الخميس - 10 شعبان 1439 هـ - 26 ابريل 2018 م

رجب بلا بدع

A A

 

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

#إصدارات_مركز_سلف

 

لقد من الله تعالى على عباده بمنن كبيرة ونفحات كثيرة، وجعل لهم مواسم يتزودون فيها بالقربات ويغتنمون أوقاتها بالطاعات، فيحصلون الأجور العظيمة في أوقات قليلة، وتعيين هذه الأوقات خاص بالشارع، فلا يجوز الافتئات عليه ولا الاستدراك ولا الزيادة؛ لأن الدين كامل، قال تعالى: ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[ [المائدة: 3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»([1]).

ونقرر هنا مسألة تكون وقاء للمسلم من الوقوع في البدع: وهي أن الأعمالَ التي لها أصل في الشرع فأيّ تحديد لسببها أو مكانها أو زمانها أو كيفيتها لم يرِد به دليلٌ شرعيّ يسمى بدعة إضافية، والمقرر عند أهل العلم عدم تخصيص العبادات بشيء لم يخصّصها الشرع به؛ ولا تفضيل وقت على وقت آخر إلا بتفضيل الشرع له؛ لأن العبادات توقيفية كما سلف، لا يحل فعل شيء منها إلا بدليل من الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة.

وهذا المعنى قرره العلماء المحققون، يقول الشاطبي: “ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية: أن يكون أصل العبادة مشروعا، إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل، توهما أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حُدَّ لها”([2]).

وقد اخترع الناس عبادات وأعمالًا يتقربون بها في مواسم معينة أو هيئة معينة اعتمادًا على حديث أو موضوع أو تقليدًا لبعض المشايخ أو غير ذلك، ومن هذا القبيل ما يُفعل في شهر رجب المحرم من البدع، من تخصيصه بعبادة من العبادات، قال الحافظ ابن حجر: “لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه شيء معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة”([3]).

وفي سبيل تصحيح العبادة نورد بعض البدع التي انتشرت في شهر رجب الحرام، تنبيها للمسلمين من أن يقعوا فيها، ونصحا لهم باتباع السنة، مع الاكتفاء بقول لأحد العلماء المحققين على بعض البدع لا كلها؛ لتجدد البدع وكثرتها. فمنها:

  • صلاة الرغائب: وهي ما يفعله بعض الناس في أول ليلة جمعة من رجب. قال النووي رحمه الله: “هي بدعة قبيحة منكرَة أشد إِنكار، مشتملة على منكرات، فيتعين تركها والِإعراض عنها، وإِنكارُها على فاعلها”([4]). وهذه البدعة ظهرت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ببيت المقدس كما نقل الإمام الطرطوشي رحمه الله([5]).
  • صلاة النصف من رجب: روي في هذه الصلاة حديث مكذوب بلفظ: ((من صلى ليلة النصف من رجب، أربع عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، و]قل هو الله أحد[ إحدى عشرة مرة، و]قل أعوذ برب الناس[ ثلاث مرات، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ عشر مرات، ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله ثلاثين مرة…)) إلخ. قال ابن الجوزي رحمه الله: “وهذا موضوع ورواته مجهولون، ولا يخفى تركيب إسناده وجهالة رجاله”([6]).
  • الاحتفال بليلة السابع والعشرين، اعتقادا منهم أنها ليلة الإسراء والمعراج. قال ابن تيمية رحمه الله: “ولم يقمْ دليلٌ معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينِها، بل النقولُ في ذلك منقطعةٌ مختلفة، ليس فيها ما يُقطع به، ولا شُرِعَ للمسلمين تخصيصُ الليلة التي يُظن أنها ليلة الإِسراء بقيام ولا غيره”([7]).
  • الاعتقاد بأفضلية العمرة في هذا الشهر: ويسميها البعض بـ “العمرة الرجبية”، فلا يشرع أن يخص رجب بأداء العمرة دون غيره من الشهور؛ لأنه لم يصح حديث في تفضيل العمرة في هذا الشهر على غيرها، ولم يتحر النبي صلى الله عليه وسلم الاعتمار فيه، ولو سلمنا جدلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر فيه، فلا يصلح أن يكون ذلك دليلًا على أفضلية العمرة في هذا الشهر، وقد دل الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رجب، كما في الصحيحين عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة رضي الله عنها، فقال له عروة: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعا، إحداهن في رجب. فكرهنا أن نرد عليه. قال: وسمعنا استنان([8]) عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أماه، يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبدالرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات: إحداهن في رجب. قالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شَاهِدُهُ، وما اعتمر في رجب قطّ([9]).
  • زيارة المدينة النبوية وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والبقيع وشهداء بدر وأحد في شهر رجب: حيث يَفِدُ بعض الناس إلى المدينة النبوية المنورة بزيارة يسمونها الرَّجَبِية، يرون أنها من السُّنن، وهذه الزيارة المسماة بالرَّجَبِيةِ ليس لها أصل في الشرع، والحديث عنها كالحديث عن أي عبادة مشروعة لم يجعل الشارع لها وقتا فاضلا.
  • العتيرة في رجب: وهي الرجبية: ذبيحة كانت تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية، ومضى الأمر على ذلك في الإسلام، حتى نسخ بعد([10]). والجمهور على أنها كانت مشروعة ثم نسخت، ودليلهم حديث نُبَيْشَةَ رضي الله عنه قال: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَطْعِمُوا))([11]). وثبت عدم مشروعيتها في المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: “لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ”([12]). فلم يبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم العتيرة من أصلها، وإنما أبطل خصوص الذبح في شهر رجب([13]).
  • تخصيص رجب بالصيام: والمشروع عدم التخصيص، بل يصوم المرء في رجب ما كان يصومه في غيره. وأما ما روي مرفوعا: ((إن في رجب نهرًا يقال له: رجب، ماؤه أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل من صام يومًا من رجب شرب منه))، فهو باطل([14]).

هذه أشهر البدع التي تقع في رجب، نسأل الله للجميع التوفيق لعمل الخيرات، وترك البدع والمنكرات، ومتابعة السنن الصحيحات الثابتات. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) رواه مسلم (1718).

([2]) الاعتصام (2/309).

([3]) تبيين العجب بما ورد في شهر رجب (ص 23).

([4]) المسائل المنثورة (ص 57).

([5]) الحوادث والبدع (ص 132).

([6]) الموضوعات (2/126). وانظر “تذكرة الموضوعات” للفتني (ص 44)، و”الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة” للشوكاني رقم ( 105).

([7]) نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد (1/57).

([8]) أي: حس مرور السواك على أسنانها. فتح الباري (3/601)

([9]) صحيح البخاري (1775، 1776)، وصحيح مسلم (1255).

([10]) ينظر “غريب الحديث” لابن سلام (1/195).

([11]) رواه أبو داود (2832)، والنسائي (4229)، وابن ماجه (3167).

([12]) صحيح البخاري (5474)، وصحيح مسلم (1976).

([13]) ينظر فتح الباري (9/597).

([14]) أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (350).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

موقف القرآن من الكتب المنزلة

 لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بشريعة هي خاتمة الشرائع، كما هو خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، فكانت شريعته مهيمنة على جميع الشرائع، جامعة لمحاسنها، مصدِّقة ومكملة لها، فنبوة النبي وشريعته امتداد لجميع الشرائع السماوية التي قبلها، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على وحدة المصدر في الشرائع، وذلك لكونها جميعا من […]

العرف وأهميته في الأحكام الشرعية

اقتضت حكمة الله عز وجل تشريع الأحكام التي تنتظم بها حياة الناس دنيا وأخرى، وهذه الأحكام مستوعبة لجميع تصرفات المكلف، فلا يخرج عنها فعل من أفعاله، ومن مظاهر هذا الاستيعاب اعتبار الشريعة للعرف، وذلك لاختلاف أحوال المكلفين زمانا ومكانًا في كثير من الأحكام الشرعية التي يرجع تقديرها إليهم، فاعتبرت الشريعة عرف المكلف، ونزلته منزل الشرع، […]

براءة الصحابة والتابعين من التفويض

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد، فإن مذهب السلف قاطبة هو إثبات صفات الله تعالى، وإجراؤها على ظواهرها([1])، ونفي الكيفية والتشبيه([2]) عنها؛ إذ الأصل: “أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويُحتذَى في ذلك حَذْوَه ومِثاله”([3])؛ فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، […]

قاعدة: «مبنى العبادات على الشرع والاتباع» تدليل وتطبيق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   تصرفات العباد من الأقوال والأفعال -على كثرتها- لا تخرج عن أمرين: عبادات، شرعها الله تعالى تحقيقًا لصلاح دينهم، وعادات، أقرت تحقيقًا لصلاح معاشهم. ولكل أمرٍ منهما -أعني: العبادات والعادات- أصلٌ يناسبه؛ فالعبادات مبناها على توقيف الشارع؛ فلا تشرع عبادة إلا بنص، والعادات مبناها على العفو والإباحة، فلا تمنع […]

منهج الشك عند الغزالي من كتابه المنقذ من الضلال

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا   تقديم لم نجد الحيرة والشك عند قوم ما وجدناه عند المتكلم الأشعري؛ مع استوائه والفيلسوف والمعتزلي في مصدر التلقي، وهو العقل، سلما منها، ولم يسلم هو؛ ذلك أنه أراد الجمع ــ صدقًا ــ بين الحقائق الشرعية والفلسفية؛ أن يحقق الإيمان بالإملاءات الفلسفية العقلية، ولم يفطن للتعارض الكلي بينهما، فكان […]

موقف المالكية من التبرك

التبرك من الأسباب التي يتوصل بها إلى المطلوب لكنه سبب خفي، فلزم ألا يعدى محله إلا بدليل يشهد لأصله ووصفه، وقد دلت نصوص من الكتاب والسنة على وجود البركة في بعض المخلوقات، قال سبحانه حكاية عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] “أي: ذا […]

مفهومُ التقليد وحكمُه

  للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: جعل الله العلم بكامل الشريعة حكرًا على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، والناس من بعدهم ورثة فيهم الوارث للنصف وفيهم الوارث للثُّمُن، وفيهم من له حظ الأنثيين، لكن لا أحد يستطيع حجب الشريعة عن بقية أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن الشريعة المأثورة عن النبي […]

قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} بيان وتعليل

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كثُر الكلام قديمًا وتجدَّد حديثًا عن قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، وسأحاول في هذه المقالة -بحول الله تعالى- ترتيب الكلام حول هذه الآية الكريمة في ثلاثة محاور: المحور الأول: هل في الآية الكريمة […]

قوله تعالى: {فِي جَنْبِ اللَّهِ} تفسير وتوجيه

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، فإن القرآن الكريم هو حجة الله تعالى على عباده، وهو خير الكلام وأصدقه وأحسنه، وهو الذي هدى الله تعالى به عباده، وجعله شفاءً لما في الصدور وهدًى ورحمة للمؤمنين؛ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ […]

مع أسماء الله الحسنى

 مَن إلهٌ غيرُ الله يستحق أن يسمى بالأسماء الحسنى، ويُنعت بالصفات العلى؟! {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 8]، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. خذ اسمًا من أسمائه، وتأمل في معانيه، وتلَمَّسْ آثاره في الكون الفسيح، ولا تَسَلْ حينها عن سلوة القلب بشهود جمالٍ حُجِبَ بأوصاف الكمال، وسُتِر بنعوت […]

نبذة عن العالم السلفي أبو يعلى الزواوي شيخ الشباب وشابّ الشيوخ([1])

  للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو السعيد بن محمد الشريف بن العربي أبو يعلى الزواوي. من قبيلة آيت سيدي محمد الحاج الساكنة في إغيل زكري من ناحية عزازقة بمنطقة القبائل الكبرى بالقطر الجزائري، وينسب إلى الأشراف الأدارسة. مولده: ولد حوالي عام 1279هـ، الموافق لعام 1862م. تكوينه العلمي: درس أوَّلا في قريته، […]

السَّلَف والمهارات العقليَّة قَلبُ الدَّلِيل أُنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قوة الحجة ونباهتها في الردِّ في الجدل والمنظرة مما يُلجئ المخاطب إلى السكوت أو التلعثم، فإذا كانت تتضمَّن قلبًا لحجَّة الخصم عليه ازدادت قوةً ونكايةً في الخصم. وهذه المهارة الحجاجية القويَّة تبوأت مكانها في كلام ربِّ […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017