الثلاثاء - 25 ربيع الآخر 1443 هـ - 30 نوفمبر 2021 م

هل يمكن أن يكون الغلوّ في الرسول صلى الله عليه وسلم ذريعةً للشرك؟!

A A

من أعظمِ أصول أهل السنة والجماعة الدعوةُ إلى التوحيد الخالص، وحماية جناب التوحيد من كل ما يناقضه أو ينافي كماله أو يخدشه بوجه من الوجوه، والعجب أن تنقلب هذه المحمدة مذمَّةً، وأن يُتَّهمَ أصحابُها بأنهم حينما ينهَون عن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم بذلك ينتقصون من قدره صلى الله عليه وسلم؛ فإنه -في زعمهم- لا يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ذريعة للشرك.

واستند قائل ذلك على أمرين:

الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون ذريعة للشرك؛ لأنه رسولُ التوحيد، ومُعَلِّمُه للثقلين، ولن يُعَظَّمَ إلا من بوابة كلمة التوحيد، فأنَّى يُشْركُ به وهو إنما يُعرف ويُؤْمَنُ به بكلمة التوحيد؟!

والأمر الثاني: أن المسلمين يعظّمون الكعبة، ومع ذلك لم تكن الكعبة -ولن تكون- ذريعة للشرك رغم كل مظاهر التعظيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أولى بأن لا يكون تعظيمه ذريعة للشرك.

وهذا الكلام فيه من التلبيس والخلط والقياس الفاسد ما يقتضي كشفَه والجوابَ عنه، وذلك من وجوه:

أولا: أنه لا يُعرف عن أحد من العلماء إطلاقُ هذه العبارة: (الرسول صلى الله عليه وسلم ذريعة للشرك)، وإنما الكلام في النهي عن الغلو في التعظيم، ومجاوزة الحدّ المشروع فيه، كما جاء النهي عن ذلك صريحًا واضحًا في القرآن والسنة في مواطن كثيرة، فليس الرسول صلى الله عليه وسلم بذاته هو الذريعة للشرك، وحاشاه أن يكون كذلك، ولا أحد يقول بذلك أصلًا، ولكن قائل ذلك يريد التنفيرَ عن دعاة التوحيد؛ بلمزهم والافتراء عليهم أنهم ينتقصون من قدر النبي صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: أنه لو صح هذا الكلام المذكور فإنه لا يخصّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وحده، بل ينطبق على سائر الأنبياء والمرسلين، فدعوتهم جميعًا واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده واجتناب عبادة ما سواه، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا ‌أَنِ ‌ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ} [النحل: 36]، وهم جميعا رسل التوحيد، ومعلموه للناس، وما عُرِف تعظيمُهم إلا من بوابة التوحيد، ومع ذلك فقد وقعت عبادتهم من بعض أتباعهم، وذكر القرآن ذلك، ونهاهم عن ذلك، وحذَّرنا من اتباع سبيلهم، قال تعالى: {يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ‌لَا ‌تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَىٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ} [النساء: 171]. فهل يقال: كيف ينهى عن الغلو في المسيح عليه السلام وهو معلم التوحيد وداعيته؟!

وقال تعالى: {أُوْلَٰئِكَ ‌ٱلَّذِينَ ‌يَدْعُونَ ‌يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57]، وهي نزلت في من يعبد عيسى وأمه، أو العزير، أو الملائكة([1])، وهذا من تفسير السلف بالمثال، وهي تعمّ كل من عَبد الأنبياء والصالحين.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»([2]). وسبب الحديث كما جاء في روايةٍ أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم ذات أنواط كما عند المشركين، فغضب وقال: «قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه- كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً، قَالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّهَا لَسُنَنٌ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ..» الحديث([3]).

فعُلِم أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته مما وقعت فيه الأمم الماضية، ومنه الشرك، فإذا علمنا أن الأمم التي قبنا قد وقعوا في عبادة أنبيائهم وصالحيهم، وكان من أسباب ذلك الغلو في قبورهم واتخاذها مساجد كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم([4])، فكيف يُعْتَرَضُ ويُشَنَّعُ على من ينهى عما نهى عنه القرآن والسنة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه في أمته وحذَّر منه؟!

ثالثا: أنه لو صح هذا الكلام أيضًا فإنه ينطبق كذلك على الأولياء والصالحين من العلماء والعباد، فإنهم ورثة الأنبياء، وقد ورد الشرع بمحبتهم وتوقيرهم وتعظيمهم التعظيم المشروع، والعلماء هم الذين يعلّمون الناس التوحيد ويبلّغون علم النبوة، فيمتنع كذلك أن يكون الغلو فيهم مفضيًا إلى الشرك!! وهذا كله باطل بلا شكّ؛ فإنه من المعلوم أن أول شرك وقع على ظهر الأرض كان بسبب الغلو في الصالحين، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23]: “أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت”([5]).

وقال تعالى: {‌ٱتَّخَذُواْ ‌أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31]، فهؤلاء اليهود والنصارى قد عبدوا الأحبار والرهبان والصالحين، مع أن محبتهم وتوقيرهم قد عُلِمت أيضا من قِبَلِ الشرع.

ومعلوم أيضًا أن العرب كانوا يعبدون الصالحين، وكانوا يعبدون الأصنام على أنها ترمز للصالحين حتى يشفعوا لهم عند الله، كما جاء في تفسير (اللات والعزى)([6]).

فالغلو في الصالحين من أعظم أسباب الشرك في العالم في القديم والحديث.

رابعا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قد نهى عن تعظيمه فوق القدر المشروع؛ حماية لجناب التوحيد، فمن ذلك:

1- نهيه صلى الله عليه وسلم عن المجاوزة في مدحه، محذّرًا من الوقوع فيما وقعت فيه النصارى، كما في الحديث: «لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتِ النصارى ابن مريم، إنّما أنا عَبْدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله»([7]).

2- نهيه صلى الله عليه وسلم معاذًا عن السجود بين يديه([8])، مع أنه لم يُرِد بذلك السجود العبادة.

3- نهيه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة عن اتخاذ القبور مساجد، ولعنه الأمم السابقة على ذلك، محذّرًا أمته من الوقوع في ذلك، وقد عللت عائشة -رضي الله عنها – ذلك بسدّ ذريعة الشرك بتعظيم هذه القبور وعبادتها، ولذلك قالت: “لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ: خُشِيَ- أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا”([9]).

وفي هذا دليل على التخوف من أن يكون الغلو في القبور -ومنه قبر النبي صلى الله عليه وسلم- ذريعة للشرك، قال النووي رحمه الله: “إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا؛ خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية”([10])، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “وهذا قالته عائشة قبل أن يوسّع المسجد النبوي؛ ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلّثة الشكل محدّدة؛ حتى لا يتأتى لأحد أن يصلّي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة”([11]).

ولذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يحفظ قبره من مظاهر الوثنية، ومن أن يعظَّمَ التعظيم المفضي إلى الشرك، كما حدث في الأمم الماضية، فقال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»([12]).

قال ابن عبد البر رحمه الله: “وكانت العرب تصلّي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم؛ كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم”([13]).

ولما رأى علي بن الحسين -رضي الله عنهما- رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم»([14]).

فهذا كله دليل واضح على الخوف من الغلو في القبور والتعلق بها.

4- ومن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم أصحابه عن بعض الألفاظ التي تنافي كمال التوحيد، مع أنهم قطعًا لم يقصدوا حقيقتها المنافية لأصل التوحيد، ولكن صيانة لجناب التوحيد، فلما قال له بعض الصحابة: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى»، قالوا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ»([15]). فلم ينههم عن الكلمة، ولكن خشي من التعدّي على مقام الربوبية.

ولما قال له رجل: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: «جَعَلْتَنِي لِلَّهِ عَدْلًا؟! مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»([16]). ونهى عن الجمع بينه وبين لفظ الجلالة بما يوهم الندية، مع أن قائل ذلك لم يرد هذا، ولكن سدًّا لذريعة الشرك.

والأدلة على ذلك كثيرة معروفة.

ولا يقال: إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك تواضعا فقط؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أخبرنا بما له من الحقوق والشمائل والمنازل، فأخبرنا أنه سيد ولد آدم، وأنه صاحب المقام المحمود، وأمرنا بالصلاة والسلام عليه، وأذن للصحابة في التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم كالتبرك بشعره([17])، وعرقه صلى الله عليه وسلم([18])، وغير ذلك مما وردت به الأحاديث، ولم ينههم عن ذلك، فعلم أنه إنما ينهى عما يخالف الشرع، ويجر إلى الغلو المذموم.

خامسا: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتخوَّفون من الغلوّ في النبي صلى الله عليه وسلم المفضي إلى الشرك، فمن دلائل ذلك ومظاهره:

1- عدم إبرازهم قبر النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق، فأخفَوا القبر في حجرة عائشة، “ولما امتدّت الزيادة حتى دخلت الحجرات في المسجد بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة؛ لئلا يظهر فيصلّي إليه العوام، ويؤدّي إلى المحذور”([19]).

2- قطع عمر رضي الله عنه شجرة الحديبية لما وجد الناس يتبركون بها ويصلّون عندها([20]).

3- موقفهم من قبر النبي دانيال لما ظهر أثناء فتح تستر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعملوا على تعميته وإخفائه عن الناس؛ لئلا يفتنوا به([21]).

4- نهي عمر رضي الله عنه عن قصد الصلاة في الأماكن التي صلّى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أيها الناس، إنما هلك من قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعًا، فمن عرضت له صلاة فليمض)([22]).

فهذا كله هدي الصحابة في سدّ ذريعة الشرك، والتحذير من الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عين ما يفعله السلفيون، فما وجه الاعتراض؟!

سادسا: أن العلماء لا ينهون عن التعظيم الذي ورد به الشرع، بل هذا من مقتضيات الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ كتقديم محبته على النفس والمال والولد، وتقديم طاعته على طاعة كلّ أحد، وتوقيره في الكلام عنه، وعدم رفع الصوت في مسجده ولا عند قبره، والزيارة المشروعة للقبر، ومدحه صلى الله عليه وسلم دون غلوّ ومجاوزة، وكذلك التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته -إن وجدت وصحت، وإلا فلا يثبت وجود شيء من هذه الآثار الآن-، وهذا مما أجمع عليه العلماء، ولا إشكال فيه، لورود الدليل به، وإنما ينهى عن الغلو والتعظيم المفضي إلى الشرك، والذي لا دليل عليه.

وأما لماذا لا تكون الكعبة ذريعة للشرك مع تعظيم المسلمين لها؟

فهذا فيه تلبيس وخلط عجيب، وبيانه من وجوه أيضا:

أولا: أن تعظيم الكعبة بالطواف حولها وتقبيل الحجر ومسح الركن قد ورد به الشرع، ولو لم يرد لكان ممنوعًا، كما يقول العلماء في التمسح والتبرك بالكعبىة بغير ما ورد به الدليل؛ فإن العلماء يمنعونه أيضا، وهذا لم يرد في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون فعله غلوًّا منهيّا عنه، ومن يستدلّ بهذا على ذلك كمن يستدلّ بأمر الله الملائكة بالسجود لآدم على جواز السجود للمخلوق؛ بحجة أن جنس هذا الفعل قد أذن الشرع به في بعض أنواعه!

فالقضية في الأمرين (الكعبة وقبر النبي وآثاره) واحدة، يفعل عندهما ما أذن فيه الشرع، ويعظّمان بمقتضى الشرع، وينهى عما لم يرد به دليل من البدع والغلو المذموم.

قال ابن الحاج المالكي رحمه الله: “فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام، ويتمسّح به ويقبّله ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم، يقصدون به التبرك، وذلك كله من البدع؛ لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له -عليه الصلاة والسلام-، وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب، ولأجل ذلك كره علماؤنا -رحمة الله عليهم- التمسح بجدار الكعبة، أو بجدران المسجد، أو بالمصحف، إلى غير ذلك مما يتبرك به؛ سدّا لهذا الباب، ولمخالفة السنة؛ لأن صفة التعظيم موقوفة عليه صلى الله عليه وسلم”([23]).

وقال ابن العطار الشافعي: “فأما تقبيل الأحجار والقبور والجدران والستور وأيدي الظلمة والفسقة واستلام ذلك جميعه فلا يجوز، ولو كانت أحجار الكعبة، أو قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو جدار حجرته، أو ستورهما، أو صخرة بيت المقدس، فإن الاستلام والتقبيل ونحوهما تعظيم، والتعظيم خاصّ بالله تعالى، فلا يجوز إلا فيما أذن فيه”([24]).

وأما النصوص عن الفقهاء في النهي عن تقبيل القبر والتمسح به فكثيرة جدًّا، نكتفي منها بهذا النقل عن الإمام النووي رحمه الله: “لا يجوز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر… ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه… ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء، وكيف يبتغي الفضل في مخالفة الصواب؟!”([25]).

فهذا إجماع مهمّ في هذا الباب الذي يظن الكثير أن السلفيين انفردوا به.

ثانيا: أن الصحابة حرصوا على سدّ ذريعة الشرك بالغلو في الكعبة، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قبل الحجر الأسود قال مقولته الشهيرة: “إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلُك ما قبلتك”([26]).

قال الحافظ في الفتح: “وإنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظنّ الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية”([27]).

فالغلو في الكعبة محتمل، وليس مستحيلا؛ ولذلك نبه عمر رضي الله عنه على ذلك، ونبه العلماء، كما سبق من كلام ابن الحاج وابن العطار على بدعية التمسح بالكعبة والتبرك بغير ما ورد به الدليل.

ثالثا: يقال لصاحب هذا الكلام: إن أردت بكلامك جواز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتمسّح بجدرانه كما يفعل بالكعبة؛ فهذا باطل وبدعة أنكرها العلماء، كما سبق. وإن أردت أن يعظم قبره التعظيم المشروع الذي ورد به الشرع، فهذا عين ما يقوله السلفيون، فما وجه الاعتراض والتشنيع؟!

وإما أنه يريد الاستدلال بالمشروع على غير المشروع، فهذا قياس فاسد كما سبق بيانه.

رابعا: فإن قيل: فلماذا لا يكثر العلماء من النهي عن الغلو في الكعبة كما في النبي صلى الله عليه وسلم؟!

فالجواب: لأن عامة الخلق قديما وحديثًا لم يفتنوا بالكعبة وعبادتها، حتى العرب في جاهليتهم عبدوا الأصنام حولها، ولكنهم لم يعبدوها، بخلاف افتتان الكثير من الأمم قديما وحديثا بعبادة البشر أحياء وأمواتا، والغلوّ في الصالحين والافتتان بقبورهم، فلزم التحذير والبيان.

والله أعلى وأعلم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير ابن جرير (17/ 471).

([2]) رواه البخاري (3456).

([3]) قصة ذات أنواط رواها أحمد (21390)، والترمذي (2180) وقال: “حسن صحيح”، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ورياض الجنة (76).

([4]) كما في حديث مسلم: «ألَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رواه مسلم (532).

([5]) رواه البخاري (4920).

([6]) انظر: تفسير ابن جرير (22/ 523).

([7]) رواه البخاري (3189).

([8]) رواه أبو داود (2140)، والحاكم (2763)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

([9]) رواه البخاري (1390)، ومسلم (529).

([10]) شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 13).

([11]) فتح الباري (3/ 200).

([12]) رواه مالك مرسلا (414)، ورواه أحمد متصلا (12/ 314) دون لفظ (يعبد). وصححه الألباني في تحذير الساجد (ص: 24).

([13]) التمهيد (5/ 45).

([14]) رواه أبو داود (2042)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

([15]) رواه أبو داود (4806)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

([16]) رواه أحمد (3247).

([17]) جاء ذلك في صحيح مسلم (1305).

([18]) صحيح مسلم (2331).

([19]) باختصار من شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 13).

([20]) صحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (7/ 448).

([21]) أوردها ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 40) وقال: “هذا إسناد صحيح إلى أبي العالية”.

([22]) رواه عبد الرزاق (2734)، وصححه الألباني في فضائل الشام (18).

([23]) المدخل (1/ 263).

([24]) العدة شرح العمدة (2/ 1001).

([25]) الإيضاح لمناسك الحج والعمرة (1/ 456) باختصار يسير.

([26]) رواه البخاري (1520)، ومسلم (1720).

([27]) فتح الباري (3/ 463).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

هل قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة والعرش؟

زعم كثير من متأخري الفقهاء أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة والعرش والكرسي، وبعضهم نقل الإجماع على ذلك، حتى صارت مسلَّمة لدى البعض لا يجوز إنكارها، بل وقد يتّهم منكرها أنه منتقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم كالعادة في كل من ينكر الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم […]

مظاهر التصوُّف في المدينة المنورة من خلال رحلة الحبشي:(الشاهد المقبول بالرحلة إلى مصر والشام وإسطنبول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: مظاهرُ التصوُّف في الحجاز كانت باديةً قبل قرون كثيرة، بيدَ أنها زادَت في القرون المتأخِّرة، وصار التصوُّف مرتعًا خصبًا في الحرمين الشَّريفين قبل دخولهما تحت حكم الدولة السعودية. وفي هذهِ الورقة وصفٌ للحالة العقديَّة في المدينة المنوَّرة عام 1328هـ، بحكاية مقتطفات من تاريخها من كتاب: “الشاهد المقبول بالرحلة […]

عرض وتعريف بكتاب الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية. اسم المؤلف: محمد بن بير علي البركوي (البركلي). اسم المحقق: محمد رحمة الله حافظ محمد ناظم الندوي. دار الطباعة: دار القلم بدمشق. رقم الطبعة: الطَّبعةُ الأُولَى عام 1432هـ-2011م. حجم الكتاب: مجلد في (648 ص). التعريف العام بالكتاب: كتاب “الطريقة […]

موقف الشافعية المتأخرين من بدع القبور ومن الاستغاثة..وتحرير موقف الشيخين السبكي والهيتمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: إن تمييز المسائل والأقوال المنسوبة إلى الآراء الفكرية والمذاهب العقدية، وتحرير أصولها وتصويرها تصويرًا دقيقًا لهو من أهمّ تحديات الجدل العقديّ المعاصر، لا سيما وقد دخلت على طوائف من الناس صنوف من البدع والشركيات، ويتأكد الأمر في الواقع المعاصر حيث انحسار العلم وفشوّ القلم؛ فلا يصلح -والحال كذلك- […]

أفيون الشعوب.. ليس هو الإسلام

“الدِّين أفيون الشعوب” كلمة أطلقها كارل ماركس قبل قرنين من الزمان لأسباب وظروف تاريخية معيَّنة، إلا أنَّ ناقدي الأديان وأعدائها قد تلقَّفوا الكلمةَ وأذاعوها في كلّ مكان، وجعلوها رأس الحربة أمام الدِّين، واستغلها الملاحدةُ كأحد أوجه نقد التَّديّن بشكل عامّ، وإن كانت العبارة تطلق بشكلٍ خاصّ ضدَّ الإسلام، وذلك من قِبَل الملاحدة الجُدُد الذين عداؤهم […]

ترجمة الشيخ المحدث حسين سليم أسد الداراني رحمه الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ المحدث، صاحب التحقيقات النافعة المفيدة: حسين سليم أسد الداراني، نسبة إلى داريّا في الغوطة الغربية قرب دمشق. مولده ونشأته: ولد -رحمه الله- في عام1351هـ الموافق لسنة 1932م، في بلدة داريا، وهي أكبر حواضر الغوطة الغربية القريبة من العاصمة دمشق. وكان والده -رحمه الله- يعمل في […]

درء التعارض..بين آيات العلو لله عز وجل

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  علو الله تعالى على خلقه من أعظم صفات الباري وأجلها، وكثر رودها وتقريرها في كتاب الله، وهي من الصِّفات الظاهرة الواضحة البيّنة التي لا إشكال فيها، وقد تواترت على إثباتها الأدلة نقلًا وعقلًا وفطرةً. ومع ذلك نجد من يلبِّس على الناس بأن في إثباتها تناقضًا! من جهة أن هناك […]

قاعدة التسوية بين المتماثلات وعدم التفريق بينها..وبعض توظيفاتها العقدية عند تقي الدين ابن تيمية (728هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: من أدقّ المسائل العلمية التي تناولها علماء الإسلام البحث في الأشباه والنظائر وضمّ النظير إلى نظيره ليحكم له بحكمه، والبحث في الفروق بين المسائل المتشابهة بحيث يختلف حكمها بسبب ذلك الفرق الدقيق، وهذا من أجلّ العلوم وأدقّها كما يقول السيوطي: “وكان من أجلّ أنواعه: معرفة نظائر الفروع وأشباهها، […]

دعوى جناية أهل السُّنَّة على المتكلمين..(هل اعتنى المتكلمون بتوحيد الألوهية؟)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: توحيد الله سبحانه وتعالى هو ما أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب، ولا تخفى مركزيَّة التَّوحيد في دعوات الرُّسل، وأنَّ التشريعات كلها راجعة إليه ومبنية عليه، وبقدر اهتمام الكتاب والسنة بالتوحيد كان اهتمام علماء أهل السنة والجماعة به تقريرًا وتأصيلًا وبيانًا ودفعًا لما يثار حوله من شبهات. […]

حديث: «إن آخرَ وَطْأة وَطِئها الله بـوَجٍّ» (درجته، وتحرير معناه، ودفع شُبَهة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قد يعرِض للمؤمن ما يُشكل عليه فهمُه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد أرشدنا الله تعالى إلى الطريق الأمثل لحلّ تلك المشكلات؛ فقال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ومع ذلك فقد يخفى على بعض المؤمنين الحِكَم التي أودعها الله عز وجل […]

الاستدلال بالمجرَّبات بين أهل السنة والصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  من المعلوم أنَّ البحثَ في مصادر الاستدلال لدى الفرق المخالفة لأهل السنة هو من أهمّ ما يوقف المرءَ على أسباب الانحراف المنتشِر عندهم سواء في الاعتقاد أو العمل؛ ولذا اعتنى علماء أهل السنة بضبط مصادر الاستدلال ومناهجه التي تميزهم عن غيرهم من الفرق المنحرفة. ومما يتعلّق بهذا الاستدلالُ بـ […]

تَعرِيف بكِتَاب:(شرح وتعليق على شرح شيخ الإسلام ابن تيمية على العقيدة الأصبهانية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: شرح وتعليق على شرح شيخ الإسلام ابن تيمية على العقيدة الأصبهانية. اسم المؤلف: د. أحمد بن عبد اللطيف بن عبد الله آل عبد اللطيف. اعتنى بإخراجه: د. مازن بن محمد بن عيسى. دار الطباعة: مكتبة الشنقيطي للنشر والتوزيع، بجدة. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، […]

هل كلُّ مجتهد مصيب؟ومداخل القراءة التأويلية للنص

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مِن نِعَم الله على الأمَّة أن جعلَ في فهومها الحقَّ ووفَّقها لإصابته ويسَّر عليها أمر دينها، فشرع الاجتهادَ لأهل العلم واستنباطَ الأحكام وتنزيلها، وأوكل إليهم تنفيذَ الشرائع، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ […]

كيف ظهرَ الشِّرْكُ في النصارى؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لا يختلِفُ العقلاءُ في قبحِ الشرك وفداحَتِه؛ فإنَّ البشرية مفطورةٌ على النُّفرة من الشرك بالله وإعطاءِ شيء مِن خصائصه تعالى لغَيره، تمامًا كبديهيَّة إقرار البشرية بوجودِه وخالِقِيَّته أولًا، فهذه قضايا فطريةٌ ضروريةٌ لا تحتاج إلى نظرٍ واستِدلال([1])، وقد يُعمل الإنسان فيها عقلَه ونظرَه مسانَدةً منه لهذه الفطرة؛ […]

التعرِيف بكِتَاب: (التفسير المادي للتاريخ في أحداث القرن الأول الهجري -دراسة نقدية-)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: التفسير المادي للتاريخ في أحداث القرن الأول الهجري.. دراسة نقدية. اسم المؤلف: د. خالد بن محمد الغيث، أستاذ التاريخ بكلية الشريعة بجامعة أم القرى. دار الطباعة: مركز طروس للنشر والتوزيع، الكويت. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في غلاف وسط، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017