسلف لا يقولون بها أو يقولون بها على وجه ليس هو الوجه الذي يذهب إليه بعض الباحثين في الموضوع. والبحث في مسائل:

الأولى: مفهوم الدليل العقلي

لم يكن من عادة السلف الجنوح إلى التعريف الجامع المانع، وهم في ذلك سائرون على منهج القرآن وأسلوب العرب في تعريف الشيء بما يتعرف به فلم يعرفوا العقل ولم يحددوا مفهومه بعبارات تؤثر عنهم وإن كان استخدامهم له يدل على انهم لا يبتعدون به عن مفهومه الذي درج عليه العلماء بعدهم، وقد درج كثير من الخائضين في الدليل العقلي إلى التقريب بدل التعريف، وعدم التفريق بين العقل في الاصطلاح وبين الدليل العقلي كما فعل الباجي رحمه الله حيث يقول عن العقل بأنه: “العلم الضروري الذي يقع ابتداء أي: سابقا عن التجربة ويعم العقلاء” [1]. وبنحو قوله يقول كثير من المهتمين بالتعريف للعقل والدليل العقلي كشيخ الإسلام ابن تيمية[2] وغيره.

 

الثانية: تقسيماته

كما أنه قد شاع عندهم في جانب التقسيم تقسيمه إلى ضروري ومكتسب ويعرفون الضروري بأنه: “الذي لا يحتاج إلى استدلال: كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء”[3]. والمكتسب هو: “ما يتوقف على النظر والاستدلال”[4]. وهذا الأخير هو المستعمل عندهم في العقائد والأحكام، وهو أنواع منه:

الاستقراء: وهو تتبع الحكم في الأمور الجزئية ليستدل بثبوته للجزئيات على ثبوته الكلي لتلك الجزئيات، فيحصل بسبب تتبع الجزئيات الظن أو القطع بعموم الحكم لها [5].

ومنه القياس وهو ثلاثة أنواع:

القياس الجدلي: وهو ما سلم المخاطب مقدماته.

القياس الخطابي: ما كانت مقدماته مشهورة بين الناس.

القياس البرهاني: ما كانت مقدماته معلومة[6].

وهذه الأدلة العقلية قد تتركب مع أدلة أخرى، فتنتج أحكاما يقينية، فالمتواتر مثلا مركب من الحسي، والعقلي، فتركبه من الحس؛ لكونه لا يقبل إلا إذا استند إلى حس من سمع أو بصر، فهذا حظ الحس، ويحكم العقل باستحالة تواطئ النقلة على الكذب فهذا حظ العقل[7].

الثالثة: وجه النزاع فيها بين السلف وغيرهم

وهذه الأدلة محل النزاع فيها بين السلف وبين غيرهم ليس في كونها أدلة وإنما في قضيتين أساسيتين:

القضية الأولى: علاقتها بالأدلة الشرعية.

القضية الثانية: حصر العلم فيها.

فالسلف يرون أن هذه الأدلة إذا استعملت في الجانب الشرعي؛ فإنها تستعمل مركبة على الدليل السمعي، ومعينة في فهمه؛ لأن النظر في القضايا الشرعية هو لاستنباط حكم شرعي، والعقل ليس بمشرع، فلا يمكن استقلاله بالاستدلال في هذا المجال[8].

كما أن ادِّعاء حصول العلم بمعنى اليقين عن طريق الأدلة العقلية وحدها، وحصره فيها يلزم منه استجهال من لم يعلمها، والاستغناء بها عن غيرها بما في ذلك الوحي.

وههنا مسألة مهمة وقع الخلط فيها وهي أنه تستولي فكرة معينة على عقل شخص وتترسخ في فكره؛ فيحسب عليها أحكام المبادئ العقلية وبالتالي ينفي العقل عمن رفضها[9]. بل وعن الدليل الذي عارضها، وهو ما أوقع الكثيرين في معارضة ما ظنوه ظواهر سمعية بقواطع عقلية، بينما طبيعة العقل لا تدرك الأشياء على وجه الإحاطة، وإنما تعلم بها على وجه إجمالي ثم قد يعلم العقل بعض التفاصيل إما عن طريق السمع أومن طريق ما تمده به الحواس من معلومات[10].

الرابعة: مجال الدليل العقلي عند السلف

مما لا نزاع فيه أن العلوم بالنسبة لإدراكها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: العلوم الضرورية الفطرية: وهي التي لا يمكن التشكيك فيها، ويدخل في هذا القسم ما نبه إليه الشارع من دلالة الفطرة على الخالق جل وعلا، ولا شك أن هذا القسم مستدل به في العقائد بل هو الحكم بين أهل الشرع ومن خالفهم في هذا الباب لكنه يذكر لتقرير الوحي لا أنه يعارضه أو يشهد بخلافه، وعلى هذا الأساس ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه (درء تعارض العقل والنقل).

الثاني: ما تمحض العمل فيه للعقل: وهذا عادة يكون في العلوم المفضولة كالطبيعيات، والرياضيات، والصناعات.

الثالث: العلوم الغيبية: وهذه لا يعلمها إلا بتعليم، ويدخل فيها أكثر مسائل الاعتقاد التفصيلية، وغاية حظ العقل منها الفهم والتسليم، وإثبات إمكانها، ونفي امتناعها[11].

وهذا التقسيم للمعارف والعلوم، يجعل العقل من بين مصادر الأدلة الشرعية في الاعتقاد والأحكام، فهو يوصل إلى معرفة الأصول الكبرى للاعتقاد على وجه الإجمال كالإقرار بالخالق، ووجوب إفراده بالعبادة، والتأليه، وإثبات الكمال كما قد يدرك وجوب الجزاء الأخروي، والبعث بعد الموت إلا أن ذلك لا يدركه على سبيل التفصيل، إذ التفصيل وظيفة السمع وهي مما لا طاقة للعقل به[12].

إذا فمجال العقل عند السلف وحسب نصوص الوحي ليس ضيقا، فقد استخدم القرآن الأدلة العقلية من أمثلة وقياس برهاني واستدلالي، وقياس علة في إثبات العقائد، وترسيخها، والرد على من نفاها، فقد رد القرآن على من ادعى لله ولدا فقال: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [سورة آل عمران:59]. وهذا قياس علة مكتمل الأركان ففيه الأصل والفرع والعلة والحكم.

وغير ذلك من الأدلة العقلية في بابها وفي الأحكام لا ينازع السلف في استعمال الأدلة العقلية، لكنهم يقيدونها في جميع الأبواب بحاكمية الوحي، فهي إذا عارضت الوحي فسد اعتبارها سواء كانت في العقائد أو الأحكام، وقد أجمل ابن القيم خصائص الأدلة العقلية في القرآن بقوله:” الله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه فيما أراد تقريرهم به، وإلزامهم إياه؛ بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا، وأقلها تكلفا، وأعظمها غناء ونفعا، وأجلها ثمرة وفائدة، فحججه سبحانه العقلية التي بينها في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة قليلة المقدمات سهلة الفهم قريبة التناول قاطعة للشكوك والشبه ملزمة للمعاند والجاحد؛ ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع.”[13].

فتبين من هذا أن السلف لا يلغون العقل، ولا يضيقون مجاله، وإنما يقيدونه بطريقة القرآن والسنة المعتمدة على قلة المقدمات، وسهولتها، ويراد منها إثبات العقائد والأحكام الشرعية، وتصديقها والتسليم بها لا نفيها وردها والاعتراض عليها.

 

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

([1]) الحدود للباجي ص 31.

([2]) درء التعارض بين العقل والنقل 2/21.

([3]) شرح التنقيح للقرافي ص 30.

([4]) شرح المرتقى ص 23.

([5]) نيل السول على مرتقى الوصول ص 19.

([6]) الفتاوى 9/100.

([7]) شرح التنقيح للقرافي ص 30.

([8]) الفتاوى 9/11 الموافقات 1/13.

([9]) ينظر السلفية وقضايا العصر ص 164.

([10]) تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين ص 142.

([11]) الاعتصام للشاطبي 2/318 وينظر الأدلة العقلية النقلية على صحة الاعتقاد ص 38.

([12]) درء التعارض بين العقل والنقل 1/31-32.

([13]) الصواعق المرسلة 2/451.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الظاهرة الشحرورية في التاريخ والمنطلقات والمآلات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة نادى مناد على رؤوس الناس يقول: أدركوا الناس، ستهلك الأمة، تلاعبوا بكتاب الله، وضاعت السنة، وأهانوا الشريعة…!! فقيل له: على هونك، ما الخطب؟! قال: ظهر لنا على رؤس الأشهاد وفي كل وسائل التواصل وفي التلفاز دكتور في هندسة التربة يدعى محمد شحرور…! فقلنا: وماذا عساه أن يقول؟ فليقل في […]

تعقيب على مقال (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب…) المنشور في جريدة السبيل

   نشرت جريدة السبيل الأردنيّة يوم الخميس الموافق 10/ مايو/ 2018م مقالًا للدكتور علي العتوم عنوانه: (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير أهل البدع)، وقد تضمّن المقال -رغم قصره- قدرًا كبيرًا من المغالطات الناشئة عن عدم تحرير المسائل العلمية، ومحل النزاع في مسائل الخلاف، والتسرع في استصدار أحكام وتقييمات كلّيّة […]

يصرخون: “ذاك عدوُّنا من العلماء”!

عن أنس رضي الله عنه قال: بلَغ عبدَ الله بنَ سلام مقدَمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأتاه، فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ، قال: ما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول […]

الغائية والتوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد… ما الذي حصل حين انحرفت البشرية عن غايتها ومسارها الصحيح؟! إن انحراف الإرادة البشرية هو ما أدى إلى عدد هائل من المفاسد والأضرار لا تتخيله العقول البشرية القاصرة، بل ولا تستطيع أن تبكيها البشرية جمعاء، وماذا عساها أن تفعل […]

حقيقة النصب وموقف أهل السنة منه

من سمات أهل البدع وصفهم أهل السنة بالأوصاف المنفّرة عنهم، ومن ذلك اتهام الروافض لهم بالنّصب والعداء لأهل البيت، وقد شاركهم في ذلك بعض الطوائف المنتسبة للتّصوف الذين تأثروا بالتشيع، ونال رموز مقاومة الرافضة وشبهاتهم القسط الأكبر من هذا الاتهام، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي اتّهموه بالنصب ومعاداة علي رضي الله عنه. […]

فوائد من غزوة بدر

لم تكن غزوة بدر حدثًا عاديًّا يمكن تناوله تناولًا سرديًّا دون النظر إلى الدلالات والعبر التي تحملها تفاصيل هذا الحدث العظيم الذي سمى القرآن يومه “يوم الفرقان”، وحكى أحداثه، وأنزل فيه ملائكته المقربين؛ استجابة لدعوة الموحدين من المؤمنين، فقد كانت النخبة المؤمنة في ذلك الزمن مجتمعة في هذه المعركة في أول حدث فاصل بينهم وبين […]

ضوابط في تدبر القرآن الكريم

 حث الله عباده على تدبر الوحي والنظر فيه من جميع جوانبه؛ في قصصه وأخباره وأحكامه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين هذا الوحي للناس ليسهل عليهم تدبره وفهم معانيه على وفق مراد الله عز وجل، فقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]. وقد ذكر الطبري -رحمه […]

الإيمان بالملائكة حقيقتُه وتأثيرُه في حياة المؤمن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قضية الملائكة من أكبر القضايا التي شغلت المجتمعات البشرية على اختلافها بين معتقد لوجودهم، وناف لهم، والمعتقدون لوجودهم اختلفوا في اعتقادهم طرائق قددًا، فمنهم العابد لهم من دون الله، ومنهم المعتقد فيهم أنهم بنات الله، ومنهم من اتّخذهم عدوا، وآخرون جعلوهم جنسًا من الجن، كل هؤلاء تحدث القرآن عنهم […]

إطلاق (المعنى) و(التأويل) والمراد بها عند السلف في الصفات

من الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من الناس: حمل الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة على اصطلاحات المتأخرين؛ يقول الإمام ابن القيم: “وهذا موضع زلَّت فيه أقدام كثير من الناس، وضلَّت فيه أفهامهم؛ حيث تأولوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح […]

التمائم عند المالكية

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس التوحيد، ويردهم إلى الجادة التي حادوا عنها لطول عهدهم بالرسالة، واجتيال الشياطين لهم عن دينهم وتحريفهم له، وقد شمل هذا التحريف جميع أبواب الدين، بما في ذلك أصله وما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وقد انحرف الناس في هذا الأصل على أشكال وأحوال، ومن بين مظاهر الانحراف […]

العلم اللدني بين القبول والرفض

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فإن الكلام عن “العلم اللدني” مزلة أقدام؛ لذا كان لزامًا على المؤمن الوقوف على حقيقته، وكيفية دفع الشبهات التي وقع فيها أهل الانحراف والزيغ، ومقدمة ذلك أمور([1]): أولًا: إن العلم الحقيقي الذي […]

فَبِأَيِّ فَهمٍ يُؤمِنُون؟ مُناقَشَة لإِمكَانِيَّة الاستِغنَاءِ باللُّغَة عَن فَهمِ الصَّحَابَة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن بداهة الأمور أن كلّ من أراد أن يستوضح قضيَّة أو أمرًا سيتجه للبحث عنه عند ذويه ومن ابتكره وشارك في صناعته، فمن أراد أن يستوعب أفكار أرسطو ذهب يستعرض نصوص أصحابه والفلاسفة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017