السبت - 20 شوّال 1443 هـ - 21 مايو 2022 م

هل يمكن أن يكون الغلوّ في الرسول صلى الله عليه وسلم ذريعةً للشرك؟!

A A

من أعظمِ أصول أهل السنة والجماعة الدعوةُ إلى التوحيد الخالص، وحماية جناب التوحيد من كل ما يناقضه أو ينافي كماله أو يخدشه بوجه من الوجوه، والعجب أن تنقلب هذه المحمدة مذمَّةً، وأن يُتَّهمَ أصحابُها بأنهم حينما ينهَون عن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم بذلك ينتقصون من قدره صلى الله عليه وسلم؛ فإنه -في زعمهم- لا يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ذريعة للشرك.

واستند قائل ذلك على أمرين:

الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون ذريعة للشرك؛ لأنه رسولُ التوحيد، ومُعَلِّمُه للثقلين، ولن يُعَظَّمَ إلا من بوابة كلمة التوحيد، فأنَّى يُشْركُ به وهو إنما يُعرف ويُؤْمَنُ به بكلمة التوحيد؟!

والأمر الثاني: أن المسلمين يعظّمون الكعبة، ومع ذلك لم تكن الكعبة -ولن تكون- ذريعة للشرك رغم كل مظاهر التعظيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أولى بأن لا يكون تعظيمه ذريعة للشرك.

وهذا الكلام فيه من التلبيس والخلط والقياس الفاسد ما يقتضي كشفَه والجوابَ عنه، وذلك من وجوه:

أولا: أنه لا يُعرف عن أحد من العلماء إطلاقُ هذه العبارة: (الرسول صلى الله عليه وسلم ذريعة للشرك)، وإنما الكلام في النهي عن الغلو في التعظيم، ومجاوزة الحدّ المشروع فيه، كما جاء النهي عن ذلك صريحًا واضحًا في القرآن والسنة في مواطن كثيرة، فليس الرسول صلى الله عليه وسلم بذاته هو الذريعة للشرك، وحاشاه أن يكون كذلك، ولا أحد يقول بذلك أصلًا، ولكن قائل ذلك يريد التنفيرَ عن دعاة التوحيد؛ بلمزهم والافتراء عليهم أنهم ينتقصون من قدر النبي صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: أنه لو صح هذا الكلام المذكور فإنه لا يخصّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وحده، بل ينطبق على سائر الأنبياء والمرسلين، فدعوتهم جميعًا واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده واجتناب عبادة ما سواه، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا ‌أَنِ ‌ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ} [النحل: 36]، وهم جميعا رسل التوحيد، ومعلموه للناس، وما عُرِف تعظيمُهم إلا من بوابة التوحيد، ومع ذلك فقد وقعت عبادتهم من بعض أتباعهم، وذكر القرآن ذلك، ونهاهم عن ذلك، وحذَّرنا من اتباع سبيلهم، قال تعالى: {يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ‌لَا ‌تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَىٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ} [النساء: 171]. فهل يقال: كيف ينهى عن الغلو في المسيح عليه السلام وهو معلم التوحيد وداعيته؟!

وقال تعالى: {أُوْلَٰئِكَ ‌ٱلَّذِينَ ‌يَدْعُونَ ‌يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57]، وهي نزلت في من يعبد عيسى وأمه، أو العزير، أو الملائكة([1])، وهذا من تفسير السلف بالمثال، وهي تعمّ كل من عَبد الأنبياء والصالحين.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»([2]). وسبب الحديث كما جاء في روايةٍ أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم ذات أنواط كما عند المشركين، فغضب وقال: «قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه- كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً، قَالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّهَا لَسُنَنٌ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ..» الحديث([3]).

فعُلِم أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته مما وقعت فيه الأمم الماضية، ومنه الشرك، فإذا علمنا أن الأمم التي قبنا قد وقعوا في عبادة أنبيائهم وصالحيهم، وكان من أسباب ذلك الغلو في قبورهم واتخاذها مساجد كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم([4])، فكيف يُعْتَرَضُ ويُشَنَّعُ على من ينهى عما نهى عنه القرآن والسنة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه في أمته وحذَّر منه؟!

ثالثا: أنه لو صح هذا الكلام أيضًا فإنه ينطبق كذلك على الأولياء والصالحين من العلماء والعباد، فإنهم ورثة الأنبياء، وقد ورد الشرع بمحبتهم وتوقيرهم وتعظيمهم التعظيم المشروع، والعلماء هم الذين يعلّمون الناس التوحيد ويبلّغون علم النبوة، فيمتنع كذلك أن يكون الغلو فيهم مفضيًا إلى الشرك!! وهذا كله باطل بلا شكّ؛ فإنه من المعلوم أن أول شرك وقع على ظهر الأرض كان بسبب الغلو في الصالحين، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23]: “أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت”([5]).

وقال تعالى: {‌ٱتَّخَذُواْ ‌أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31]، فهؤلاء اليهود والنصارى قد عبدوا الأحبار والرهبان والصالحين، مع أن محبتهم وتوقيرهم قد عُلِمت أيضا من قِبَلِ الشرع.

ومعلوم أيضًا أن العرب كانوا يعبدون الصالحين، وكانوا يعبدون الأصنام على أنها ترمز للصالحين حتى يشفعوا لهم عند الله، كما جاء في تفسير (اللات والعزى)([6]).

فالغلو في الصالحين من أعظم أسباب الشرك في العالم في القديم والحديث.

رابعا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قد نهى عن تعظيمه فوق القدر المشروع؛ حماية لجناب التوحيد، فمن ذلك:

1- نهيه صلى الله عليه وسلم عن المجاوزة في مدحه، محذّرًا من الوقوع فيما وقعت فيه النصارى، كما في الحديث: «لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتِ النصارى ابن مريم، إنّما أنا عَبْدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله»([7]).

2- نهيه صلى الله عليه وسلم معاذًا عن السجود بين يديه([8])، مع أنه لم يُرِد بذلك السجود العبادة.

3- نهيه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة عن اتخاذ القبور مساجد، ولعنه الأمم السابقة على ذلك، محذّرًا أمته من الوقوع في ذلك، وقد عللت عائشة -رضي الله عنها – ذلك بسدّ ذريعة الشرك بتعظيم هذه القبور وعبادتها، ولذلك قالت: “لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ: خُشِيَ- أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا”([9]).

وفي هذا دليل على التخوف من أن يكون الغلو في القبور -ومنه قبر النبي صلى الله عليه وسلم- ذريعة للشرك، قال النووي رحمه الله: “إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا؛ خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية”([10])، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “وهذا قالته عائشة قبل أن يوسّع المسجد النبوي؛ ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلّثة الشكل محدّدة؛ حتى لا يتأتى لأحد أن يصلّي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة”([11]).

ولذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يحفظ قبره من مظاهر الوثنية، ومن أن يعظَّمَ التعظيم المفضي إلى الشرك، كما حدث في الأمم الماضية، فقال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»([12]).

قال ابن عبد البر رحمه الله: “وكانت العرب تصلّي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم؛ كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم”([13]).

ولما رأى علي بن الحسين -رضي الله عنهما- رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليَّ، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم»([14]).

فهذا كله دليل واضح على الخوف من الغلو في القبور والتعلق بها.

4- ومن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم أصحابه عن بعض الألفاظ التي تنافي كمال التوحيد، مع أنهم قطعًا لم يقصدوا حقيقتها المنافية لأصل التوحيد، ولكن صيانة لجناب التوحيد، فلما قال له بعض الصحابة: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى»، قالوا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ»([15]). فلم ينههم عن الكلمة، ولكن خشي من التعدّي على مقام الربوبية.

ولما قال له رجل: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: «جَعَلْتَنِي لِلَّهِ عَدْلًا؟! مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»([16]). ونهى عن الجمع بينه وبين لفظ الجلالة بما يوهم الندية، مع أن قائل ذلك لم يرد هذا، ولكن سدًّا لذريعة الشرك.

والأدلة على ذلك كثيرة معروفة.

ولا يقال: إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك تواضعا فقط؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أخبرنا بما له من الحقوق والشمائل والمنازل، فأخبرنا أنه سيد ولد آدم، وأنه صاحب المقام المحمود، وأمرنا بالصلاة والسلام عليه، وأذن للصحابة في التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم كالتبرك بشعره([17])، وعرقه صلى الله عليه وسلم([18])، وغير ذلك مما وردت به الأحاديث، ولم ينههم عن ذلك، فعلم أنه إنما ينهى عما يخالف الشرع، ويجر إلى الغلو المذموم.

خامسا: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتخوَّفون من الغلوّ في النبي صلى الله عليه وسلم المفضي إلى الشرك، فمن دلائل ذلك ومظاهره:

1- عدم إبرازهم قبر النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق، فأخفَوا القبر في حجرة عائشة، “ولما امتدّت الزيادة حتى دخلت الحجرات في المسجد بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة؛ لئلا يظهر فيصلّي إليه العوام، ويؤدّي إلى المحذور”([19]).

2- قطع عمر رضي الله عنه شجرة الحديبية لما وجد الناس يتبركون بها ويصلّون عندها([20]).

3- موقفهم من قبر النبي دانيال لما ظهر أثناء فتح تستر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعملوا على تعميته وإخفائه عن الناس؛ لئلا يفتنوا به([21]).

4- نهي عمر رضي الله عنه عن قصد الصلاة في الأماكن التي صلّى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أيها الناس، إنما هلك من قبلكم باتباعهم مثل هذا حتى أحدثوها بيعًا، فمن عرضت له صلاة فليمض)([22]).

فهذا كله هدي الصحابة في سدّ ذريعة الشرك، والتحذير من الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عين ما يفعله السلفيون، فما وجه الاعتراض؟!

سادسا: أن العلماء لا ينهون عن التعظيم الذي ورد به الشرع، بل هذا من مقتضيات الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ كتقديم محبته على النفس والمال والولد، وتقديم طاعته على طاعة كلّ أحد، وتوقيره في الكلام عنه، وعدم رفع الصوت في مسجده ولا عند قبره، والزيارة المشروعة للقبر، ومدحه صلى الله عليه وسلم دون غلوّ ومجاوزة، وكذلك التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته -إن وجدت وصحت، وإلا فلا يثبت وجود شيء من هذه الآثار الآن-، وهذا مما أجمع عليه العلماء، ولا إشكال فيه، لورود الدليل به، وإنما ينهى عن الغلو والتعظيم المفضي إلى الشرك، والذي لا دليل عليه.

وأما لماذا لا تكون الكعبة ذريعة للشرك مع تعظيم المسلمين لها؟

فهذا فيه تلبيس وخلط عجيب، وبيانه من وجوه أيضا:

أولا: أن تعظيم الكعبة بالطواف حولها وتقبيل الحجر ومسح الركن قد ورد به الشرع، ولو لم يرد لكان ممنوعًا، كما يقول العلماء في التمسح والتبرك بالكعبىة بغير ما ورد به الدليل؛ فإن العلماء يمنعونه أيضا، وهذا لم يرد في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون فعله غلوًّا منهيّا عنه، ومن يستدلّ بهذا على ذلك كمن يستدلّ بأمر الله الملائكة بالسجود لآدم على جواز السجود للمخلوق؛ بحجة أن جنس هذا الفعل قد أذن الشرع به في بعض أنواعه!

فالقضية في الأمرين (الكعبة وقبر النبي وآثاره) واحدة، يفعل عندهما ما أذن فيه الشرع، ويعظّمان بمقتضى الشرع، وينهى عما لم يرد به دليل من البدع والغلو المذموم.

قال ابن الحاج المالكي رحمه الله: “فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام، ويتمسّح به ويقبّله ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم، يقصدون به التبرك، وذلك كله من البدع؛ لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له -عليه الصلاة والسلام-، وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب، ولأجل ذلك كره علماؤنا -رحمة الله عليهم- التمسح بجدار الكعبة، أو بجدران المسجد، أو بالمصحف، إلى غير ذلك مما يتبرك به؛ سدّا لهذا الباب، ولمخالفة السنة؛ لأن صفة التعظيم موقوفة عليه صلى الله عليه وسلم”([23]).

وقال ابن العطار الشافعي: “فأما تقبيل الأحجار والقبور والجدران والستور وأيدي الظلمة والفسقة واستلام ذلك جميعه فلا يجوز، ولو كانت أحجار الكعبة، أو قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو جدار حجرته، أو ستورهما، أو صخرة بيت المقدس، فإن الاستلام والتقبيل ونحوهما تعظيم، والتعظيم خاصّ بالله تعالى، فلا يجوز إلا فيما أذن فيه”([24]).

وأما النصوص عن الفقهاء في النهي عن تقبيل القبر والتمسح به فكثيرة جدًّا، نكتفي منها بهذا النقل عن الإمام النووي رحمه الله: “لا يجوز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر… ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه… ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء، وكيف يبتغي الفضل في مخالفة الصواب؟!”([25]).

فهذا إجماع مهمّ في هذا الباب الذي يظن الكثير أن السلفيين انفردوا به.

ثانيا: أن الصحابة حرصوا على سدّ ذريعة الشرك بالغلو في الكعبة، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قبل الحجر الأسود قال مقولته الشهيرة: “إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلُك ما قبلتك”([26]).

قال الحافظ في الفتح: “وإنما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظنّ الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية”([27]).

فالغلو في الكعبة محتمل، وليس مستحيلا؛ ولذلك نبه عمر رضي الله عنه على ذلك، ونبه العلماء، كما سبق من كلام ابن الحاج وابن العطار على بدعية التمسح بالكعبة والتبرك بغير ما ورد به الدليل.

ثالثا: يقال لصاحب هذا الكلام: إن أردت بكلامك جواز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتمسّح بجدرانه كما يفعل بالكعبة؛ فهذا باطل وبدعة أنكرها العلماء، كما سبق. وإن أردت أن يعظم قبره التعظيم المشروع الذي ورد به الشرع، فهذا عين ما يقوله السلفيون، فما وجه الاعتراض والتشنيع؟!

وإما أنه يريد الاستدلال بالمشروع على غير المشروع، فهذا قياس فاسد كما سبق بيانه.

رابعا: فإن قيل: فلماذا لا يكثر العلماء من النهي عن الغلو في الكعبة كما في النبي صلى الله عليه وسلم؟!

فالجواب: لأن عامة الخلق قديما وحديثًا لم يفتنوا بالكعبة وعبادتها، حتى العرب في جاهليتهم عبدوا الأصنام حولها، ولكنهم لم يعبدوها، بخلاف افتتان الكثير من الأمم قديما وحديثا بعبادة البشر أحياء وأمواتا، والغلوّ في الصالحين والافتتان بقبورهم، فلزم التحذير والبيان.

والله أعلى وأعلم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير ابن جرير (17/ 471).

([2]) رواه البخاري (3456).

([3]) قصة ذات أنواط رواها أحمد (21390)، والترمذي (2180) وقال: “حسن صحيح”، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ورياض الجنة (76).

([4]) كما في حديث مسلم: «ألَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رواه مسلم (532).

([5]) رواه البخاري (4920).

([6]) انظر: تفسير ابن جرير (22/ 523).

([7]) رواه البخاري (3189).

([8]) رواه أبو داود (2140)، والحاكم (2763)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

([9]) رواه البخاري (1390)، ومسلم (529).

([10]) شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 13).

([11]) فتح الباري (3/ 200).

([12]) رواه مالك مرسلا (414)، ورواه أحمد متصلا (12/ 314) دون لفظ (يعبد). وصححه الألباني في تحذير الساجد (ص: 24).

([13]) التمهيد (5/ 45).

([14]) رواه أبو داود (2042)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

([15]) رواه أبو داود (4806)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

([16]) رواه أحمد (3247).

([17]) جاء ذلك في صحيح مسلم (1305).

([18]) صحيح مسلم (2331).

([19]) باختصار من شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 13).

([20]) صحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (7/ 448).

([21]) أوردها ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 40) وقال: “هذا إسناد صحيح إلى أبي العالية”.

([22]) رواه عبد الرزاق (2734)، وصححه الألباني في فضائل الشام (18).

([23]) المدخل (1/ 263).

([24]) العدة شرح العمدة (2/ 1001).

([25]) الإيضاح لمناسك الحج والعمرة (1/ 456) باختصار يسير.

([26]) رواه البخاري (1520)، ومسلم (1720).

([27]) فتح الباري (3/ 463).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

عرض وتعريف بكتاب: “حقيقَةُ توحيدِ العبادةِ بين شيخ الإسلامِ ابن تيمية والمتكلمينَ والرُّد على حاتم بن عارف العوني”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: حقيقَةُ توحيدِ العبادةِ بين شيخ الإسلامِ ابن تيمية والمتكلمينَ والرد على حاتم بن عارف العوني. اسـم المؤلف: عبد الحق بن ملا حقي التركماني. الطبعة: الأولى. سنة الطبع: 1443هـ- 2022م. عدد الصفحات: (280). الناشر: دار إيلاف الدولية. ملحق (1): الاعتقاد في القرآن العظيم بين تديُّن […]

الوهابيون سُنِّيُّون حنابلة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن الإسلام دين محفوظ من لدن رب العالمين، ومن مظاهر حفظه أن الأمة حين تبتعد عنه يهيِّئ الله تعالى منَ الأسباب ما يُجلِّيه ويظهره ويقرّب الأمَّة منه، والناس في الاستجابة […]

العقلُ أصلٌ والشرعُ تَبَعٌ ..قانونٌ كُليٌّ أو مُغالَطة؟ (قراءة في أدبيات السّجال العقدي)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لا تخطئُ عينُ المطالع للسجال العقدي وكتُب التراث الكلامي عمومًا رؤيةَ جدلٍ كبير حول العلاقة بين العقل والنقل، وهي قضية قد بُحثت كثيرًا، وللعلماء تحريرات حولها. والذي أودُّ إبرازه هنا مناقشة قضية أصالة العقل وتبعية الشرع، وبها يظهر أنها ليست مُسلَّمَة أو قانونًا يُرجع ويُحتكم إليه عند التعارض، […]

الشطح الصوفي .. عرض ونقد (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تحدثنا في الجزء الأول عن تعريف الشطح عند الصوفية، وكيف يتصوّره الصوفية، وكيف يتعاملون معه، وفي هذا الجزء نحاول نقد هذه الظاهرة المعقدة والمشتبكة وتفكيكها، وذكر مواقف أهل العلم منها. أولا: نقد تصوير الصوفية للشطح: تصوير الصوفية للشطح بأنه عبارة عن حالة إيمانية عرفانية وجدانية شديدة، بحيث لا يمكن […]

الشطح الصوفي .. عرض ونقد (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثيرًا ما تُروى أقوال وأفعال مستقبحة مخالفة للشريعة منسوبةً إلى مشايخ التصوف ورموزه في القديم والحديث، وكُتُبُ الصوفيةِ أنفسهم مملوءةٌ بذكر هذه الأقوال والحكايات، كما في كتاب (الطبقات) للشعراني وغيره من مدونات الصوفية، وقد اصطلح الصوفية على تسمية هذه الأمور الصادرة عن مشايخ التصوف بـ (الشطحات)، وهو الاصطلاح […]

مغالطات حول مقام إبراهيم عليه السلام

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أولًا: تمهيد: بين الحين والآخر يثار جدل في حقيقة مقام إبراهيم عليه السلام، وضرورة نقله من مكانه، وأنه غير مراد في قول الله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، ويتناول الحديث فيه أطراف مختلفة، فمنها صحف ومجلات وقنوات إعلامية، وأخرى هندسيَّة معمارية […]

الأعياد بين السلف والخلف

إنَّ الأعيادَ في مفهومِ الشرع هي شعاراتٌ لأهل الملل، فكل يوم فيه جمع ويعود ويتكرر الاجتماع والفرح فيه فهو عيد؛ “فالعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد بعود السنة، أو بعود الشهر، أو الأسبوع، ونحوه”([1])، وهي ترمز لانتصاراتهم وخصوصيّاتهم الدينية، ويعبّرون فيها عن فرحِهم باعتقادِهم، وهي نعمةٌ من الله على أهل […]

نماذج من إعمال الإمام أحمد للحِجاجِ العقليّ في ردوده على المبتدعة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: بين الفينة والأخرى تعلو أصوات من ينعق بأهمية العقل وضرورة إعماله، ولكن أُودع في العقل اللاواعي لكثير من الناس أن أهل العقل هم الفلاسفة اليونانيون في الزمن الغابر والمخترعون التجريبيون في الوقت الحاضر وحسب، غافلين أو متغافلين عن إعمال أرباب الإسلام وعلماء السلف للعقل، سواء في بنائهم […]

الأصول العقليَّة على حجيَّة فهم الصَّحابة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمَة: أرسل الله رسوله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بخاتِمة الرسالات، وأعظم الكُتب على الإطلاق؛ ليكون نبراسًا للبشرية إلى قيام السَّاعة، فبلَّغ النَّبي صلى الله عليه وسلم الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح أمَّته، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلَّا هالك، وقد تلقَّى هذا الدين عن رسول الله […]

وقفاتٌ مع تجهُّم الأشاعرة.. ودعوى تكفيرهم لذلك

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: مسألة التَّكفير واحدةٌ من المسائل الكبرى التي اعتنى بها علماء الإسلام قديمًا وحديثًا، ولا شكَّ أنَّ لها مآلات كبيرة وخطيرة، سواء كانت عمليَّة أو علميَّة، وممن نبه على خطورة المسألة وعظّمها ابن أبي العز إذ قال: “واعلم -رحمك الله وإيانا- أنَّ باب التَّكفير وعدم التكفير بابٌ عظمت الفتنة […]

شبهةٌ وجوابها “في مسألة حقّ المطلَّقة في حضانة الأولاد في الشريعة الإسلامية”

مقدمة: تُثَار اليوم شبهات عديدةٌ حول المرجعية الشرعية للمجتمعات الإسلامية، وهذه الشبهات كثيرةٌ كثرَةَ سبل الخطأ، ومتشعبة تشعُّبَ أودية الانحراف، وهي تتوزع على أبواب الشريعة كلها من عقائد وعبادات وأخلاق وجنايات ومعاملات. ومن بين تلك الشبهات: شبهات تثار حول أحكام الأحوال الشخصية، مما يتطلب من أهل العلم السعي في رد تلك الشبهات ودحضها، وبيان الحق […]

 “وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ”..إثبات الكرسي والرد على من نفاه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       المقَـدّمَـــة: بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبلَّغ ما أُنزل إليه من ربِّه، فقابله الصحابة رضوان الله عليهم بالانقياد والتسليم بكل ما أُنزل إليهم من ربِّهم، ولم يكن تسليمهم لشرع ربِّهم اتباعًا مجردًا دون فهم واستيعاب لما ينزل عليهم؛ بل كانوا يسألون النبي صلى الله عليه […]

الوعيُ السِّياسي لدى الصَّحابة .. (اجتماع سقيفة بني ساعدة أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من البدهيات التاريخيَّة القول بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنشأ دولة إسلامية عريقة لا زالت تقف شامخةً بحضارتها في هذه الأرض، وليس الأمر قاصرًا على أنَّه فقط أنشأ دولة ذات سيادة مستقلة، بل كان هو عليه الصلاة والسلام رئيسًا وحاكمًا عليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم بجانب سلطته […]

وقفات مع هدم القباب في البقيع والأضرحة من كتاب: (لمحات من الحياة العلمية في المدينة المنورة من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    أولًا: بيانات الكتاب: يعدُّ هذا الكتابُ من المراجع المهمَّة في الحياة العلمية في المدينة المنورة، ففيه رصد تاريخيٌّ استقرائيٌّ لبعض الأحداث المهمة في المدينة المنورة، كما أنَّ فيه تحليلًا ونقدًا لها. ولعل من أهم النتائج التي توصل لها الباحث أن الظن بأن هذه القرون الأخيرة ليست إلا فترة […]

عدد ركعات صلاة التراويح (وهل صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة بدعة وهابية؟)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مع كون الخلاف في عدَدِ ركعات صلاة التراويح قديماً لكن وقع الغلوّ في هذه المسألة من  بعض الناس بين إفراط وتفريط، والمسلم يحرص في قيام رمضان أن يقومه إيمانًا واحتسابًا، فلا ينهج في ذلك سوى المنهج اللاحب الذي دلت عليه الأدلة الشرعية. فـ”لا ينبغي لنا أنْ نغلوَ أو نُفَرِّطَ، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017