الثلاثاء - 29 ربيع الآخر 1439 هـ - 16 يناير 2018 م

رجب بلا بدع

A A

 

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

#إصدارات_مركز_سلف

 

لقد من الله تعالى على عباده بمنن كبيرة ونفحات كثيرة، وجعل لهم مواسم يتزودون فيها بالقربات ويغتنمون أوقاتها بالطاعات، فيحصلون الأجور العظيمة في أوقات قليلة، وتعيين هذه الأوقات خاص بالشارع، فلا يجوز الافتئات عليه ولا الاستدراك ولا الزيادة؛ لأن الدين كامل، قال تعالى: ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[ [المائدة: 3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»([1]).

ونقرر هنا مسألة تكون وقاء للمسلم من الوقوع في البدع: وهي أن الأعمالَ التي لها أصل في الشرع فأيّ تحديد لسببها أو مكانها أو زمانها أو كيفيتها لم يرِد به دليلٌ شرعيّ يسمى بدعة إضافية، والمقرر عند أهل العلم عدم تخصيص العبادات بشيء لم يخصّصها الشرع به؛ ولا تفضيل وقت على وقت آخر إلا بتفضيل الشرع له؛ لأن العبادات توقيفية كما سلف، لا يحل فعل شيء منها إلا بدليل من الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة.

وهذا المعنى قرره العلماء المحققون، يقول الشاطبي: “ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية: أن يكون أصل العبادة مشروعا، إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل، توهما أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حُدَّ لها”([2]).

وقد اخترع الناس عبادات وأعمالًا يتقربون بها في مواسم معينة أو هيئة معينة اعتمادًا على حديث أو موضوع أو تقليدًا لبعض المشايخ أو غير ذلك، ومن هذا القبيل ما يُفعل في شهر رجب المحرم من البدع، من تخصيصه بعبادة من العبادات، قال الحافظ ابن حجر: “لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه شيء معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة”([3]).

وفي سبيل تصحيح العبادة نورد بعض البدع التي انتشرت في شهر رجب الحرام، تنبيها للمسلمين من أن يقعوا فيها، ونصحا لهم باتباع السنة، مع الاكتفاء بقول لأحد العلماء المحققين على بعض البدع لا كلها؛ لتجدد البدع وكثرتها. فمنها:

  • صلاة الرغائب: وهي ما يفعله بعض الناس في أول ليلة جمعة من رجب. قال النووي رحمه الله: “هي بدعة قبيحة منكرَة أشد إِنكار، مشتملة على منكرات، فيتعين تركها والِإعراض عنها، وإِنكارُها على فاعلها”([4]). وهذه البدعة ظهرت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ببيت المقدس كما نقل الإمام الطرطوشي رحمه الله([5]).
  • صلاة النصف من رجب: روي في هذه الصلاة حديث مكذوب بلفظ: ((من صلى ليلة النصف من رجب، أربع عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، و]قل هو الله أحد[ إحدى عشرة مرة، و]قل أعوذ برب الناس[ ثلاث مرات، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ عشر مرات، ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله ثلاثين مرة…)) إلخ. قال ابن الجوزي رحمه الله: “وهذا موضوع ورواته مجهولون، ولا يخفى تركيب إسناده وجهالة رجاله”([6]).
  • الاحتفال بليلة السابع والعشرين، اعتقادا منهم أنها ليلة الإسراء والمعراج. قال ابن تيمية رحمه الله: “ولم يقمْ دليلٌ معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينِها، بل النقولُ في ذلك منقطعةٌ مختلفة، ليس فيها ما يُقطع به، ولا شُرِعَ للمسلمين تخصيصُ الليلة التي يُظن أنها ليلة الإِسراء بقيام ولا غيره”([7]).
  • الاعتقاد بأفضلية العمرة في هذا الشهر: ويسميها البعض بـ “العمرة الرجبية”، فلا يشرع أن يخص رجب بأداء العمرة دون غيره من الشهور؛ لأنه لم يصح حديث في تفضيل العمرة في هذا الشهر على غيرها، ولم يتحر النبي صلى الله عليه وسلم الاعتمار فيه، ولو سلمنا جدلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر فيه، فلا يصلح أن يكون ذلك دليلًا على أفضلية العمرة في هذا الشهر، وقد دل الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رجب، كما في الصحيحين عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة رضي الله عنها، فقال له عروة: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعا، إحداهن في رجب. فكرهنا أن نرد عليه. قال: وسمعنا استنان([8]) عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أماه، يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبدالرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات: إحداهن في رجب. قالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شَاهِدُهُ، وما اعتمر في رجب قطّ([9]).
  • زيارة المدينة النبوية وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والبقيع وشهداء بدر وأحد في شهر رجب: حيث يَفِدُ بعض الناس إلى المدينة النبوية المنورة بزيارة يسمونها الرَّجَبِية، يرون أنها من السُّنن، وهذه الزيارة المسماة بالرَّجَبِيةِ ليس لها أصل في الشرع، والحديث عنها كالحديث عن أي عبادة مشروعة لم يجعل الشارع لها وقتا فاضلا.
  • العتيرة في رجب: وهي الرجبية: ذبيحة كانت تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية، ومضى الأمر على ذلك في الإسلام، حتى نسخ بعد([10]). والجمهور على أنها كانت مشروعة ثم نسخت، ودليلهم حديث نُبَيْشَةَ رضي الله عنه قال: نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَطْعِمُوا))([11]). وثبت عدم مشروعيتها في المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: “لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ”([12]). فلم يبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم العتيرة من أصلها، وإنما أبطل خصوص الذبح في شهر رجب([13]).
  • تخصيص رجب بالصيام: والمشروع عدم التخصيص، بل يصوم المرء في رجب ما كان يصومه في غيره. وأما ما روي مرفوعا: ((إن في رجب نهرًا يقال له: رجب، ماؤه أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل من صام يومًا من رجب شرب منه))، فهو باطل([14]).

هذه أشهر البدع التي تقع في رجب، نسأل الله للجميع التوفيق لعمل الخيرات، وترك البدع والمنكرات، ومتابعة السنن الصحيحات الثابتات. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) رواه مسلم (1718).

([2]) الاعتصام (2/309).

([3]) تبيين العجب بما ورد في شهر رجب (ص 23).

([4]) المسائل المنثورة (ص 57).

([5]) الحوادث والبدع (ص 132).

([6]) الموضوعات (2/126). وانظر “تذكرة الموضوعات” للفتني (ص 44)، و”الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة” للشوكاني رقم ( 105).

([7]) نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد (1/57).

([8]) أي: حس مرور السواك على أسنانها. فتح الباري (3/601)

([9]) صحيح البخاري (1775، 1776)، وصحيح مسلم (1255).

([10]) ينظر “غريب الحديث” لابن سلام (1/195).

([11]) رواه أبو داود (2832)، والنسائي (4229)، وابن ماجه (3167).

([12]) صحيح البخاري (5474)، وصحيح مسلم (1976).

([13]) ينظر فتح الباري (9/597).

([14]) أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (350).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

رفع الحرج في الشريعة: الحدود والجنايات نموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   إن اعتبار المكلف في الشريعة الإسلامية والسعي لإسعاده في الدنيا والآخرة أمرٌ مقطوع به؛ ولهذا الاعتبار مظاهرُ كثيرة؛ منها سعي الشريعة لوضع القواعد المنظمة لحياة الإنسان، التي تضمن أن يسير في الحياة سيرًا لا يشق عليه، كما شرعت له شرائع تراعي حاله وترفق به، وتضع حدًّا للمشقة التي […]

حكم التكفير بالانتساب للمذاهب الكفرية

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، وبعد : فمن المعلوم لدى أهل العلم خطر قضية تكفيرالأعيان ؛ لما يترتب عليه من لوازم خطيرة  يجب الاحتياط جدًا قبل ولوجها ؛ ولذا اعتنى أهل العلم بضوابط تكفير الأعيان؛ فإن الخطأ في نفي الكفر عن […]

وحدة الأمة بمنظار سلفي

  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، محمد صلى الله عليه وسلم ، وبعد : دأب كثير من خصوم السلفية على اتهامها ببث الفرقة  والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة ، رغم أن من الأصول التي يُلح عليها السلفيون ، الدعوة للوحدة والاجتماع ونبذ الفرقة والاختلاف […]

إرهاصات الانبعاث السَّلفي

وصل العالم الإسلامي في مطلع العصر الحديث وفي ظل غيابٍ كليٍ للمنهج السَّلَفِي إلى أسوأ أحواله من حيث الانفصام بين العلم الشرعي الذي يتوارثه العلماء وبين العمل والقيام بالدِّين، فكانت صورة الدين الموروث في الكتب تختلف كثيرًا عن الدين المعمول به سوى ظواهر من أعمال الجوارح؛ كالصلاة والصوم والحج والزكاة كادت أن تكون هي الباقي […]

الانتصار لأهل السنة وكشف مذهب أدعياء السلفية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف خلق الله أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد.. فلا تكاد تخمد لأهل البدع راية إلا ويحاول بعضهم أن يرفعوا غيرها؛ عسى أن تلقى رواجًا […]

خسارة العالم بانحسار السلفية

كانت القرون الثلاثة الأُوَل بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هي عصر سيادة عقيدةِ السلف رضوان الله عليهم وفقهِهِم، وفيما بعدها بدأت مذاهب البدعة ترتفع من هنا وهناك، حتى جاء القرن الخامس الهجري حيث بدأت الدولة السلجوقية في عهد آخر ملوكها الأقوياء ألب أرسلان وابنه ملك شاه ووزيرهما نظام الملك (485ه) ففي ذلك العصر […]

المناظرات وعلاج الافتتان

  حضَّت أمانة هيئة كبار العلماء قبل أيام المختصين على الردِّ على ما يُشيعه عدنان إبراهيم من شبهات حول الكتاب والسنة، ومعتقد السلف، ومصادر التلقي، والصحابة الكرام -رضي الله عنهم- والتاريخ الإسلامي، وعدد من الأحكام الفقهية، وغير ذلك، وجاء ردُّ عدنان إبراهيم بطلب مناظرة من ترشحه هيئة كبار العلماء من العلماء الكبار كما يقول. أما […]

وحدة الأُمَّة في وحدة اتباعها

تابعت كملايين المسلمين خطبة يوم عرفة والتي ألقاها فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس شؤون الحرمين([1])، وكانت كما هو المتوقع من فضيلته جامعة مانعة نافعة مظهرة لحقيقة الإسلام الذي كادت البدع والأهواء والتحزبات أن تلقي به خلف ظهرها وتخفيه عن العالمين، لولا لطف الله –عزَّ وجلَّ– وإظهاره دينه ولو كره المجرمون. […]

ماذا قال لنا محمَّد بنُ عبدِ الوهَّاب؟

لا شك أننا حين نتحدث عن مصلحٍ ما ونريد أن نثبت أثرَه، لا بد أن ننظر في الأمر كيف كان قبله؛ ليتضح لنا ما هو الإصلاح الذي قدمه؟ ومن أراد أن يتعرف على نجد موطن الشيخ محمد، وكيف كانت قبله؟ فما عليه إلا أن يتصور عددا من المعطيات تكفُل له تصوير الواقع حتى وإن لم […]

حقيقة الأمر الشرعي ومعرفة المراد منه

ليس المراد من هذا المقال الدخول في المتاهات التي أدخل فيها المتكلمون من الأصوليين أنفسهم هل حقيقة الأمر أنه نفسي والصيغة دالةٌ عليه، وهل يتوجه الأمر للمعدوم أم لا، بل الذي يعنينا هنا هو معرفة حقيقة الأمر الشرعي من ناحية ما يدل عليه في استعمال الشارع من الأحكام، ومن ناحية أخرى معرفة مقصد الأمر هل […]

لماذا يجبُ السَّمْعُ والطَّاعةُ؟

العبد المؤمن مأمور بالتعبد لله تعالى باتباع النصوص عن الله تعالى وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- والاستسلام لها، سواء أَوَافقت هواه وعقله وما يرى أنه المصلحة أم خالفت ذلك كله، والقرآن الكريم فيه كل ما يهم المسلم في حاضره ومستقبله فهو كما قال عنه منزله -سبحانه- تبيانًا لكل شيء: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ […]

حقيقة عرض الأعمال على الرسول صلى الله عليه وسلم

حقيقة عرض الأعمال على الرسول صلى الله عليه وسلم الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبه ورسوله صلى الله عليه وسلم أما بعد، فتتنوع شبهات أهل البدع التي يستدلون بها على بدعهم؛ ما بين استدلالٍ بدليلٍ ثابتٍ ولكن لا حجة فيه، وضعيفٍ لا تقوم به حجةٌ. […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017