الثلاثاء - 24 ذو الحجة 1442 هـ - 03 أغسطس 2021 م

استدعاء التصوُّف.. الأسباب والمخاطر

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

يطلُّ اليومَ التصوفُ برأسه من جديدٍ، بعد أن فترت سوقُه لعقود طويلةٍ، وصارت مقالاته لا تجدُ لها رواجًا، بل كثير من منتسبيه العقلاء يستحيون مما يُحكى في كتبهم من خرافات وشَعوَذات كانوا يسيطرون بها على عقول العامَّة والخاصة قديمًا، ويُرهبون الناسَ مِن مخالفتهم بهذه الحكايات السَّمجة، حتى صار بعضُهم ينكر هذه الكتبَ ويدَّعي أنها مدسوسة على أصحابها.

واستدعاءُ التصوّف ومحاولة استخدامِه في تدجين الإسلام وجعله أكثرَ توافقًا مع أفكار الغرب ليس مجرَّدَ استنتاج أو تحليل سياسيّ، بل هذا ما تصرِّح به المراكز البحثية الغربية، وكثيرٌ من خصوم الإسلام من غير المسلمين وأتباعهم، بل ويقِرّ به بعض رؤوس المتصوفة في زماننا.

في كتابه (هكذا تكلَّم ابن عربي) يذكر د. نصر حامد أبو زيد سببَ الاستدعاء الكثيف لابن عربي في هذه المرحلةِ؛ مجيبًا عن تساؤل: هل ما زال ابن عربي قادرًا على أن يقدِّم لنا شيئا في واقعنا المعاصر؟ قائلا: “نعم، لو أحسنَّا الإنصات لما يقول.. فأبياته الشعرية عن (دين الحبِّ) الذي يتَّسع لكلِّ العقائد من الوثنية إلى الإسلام محتضنًا اليهودية والمسيحيةَ معًا على وجه الخصوص تتردَّد دائمًا في سمعي:

لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ       فمرعى لغزلان ودِير لرهبانِ

وبيت لأوثان وكعبة طائفٍ            وألواح توراة ومُصحَف قرآنِ

أدين بدين الحب أنَّى توجَّهت        ركائبه فالحبُّ ديني وإيماني([1])

وكم سعدت وأنا أستمع لهذه الأبيات ملحَّنةً مغنَّاة على شرائط كاسيت، وكم غمرني الفرحُ حين علمتُ بتأسيس جمعيات في بلدان غربية باسم (ابن عربي) أذكر منها على وجه الخصوص جمعية (أكسفورد). هذا المشروع الذي صاغه ابن عربي صياغة شعرية باسم (دين الحب) يجمع بين الدير والكعبة وبيت الأوثان ومرعى الغزلان، فقلبُ العارف يتَّسع لكل هذه الصوَر من العبادات والشعائر، ويؤمن بكل هذه المعتقدات؛ لأنه يعرف الأصلَ الوجوديَّ الذي تستنِد إليه جميعها”([2]).

ويقول أيضا: “إن استدعاء ابن عربي مع غيره من أعلام الروحانية في كل الثقافات يمثِّل مطلبًا ملِحًّا؛ لعلَّنا نجد في تجربته وفي تجاربهم ما يمكن أن يمثِّل مصدرًا للإلهام في عالمنا الذي سبَق أن ألمحنا لبعض مشكلات الحياة فيه. إنَّ التجربة الروحية هي مصدر التجربة الفنية -الموسيقى والأدب وكل الفنون السمعية والبصرية والحركية- فهي الإطار الجامع للدين والفن. هذا أهمية استحضار ابن عربي في السياق العام. لكن استحضار ابن عربي في السياق الإسلامي واستعادَتُه من أُفُق التهميش إلى فضاء المتن مرة أخرى لا يقلُّ أهمية؛ وذلك بسبب سيطرة بعض الاتجاهات والأفكار والرؤى السلفيَّة على مجمل الخطاب الإسلاميّ في السنوات الثلاثين الأخيرة من القرن العشرين.

وفي مجال المساهمة في تأكيد قِسم الحوار والتفاهم والاحترام المتبادَل يمثِّل فكر ابن عربي رصيدًا ثريًّا يستأهل منا تأملُه والغَرف منه؛ لتحرير العقل المسلم المعاصر من آثار المشكلات السياسية والثقافية التي سبَّبت حالةَ التوتر والاحتقان في الفكر الإسلامي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يقدِّم فكر ابن عربي للقارئ غيرِ المسلم صورة أخرى لروحانية الإسلام، ولمفهوم الجهاد الذي أصابه من التشوُّه الكثير”([3]).

فالرجل يقول صراحةً: إن أهمية استعادة ابن عربي وما يمثله من تراث صوفي تكمُن في تقديم إسلام خالٍ من المفاهيم التي تتنافى مع قيَم الحضارة الغربية، خاصةً قضية أن الإسلام هو الحقّ وما سواه باطل، وما يتبع ذلك من الولاء والبراء وجهاد الكفار ونحو ذلك مما يشكِّل عناصرَ للممانعة والمقاومة داخل الأمة، وهذا ما يمكن هدمُه عبر نظرية (وحدة الوجود) التي تستلزم المساواة بين الأديان، وهذا هو الإسلام المعتدِل في نظر الغرب الذي ينبغي أن يحلّ محلَّ الإسلام المتشدِّد الذي يرفض الآخر، ويعتقد بطلان الأديان المخالفة لدين الإسلام.

والإسلام المعتدِل في نظر الغرب كذلك هو الإسلام “الذي يسعى لتحقيق الصفاء الداخليّ، وليس نظامًا للكون والتشريع العام”([4]).

ويقول ستيفن شوارتز([5]): “ينطوي العالم الإسلامي على طيفٍ واسع من التفسيرات الدينية، فإذا وجدنا في أحدِ أطراف الطيف المذهبَ الوهابيَّ المتعصب الذي يتَّصف بالقسوة والاستبداد، فإننا نجد في الطرف الآخر التعاليمَ المتنورة للصوفية، لا تؤكِّد هذه التعاليم على الحوار داخل الإسلام، وعلى الفصل بين السلطة الروحية وسلطة رجال الدين وعلى التعليم باللغة المحلية فحسب؛ بل إنها تحترم أيضًا جميع المؤمنين، سواءً كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو هندوسيين أو بوذيين أو من ديانات أخرى… إن تاريخ الصوفية مليءٌ بأمثلة عن التلاحم بين العقائد على عكس النزعة الانفصالية المتشدِّدة، التي تميز الأصولية الإسلامية”.

وقال أيضا: “ليس بمحضِ الصُّدفة أن المملكة المغربية وتركيا وإندونيسيا التي ينتشر فيها جميعًا الإسلام الصوفي هي الدول التي يعتبر أنها تحمل أفضلَ الإمكانيات لنشوء الديمقراطيات الإسلامية”.

ثم يقول: “إذا أخذنا هذه الصورة المتنوعة بعين الاعتبار، فكيف يجب على الصوفية أن تدخل في الإستراتيجية الأمريكية للتعامل مع العالم الإسلامي؟ من الواضح جدًّا أن على الأمريكيين أن يتعلَّموا المزيد عن الصوفية، وأن يتعاملوا مع شيوخها ومريديها، وأن يتعرفوا على ميولها الأساسية”([6]).

وهذا ما رصده كثير من الباحثين، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: “مما له دلالته أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام يشجِّع الحركات الصوفيةَ، ومن أكثر الكتب انتشارًا الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين ابن عربي وأشعار جلال الدين الرومي. وقد أوصت لجنة الكونجرس الخاصَّة بالحريّات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية، فالزهد في الدنيا والانصراف عنها وعن عالم السياسة يُضعف ولا شكَّ صلابة مقاومة الاستعمار الغربي”([7]).

وفي عام (2002م) أصدرت مؤسسة (راند) تقريرها الشهير([8]) حول دعم الإسلاميين المعتدلين في مقابل الإسلاميين المتطرِّفين، وجعلت معيار الاعتدال قبول القِيَم العلمانية، وأوصت بتأييد الاتِّجاه الصوفي ونشره والدعوة إليه باعتباره نموذجًا للاعتدال.

وهذا الأمر لا نحتاج للإطالة فيه؛ فإنه لا يمكن إنكاره، بل إن كبار المتصوِّفة المعاصرين يقرّون بذلك ويعلنونه في محافلهم([9]) على سبيل الفخر باعتراف الغرب بهم باعتبارهم الإسلامَ المعتدل الذي ينبغي استخدامُه في مواجهة الإسلام المتشدِّد.

فالجهود الحثيثة المبذولة في محاولة إحياء التصوُّف من رقادِه غرضُها باختصار (علمنة الإسلام) بقصره على الجانب الروحيّ، وانسحابه عن نظام الحياة، كما حدث مع النصرانية في الغرب.

نشأة التصوف وتطوره:

وقبل أن نبيّن شيئا من مخاطر بعث التصوف مرةً أخرى لا بدَّ أن نبيّن التصوّف الذي نقصده؟ فإن الصوفية عبر قرون مثَّلت ما يشبه التيارَ الواسع المتعدِّد الأطياف، والذي تفاوتت درجاتُ الغلوّ والانحراف بين مذاهبه وطرقِه، ولكننا يمكننا الحديث عن ثلاثة أطوار، والأدقّ أن نقول أنماط من التصوف:

الأول: الصوفية الأولى: وهي تعبّر عن مبالغةٍ في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك مما لم يكن موجودًا على عهد الصحابة، ولا معروفًا في طريقتهم في السلوك والتعبُّد، فظهر من يُغْشَى عليه عند سماع آيات القرآن، خلافًا للمأثور عن الصحابة من وجَل القلب واقشعرار الجلود ودمع العين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أوَّل ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دُوَيرةَ الصوفية بعضُ أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسَن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الأمصار؛ ولهذا كان يقال: فقه كوفي وعبادة بصرية… ولهذا غالب ما يُحكى من المبالغة في هذا الباب إنما هو عن عُبَّاد أهل البصرة، مثل حكاية من مات أو غُشِي عليه في سماع القرآن ونحوه، كقصة زرارة بن أوفى قاضي البصرة، فإنه قرأ في صلاة الفجر: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} فخرَّ ميتًا، وكقصة أبي جهير الأعمى الذي قرأ عليه صالح المرِّي فمات، وكذلك غيره ممن رويَ أنهم ماتوا باستماع قراءته، وكان فيهم طوائف يُصعقون عند سماع القرآن، ولم يكن في الصحابة من هذا حاله، فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفةٌ من الصحابة والتابعين كأسماء بنت أبي بكر وعبد الله بن الزبير ومحمد بن سيرين ونحوهم… وكذلك ما يُذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة وأمثال ذلك، قد يُنقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضي الله عنهم وعلى ما سنَّه الرسول صلى الله عليه وسلم أمور تُوجِبُ أن يصير الناس طرفين: قوم يذمّون هؤلاء وينتقصونهم وربما أسرفوا في ذلك، وقوم يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها. والتحقيق أنهم في هذه العبادات والأحوال مجتهِدون كما كان جيرانهم من أهل الكوفة مجتهدين في مسائل القضاء والإمارة ونحو ذلك… والصواب للمسلم أن يعلم أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وخير القرون القرن الذي بعث فيهم، وأنّ أفضل الطرق والسبل إلى الله ما كان عليه هو وأصحابه”([10]).

وبعض العلماء يطلِق على هذا النوع من التصوف: (التصوف السني)، ومقصدهم بذلك أن كبار أئمة هذا التصوّف كالجنيد (ت 298هـ) وأبي سليمان الداراني (ت 215هـ) وأحمد بن أبي الحواري (ت 230هـ) وغيرهم من أئمة وكبار ما عرف بالتصوف السني. ومقصد العلماء الذين أطلقوا هذا المصطلح (التصوف السني) على هؤلاء أنهم كانوا في الجملةِ على أصولِ الكتاب والسنةِ، خاصةً في باب العقائد، ودَعُوا لالتزام الشريعة والكتاب والسنة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة، بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم، وأعلى منارهم. وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد، مع أنه لا بدَّ وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة؛ كأحاديث لا تثبت، ومقاييس لا تطَّرد مع ما يعرفه أهل البصيرة، وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم”([11]).

وقال أيضا: “والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ [أي: الصوفية] يوافق ما كان عليه السلف، وهذا هو الذي كان يجب أن يُذْكَر؛ فإن في الصحيح الصريح المحفوظ عن أكابر المشايخ -مثل الفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، ومعروف الكرخي، إلى الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثال هؤلاء- ما يبين حقيقة مقالات المشايخ”([12]).

ولكن هذا لا يعني خلوَّ هذا النوع من التصوّف من المؤاخذات والانحرافات، والتي ترجع في الغالب لضعف عنايتهم بالعلم الشرعي كما قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: “وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدَّهم عَن العلم، وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبَّطوا فِي الظلمات”([13]).

ولذلك أنكر كثير من الأئمة والعلماء على هؤلاء الصوفية الأوائل، ورأوا أنهم تكلَّموا في أمور لم يتكلم فيها الصحابة، قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: “وروِّينا عن أحمد بن حنبل أنه سمع كلام الحارث المحاسبي فقال لصاحب له: لا أرى لك أن تجالسهم. وعن سعيد بن عمرو البردعي قال: شهدت أبا زرعة وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه، فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر؛ فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب، قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: من لم يكن له في كتاب الله عز وجل عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمة صنَّفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟! هؤلاء قوم خالفوا أهلَ العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي، ومرة بعبد الرحيم الدبيلي، ومرة بحاتم الأصم، ومرة بشقيق! ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع!… وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري، فأنكر عليه ذلك عبد الله بن عبد الحكم، وكان رئيس مصر، وكان يذهب مذهب مالك، وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علمًا لم يتكلَّم فيه السلف”([14]).

فيمكننا تحديد بعض سمات هذا الطَّور من التصوُّف وهي:

1- الالتزام بعقيدة أهل السنة إجمالًا، خاصة في أصولها الكبار؛ ولذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كثيرًا ما يورد في أبواب الاعتقاد أقوالَ كبار الصوفية، كالحارث المحاسبي وعبد الله بن خفيف وغيرهما([15])؛ ليبين التزامهم بعقيدة السلف، ويقيم الحجة على أتباعهم المعاصرين له.

2- الغلو في بعض المقامات والعبادات، كالخوف والزهد.

3- التعمق والتكلف في أحوال القلوب ومراقبة الخواطر.

4- عدم العناية بالعلم الشرعي. وهذه الأخيرة كانت سببًا في اتساع زاوية الانحراف مع مرور الزمن، كما هي السنة الكونية في سائر البدع والانحرافات، تبدأ يسيرة، ومع مرور الزمن يشتدّ الانحراف، وهذا ما حصل مع التصوف.

الطور الثاني من أنواع التصوف: التصوف الفلسفي:

وهو أخطر أنواع التصوُّف على الإطلاق، وهو مزيج من موروث الصوفية مع عقائد الفلاسفة وتصوّراتهم، وكان الناتج أخطرَ البدع في تاريخ الإسلام، وهي بدع الحلول، والاتحاد، والمساواة بين الأديان، واكتساب النبوة، وتفضيل الأولياء على الأنبياء، واستباحة المحرَّمات، ومعارضة الشريعة بالحقيقة، وتفسير القرآن تفسيرًا باطنيّا كفريّا، وغيرها من البدع الكفرية الإلحادية.

ومن رموز هذا التصوف: الحسين بن الحلاج (ت 309هـ) المقتول على الزندقة، ومحيي الدين ابن عربي (ت 638هـ)، وابن الفارض (ت 632هـ)، وابن سبعين (ت 669هـ) وغيرهم.

الطور الثالث: التصوف الطرقي الخرافي:

وهو الذي استقرَّ عليه أمر التصوّف منذ القرن السادس والسابع الهجري تقريبًا، وما زال منتشرًا حتى يومنا هذا، وأتباعه يعظِّمون أئمة التصوّف الفلسفي، كابن عربي وابن الفارض الذي ينشدون أشعاره في موالدهم واحتفالاتهم، وإن كان كثير منهم لا يلتزم بحقيقةَ أقوالهم أو لا يعرفها على التفصيل.

وقد اختلط هذا التصوّف بالقبوريّة، حتى صارا قرينين، وصار الغلوّ في الأولياء وكراماتهم هو أساس دعوتهم وطريقتهم، وأصبحت البدع والمحدثات والرقص والسماع المحدَث شعارًا لمجالسهم، وفي الجملة صار هذا التصوف مرتعًا للخرافة والخرافيين. وهذا هو مقصدنا في هذه الورقة.

لماذا نرفض هذا التصوّف؟

إن محاولات بَعث التصوّف من مراقده تشكِّل أخطارًا متعدِّدة، فالخطاب الصوفيّ الذي هيمن لقرون طويلة على الأمة كان سببًا رئيسًا فيما آلت إليه الأمة من تخلّف وتراجع على كافة المستويات، وأوجه بيان أثر التصوف في إفساد العقائد وتراجع الأمة والتأثير على نهضتها كثيرة جدًّا، ومن تأمَّلها عرف صدقَ ما قاله ابن عقيل رحمه الله تعالى: “وما عَلَى الشريعة أضرّ من المتكلِّمين والمتصوّفين؛ فهؤلاء يفسدون عقائد الناس بتوهيمات شبهات العقول، وهؤلاء [أي: الصوفية] يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان”([16]). وصدق ونصح رحمه الله تعالى.

التصوف وأثره في انتشار الشرك في العبادة:

كان للتصوف دور كبير في انتشار الشرك المتعلِّق بعبادة القبور وتعظيم الأضرحة، وذلك لعدة أسباب، منها:

 إغفال قضية توحيد الألوهية، واعتبار أن الغاية هي تحقيق توحيد الربوبية، والذي غايته عندهم مقام الفناء ووحدة الوجود، وهذا هو توحيد الخواص عندَهم، وأما التوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب -وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله- فهو عندهم توحيد العوام.

وقد سئل الشبلي (ت 334هـ) عن التوحيد فأجاب: “ويحك! من أجابك عن التوحيد بالعبارة فهو ملحِد، ومن أشار إليك فهو ثنويّ، ومن أومأ إليه فهو عابِدُ وثن، ومن نطق به فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن توهَّم أنه واصل فليس بحاصل”([17])، وقال أيضا: “ما شمَّ روائح التوحيد من تصوَّر عنده التوحيد”([18]). فهل هذا التوحيد هو ما جاء به المرسلون؟! وإذا كان التوحيد -وهو أصل الدين بهذا الغموض الذي يستهوي القوم ويولَعون به- فكيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ البلاغ المبين وهو لم يبيّن لأمته حقيقة التوحيد الذي هو أساس الدين؟!

وقد عرَّف الهروي صاحب (منازل السائرين) التوحيد في كتابه بقوله: “تنزيه الله عن الحدَث”. وقد عقب ابن القيم على هذا التعريف القاصر بقوله: “هذا الحدّ لا يدلّ على التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وينجو به العبد من النار، ويدخل به الجنة، ويخرج من الشرك، فإنه مشترك بين جميع الفرَق، وكلّ من أقر بوجود الخالق سبحانه أقرَّ به، فعبَّاد الأصنام والمجوس والنصارى واليهود والمشركون -على اختلاف نحلهم- كلّهم ينزهِّون الله عن الحدث، ويثبتون قِدَمه”([19]) إلى آخر كلامه رحمه الله.

فكان لهذا القصور في مفهوم التوحيد وقَصره عند أكثرهم على توحيد الربوبية والاستغراق في معانيه دون الاهتمام بتوحيد الألوهية أثرُه في انتشار مظاهر الشرك في العبادة.

وهذا الأمر نجِده بوضوحٍ عند الصوفية المعاصرين، الذين ينتصرون للشرك ودعاء الأموات من دون الله تعالى؛ فإنهم يجتهدون في إبطال تقسيم أهل السنة للتوحيد، وكتبوا في ذلك مصنَّفات في تبديع من جعل توحيد الألوهية ضمن أقسام التوحيد، وليس هذا من باب المشاحَّة في الألفاظ والاصطلاحات؛ بل هم لا يقرّون إلا بالتوحيد الاعتقادي الخبري -مع كونهم يخلطونه بالبدع- ولا يعرفون ولا يقرّون بالتوحيد العمليّ القصديّ الطلبيّ، وأحسنهم حالًا من يرى دعاء الأموات والاستغاثة بهم من دون الله مخالفة في الدعاء وآدابه، وليس أنه شرك في العبادة كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.

ومن أسباب ذلك أيضا: الغلو الشديد في النبي صلى الله عليه وسلم وما يسمونه بـ (الحقيقة المحمدية)، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندهم هو أوّل موجود، وأول خَلق الله، وهو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو صلى الله عليه وسلم مخلوق من نور، وأن الكون كله خلق من أجل محمد صلى الله عليه وسلم، يقول ابن عربي في بيان الحقيقة المحمدية وأنها أول الموجودات: “ثم إنه سبحانه تجلَّى بنوره إلى ذلك الهباء، ويسميه أصحاب الأفكار الهيولي الكلّ، والعالم كله فيه القوة والصلاحية، فقبل منه كلّ شيء في ذلك الهباء على حسب قوته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج… ولم يكن أقرب إليه تعالى قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم المسماة بالعقل، فكان سيّدَ العالم بأسره، وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي، ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية، وفي الهباء وجد عينه، وعين العالم من تجلِّيه، وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب”([20]).

وهذا الغلوّ كثير جدًّا في صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي يخترعونها ويرتِّبونها على المريدين، ففي صيغة الصلاة للصوفي محمد البكري: “اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي ظهرت به معالم الفرقان، وصلّ وسلم وبارك على عين الأعيان والسبب في وجود كل إنسان”([21]).

ويصِفه أحمد بن محمد الخلوتي الشهير بالدردير في صيغته المحدَثَة بقوله: “مجمع الحقائق الإيمانية، وطور التجليّات الإحسانيّة، ومهبط الأسرار الرحمانية، واسطة عقد النبيّين، ومقدَّم جيش المرسلين… شاهد أسرار الأزل، وشاهد أنوار السوابق الأُوَل، وترجمان لسان القِدَم، ومنبع العلم والحِلم والحِكَم، سرّ الجود الجزئي والكليّ، وإنسان عين الوجود العلويّ والسفليّ، روح جسَد الكونين، وعين حياة الدارين”([22]).

وقال آخر عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنه أوَّل ما خلق الله تعالى، وسقى المخلوقات والأنبياء والأولياء والمؤمنين من نوره عليه الصلاة والسلام، كلّ على قدر طاقته”. وقال أيضا: “وكذلك سائر المخلوقات سُقيت من النور المكرَّم، ولولا النور الكريم الذي فيها ما انتفع أحد منها بشيء”([23]).

ويقول عنه البوصيري في البردة المشهورة:

فإنَّ من جودِك الدنيا وضرَّتَها         ومن علومك علم اللوحِ والقلمِ

فخلاصة عقيدة الصوفية في ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم أوّل موجود، وأنه مخلوق من نور الله تعالى، وأن الخلق خُلِق من أجله صلى الله عليه وسلم. وهذا كله من الغلو الذي حذَّر منه صلى الله عليه وسلم، وليس عليه دليل صحيح، بل الأدلة تنقضه كما هو معلوم،

قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]، وقال تعالى {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 118]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»([24]).

ولم يتوقَّف الأمر عند الغلو في الحقيقة المحمدية، بل تعداه للغلو في الأولياء، فأضفَوا عليهم صفات الربوبية، وصرفوا لهم حقوقَ الألوهية، ومنشأ ذلك كلِّه الغلوّ في الصالحين، الذي هو سبب أول شرك وقع في الأرض، وهو شرك قوم نوح.

وقد قسموا الأولياء إلى مراتب وطبقات مخترعة، فأعظمهم القطب، ثم الأوتاد الأربعة، ثم الأبدال الأربعون وهم بالشام! ثم النجباء الذين يحملون عن الخلق أثقالهم، ثم النقباء!

وهؤلاء الأقطاب والأوتاد يتحكَّمون في العالم، والقطب واسطة بين الخلق والله تعالى، فلا يصل إلى الخلق شيء من الحقّ إلا بحكم القطب، ثم قسموا القطب إلى نوعين: نوع هو من البشر مخلوق موجود على الأرض، وعند موته يخلفه أقرب الأبدال إليه، وقطب لا يقوم مقامَه أحد، وهو الروح المصطفوي، وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد([25]).

ولا شكَّ أن لكل هذا الغلو في الأولياء وقدراتهم وتأثيراتهم -فضلا عن اعتقادهم في الحقيقة المحمدية- تأثيرًا كبيرًا في ما انتشر بين كثير من الجهال من عبادة القبور والاستغاثة بالأموات.

وقد عدَّد النبهاني في كتابه (شواهد الحقّ في الاستغاثة بسيد الخلق) عددًا من علماء الصوفية ممن يستغيثون بالرسول صلى الله عليه وسلم، مستكثرًا بهم مستدلًّا بهم على الجواز، وكأن أقوالهم حجة معصومة([26]).

والصوفية لا يقفون عند هذا الحدِّ، بل يرون من يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم الغلو فيه وتحريم الاستغاثة به وبكلّ من سوى الله تبارك وتعالى منتقصًا من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، ومبغضًا للنبي وللأولياء، وكان بعضهم يفتي بكفر من أفتى بذلك؛ بحجَّة أنه ينتقص من مقام النبي صلى الله عليه وسلم، كما أفتى البكريّ الصديقيّ الصوفيُّ في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما كتب مصنفه المشهور (قاعدة جليلة) والذي بيَّن فيه حرمة الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يقدِر عليه إلا الله، وأن ذلك من الشرك، فرأى البكريّ أن هذا انتقاصٌ من مقام النبي صلى الله عليه وسلم يستوجِب قتلَ صاحبه! فألف شيخ الإسلام في الردّ عليه كتابه الآخر (الاستغاثة).

الصوفية وهدم قانون الشريعة:

من أخطر بدع غلاة المتصوفة: استباحة المحرَّمات، وعدم الالتزام بالشريعة، وقد نشأت هذه البدعة عبر ثلاثة روافد: الجبر، والفناء، وادِّعاء الحقيقة في معارضة الشريعة.

فالصوفي إذا رأى الأمور كلّها من عند الله، وشهد مشهد القدر، وهو ما يسمّونه بمشهد الجمع، فلا فرق في حقّه حينئذ بين الحسن والقبيح، كما قال صاحب المنازل في لطائف التوبة: “اللطيفة الثالثة: أن ‌مشاهدة ‌العبد ‌الحكم لم تدَع له استحسانَ حسنة، ولا استقباح سيِّئة، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم”([27]). ومعنى الكلام أن العبد إذا شهد في فعله الحكم الكوني القدري لم يبق عنده فرق بين الحسن والقبيح؛ لأن الحسن والقبح إنما هو بالنظر إلى فعل العبد -وهو ما يسمونه بمقام الفرق-، وأما من يرى الأمور كلّها من عند الله تعالى فيستوي عنده الحسن والقبيح، كما قال القائل:

أصبحت منفعلا لما يختاره مني     فأصبح فعلي كلُّه طاعات([28])

ومشهد الجمع هذا الذي يعبرون عنه بالفناء، وهو الفناء عن شهود ما سوى الله، فيفنى بمذكوره عن ذكره، فلا يشعر بنفسه، وهو فناء بدعيّ محدَث، وقد يطلقونه على الفناء عن وجود ما سوى الله تعالى، وهي وحدة الوجود التي يرومون حولها، ويدور عليها كلام أقطابهم([29]).

ومنشأ الضلال في هذه المسألة هو الفصل بين الحقيقة والشريعة، واعتبار أنَّ الشريعة والظاهر إنما يخاطب بها العوام، وأما الحقيقة والباطن فلا يعرفها إلا الخواص، وهم أولياء الله الخلَّص، ومن أعظم ما يمثّل إلهامًا للصوفية في هذا الباب هو قصة موسى والخضر.

مركزية قصة الخضر في التصور الصوفي:

يولي الصوفية اهتماما كبيرًا بشأن الخضر، ويؤسِّسون على ذلك قدرًا كبيرًا من بدَعهم، ومن أعظمها استباحة المحرمات بدعوى الولاية، فالخضر عندهم وليّ، وموسى عليه السلام نبيّ، فالخضر معه الحقيقة، وموسى معه الشريعة، وقد عارض الخضر الشريعةَ بالعلم اللدنّي الذي آتاه الله تبارك وتعالى، وكان إنكار موسى عليه خطأً؛ لأنه أنكر عليه بحُكم الشريعة، والخضر كان يعمل بالحقيقة.

ومن هنا فالوليّ هو خليفة الخضر، ومن صور انحرافهم في شأن الخضر:

اعتقاد أكثر رؤوسهم أنه ما زال حيًّا، وادعائهم لقاءَهم به، وأخذهم العهد عليه، وأنه من يلقِّنهم أورادهم، فهذا أحمد بن إدريس الشاذلي يقول: “اجتمعت بالنبي صلى الله ليه وسلم اجتماعًا صوريّا ومعه الخضر، فأمر النبيُ صلى الله عليه وسلم الخضرَ أن يلقِّنني أذكار الطريقة الشاذلية”([30]).

وهذا أبو العباس المرسي يقول: “وأما الخضر عليه السلام فهو حيّ، وقد صافحته بكفّي هذه، وعرفني بنفسه… ولو جاءني الآن ألف فقيه يجادلوني في ذلك ويقولون بموت الخضر، ما رجعت إليهم”([31]).

وزعم ابن عربي أيضا اجتماعه بالخضر، وأنه الذي ألبسه خرقة الصوفية بيده([32]).

والخضر عندهم فعل ما فعل من الأمور التي تخالف الشريعة بالعلم اللدني الذي معه من الله، فالخضر معه الحقيقة، وموسى -عليه السلام- معه الشريعة.

وهناك استلهام لقصة موسى والخضر وإسقاطها على حال الولي مع شريعة النبي، فالولي يفعل ما يفعل من منكرات بدعوى اتباعه للحقيقة، ولا يجوز لأهل الشريعة الإنكار عليه مهما رأوه يفعل من المنكرات!

والطريق إلى الله والحقيقة الإيمانية عند الصوفية لا يتوصَّل إليها بالعلوم الكسبية وهي علوم الشريعة، وإنما بالعلوم اللدنية الوهبية التي لا تكتسب إلا بالتجربة الروحية الخاصة التي يرشدك لها الشيخ، ولا تفعل فيها شيئا إلا بإذنه، حتى أمورك الخاصّة، كما يحكي عبد الوهاب الشعراني (ت 973هـ) عن الشيخ يوسف القطوري أنه دخل على سيدي محمد الحنفي الشاذلي، وهو يخمّر طينا، فقال له: سيدي محمد، انزع عمامتك وساعدنا، فنزع عمامته وخمر الطين، ثم لم يقل له الشيخ بعد ذلك: البس عمامتك، فلم يزل من غير عمامة إلى أن مات، فقيل له في ذلك، فقال: إن الأستاذ لم يأمرني بلبسها بعد أن أمرني بنزعها، وليس من الأدب أن أبدأه بالمشاورة في لبسها”([33])، وحتى حجّ بيت الله الحرام يحتاج لاستئذان من الشيخ، وإلا “فغاية أمر من يحجّ بلا إذن شيخه تفرقَة قلبه بانتقاله من واد إلى واد، ولو أنه كان ارتحل بإشارة من شيخه خطوة واحدة لكان ذلك أحسن له من ألف سفرة بالجهل”([34]).

قال الشعراني: “ومن شأن المريد ألا يقول للشيخ: لم؟ فقد أجمع الأشياخ على أن كل من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح”([35]).

ويحكي الشعراني قصة تسلُّكه على يد شيخه عليّ الخوّاص، وكان الخواص رجلًا أمّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولكنه يفسّر القرآن! فأمر الشعراني أن يبيع جميع كتبه الشرعيّة ويتصدّق بثمنها، وكانت كتبًا ثمينة، فامتثل الشعراني وباعها، ولكن الشعراني حزن عليها وما فيها من العلم، فقال له شيخه: اعمل على قطع التفاتك إليها بكثرة ذكر الله عز وجل، ثم أمره بالعزلة عن الناس، ثم أمره بكثرة الذكر والامتناع عن الشهوات ومراقبة الخواطر وضروب المجاهدات منتظرا الفتح الذي أخبره شيخه أنه سيكون على شاطئ النيل في مكان حدَّده له. يقول الشعراني: “فبينما أنا واقف على ساحل النيل عند بيوت البرابرة وسواقي القلعة أنتظر وأترقَّب إذا بأبواب من العلوم اللدنية انفتحت لقلبي… فصرت أتكلم على معاني القرآن والحديث، واستنبط منها الأحكام وقواعد النحو والأصول وغير ذلك من العلوم… فكتبت على ذلك نحو مائة كراسة، فلما عرضتها على سيدي علي الخواص أمرني بغسله، وقال: هذا علم مخلوط بفكر وكسب، وعلوم الوهب منزَّهة عن مثل ذلك! فغسلتها”([36]) إلى آخر قصته في ذلك.

وأنت ترى في كل ذلك استلهامَ نموذج الخضر مع موسى عليهما السلام، وتعظيم العلوم الوهبية اللدنية، مع تحقير العلوم الشرعية المكتسبة، والفصل بينهما، وهو الفصل الذي كانت له آثار خطيرة، أعظمها استباحة المحرمات، فمهما رأى المريدُ من شيخه، فليس له أن ينكر، ولو رأى شيخه متلبّسا بالكبائر جهارًا نهارًا.

ولن نذهب بعيدًا للكتب التي دوّنت أحوالهم وفظائعهم، كالطبقات الكبرى للشعراني، بل سنذكر بعض ما يورده كبار المتصوّفة اليوم، مما يمكن للقارئ الاطلاع عليه عبر شبكة الإنترنت؛ حتى لا ندخل في جدلية الدّسّ التي يتهرّب بها صوفية اليوم من فضائح شيوخهم المدوَّنة.

يذكر الشيخ عليّ جمعة في محاضرة له قصة الشيخ الفرغل، الذي يبيع الحشيش أمام المسجد، وهو لا يصلي، ويمر عليه الحافظ ابن حجر! فينكر عليه بيعه الحشيش، ثم يدخل فيصلي بالناس، فينسى الفاتحة! وهي عقوبة من الولي (الشيخ الفرغل بائع الحشيش) له بسبب إنكاره عليه! فيرجع الحافظ ابن حجر معتذرًا للشيخ الفرغل! وطلب منه الشيخ الفرغل أن يجلس فيبيع معه الحشيش! فيجلس الحافظ يبيع الحشيش، ثم يأمره أن يتتبع من يشتري منه الحشيش، فيجده يتقيؤه بعد ذلك؛ كرامةً لهذا الولي!!([37]).

ويذكر لتلامذته في محاضرة أخرى عن ولي تظاهر أمام مريديه بالزنا، فأغلق على نفسه بابًا مع امرأة أجنبية، فغضب التلاميذ مما رأوه، وانصرفوا من عنده سخطًا عليه، إلا واحدا منهم قام بتسخين الماء له! فلما خرج إليه الولي قال له: لماذا لم تذهب معهم؟ قال المريد: ما تبعتك على أنك نبي!

ويذكر عن تلميذ المرسي أبي العباس أنه دخل عليه مريدوه فوجدوه يزني، ففرّ منهم جريًا على الماء! فذهبوا إلى شيخه المرسي أبي العباس، فسألوه عن ذلك وأنهم رأوه وهو يزني، ورأوه وهو يمشي على الماء، فكيف هذا؟! فقال لهم: إن الكريم إذا وهب ما سلَب!([38]).

وأنت ترى هنا بوضوح تأثير قصة الخضر مع موسى -عليهما السلام- على التصور الصوفي، فبيع الحشيش محرم في الشريعة، ولذلك أنكره الحافظ ابن حجر الذي يمثل في القصة المدعاة رجل الشريعة والظاهر والعلوم الكسبية، والشيخ الفرغل يمثل رجل الحقيقة الذي يعمل بالعلم اللدني والعلوم الوهبية، ولا يصح الإنكار من الأول على الثاني، كما لم يصح إنكار موسى على الخضر.

إبطال استدلالهم بقصة الخضر مع موسى:

والاستدلال بقصة موسى والخضر على ذلك استدلال باطل من وجوهٍ عديدة، مع العلم أنه ليس كلّ ما فعله الخضر مستنكرًا في الشريعة؛ فإن خرق السفينة لتفويت غصبِها من الملك الظالم جائز في الشريعة، وبناء الجدار بلا أجرٍ حفاظًا على مال اليتيمين في هذه القرية البخيلة التي بخل أهلها بحقّ الضيف ليس مستنكرًا ولا عبثًا، فالموازنة بين المصالح والمفاسد، وتحمّل أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما وتفويت أدني المصلحتين لتحصيل أعلاهما أصلٌ عظيم من أصول الشريعة، ولكن قتل الغلام لا يكون إلا بوحيٍ وأمر من الله تعالى.

والخضر قد اختَلف فيه العلماء: هل هو نبيّ أم وليّ؟ فعلى الأول -وهو قول الأكثرين([39])- فلا إشكال؛ لأنه يكون فعل ما فعل بوحي من الله تعالى، وعلى القول بأنه ولي فلا إشكال أيضا؛ لأن موسى -عليه السلام- لم يكن مرسلًا إلى الناس كافة، وإنما أرسل إلى بني إسرائيل، فلم يكن الخضر ملتزمًا بشريعة موسى، ولا مكلفًا باتباعه، ولم يكن موسى مرسلًا له، وهذا بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم، فإن رسالته عامة للثقلين بالإجماع، ومن اعتقد أن أحدًا يسعُه الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتدّ بإجماع المسلمين، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كانَ مِن أصْحابِ النَّار»([40]).

قال الإمام القرطبي رحمه الله: “قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هذه الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يزاد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون. قال شيخنا رضي الله عنه: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك” إلى آخر كلامه رحمه الله([41]).

الصوفية وأثرها على نهضة الأمة:

من المعلوم أن بناء العقلية العلمية الصحيحة وطرائق التفكير المنهجي السليم هو من أهمّ أسس النهضة، وقد ساهمت الصوفية في نشر الخرافة على مستويات واسعة جدًّا، شملت الدول والمجتمعات، حتى طبقة العلماء والحكام، صاروا يعتقدون في الخرافات ويصدّقونها.

“ففي القرن الثامن فصاعدا حفلت مصر [والحال لا يختلف كثيرًا في غيرها] بطوائف من الدراويش لا يحصَون، واكتظت الشوارع والطرق بمواكبهم، والبيوت بولائمهم، والزوايا والمساجد باجتماعاتهم، وانتشر الشيوخ والأتباع في الريف والحضر، وتغلغلوا في المدن والقرى، وامتدَّ سلطانهم إلى كافة الطوائف، وأضحى المتصوّفة فوق القانون وفوق العرف وفوق الدين. واقتسموا بينهم مناطق مصر، فاستولى كل ولي على مساحة من الأرض يتصرف في أهلها ويستغلّ مواردها. وكان على الشعب أن يكفلهم ويقوم بحاجتهم وينظم لهم الموالد والولائم، وكان المتصوّف إذا خرج إلى الشارع أو سار في الأسواق تهافت عليه الناس وانهالوا على يديه وقدميه تقبيلا وتقربا إلى الله”([42]).

“وكذلك شجّع كثير من المتصوفة على زيادة انتشار الاعتقاد في السحر والشعوذة وقراءة الطالع، أو النبوءات والتنجيم، وذلك من خلال جرهم المجتمع المصري للإيمان بالأولياء والدراويش، وبكراماتهم وطلاسمهم وسحرهم، خاصة في جوّ ساده الجهل والفاقة والمرض”([43]).

ولنا أن نستغرب كيف لرجل كعبد الوهاب الشعراني ينقل عن مجاذيب الصوفية ودراويشهم حكايات يقطع كل عاقل أن هؤلاء أقلّ أحوالهم أن يكونوا مجانين، أو مرضى نفسيين، كالشيخ إبراهيم بن عصيفير الذي كان يمشي في الجنازة، فينادي بأعلى صوته: يا زلابية، يا هريسة!([44])، وذكر في ترجمة الشيخ أحمد الرفاعي: “أنه إذا تجلّى عليه الحقّ تعالى بالتعظيم يذوب جسمه حتى يكون بقعة ماء، ثم يتداركه اللطف، حتى يعود فيجمد شيئا فشيئا، ويقول: لولا لطف الله ربي ما رجعت إليكم”([45])، والشيخ أبو عمر مرزوق القرشي إذا أتاه العربي يشتهي أن يتعلم الأعجمية، أو الأعجمي يشتهي أن يتكلم العربية، يتفل الشيخ في فمه، فيصير يحسن اللغة كأنها لغته الأصلية([46]). وغير ذلك كثير من هذه الخرافات.

وإذا كان موقف الصوفية من العلم الشرعي الديني سلبيّا؛ فكذلك موقفهم من العلوم الدنيوية، بل والعمل كذلك؛ إذ ساهمت الصوفية في نشر البطالة، وما على البطال سوى الانتساب لطريقة من طرق التصوف، والانتظام في سلك المريدين، ولزوم تكية أو زاوية من الزوايا لينفق عليه المتصدقون، أو من ريع أوقافها التي كانت توقف على الزوايا والتكايا، حتى صارت تكية الصوفية مضربا للمثل في الكسل والخمول وترك العمل والعيش في كفالة الآخرين.

ومن الطبيعي جدًّا -مع انتشار هذه العقلية الخرافية والحالة الخرافية- أن تصاب الأمة بالتخلف والجمود والرقود، ويتسلَّط عليها أعداؤها، بلا مقاومة تقريبا. فالصالحون والمتديّنون مشغولون في أذكارهم وأورادهم المبتدعة والمحدثة، ولا تعبأ الصوفية بالتربية على الجهاد والبراءة من الكفار، بل ربما كانت أفكارهم المتعلقة بوحدة الوجود وما يستتبع ذلك من المساواة بين الأديان تمهّد لتقبل احتلال الكافر المغتصب للبلاد والعباد واعتدائه، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هؤلاء الاتحادية وتقبلهم للتتار ورفضهم جهادهم، فقال: “وقد خاطبني مرّة شيخ من شيوخ هؤلاء الضلال لما قدم ‌التتار آخر قدماتهم، وكنت أُحرِّضُ الناسَ على جهادهم، فقال لي هذا الشّيخ: أُقاتل الله؟! فقلت له: هؤلاء ‌التتار هُم الله وهم من شر الخلق؟! إنّما هم عباد الله خارجون عن دين الله، وإن قدّر أنّهم كما يقولون فالذي يقاتلهم هو الله، ويكون الله يقاتل الله”([47]). فتجد هنا أثر الفكر المنحرف المتمثل في وحدة الوجود والجبر في نكبة الأمة وتسلط عدوها عليها.

ومن نظائر ذلك أيضا: ما حكاه الشيخ رشيد رضا رحمه الله عن تسلط الفرنسيين والروس على بعض بلاد المسلمين؛ بسبب تأثير الفكر الصوفي الخرافي عليهم، فقال: “فإذا قيل لهم: إن أصله [أي: الشرك الأكبر] الغلو في الصالحين ولا سيما الميتين منهم، واعتقاد تصرفهم في الكون، ودعاؤهم في طلب النفع ودفع الضر، وأن مثله أو منه: ما كان يحكى عن مسلمي بخارى أن شاه نقشبند [أحد الأولياء مدفون هناك] هو الحامي لها، فلن تستطيع الدولة الروسية الاستيلاء عليها، وما كان يحكى عن مسلمي المغرب الأقصى من حماية مولاي إدريس لفاس وسائر المغرب أن تستولي عليها ‌فرنسة، أنكروا على القائل: إن هذا كذاك، وقالوا: إنما هو توسل بجاه الأولياء عند الله، وليس من المنكر أن يدفعوها بكرامتهم. فكرامة الأموات ثابتة كالأحياء، وقد بينا لهم جهلهم هذا بتبدل الأسماء، ومخالفته لكتاب الله تعالى وسنة رسوله، وسيرة السلف الصالح من الأمة في فتوحاتهم وتأسيس ملكهم وحفظه، وخصصنا إخواننا أهل المغرب الأقصى بالإنذار منذ أنشئ المنار، وأرشدناهم إلى تنظيم قواتهم الدفاعية العسكرية، وطلب الضباط له من الدولة العثمانية، وإلى العلوم والفنون المرشدة إلى القوة والثروة والنظام، وإلا ذهبت بلادهم من أيديهم قطعا. فقال المغوون لهم من أهل الطرائق القدد بلسان حالهم أو مقالهم: إن صاحب المنار معتزلي منكر لكرامات الأولياء، وما هو بمعتزلي ولا أشعري، بل هو قرآني سني، وها هي ذي ‌فرنسة استولت على بلادهم كما أنذرهم، وظهر أن أكبر مشايخ الطريق نفوذا ودعوى للكرامات بالباطل كالتيجانية كانوا وما زالوا من خدمة ‌فرنسة ومساعديها على فتح البلاد، واستعباد أهلها أو إخراجهم من دين الإسلام إلى الإلحاد أو النصرانية من حيث يدرون أو لا يدرون”([48]).

خاتمة:

لا نقصد بورقتنا هذا تعميم كلّ ما ذكرنا على كل فرد من المنتسبين للتصوف، فليس ذلك من العدل، ولكن تحدثنا عما يشكّل سمتًا عامُّا لتيار التصوف باختلاف طرقه. ولم نستقص أيضا كل أوجه مخالفات الصوفية؛ فإن هذا لا يتسع له المقام، وإنما أردنا فقط بيان خطر استدعاء التصوف على الدين وعلى الأمة ونهضتها، بل وعلى أمنها، خاصة مع ازدياد خطر المشروع الصفوي الشيعي، والذي عبر التاريخ اتخذ من التصوف مدخلا للانتشار بين صفوف المسلمين، فالفكر الصوفي كان جزءا من الأزمة، ولم يكن جزءا من الحل والعلاج لمشاكل الأمة، والذي نجزم أنه لن يكون إلا بالعودة الصادقة والجادة للدين الصحيح الصافي النقي من الشوائب والبدع، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، تحقيق: محمد عبد الرحمن الكردي، القاهرة، 1986م.

([2]) هكذا تكلَّم ابن عربي (ص: 14-15) -ط الهيئة المصرية للكتاب، 2002م- بتصرف يسير واختصار.

([3]) المصدر السابق (ص: 26، 27).

([4]) الصوفية بين التمكين والمواجهة، لمحمد بن عبد الله المقدي -منشور على الشبكة-.

([5]) صاحب كتاب (وجها الإسلام: الأصولية السعودية ودورها في الإرهاب).

([6]) من مجلة ويكلي ستاندر، شباط (2005م). نقلا من: الصوفية بين التمكين والمواجهة.

([7]) مقال بعنوان: (الإسلام والغرب): منشور على موقع الجزيرة نت بتاريخ 26/ 12/ 2004م، على الرابط:

https://www.aljazeera.net/opinions/2004/12/26/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8

([8]) التقرير ترجمة وتحرير: شيرين حامد فهمي (18/ 5/ 2004م). مجلة المجتمع (10/ 7/ 2004م).

([9]) يوجد مقطع على اليوتيوب لاجتماعٍ كبير للصوفية في السودان، ويتحدَّث فيه الشيخ محمد المنتصر الأزيرق عن تنسيقهم مع الجهات الأمريكية المختلفة لدعم التصوف في مواجهة الأفكار المتطرفة:

        https://youtu.be/bUBj_JbMS7Q

([10]) مجموع الفتاوى (11/ 1-14) باختصار.

([11]) مجموع الفتاوى (3/ 377).

([12]) الاستقامة، ابن تيمية (1/ 82).

([13]) تلبيس إبليس (ص: 147).

([14]) تلبيس إبليس (ص: 150) باختصار يسير.

([15]) انظر مثلا: الفتوى الحموية، مجموع الفتاوى (5/ 60).

([16]) ينظر: تلبيس إبليس (330).

([17]) الرسالة القشيرية (2/ 586).

([18]) المرجع السابق (2/ 587).

([19]) مدارج السالكين (3/ 412).

([20]) الفتوحات المكية (2/ 226-227) باختصار.

([21]) مجموع الأوراد الكبير (ص: 25). وانظر ترجمة محمد البكري في الطبقات الكبرى للشعراني (123).

([22]) مجموع الأوراد للبكري (ص: 19-21).

([23]) الإبريز، عبد العزيز الدباغ (ص: 253).

([24]) رواه البخاري (3445).

([25]) انظر في ذلك: هذه هي الصوفية، لعبد الرحمن الوكيل (ص: 125).

([26]) انظر إن شئت: مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية، إدريس محمود إدريس (1/ 424-445).

([27]) مدارج السالكين (1/ 242). وقد تأول ابن القيم كلام الهروي إحسانا للظن بالعلماء، ولكن مقصودنا هنا التحذير من خطر هذا الكلام بغضِّ النظر عن تحرير مراد القائل بعينه.

([28]) انظر: شفاء العليل لا بن القيم (ص14).

([29]) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 313).

([30]) مفاتيح كنوز السموات والأرض، لصالح محمد الجعفري (ص: 8).

([31]) جامع كرامات الأولياء، يوسف النبهاني (1/ 521).

([32]) الفتوحات المكية (3/ 180)، والكتاب التذكاري، لابن عربي (ص: 304).

([33]) الأنوار القدسية، لعبد الوهاب الشعراني (2/ 13).

([34]) الأنوار القدسية، لعبد الوهاب الشعراني (2/ 13).

([35]) الأنوار القدسية (2/ 26).

([36]) انظر: التصوف لعبد الباقي سرور (ص: 37-40). وانظر ترجمة علي الخواص في الطبقات الكبرى (2/ 130).

([37]) رابط المقطع على اليوتيوب بعنوان:قصة الحافظ ابن حجر مع بائع الحشيش:

        https://youtu.be/5aH-Grz2TA

([38]) مقطع على اليوتيوب بعنوان: هل الولي يمكن أن يشرب الدخان؟:

        https://youtu.be/6Z285Bp60rI

([39]) ذكر الفخر الرازي في تفسيره خمسة أوجه لترجيح نبوة الخضر، فلتُراجع. التفسير الكبير (21/ 481).

([40]) رواه مسلم (153).

([41]) تفسير القرطبي (11/ 40).

([42]) التصوف في مصر إبان العصر العثماني، نقلا من التصوف لعبد الباقي سرور (ص: 119).

([43]) التصوف وأيامه، دور المتصوفة في تاريخ مصر الحديث، د. محمد صبري الدالي (ص: 334).

([44]) الطبقات الكبرى (2/ 140).

([45]) الطبقات الكبرى (1/ 143).

([46]) الطبقات الكبرى (1/ 154).

([47]) الاستغاثة (ص: 171).

([48]) المنار (12/ 203).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التحذير من ترجمات القاديانية لمعاني القرآن الكريم (مع دراسة لأشهر ترجماتهم)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   من المعلوم أنَّ أكثر الشعوب الإسلامية لا تتكلَّم اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم، ولا يخفى شدَّة احتياج تلك الشعوب إلى فهم كتاب الله تعالى فهمًا صحيحًا يمكّنهم من الحفاظ على دينهم وهويتهم، ويؤهِّلهم لمواجهة ما يتعرّضون له من محاولات شرسة لنشر العقائد والملل الفاسدة والمنحرفة؛ لهذا […]

المعتزلة ومسألة القول بخلق القرآن ..والرد على من هوّن من الخلاف فيها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد، فقد اطلعت على مقالةٍ يُهوّن فيها صاحبها من مسألة القول بخلق القرآن، والتي تُعد عقيدة من عقائد المعتزلة التي ينصون عليها، ويحكمون على من خالفها بالضلال([1]). وسيكون محور الرد على مسألة ذكرها صاحب المقالة، تُعد […]

الكشف والإلهام بين أهل السنة والصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدّمة: يصرِّح كثيرٌ من أئمَّة التصوُّف -خاصّة القُدامى- بضرورة التقيد بالكتاب والسنة، ووزن طريقتهم بميزان الوحيين، فما وافقهما قُبِل، وما خالفهما يُردّ، قال الجنيد (ت: 297هـ): “الطرق كلُّها مسدودةٌ عَلَى الخلق إلا عَلَى من اقتفى أثر الرسول عَلَيْهِ الصلاة والسلام… ومذهبنا هَذَا مقيَّد بأصول الكتاب والسنة”([1])، وقال أبو الحسَن […]

حوار علمي حول فتوى دار الإفتاء المصرية عن حكم التمسح بالأضرحة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: فقد نشرت جريدة أخبار اليوم المصرية في عددها الصادر في 4/ 7/ 2021م فتوى لدار الإفتاء المصرية تناولت حكم التمسح بالأضرحة وقضايا أخرى، وهو إعادة نشر لفتوى نشرت قبل ذلك لدار الإفتاء في 17/ 12/ 2006م، وهي قضية هامة […]

صفحاتٌ مضيئةٌ من سيرة القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العَمراني (1340-1442هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة:             الحمد للَّه الذي جعلَ العلماء ورثة الأنبياء، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّد سيد الأصفياء، وعلى آله وصحبه السادة الأتقياء، صلاةً وسلامًا دائمين يستوجبان رتبة الأولياء([1]).             وبعد، فهذه ترجمةٌ موجزةٌ لشيخنا العلامة القاضي: محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله، والمتوفى في سحَر ليلة الاثنين الثاني من شهر […]

مناقشة دعوى (أن داعِش والجماعات التكفيرية هي التي تمثّل فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب)؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بدايةً لتناول أيّ قضية فكرية ينبغي تجنيب أيّ دوافع أيدلوجية، بل ينبغي أن يكون الدافع هو الوصول إلى الحقيقة والبحث والتمحيص وتحرِّي الدقة في الجزيئات والكليات، وتجنُّب الحكم المجمل المبني على الانطباع المُسبق، أو التخمين والظنّ من غير دراسة. واعلم أن الربطَ بين الفكر الداعشي وفكر الشيخ محمد بن […]

هل هي حرب على السُّنَن ؟

جعل الله تعالى الأحكام التكليفية المتعلقة بالعباد خمسة ، طرفاها الواجب والمحرم ، فالواجب يستحق الثواب فاعله ويستحق العقاب تاركه ، والمُحرم مقابل له وعلى نقيضه فيما يترتب عليه ، إذ يستحق العقاب فاعله ويستحق الثواب تاركه . ويشترك هذان الحُكمان في أن الإثم والعقاب الإلهي يترتب عليهما وذلك بترك الواجب وفعل المحرم ، فكان […]

الأشاعرة بين التنصُّل من الاعتزال والتأثُّر به (مسألة أول واجب أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: العلاقة بين الأشاعرة والمعتزلة علاقةٌ قديمةٌ بدءًا من أبي الحسن الأشعري رحمه الله، فقد كان على الاعتزال قرابةَ أربعين سنةً حتى تراجع عنه إلى اتِّباع ابن كلاب، وهذا التَّحوّل ذكره عددٌ من المؤرخين منهم ابن عساكر، فقد قال ناقلًا عن ابن عزرة القيرواني: “الأشعري شيخُنا وإمامنا ومن عليه […]

نصوصُ نصرة المظلوم في ضوء القدرة والاستطاعة

نصرةُ المظلوم مما اتَّفقت العقولُ على حُسنه والشرائعُ على وجوبه والحكماء على تقريره، فلا تستقيمُ دنيا بني آدم إلا بالعَدل، ولا تستقرّ حياتهم إلا بالأمن، ومتى ما خاف الضعيف فإن الظلمَ قد عمَّ والبلاءَ قد طمَّ، والناس صاروا في أمر مريجٍ؛ ولهذا لم يأل بنو آدم جهدًا في محاولة إيجاد قواعد في الحياة تضمَن العدل […]

حديثُ “طوافِ النبيّ ﷺ على نسائه بغُسْلٍ واحد”..ورد المطاعن المعاصرة عليه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يزعُم كثيرٌ من خصوم السنّةِ أنّ بعض الأحاديث قد صوّرت النبي صلى الله عليه وسلم بصورة لا تليق بمقام النبوة؛ ولذا فالواجب في زعمهم هو ردّ هذه الأحاديث؛ صيانة لمقام النبوة مما يدنِّسها ويسيء إليها، خاصة أن هذه الأحاديث بزعمهم تعارض العقل أو القرآن أو الأحاديث الأخرى. والمتأمل لعامة […]

(ما عليه العمل) بين المتقدمين والمتأخرين

يكثر في استعمالات الأئمة المتقدمين عبارة: (وعليه العمل)، خاصَّة عند الإمام مالك في موطئه والإمام الترمذيّ في جامعه، فهل الأحاديث النبوية لا يُعتدُّ بها إلا بجريان العمل بها؟ أشار القاضي عياض (ت: 544هـ) عند ترجمته للإمام مالك إلى نصوص تدلّ على أهمية اعتبار العمل في تقرير السنن، فقال: (رويَ أن عمر بن الخطاب رضي الله […]

التَّشكيكُ سُنّةٌ باطنية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لا داعِي للفزع والخوف المفرط من موجة التشكيك في أصول الإسلام وثوابته ومسلَّماته التي نمرّ بها في هذا العصر – كما يزعمه من بعض المسلمين وأعدائه – وكأنّ أمر الإسلام – في زعمهم – أصبح مسألة وقت، وهو إلى زوال واضمحلال! فقد ظهر بين المسلمين من يشكِّكهم […]

هل أحدث الصحابة أفعالًا من أمور الدين زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأقرهم عليها؟

سبقَ للمركز أن تناوَل في مقالٍ مستقلٍّ مسألةَ تعريف البدعةِ، وأنَّ حقيقتَها قصدُ التقرب المحض بما لم يُشرَع([1])، وبين أن القاعدة العظيمة التي ينبني عليها هذا البابُ هي أن الأصل في العبادات المنع حتى يرِد الدليل بمشروعيةِ ذلك في ورقة علمية مستقلة أيضًا([2]). ومِن أعظم الشبهاتِ التي يَستدلُّ بها من يسوِّغ للبدع لينقُض هذا الأصلَ […]

السلف والشبهات..بحث في آليات التعامل مع الشبهات والرد عليها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة: تمر الأمة الإسلامية اليوم بعاصفة جارفة وطوفان هائل من الشبهات والتشكيكات حول الدين الإسلامي، فلقد تداعت عليها الأمم -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- من كل جانب من أديان باطلة ومذاهب منحرفة وفرق مبتدِعة، كلها تصوّب السهام نحو الدين الإسلامي، ولا يكاد يسلَم من هذا الطوفان أصل […]

حديثُ: «استفت نفسك وإن أفتاك الناس» هل يؤصِّل لاتِّباع الهوى؟

لا يشكُّ مسلمٌ أنَّ الخير محصورٌ في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وأن ما صدر عنه لا يمكِن أن يحيل إلى معنى لا يكونُ موافقًا لما جاء به، وإن فُهِم منه ذلك فإنما الخطأ في فهم السامع لا في دلالة لفظِ الشارع. وقد ظنَّ بعضُ عوامّ الناس وصغار المتفقِّهة أنَّ للذَّوق مدخلًا في […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017