الثلاثاء - 29 ربيع الآخر 1439 هـ - 16 يناير 2018 م

الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم

A A

لا يخفى على مسلم مكانة النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة عند ربه، فهو “سيد ولد آدم، وهو أول من ينشق عنه القبر، وهو أول من يشفع في المحشر”([1])، “وأول من يفتح باب الجنة يوم القيامة”([2])، وغير ذلك من الفضائل الجمّة التي حباه الله بها أو اختصّه بها.

فتعظيمه وتوقيره وتعزيره ومحبّته أكثر من أموالنا وأنفسنا وافتداؤه بأرواحنا حق وواجب، بلا انحراف عن القصد والشرع وبلا إفراط أو التفريط.

وقد كثر الإفراط في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم عند طوائف من الناس إما جهلا بالطريقة الشرعية أو ظنًّا أنه لا يناقضها، كادّعاء أنه أول من خُلق، أو أنه خُلق من نور، أو أنه يدبّر الأمر، و”أن من علومه علم اللوح والقلم”([3]). وغير ذلك.

ومن نتاج الغلو في المحبة أو التعظيم: تجويز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأنها سبب شرعي للطلب من الله عز وجل. ([4])

ولتحرير المسألة، وتفصيل أنواع الاستغاثة نقول:

الاستغاثة هي: نداء من يخلِّص من شدّة أو يعين على دفع بليَّة، فهي نوع من الدعاء([5]).

والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم على نوعين:

الأول: في حال حياته، وهي جائزة إذا كان حاضرًا وفيما يقدر عليه([6])

وهذا النوع من جنس طلب فعل الغير فيما يقدر عليه وهو أمر مباح، فهو من الأخذ بالأسباب، ومنه قوله تعالى عن صاحب موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}[ القصص: 15]، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه “أنه كان يضرب غلامًا فرأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ برسول الله”([7]).

النوع الثاني: بعد وفاته صلى الله عليه وسلم

فهي من الاستغاثة بالغائب، والاستغاثة بالغائب لا تجوز سواء أكان حيًّا قادرًا على إجابة ما يُطلب منه لو كان حاضرًا، أو كان غير قادر، أو كان ميتًا، وذلك بأن يقول: يا رسول الله اغثني، أو أنا أستجير بك، أو استغيث بك،  فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.([8])

وذلك لأنه صرفٌ للعبادة لغير الله تعالى؛ إذ الدعاء عبادة، وهو من جنس أفعال المشركين، كما أخبر الله عنهم، قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] وقال: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3].

فإن اعتقد أن بيده صلى الله عليه وسلم النفعَ والضرَّ، أو أنه الخالق الرازق، فهذا شرك أيضًا في الربوبية.

ودليل ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}[الأحقاف: 5].

وقوله تعالى في شأن الموتى والغائبين: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}[فاطر: 14].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار»([9])، وذكر الحجّاوي في صفة المرتد: الإجماع على كفر من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم.([10])

أما شبهات من قال بالجواز فهي:

الشبهة الأولى: أن الاستغاثة ليست من الدعاء بل هي من التوسل، وهو جائز، ([11]) ومنهم من يقرر أن الاستغاثة من الدعاء لكن ليس كل دعاء يكون عبادة. ([12])

والجواب: أن الاستغاثة غير التوسل في اللغة، والقول بأنها من التوسل يقتضي أن يكون سؤالُ رسول الله سؤالٌ لله. ([13])

لأن المتوسَّل به غير المستغاث به، فالذي يقول: أستغيث بفلان قد جعل فلان مستغاثًا به، أما الذي يقول أتوسل بفلان: فلابد أن يتوسل به إلى شخص آخر.

أما الدليل على أن الدعاء عبادة فهو قول النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة»([14])

الشبهة الثانية: حديث الأعمى، ففيه التوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء.

والجواب: أن الذي علمه النبي للأعمى هو التوسل إلى الله بدعائه له، وهو غير الاستغاثة به بعد مماته، والحديث أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري، قال: «أو أَدَعُكْ» قال: يا رسول الله إنه قد شق عليَّ ذهاب بصري ـ وفي رواية: «بل ادعه» ـ قال: «فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد، نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي، أن يكشف لي عن بصري، اللهم شفعه فيّ، وشفعني فيه» فرجع وقد كشف الله عن بصره.([15])

فقوله «اللهم شفعه فيّ» معناه: اللهم اقبل دعاءه لي، وقوله: «وشفعني فيه» أي: اقبل دعائي في أن تكون دعوته لي مستجابة.

الشبهة الثالثة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره يسمع من يخاطبه([16])،  فيجوز مخاطبته والطلب منه كالأحياء، لأن الحياة تكون في الروح، والدليل على ذلك مخاطبة نبي الله هود لقومه بعدما هلكوا، ومخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لقتلى قريش في بدر([17]).

والجواب: أن الأصل أن الميت لا يسمع، قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}[فاطر: 22]، إلا ما خصه الدليل.

والذي ثبت بالدليل هو أن الله يردّ على النبي صلى الله عليه وسلم روحه ليرد السلام عليه، وما عدا ذلك فهو على الأصل، ولم يرد دليل يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم يبلغه غير السلام ([18]).

وما ذكروه من خطاب هود لقومه ورسول الله لقتلى بدر هو مما استثني بالدليل.

الشبهة الرابعة: أحاديث وردت تدل على جواز الاستغاثة بالأموات، مثل حديث: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور». ([19])

والجواب: أنه حديث مكذوب باتفاق أهل العلم لم يروه أحد من علماء الحديث.([20])

والذي ورد هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله» لكنه ضعيف.([21])

وقد قال ابن تيمية: «لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، لا بنبي ولا بملك ولا بصالح ولا غير ذلك. بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه».([22])

وخلاصة القول أن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته لا تجوز، بل هي من الشرك الأكبر.

‏إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم، والحديث في مسلم (2278).

([2]) رواه ابن ماجه (3408) وصححه الألباني.

([3]) انظر: بردة البوصيري (الفصل العاشر، ص:22).

([4]) انظر: الفجر الصادق على منكر الكرامات والخوارق (ص:40).

([5]) الاستغاثة في اللغة: هي طلب الغوث وهو التخليص من شدة أو دفع بلية، ينظر: تاج العروس (5/314)، والرد على البكري (2/452).

([6]) الرد على البكري (1/58).

([7]) رواه مسلم (1659).

([8]) مجموع الفتاوى (1/350-351).

([9]) رواه البخاري (4497).

([10]) انظر: الإقناع (4/297).

([11]) انظر: الرد على البكري (1/244).

([12]) انظر: الفجر الصادق (ص:39).

([13]) انظر: الرد على البكري (1/245).

([14]) رواه أبو داود (1426) والترمذي (3372)، وابن ماجه (3828) وصححه الأالباني.

([15]) أصل الحديث رواه الترمذي (3578)، وابن ماجه (1385)، وصححه الألباني، وبعض روايات الحديث عند الحاكم في المستدرك (1180)، وصحيح ابن خزيمة (1219) وصححها الألباني، انظر: التوسل (ص:73).

([16]) انظر: الرد على البكري (1/151).

([17]) انظر: التوسل للسبحاني (ص:36)، وقد ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل بدر، وقف على القليب، فجعل يقول: «يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أقوام قد جيفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون».[ البخاري (3976)، مسلم (2874)].

([18]) انظر: الاستغاثة (1/154).

([19]) ذكر استدلالهم به ابن تيمية مجموع الفتاوى (1/356)، وابن القيم في إغاثة اللهفان (1/512).

([20]) مجموع الفتاوى (1/356)، وقال :«ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة» (قاعدة جليلة ص:152).

([21]) أخرجه الطبراني وحسنه الهيثمي ي مجمع الزوائد (10/159) وضعفه الألباني لأن في إسناده ابن لهيعة.

([22]) مجموع الفتاوى (1/103).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

رفع الحرج في الشريعة: الحدود والجنايات نموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   إن اعتبار المكلف في الشريعة الإسلامية والسعي لإسعاده في الدنيا والآخرة أمرٌ مقطوع به؛ ولهذا الاعتبار مظاهرُ كثيرة؛ منها سعي الشريعة لوضع القواعد المنظمة لحياة الإنسان، التي تضمن أن يسير في الحياة سيرًا لا يشق عليه، كما شرعت له شرائع تراعي حاله وترفق به، وتضع حدًّا للمشقة التي […]

حكم التكفير بالانتساب للمذاهب الكفرية

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، وبعد : فمن المعلوم لدى أهل العلم خطر قضية تكفيرالأعيان ؛ لما يترتب عليه من لوازم خطيرة  يجب الاحتياط جدًا قبل ولوجها ؛ ولذا اعتنى أهل العلم بضوابط تكفير الأعيان؛ فإن الخطأ في نفي الكفر عن […]

وحدة الأمة بمنظار سلفي

  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، محمد صلى الله عليه وسلم ، وبعد : دأب كثير من خصوم السلفية على اتهامها ببث الفرقة  والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة ، رغم أن من الأصول التي يُلح عليها السلفيون ، الدعوة للوحدة والاجتماع ونبذ الفرقة والاختلاف […]

إرهاصات الانبعاث السَّلفي

وصل العالم الإسلامي في مطلع العصر الحديث وفي ظل غيابٍ كليٍ للمنهج السَّلَفِي إلى أسوأ أحواله من حيث الانفصام بين العلم الشرعي الذي يتوارثه العلماء وبين العمل والقيام بالدِّين، فكانت صورة الدين الموروث في الكتب تختلف كثيرًا عن الدين المعمول به سوى ظواهر من أعمال الجوارح؛ كالصلاة والصوم والحج والزكاة كادت أن تكون هي الباقي […]

الانتصار لأهل السنة وكشف مذهب أدعياء السلفية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف خلق الله أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد.. فلا تكاد تخمد لأهل البدع راية إلا ويحاول بعضهم أن يرفعوا غيرها؛ عسى أن تلقى رواجًا […]

خسارة العالم بانحسار السلفية

كانت القرون الثلاثة الأُوَل بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هي عصر سيادة عقيدةِ السلف رضوان الله عليهم وفقهِهِم، وفيما بعدها بدأت مذاهب البدعة ترتفع من هنا وهناك، حتى جاء القرن الخامس الهجري حيث بدأت الدولة السلجوقية في عهد آخر ملوكها الأقوياء ألب أرسلان وابنه ملك شاه ووزيرهما نظام الملك (485ه) ففي ذلك العصر […]

المناظرات وعلاج الافتتان

  حضَّت أمانة هيئة كبار العلماء قبل أيام المختصين على الردِّ على ما يُشيعه عدنان إبراهيم من شبهات حول الكتاب والسنة، ومعتقد السلف، ومصادر التلقي، والصحابة الكرام -رضي الله عنهم- والتاريخ الإسلامي، وعدد من الأحكام الفقهية، وغير ذلك، وجاء ردُّ عدنان إبراهيم بطلب مناظرة من ترشحه هيئة كبار العلماء من العلماء الكبار كما يقول. أما […]

وحدة الأُمَّة في وحدة اتباعها

تابعت كملايين المسلمين خطبة يوم عرفة والتي ألقاها فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس شؤون الحرمين([1])، وكانت كما هو المتوقع من فضيلته جامعة مانعة نافعة مظهرة لحقيقة الإسلام الذي كادت البدع والأهواء والتحزبات أن تلقي به خلف ظهرها وتخفيه عن العالمين، لولا لطف الله –عزَّ وجلَّ– وإظهاره دينه ولو كره المجرمون. […]

ماذا قال لنا محمَّد بنُ عبدِ الوهَّاب؟

لا شك أننا حين نتحدث عن مصلحٍ ما ونريد أن نثبت أثرَه، لا بد أن ننظر في الأمر كيف كان قبله؛ ليتضح لنا ما هو الإصلاح الذي قدمه؟ ومن أراد أن يتعرف على نجد موطن الشيخ محمد، وكيف كانت قبله؟ فما عليه إلا أن يتصور عددا من المعطيات تكفُل له تصوير الواقع حتى وإن لم […]

حقيقة الأمر الشرعي ومعرفة المراد منه

ليس المراد من هذا المقال الدخول في المتاهات التي أدخل فيها المتكلمون من الأصوليين أنفسهم هل حقيقة الأمر أنه نفسي والصيغة دالةٌ عليه، وهل يتوجه الأمر للمعدوم أم لا، بل الذي يعنينا هنا هو معرفة حقيقة الأمر الشرعي من ناحية ما يدل عليه في استعمال الشارع من الأحكام، ومن ناحية أخرى معرفة مقصد الأمر هل […]

لماذا يجبُ السَّمْعُ والطَّاعةُ؟

العبد المؤمن مأمور بالتعبد لله تعالى باتباع النصوص عن الله تعالى وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- والاستسلام لها، سواء أَوَافقت هواه وعقله وما يرى أنه المصلحة أم خالفت ذلك كله، والقرآن الكريم فيه كل ما يهم المسلم في حاضره ومستقبله فهو كما قال عنه منزله -سبحانه- تبيانًا لكل شيء: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ […]

حقيقة عرض الأعمال على الرسول صلى الله عليه وسلم

حقيقة عرض الأعمال على الرسول صلى الله عليه وسلم الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبه ورسوله صلى الله عليه وسلم أما بعد، فتتنوع شبهات أهل البدع التي يستدلون بها على بدعهم؛ ما بين استدلالٍ بدليلٍ ثابتٍ ولكن لا حجة فيه، وضعيفٍ لا تقوم به حجةٌ. […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017