الأربعاء - 02 ربيع الأول 1444 هـ - 28 سبتمبر 2022 م

مقصلَة التَّجسيم (الجزء الثاني: دعاوى تجسيم ابن تيمية في الميزان)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

اتُّهم ابن تيمية رحمه الله بالتجسيم قديمًا وحديثًا، وقد توارد على اتهامه بذلك الأشاعرة والصوفيَّة والرافضة والأحباش، وقد اعتمدوا على فهمهم الخاص للتجسيم، وهو: أن إثبات الصفات الفعلية لله سبحانه وتعالى تجسيم، فحاكموا ابن تيمية على هذا الاصطلاح الحادث عندهم، ورموه بالقول بالتجسيم رغم أقواله الصريحة في موضوع التجسيم وبيانه أنه من الألفاظ المجملة التي لا يُطلق فيها القول بالإثبات ولا بالينفى، ورغم ردِّه على المجسمة كما بينَّا في الجزء الأول، مع ذلك كله نجدهم يكررون اتهامه به، مستندين إلى حجج واهية يلبِّسون بها على عامّة الناس، وفي هذا الجزء مناقشة لأبرز تلك المستندات.

المستند الأول: ما ذكره ابن بطوطة:

اعتمد البعض ممَّن يتّهم ابن تيمية بالتَّجسيم على ما ذكره ابن بطوطة في رحلته من حادثةٍ رآها هو مِن ابن تيمية رحمه الله، وهي التي ذكرها بقوله: “وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية، كبير الشأن، يتكلم في الفنون، إلا أن في عقله شيئا! وكان أهل دمشق يعظمونه أشدَّ التعظيم، ويعِظهم على المنبر، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعِظ الناس على منبر الجامع ويذكِّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إنَّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا)، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلَّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربًا كثيرًا حتى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلّم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعزَّره بعد ذلك”([1]).

المناقشة:

قبل الحديث عن الواقعة بعينها ينبَّه إلى أنَّ رحلة ابن بطوطة مليئة بما لا يقبله العقل، وقد رصد الباحثون أخطاء كثيرة في رحلته، بل فيها ما يحيله الواقع، وهي أقرب إلى الخيالات، ومن أسباب ذلك أن رحلته استغرقت قرابة الثلاثة عقود، وأملاها بعد رجوعه منها، ولم يكتبها بنفسه، وهذا مظنة النسيان والوهم بلا شك([2]).

أمَّا الواقعة بعينها فهي أيضًا عليها ملاحظات لا يمكن أن تكون صحيحة مع وجودها، من أهمها وأوضحها:

أنَّ ابن بطوطة قد صرح بوقت وصوله دمشق فقال: “وكان دخولي لبعلبك عشية النهار، وخرجت منها بالغدو لفرط اشتياقي إلى دمشق، ووصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين”([3])، أي: في: 9/ 9/ 726هـ، وابن تيمية رحمه الله في هذا الوقت كان مسجونًا بقلعة دمشق بإجماع المؤرخين من الموافقين والمخالفين([4])، يقول ابن كثير رحمه الله في أحداث سنة ستة وعشرين وستمئة: “وفي يوم الاثنين بعد العصر السادس من شعبان اعتقل الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين ابن تيمية بقلعة دمشق”([5])، وقد بقي رحمه الله في السجن حتى توفي فيه، فأنى لابن بطوطة أن يقابله وهو يعظ الناس على المنبر؟! وبغضِّ النَّظر عن سبب الخطأ وهل هو وهمٌ من ابن بطوطة أم من ابن جزيّ الكاتب الذي توهّم حضور ابن بطوطة الواقعة، بغضّ النظر عن هذا فإن الثابت هو أن ابن بطوطة لم يقابل ابن تيمية يقينًا ولم يحضر هذه الواقعة قطعًا.

ثمَّ ها هنا قاعدة مهمّة ينبغي استصحابها في هذه الدعوى وفي كل الدعاوى الواردة، وهي: أنَّ في نسبة التجسيم إلى ابن تيمية قفزًا حكميًّا؛ فإنَّ من يتهمه بالتجسيم لا يورد نصوصه الصَّريحة الواضحة في نفي التجسيم عن نفسه وعن مذهب السلف، وفي عدم إثبات لفظ الجسم لله سبحانه وتعالى أو نفيه، وكل هذه النصوص قد مرَّت بنا في الجزء الأول، وتصفح ما شئت من كتب المناوئين ممن يوردون هذه التهمة من المنبجي إلى فودة والحيدري الشيعي، ستجد أنهم يجمعون على القفز على تلك النصوص الواضحة وعدم ذكرها إطلاقًا.

المستند الثاني: إثباته لصفاتٍ تُفضي إلى التجسيم:

هذا أحد أكبر مستنداتهم في اتهام ابن تيمية بالتجسيم، وقبل الخوض فيه ينبغي التنبه إلى قضية مهمة وهي: أنه ينبغي أن تكون المناقشة أولًا في الصفات نفسها، وذلك بالجواب عن سؤال: هل إثبات الصفات يعدُّ تجسيمًا أو لا؟ هذا هو البحث الأساس في هذ الموضوع، فإن المخالفين يشنعون على ابن تيمية بالتجسيم لأنه يثبت الصفات لله، وذلك إلزام منهم لابن تيمية وغيره، فالقضية ليست في ابن تيمية وحده، وإنما القضية الأساسية هي إثبات الصفات وإفضاؤه إلى التجسيم عند المتكلمين.

أمَّا اتهام ابن تيمية بالتجسيم لأنَّه أثبت الصفات فكثيرٌ في كلام المخالفين، واستند إليه فودة كثيرًا في كتابه “الكاشف الصغير”، بل ينسب إلى ابن تيمية أنه ينسب التجسيم إلى جماهير أهل الإسلام، فقد نقل نصًّا لابن تيمية رحمه الله وهو قوله مخاطبًا الرازي: “وإن أردت أنَّهم وصفوه بالصفات الخبرية مثل: الوجه واليد وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض، أو أنَّهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسمًا والجسم متبعّض ومتجزئ وإن لم يقولوا: هو جسم، فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها”([6]).

قال فودة معلقًا: “فانظر في هذا الكلام الشَّنيع كيف ينسب القول بأن الله جسم إلى جماهير أهل الإسلام، بل وسائر الملل وسلف الأمة وأئمتها، فمن من السلف قال بهذا إلا المجسمة؟! وهل المجسمة هم سلف الأمة المباركة؟! فتعست إذن أمة سلفها وقدوتها هم أرذل الطوائف وأضيقهم عقولا وأقبحهم مذهبا”([7]).

واستند الحيدري إلى نفس النص لابن تيمية ويقول معلقًا: “إذن يعتقد هو أنَّ أهل الإسلام لا يقول: كلهم مجسمة، ولكن يقول: إن كل أهل الإسلام يعني كل علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين وصفوا الله بأوصاف تستلزم التَّجسيم، هذه النسبة إلى من ينسبها؟ إلى أهل الإسلام”([8]).

وقد جعل الإدلبي ذكر ابن تيمية لبعض نصوص العلماء وعدم التعقيب عليها ميلًا منه إلى التجسيم([9]).

المناقشة:

هذه المستنَد يعد من أكبر مستنداتهم كما بينت، وهو غير صحيح، وبيان ذلك في الآتي:

أولًا: سبق بنا الحديث عن القضيَّة الأساسية التي تُبحث في هذه المسألة وهي: هل إثبات الصفات تجسيم؟ فالأشاعرة يرون أن إثبات الصفات الفعلية وبعض الصفات الذاتية تجسيم، وابن تيمية ينازعهم في ذلك، ويبين في معرض كلامه أن هذا المصطلح الخاص بالأشاعرة لا يلزمه ولا يلزم أهل السنة والجماعة، فابن تيمية وأهل السنة يثبتون ما أثبته الله ورسوله ولا يقولون: إن هذا تجسيم أو ليس بتجسيم، ولا يلزمهم التمسك بمصطلحات حادثة لم ترد في الكتاب والسنة، ولا يصحّ لغيرهم من الأشاعرة ومن معهم بأن يحكموا على إثبات صفات الله بأنه تجسيم؛ لأن هذا مجرد حكمٍ منهم بلا دليل، يقول رحمه الله: “فما ثبت بالكتاب والسُّنة وأجمع عليه سلف الأمة هو حقّ وإذا لزم من ذلك أن يكون هو الذي يعنيه بعض المتكلمين بلفظ الجسم”([10])، بل يقول لهم تنزلًا في مواضع: إن كان هذا تجسيمًا فقولي حقٌّ لأني أثبت ما ثبت في الكتاب والسنة، ولا شأن لي بتسميتكم، فسمّوه تجسيمًا إن شئتم، وهذا مثل البيت المنسوب إلى الشافعي رحمه الله:

إن كان رفضًا حبُّ آل محمد … فليشهد الثقلان أني رافضي([11])

فما يقوله تنزلا يجعله فودة وأعوانه من كلامه، وما هو إلا دليل على الإفلاس في البحث عن نصٍّ صريح واحد من آلاف الصفحات التي كتبها ابن تيمية رحمه الله، لكن لم يجدوا فكان لا بدّ لهم من ليِّ النصوص والمعاني حتى يتهموه بالتجسيم، ولسان حالهم: أنت تثبت الصفات، ونحن نرى وندعي ونزعم أن هذا تجسيم، فأنت مجسم!

وقد بيَّن ابن تيمية رحمه الله أن هذا مصطلحهم الخاصّ، وهو غير معروف في اللغة، أي: تسمية من يتّصف بالصفات بأنه جسم([12]).

ثانيًا: يلزم من يتّهم ابن تيمية بالتجسيم لأنه يثبت الصفات ما يلزم ابن تيمية، وهكذا شأنهم في كثير من الأمور التي يتّهمون بها غيرهم؛ فإنه عند التحقيق نجد أنه يلزمهم بل ويلزمهم أشدّ مما ألزموا به غيرهم، ومن ذلك أنهم يلزمون من يثبت الصفات الفعلية بالتجسيم، فما الذي خصّص هذه الصفات؟! ويمكن أن يُعترض عليهم بمثل اعتراضهم فيقال: وإثباتكم للصفات العشرين أو السبع تجسيم؛ إذ لا يعرف متّصف بهذه الصفات إلا جسم. ويقال للمعتزلة: وإثباتكم للأسماء تجسيم؛ إذ لا يعرف من يتسمّى بهذه الأسماء إلا جسم.

وهذه قاعدة أعملها ابن تيمية مع المتكلمين في الصفات كما نبّه إلى التجسيم بالخصوص، فقال رحمه الله: “سالكو هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النَّفي، فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأنَّ هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنَّا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا، قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيَّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن”([13])، ويقول: ” فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته”([14]) إلى آخر ما قاله في هذا النص المهم وغيره([15]).

ثالثًا: قول الإدلبي أن عدم تعقيب ابن تيمية على بعض معاني الصفات هو دليل على ميله للتَّجسيم هو قول من لا يعرف ابن تيمية ولا طريقة كلامه وحجاجه، وقد سبق الحديث عن منهجية ابن تيمية في الحجاج وفي إيراد الكلام، فقد يتقمص قول فرقة وطائفة دون أن يبين خطأ القول؛ وذلك لإبطال قول آخر، وإن كان في موضع آخر يرد على تلك الطائفة التي تقمصها، وكذلك الحال في نصوص أخرى كثيرة يوردها ابن تيمية لبيان معنى أو للرد على أحد أو لغير ذلك فلا يعقب عليها، وفي الحقيقة لا يحتاج أحد أن يعقب على كل كلمة يوردها، خاصة إذا كان الموضوع غير الموضوع الذي يسوق النَّص من أجله، هذا إذا تنزلنا وقلنا: إن ما نقله يدل على التجسيم، ونحن لا نريد الخوض في هذه المسألة التي هي مسألة أخرى غير ما نحن فيه، لكن نتنزل لهم ونقول: تلك النصوص تدل على التجسيم، ثم كان ماذا؟! فاستدلالهم بعدم تعقيب ابن تيمية لا يدل إلا على شيء واحد وهو أنهم يبحثون عن القشة التي يتمسك بها الغريق، وكان يغنيهم عن هذه النصوص البعيدة نصٌّ واحد فقط من كلمتين أو ثلاث ينص فيها ابن تيمية على التجسيم.

رابعًا: ما ذكره سعيد فودة ليته ستر على فهمه الخائب ولم يذكره؛ فما بين كلام ابن تيمية وفهم فودة له كما بين عقل ابن تيمية وعقل فودة! فالنص الذي نقله فودة عن ابن تيمية وهو قوله مخاطبًا الرازي: “وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية… فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها”([16]). ثم علق عليه فودة بأن ابن تيمية ينسب التجسيم إلى جمهور المسلمين، ثم يتعجب في آخر هذا التعليق فيقول: “فالحاصل إذن أن ابن تيمية يعتقد أن كون الله جسمًا هو ما اتفق عليه سلف الأمة والصحابة، وهو قول أكابر العلماء من المسلمين، فتأمل وتعجب”([17]).

ولك أن تتأمّل وتتعجّب من صنيع فودة، فإنَّ هذا النص مبتورٌ من سياقه، ومع ذلك ففهم فودة فهم خاطئ، وفودة في “الكاشف الصغير” برمته لا ينقل عن ابن تيمية نصًّا طويلا إلا ويقطعه ويقسمه ليضيع الترابط في النص، فتجده بعد كل كلمتين يعلق ثم يعود لكلام ابن تيمية حاذفًا كلمات أخرى، ومثل هذا كثير في الكتاب، وعودًا إلى كلام ابن تيمية رحمه الله أقول: إنَّ هذا النص في سياق إثبات الصفات الخبرية، فاحذف الجمل الاعتراضية التي وضعتها أنا بين شرطتي اعتراض من كلام ابن تيمية وأعد قراءة كلامه ليكون هكذا: “وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية -مثل: الوجه واليد، وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض، أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسمًا، والجسم متبعض ومتجزئ، وإن لم يقولوا: هو جسم- فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها“. فما مذهب جماهير أهل الإسلام إذن؟ أهو التجسيم أم وصف الله بالصفات الخبرية؟! فالنص لا يحتاج إلى نباهة ونباغة وحذاقة، بل يَفهم المراد منه أي قارئ يعرف العربية، لكن غاص فودة في النص ليخرج لنا بهذا الفهم الغريب، ومما يؤكد على قولي هذا أن ابن تيمية بعد هذا النص مباشرة قال: “وفي الجملة فإثبات هذه الصفات هو مذهب الصفاتية من جميع طوائف الأمة مثل الكلابية وأئمة الأشعرية، وهو مذهب الكرامية”([18])، فهو يقول: لا اختصاص للحنابلة بإثبات الصفات الخبرية، ففي الجملة: إثبات الصفات هو مذهب كذا وكذا إلى آخر كلامه الواضح البين إلا عند فودة.

المستند الثالث: أن ابن تيمية قد خالف السلف الذين نفوا عن الله الجسمية:

مرَّ فيما سبق أنَّ ابن تيمية بين الموقف الصحيح للسلف من لفظ “الجسم”، فبين أنَّ جمهورهم لم ينفوه ولم يثبتوه، بل رأوا أنَّه لفظ لم يرد في الكتاب والسنة كما سبق تقريره في الجزء الأول، أمَّا المخالفون فيقولون: إن السلف قد نصوا على نفي الجسم عن الله سبحانه وتعالى وابن تيمية قد خالفهم.

فقد نقل الإدلبي نفي الجسمية عن الإمام أحمد وغيره فقال: “أما أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي الحنبلي المتوفى سنة 410هـ فينقل عن الإمام أحمد خلاف ذلك، إذ يقول عنه: وأنكر على من يقول بالجسم. وقال: إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسَمْك وتركيب وصورة وتأليف، والله تعالى خارج عن ذلك كله”([19]).

المناقشة:

هذا الكلام ناتج عن مجرد سوء فهم وسوء إدراك لحقيقة قول ابن تيمية، فهذا الكلام الذي ذكره عن الإمام أحمد المنقول عن رواية التميمي لعقيدة الإمام -والتي في صحتها ووثوقيتها كلام طويل ليس هذا مكانه- لا ينافي كلام ابن تيمية البتة، فليس بين الكلامين تعارضٌ حتى يقال: إن ابن تيمية خالف السلف، حقيقة قول ابن تيمية هو: أنَّ لفظ الجسم لم يرد في الكتاب والسنة فلا نثبته ولا ننفيه، وحقيقة قول هؤلاء الأئمة هو: الإنكار على من أثبت الجسم لله، فأين التعارض؟! ابن تيمية رحمه الله يؤكد أن مذهبهم هو عدم النفي وعدم الإثبات، إذن من أثبت ينكر عليه كما أنكر ابن تيمية نفسه على المجسمة وقد مرَّت نصوصه الصريحة في الإنكار عليهم، ومن نفى أنكروا عليه أيضًا؛ لأن اللفظ نفسه لم يرد في الكتاب والسنة، فقول الأئمة مؤيِّد ومؤكِّد لقول ابن تيمية لا معارض له، فالإدلبي قد فهم الموقف خطأ، وظنَّ أن ابن تيمية إن لم ينف الجسمية فهو بالضرورة يثبتها، وهذا إذا تنزلنا وقلنا: إنه لم ينفها، لكن الصحيح أنه نفى ورد على المجسمة كما مر.

فعدم النفي والإثبات متعلّق بوصف الله سبحانه وتعالى، فلا يصفونه بالجسم ولا ينفونه عنه، أما من اتخذ واحدًا من هذين الموقفين فيردون عليه، وكل النقولات التي نقلها الإدلبي هي في الرد على من أثبت الجسمية، وهو موقف صحيح من الأئمة ومن ابن تيمية رحمه الله، على أن ابن تيمية نفسه لا ينكر أن من الحنابلة من نفى الجسمية عن الله ابتداءً، يقول رحمه الله: “ويطلقون أيضًا لفظ الجسم إما لفظًا وإما لفظًا ومعنى، وأما الحنبلية فلا يعرف فيهم من يطلق هذا اللفظ، لكن فيهم من ينفيه، وفيهم من لا ينفيه ولا يثبته، وهو الذي كان عليه الإمام أحمد وسائر أئمة السنة”([20]).

المستند الرابع: تصريحه بالجسمية:

هذا الدليل لم أضعه أول دليل لأنه لا يوجد نصٌّ صريح -كما كررت ذلك مرارا- يقول فيه ابن تيمية: “إن الله جسم”، لكن يأبى البعض إلا أن ينسب إلى ابن تيمية أنه صرح بالتجسيم، وتجده يضفي على كلامه هذا كلمات طويلة عاطفية في عِظم أمر التجسيم كما يفعله فودة حتى تظنّ أن النصّ الذي سيذكره هو النص الذي لا نصَّ بعده، فيكون قطعيًّا في نسبة التجسيم إلى ابن تيمية، ثم تتفاجأ أنه جرَّ المعاني التي يريدها جرًّا إلى نص ابن تيمية الذي لا يفهم منه هذا المعنى، وعلى كل حال فقد نسبوا إلى ابن تيمية أنه يصرح بالتجسيم، ومظاهر ذلك عندهم في الآتي:

أولًا: بيان أن الله قائم بنفسه، ولا يوجد قائم بنفسه إلا ما هو جسم:

فينقلون عن ابن تيمية رحمه الله بأنَّه صرح بأنَّ الله قائم بنفسه، وأنه لا يوجد قائم بنفسه إلا وهو جسم، والنتيجة: أنَّ الله جسم، أو بتعبير آخر كما عند الحيدري: كل موجود إما جسم وإمَّا قائم بجسم، والله ليس قائمًا بجسم فهو إذن جسم، وفي هذا يقول الحيدري: “يقول -أي: ابن تيمية-: إمَّا هو جسم وإما قائم بجسم. وهذه قاعدة، وبالتالي الله لا يخرج عن الجسمية لأن الله لا يمكن أن يكون قائمًا بجسم؛ لأنه يكون محتاجًا إلى محله، إذن هو جسم. أين قال ذلك؟ في بيان تلبيس الجهمية. قال: (ويقولون: بل قامت القواطع العقلية وأن الموجود القائم بنفسه) الله أيضًا قائم بنفسه أو بغيره؟ بنفسه (وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدومًا) يعني: الله إذا كان موجودًا لا بد أن يكون جسمًا، وإذا لم يكن جسمًا فهو معدوم، الله يعلم أردت أن أمرر المشاهد الكريم والأعزاء خصوصًا أهل العلم والتحقيق والمراجعة حتى يرجعوا ويعرفوا أن المنهج العلمي كيف لا بد أن نسير مع الشخص”([21]).

وحرصت على نقل كلامه بطوله حتى أقول كما قال: الله يعلم أني أردت أن أقول هذا للقارئ الكريم والأعزاء خصوصًا أهل العلم والتحقيق والمراجعة؛ حتى يعرفوا أن المنهج العلمي عسير عليهم في الرد على مخالفيهم خاصة ابن تيمية رحمه الله، فكل هذا الكلام الطويل لم يكن من المنهج العلمي في شيء كما سأبينه.

وأكد على نفس هذا المعنى صهيب السقار فقال: “نصوص يصرح فيها ابن تيمية بأنه لا يعني بالقائم بنفسه إلا ما نعنيه بالجسم اصطلاحًا”([22])، ونقل عن ابن تيمية قوله: “فالمثبتة يعلمون بصريح العقل امتناع أن يكون موجودًا معينًا مخصوصًا قائمًا بنفسه، ويكون مع ذلك لا داخل العالم ولا خارجه، وأنه في اصطلاحهم لا جسم ولا عرض، ولا جسم ولا متحيز”([23])، ثم يقول صهيب السقار: “والحاصل من هذه النصوص أنه لا يعقل ما هو قائم بنفسه إلا ما يقولون: هو متحيز وجسم، وتأمل هذه الأوصاف السلبية التي لا يستطيع بزعمه أن يسلبها عن الباري سبحانه أهل العقول الصحيحة الذكية والقلوب التي لم تصدها العقائد التقليدية عن ما فطرت عليه، وأن القلوب بالضرورة لا تعلم قائما بنفسه إلا المتحيز، وأن الفطرة العقلية والفطر السليمة والعقل الصريح تعلم أن الموجود الممكن والمحدث لا يكون إلا جسما أو عرضا”([24]).

المناقشة:

ما قاله الحيدري والسقاف مجانبٌ للصواب، ولا يثبت نصًّا لابن تيمية رحمه الله على التجسيم، بل هو مجانبٌ للمنهج العلمي، فليتهم إذ لم يجدوا نصًّا صريحًا اعترفوا بذلك وبينوه للناس، فمشوا على طريقة علمية صحيحة، لكنهم دلّسوا حتى في دعواهم، وبيان ذلك:

1- النص الذي نقله الحيدري لم ينقله بطوله، ومع ذلك فقد نسب الكلام فيه إلى ابن تيمية، وبدأ يسرح بعيدًا بخياله في التشنيع على هذ القول، وأن هذا يعدّ تصريحًا من ابن تيمية على التجسيم، لكن حين نرجع إلى النص نجد الآتي، يقول ابن تيمية رحمه الله: “وطوائف كثيرة من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله، ويقولون: بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدومًا”([25]). والنص في سياق الكلام عن الصفات الخبرية وإثباتها، وادعاء المتكلمين بأن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، فيقول ابن تيمية: إن طوائف من المتكلمين يقدحون في هذا المعنى، ويرون أن كل قائم بنفسه يجب أن يكون جسمًا، فابن تيمية مجرد ناقل للكلام، فأتى الحيدري وتلاعب بالنص وجعله من كلام ابن تيمية، وقد كُنا نعذر الحيدري لو أن ابن تيمية نسب هذا الكلام إلى المتكلمين في صفحة أخرى، لكنّ العجيب أن نسبة هذا الكلام إلى المتكلمين هو في نفس الموضع، إلا أن الحيدري بتر الكلام موهمًا أن هذا قول ابن تيمية، ثم بدأ يشنّع على ابن تيمية ويبيّن أن هذا قول صريح منه بالتجسيم، فهل هذا هو ما يقبله المنهج العلمي الذي ينادي به؟!

2- ما ذكره صهيب السقار هو من جنس ما ذكره الحيدري، فابن تيمية هنا لا ينسب قولًا لنفسه، والمنهج العلميّ يقتضي أن ننسب الأقوال إلى أصحابها، ونبين القول الذي يقرره الشخص ونفصِله عن القول الذي ينقله، وسياق هذا الكلام في إثبات الصفات، ومن المعلوم أن ابن تيمية بنى كتابه هذا متقمّصا دور الكرامية ليرد على الرازي، وعلى كلّ حال فإن ابن تيمية يريد أن يقول: إنكم -أيها النفاة- حين تنفون الصفات فإنكم تنفون وجود الله، ذلك أن القائم بنفسه لا بد له من صفات تقوم به، ولا يوجد خالٍ من الصفات إلا في الأذهان لا في الخارج، وأنتم نفيتم الصفات بحجة أن هذا يستلزم التجسيم، فالمثبتة يقولون: نحن نثبت الصفات ولو لزم منه كونه جسمًا على مصطلحكم وليس على الحقيقة، وابن تيمية مجرد ناقل لهذا الكلام، ولهذا تجده يقول: “على اصطلاحهم”، “وما هو في اصطلاحهم جسم ومتحيز”، فهو على اصطلاحهم لا اصطلاحه، وبغضّ النظر عن موقف ابن تيمية من مصطلح الجسم وكون إثبات الصفات يستلزمه أو لا، فإنه في هذا النصّ ناقلٌ لقولٍ لا مقرر له، فلا يصح التشنيع عليه بمجرد نقله لكلام في معرض النقاش والحجاج.

ثانيًا: قوله: إن التجسيم أقرب للفطرة:

استند عددٌ ممَّن يرمي ابن تيمية بالتجسيم على قول ابن تيمية رحمه الله: “ومعلومٌ أنَّ كون البارئ ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة البديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة؛ بل بمقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء؛ بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد، وطوائف كثيرة من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله، ويقولون: بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدومًا. ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول”([26]).

يقول الحيدري: “إذن الله -أيها المسلمون، يا علماء المسلمين في العالم- إذا نفيتم الجسمية عن الله فقد نفيتم الوجود عن الله، (ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة) يعني إثبات الجسمية. إذن الأمر الأول الذي يعتقده الشيخ ابن تيمية يعتقد أن ما من موجود إلا جسم، وحيث إن الله موجود فلا بد أن يكون جسمًا، وإلا لو لم يكن جسمًا لكان معدومًا. هذا الأمر الأول”([27]).

واستند إلى هذا أيضًا سعيد فودة، بل قدّم للنص بمقدمات طويلة كعادته في التهويل، وهو يحشد العواطف ليكون الكلام بعد ذلك أدعى للقبول بعد أن لم يجد فودة نصًّا صريحًا، فتراه يقول عند إيراد هذا النص: “اعلم -أيها القارئ الفطن- أنَّ النصوص السابقة وإن كانت شنيعة ومصرحة بأن الله جسم مجسّم إلا أن هذا النَّص الذي سنتلوه عليك الآن قد فاقها في الشناعة والقبح”([28])، ثم ينقل النَّص السابق، ثم يعلق في آخر النص فيقول: “إذن فهو يرجح مذهب القائلين بأن الله جسم، وأن الله مركب من أعضاء وجوارح كما سبق، وكما ترى فهذا اعتراف صريح وواضح من ابن تيمية بأن الله جسم مركب من أعضاء وأدوات”([29]).

المناقشة:

هذا الدليل مستند إلى نصٍّ فعلوا فيه ما فعلوا في الأول من بتر للكلام ونسبة له إلى ابن تيمية وإن كان مجرد ناقل، وبيان الخطأ في الاستدلال بهذا النص يظهر في الآتي:

1- قول ابن تيمية: “ومعلوم أن كون البارئ ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة؛ بل بمقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة، ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء؛ بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد، وطوائف كثيرة من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله”([30]). هذا القول من ابن تيمية ليس فيه ما يمكن أن يُردَّ به عليه، فهل نجد آية واحدة في كتاب الله تصرح بأن الله جسم أو ليس بجسم؟! فكيف يشنع على ابن تيمية بأنه يبين أن نفي الجسمية عن الله مبني على مقدمات نظرية خفية؟!

ابن تيمية يقرّر أن نفي الجسمية عن الله مبنيّ على مقدمات خفية طويلة، فهل يقول فودة: إن هذا أمر فطري ضروري، أم هو اجتهادي نظري؟! ماذا يقول إذن عن أئمة الأشاعرة وغيرهم حين يقررون ما قرره ابن تيمية بعينه؟!

يقول الغزالي: “فإن قيل: فلم لم يكشف الغطاء عن المراد بإطلاق لفظ الإله، ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه موجود ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا هو في مكان ولا هو في جهة، بل الجهات كلها خالية عنه، فهذا هو الحق عند قوم، والإفصاح عنه كذلك كما فصح عنه المتكلمون ممكن، ولم يكن في عبارته قصور، ولا في رغبته في كشف الحقّ فتور، ولا في معرفته نقصان. قلنا: من رأى هذا حقيقة الحقّ اعتذر بأن هذا لو ذكره لنفر الناس عن قبوله، ولبادروا بالإنكار وقالوا: هذا عين المحال، ووقعوا في التعطيل، ولا خير في المبالغة في تنزيه ينتج التعطيل في حق الكافة إلا الأقلين، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم داعيًا للخلق إلى سعادة الآخرة رحمة للعالمين، كيف ينطق بما فيه هلاك الأكثرين؟!”([31]).

ويقول ابن رشد: “فإن قيل: فما تقول في صفة الجسمية؟ هل هي من الصفات التي صرح الشرع بنفيها عن الخالق سبحانه، أم هي من المسكوت عنها؟ فنقول: إنه من البين من أمر الشرع أنها من الصفات المسكوت عنها، وهي إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها… إدراك هذا المعنى ليس هو قريبًا من المعروف بنفسه برتبة واحدة ولا برتبتين ولا ثلاثة، وأنت تتبين ذلك من الطريق التي سلكها المتكلمون في ذلك… وقد تبين لك من قولنا: إن هذه الطريقة ليست برهانية، ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها”([32]).

فهذه الأمور ليست فطرية، بل يصل إليها الإنسان بمقدمات عسيرة، فما الذي قاله ابن تيمية مخالفًا لهذا؟!

والحيدري يعترف في مقطع له بأنه ليس هناك نصّ صريح في نفي الجسمية، بل يقول: لدينا فقط آيات عامة كقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، لكن ليس عندنا نص صريح في نفي الجسمية([33])، فما الذي تغير حين قال ابن تيمية هذا الكلام؟! بل الحيدري يقول بالنص: “أولئك الذين قالوا: ليس بجسم استندوا إلى أدلة عقلية فلسفية”، ثم ينص فيقول: “أرى أن أبين لك أساس كيف أن المفهوم القرآني (الله موجود)، أما مصداق هذا الوجود جسم أو ليس بجسم؟ نظري أو اجتهادي؟ اجتهاديّ”([34]). فماذا قال ابن تيمية غير هذا؟!

2- ما استند إليه فودة وهو قول ابن تيمية: “ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول”([35])، هذا كلام ابن تيمية الذي قدم له فودة بأن ما سيذكره قد فاق ما سبق في الشناعة والقبح، ومن يسمع هذا الكلام في الفصل الذي يبحث فيه فودة تجسيم ابن تيمية سيظن أن هذا النص جازم قاطع في نسبة ذلك، ولكن كل ما يفيده هذا النص هو أن القول الذي نقله عن بعض طوائف المتكلمين أقرب إلى الفطرة والعقل بالنسبة إلى قول النفاة الذين يثبتون موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينًا ولا محايثًا، فالقول الأول بالنسبة لهذا أقرب إلى الفطرة والعقل عند ابن تيمية.

وقول ابن تيمية: إن هذا القول أقرب لا يعني أنه هو الحق حتى تسوَّد كل هذه الصفحات من أجل هذه اللفظة، ويساق هذا اللفظ دليلًا على تصريحه بالتجسيم! بل يفهم كل عربي أن كون الشيء أقرب إلى شيء لا يعني أنه هو، وابن تيمية يستعمل هذه الكلمة في مقارنة الأقوال المتعارضة، ويبين الأقرب منها وإن كان يبين بطلانها كلها، يقول ابن تيمية مبينًا هذا المعنى: “يمكن بيان أن قول الأشعري وأصحابه أقرب إلى صحيح المعقول من قول المعتزلة، كما يمكن أن يبين أن قول المعتزلة أقرب إلى صريح المعقول من قول الفلاسفة، لكن هذا يفيد أن هذا القول أقرب إلى المعقول وإلى الحق، لا يفيد أنه هو الحق في نفس الأمر”([36])، فنص ابن تيمية في الموازنة بين قولين، فنقَل قول طائفة ثم بيَّن أن قولهم أقرب إلى العقل، فجاء فودة ليجعله بهذه الصراحة: “إذن فهو يرجح مذهب القائلين بأن الله جسم، وأن الله مركب من أعضاء وجوارح كما سبق، وكما ترى فهذا اعتراف صريح وواضح من ابن تيمية بأن الله جسم مركب من أعضاء وأدوات”([37]). فمجرد قول ابن تيمية: “هذا أقرب” يجعله فودة “اعترافًا صريحًا واضحًا من ابن تيمية بأن الله جسم”، وهذا إنما يدل على عدم حصوله على أيّ دليل، حتى ذهب وتمسك بدليل بعيد مثل هذا، ثم يَضحَك به على عقول السُّذَّج من أتباعه ليؤكد لهم أن هذا اعتراف صريح.

المظاهر الخاطئة في نسبة التجسيم إلى ابن تيمية:

عند قراءة دعاوى من يتهم ابن تيمية بالتجسيم نجِد جملةً من الأخطاء المنهجية أو المظاهر الخاطئة في نسبة هذا القول إلى ابن تيمية رحمه الله، يمكن أن نرصدها في الآتي:

أولا: إلزامه بمصطلحاتهم الخاصة:

نجد في كثير من المواضع التي يشنّعون فيها على ابن تيمية أنهم يذكرون إثباته للصفات وأنه يلزم منه التجسيم، فكلما أثبت ابن تيمية صفة ينكرونها -كالاستواء وعلو الذات وغير ذلك- صاحوا به بأنَّ هذا تجسيم، فهم أولًا قد وضعوا مفهومًا للتجسيم، ثم حاكموا عليه ابن تيمية ونسبوه إلى هذا المفهوم الخاص بهم، وهذا خطأ منهجي بلا شك؛ فإنَّ هذا المفهوم غير متفق عليه، يصح منهم نسبة التجسيم إلى ابن تيمية إذا كان هناك مفهوم متفق عليه للتجسيم، فيطلق لمن قال بهذا المفهوم بأنه قال بالتجسيم بغضّ النظر عن صحة القول بالتجسيم من عدمه، ونحن في كتابات المشنعين لا نجد هذا المعيار، بل نجد أنهم قد وضعوا مفهومًا خاصا للتجسيم وهو إثبات الصفات، وحاكموه على هذا المفهوم، ولهذا يفصل ابن تيمية رحمه الله في مواضع كثيرة في لفظ “الجسم”([38])، ويبين أن له عدة مفاهيم، ثم يؤكد على أن إثبات الصفات لا يلزم منه التجسيم، ولو سموه تجسيمًا فذاك شأنهم، ومجرد تسميتهم لإثبات الصفات تجسيمًا لا يبطل القول بالصفات، وليس له وزن علمي.

وللأسف تجد هذا كثيرًا عند فودة، وهو يأتي مرات يقدم بمقدمات خطابيَّة يؤكد فيها على أنَّ ابن تيمية مجسم، وله في ذلك نصوص صريحة واضحة، ثم يتلاعب بالنصوص، وفي الأخير نجد أنه يُلزم ابن تيمية بمفهوم فودة للتجسيم! بل عند التأمل نجد أنَّ نصوص ابن تيمية لا تدلّ حتى على مفهوم فودة الخاص، ففودة يرى أن معنى الجسم عند الأشاعرة: “المتحيز القابل للقسمة”([39])، فهذا مفهوم خاص بالأشاعرة للجسم، ومع هذا هل صرح ابن تيمية بأن الله يقبل القسمة، أم أنهم حتى في هذا ألزموه؟! فالوصول إلى نسبة التجسيم إلى ابن تيمية يمرّ بطرق ملتوية وإلزامات مبنية على إلزامات، فيلزمونه أولا بأن كلامه يعني أن الله يقبل القسمة، ثم يلزمونه بأن الجسم هو القابل للقسمة، ثم ينسبون له القول بالتجسيم! وفودة قد صرح في بداية مبحثه عن نصوص ابن تيمية في التجسيم فقال: “وهنا سوف نوضح رأي ابن تيمية في هذه المسألة بنصوص صريحة منه، وهي: هل الله تعالى جسم أو لا؟”([40]). فمن يقرأ هذه العبارة يظن أن فودة حتمًا سيأتي بنص صريح واحد على الأقل يقول فيه ابن تيمية: “نعم؛ إن الله جسم”، ولكن دون هذا خَرط القتاد كما يعلم فودة نفسه؛ ولذا يكفي أن تمر على النصوص العشرة التي ذكرها لترى مصداق كلامه، وقد مر بنا بعضها. بل يقول فودة بعد سطور ما يبيّن نوعية النصوص التي سيوردها، فهو قد بين أن لابن تيمية نصوصًا صريحة في التجسيم، لكنه جاء قبل إيراد النصوص يقول: “وسوف ننقل نصوصًا عديدة عن ابن تيمية يوضح فيها أنه يقول بأن الله تعالى متحيز أي: له حيز، وأنه جسم بهذا المعنى”([41]).

فانظر إلى الإلزامات المبنية على إلزامات، يذكر فودة أنه سيأتي بنصوص صريحة ثم كل ما يفعله هو أنه يقول: إن ابن تيمية له كلام يلزم منه أن الله متحيز، إذن يلزم منه أن الله جسم بهذا المعنى! وللقارئ الحصيف الحكم على هذا الصنيع.

ثانيًا: الكذب على ابن تيمية:

نجد لسعيد فودة والحيدري وصهيب السقار وغيرهم كلامًا عظيمًا في التشنيع على ابن تيمية، ثم عند التدقيق نجد أن الأمر المشنَّع عليه لم يقل به ابن تيمية بل هو كذب عليه، وقد قلت: “كذب عليه” لا “خطأ عليه”؛ لأن هذا هو ما يظهر من صنيعهم، وإلا ما معنى أن ينقل الحيدري -مثًلا- نصًّا لابن تيمية من صفحة واحدة من كتاب واحد فيحذف بعض العبارات وهو يشرح وينتقي عبارات محددة؟! لو كان الكلام في صفحة أخرى لعذرناه، لكنه يحذف من أثناء كلام ابن تيمية في الصفحة الواحدة، فهل مثل هذا نقول: إنه أخطأ ولم يكذب على ابن تيمية؟! ومثله سعيد فودة يصنع هذا في نصوص ابن تيمية، فلا ينقل لك النصّ كاملًا، وإنما يأخذ النصّ الواحد فيجعله ثلاثة أو أربعة مواضع أو أكثر، ويضيّع الترابط الموجود في النص الواحد؛ ليحشو فودة بين كل نصّ مجتزَأ مقطوع ما يريده هو؛ حتى يوجّه القراء إلى قراءةٍ هو يريدها، وليست هي القراءة الصحيحة لنص ابن تيمية.

يقول الحيدري -وسأورد النص بحذف بعض كلام الحيدري وإبقاء كلام ابن تيمية الذي نقله حتى نعرف كيف نسب ابن تيمية إلى التجسيم، ونص ابن تيمية في نص الحيدري بين قوسين- يقول: “سأقرأ بعض العبارات وإن كانت طويلة ولكنه حتى لا يقول لي أحد: سيدنا لماذا تقتطع العبارات؟ اقرأ العبارة من أولها إلى آخرها… يقول: (ومعلوم أن كون البارئ ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة) يعني نفي الجسمية ليس قريب من الفطرة، (ولا بمقدمات بينة في الفطرة، ولا بمقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة ولا متفق على قبولها بين العقلاء)، هذه كلها يريد أن يرد نظرية نفي الجسمية. هل هناك أوضح من هذا؟! لا عقلًا ولا فطرةً يثبت لنا أن الله ليس بجسم. يقول: (وإن الموجود القائم بنفسه) ولا إشكال مصداق هذا الموجود هو الله هو المصداق الأول (وإن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا) قصر وحصر، (وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدومًا) يعني إذا قلتم: إن الله ليس بجسم فهو معدوم. إذا كان يوجد أحد من أهل العلم من الوهابية أو من أتباع ابن تيمية الذين يدافعوا ويحاموا عن عقيدته يريدون أن يدافعوا فليدافعوا، تفضَّلوا، لا أن تذهبوا يمينًا ويسارًا، وتحاولوا أن توهموا المشاهد”([42]).

ولك أن تتعجّب كيف يكذب، ويلوي النصوص، ويوهم السامعين بشيء هو يريد أن يوصله ولو بالكذب على ابن تيمية ثم يقول: أهل السنة يوهمون الناس! هذا النص الذي ذكره الحيدري يقرؤه من كتاب ابن تيمية كعادته، لكنه أثناء نقل النص يحذف كلاما لابن تيمية، فالنص المنقول ليس كلام ابن تيمية، بل هو نقله من طوائف من المتكلمين! فلِمَ ينسبه الحيدري إلى ابن تيمية؟ وإن قلنا: إنه أخطأ فما المانع من أن يقرأ النص كاملا حتى نعرف هل أخطأ في الفهم فقط، أو كذب على ابن تيمية، بل تصرف في النص ليوهم المشاهد بما يريده، وحذف كلام ابن تيمية لأنه يكشف زيفه الذي يقدمه، وفي الجدول أدناه نص ابن تيمية كما نقله الحيدري، ونص ابن تيمية من مصدره:

نص ابن تيمية كما نقله الحيدري

 

نص ابن تيمية من مصدره

ومعلوم أن كون البارئ ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة، ولا بمقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة ولا متفق على قبولها بين العقلاء، وإن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدومًا.

 

ومعلوم أن كون البارئ ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة؛ بل بمقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة، ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء؛ بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد، وطوائف كثيرة من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله، ويقولون: بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسمًا لايكون إلا معدومًا. ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول.الأول([43]).

والحكم متروك للقارئ الكريم.

ثالثًا: أخذ كلامه في معارضة المتكلمين بعضهم ببعض وجعل هذا دليلًا على ميله إلى التجسيم:

وقد نبهنا في الجزء الأول إلى منهجية ابن تيمية في الحجاج في هذه المسألة، وأن كلامه في كتابه “بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية” كان وهو متقمّص دور الكرامية في الرد على الرازي، وصرح ابن تيمية بأن الرازي ومن معه إن لم يستطيعوا الرد على هؤلاء مع ضعفهم لن يستطيعوا الرد على أدلة أهل السنة والجماعة، فابن تيمية ينص على أنه يتكلم بلسان غيره عند محاورة الرازي([44])، وقد بينت في الجزء الأول عند بيان المنهجية أن ابن تيمية يفعل ذلك لأسباب كثيرة، منها بيان ضعف القول، وبيان بطلان القولين معا، فيضرب القول الباطل بالباطل، وعلى كل حال فإن المشنّعين يأتون إلى نصوص يقولها ابن تيمية في معرض جداله وحواره مع الرازي أو غيره، فينسبون ذلك الكلام إليه، وهذا لا شك أنه خلل في الأمانة العلمية.

وأخيرا: هذا موقف ابن تيمية رحمه الله كما يظهر من خلال نصوصه الصريحة، وهذه دعاوى القوم وفيها كذباتهم، وقد رأينا أن الدعاوى لا تثبت شيئًا على ابن تيمية رحمه الله، بل فيها من الكذب عليه وعدم الإنصاف الشيء الكثير، ومع هذا فإنها لا تدل على مرادهم ولا يثبت التجسيم لابن تيمية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) رحلة ابن بطوطة (1/ 316-317).

([2]) تنظر ورقة علمية من ثلاثة أجزاء في مركز سلف بعنوان: “المخالفات العقدية في رحلة ابن بطوطة”.

([3]) رحلة ابن بطوطة (1/ 297).

([4]) انظر: نهاية الأرب في فنون الأدب (33/ 213-215)، وتاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه (2/ 111-123)، والعقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 396-399)، وأعيان العصر وأعوان النصر (1/ 238)، والبداية والنهاية (18/ 267-268)، والجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون (ص: 32)، وابن تيمية المجتهد (ص: 48).

([5]) البداية والنهاية (18/ 267).

([6]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 251).

([7]) الكاشف الصغير (ص: 149).

([8]) ضمن حلقاته عن تجسيم ابن تيمية بعنوان: التجسيم عند ابن تيمية وأتباعه.

([9]) المرجع السابق.

([10]) الفتاوى الكبرى (6/ 547).

([11]) ديوان الإمام الشافعي رحمه الله (ص: 14).

([12]) ينظر: شرح حديث النزول (ص: 70)، مجموع الفتاوى (5/ 421)، التدمرية (ص: 53).

([13]) التدمرية (ص: 134).

([14]) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال (ص: 10)، وينظر: منهاج السنة النبوية (2/ 105)، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (4/ 421)، ومجموع الفتاوى (17/ 323).

([15]) ينظر: الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال (ص: 9).

([16]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 251).

([17]) الكاشف الصغير (ص: 150).

([18]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 251).

([19]) عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار (ص: 71).

([20]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (3/ 555).

([21]) في حلقاته عن تجسيم ابن تيمية بعنوان: التجسيم عند ابن تيمية وأتباعه.

([22]) التجسيم في الفكر الإسلامي لصهيب السقار (ص: 295).

([23]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (2/ 365).

([24]) التجسيم في الفكر الإسلامي لصهيب السقار (ص: 297).

([25]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 359).

([26]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 359).

([27]) ذكره في حلقاته عن تجسيم ابن تيمية.

([28]) الكاشف الصغير (ص: 150).

([29]) الكاشف الصغير (ص: 156).

([30]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 359).

([31]) إلجام العوام عن علم الكلام (ص: 72).

([32]) الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة (ص: 60-61).

([33]) في مقطع له على الرابط التالي:

([34]) المقطع السابق.

([35]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 359).

([36]) درء تعارض العقل والنقل (7/ 238).

([37]) الكاشف الصغير (ص: 156).

([38]) ينظر: شرح حديث النزول (ص: 70)، ومجموع الفتاوى (5/ 421)، و الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال (ص: 27-29).

([39]) الكاشف الصغير (ص: 123).

([40]) الكاشف الصغير (ص: 130).

([41]) الكاشف الصغير (ص: 130).

([42]) في حلقاته عن تجسيم ابن تيمية.

([43]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 359).

([44]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (4/ 266-267).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

ترجمة الشيخ محمد حامد الفقي (1310- 1378)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  اسمه ونسبه ومولده: هو محمد حامد بن أحمد عبده الفقي. ولد بقرية نكلا العنب، بمركز شبراخيت، مديرية البحيرة، في سنة 1310هـ الموافق 1892م. نشأته: نشأ في كنف والدين كريمين، فوالده: الشيخ أحمد عبده الفقي، تلقى تعليمه بالأزهر، ولكنه لم يكمله؛ لظروف اضطرته لذلك. أما والدته فقد كانت تحفظ القرآن، […]

إطلالة على الجمود الفكري عند مثيري الشُّبُهات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: ظهرت مواقع وسائل التواصل الاجتماعي في الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، وإن كانت لم تصل إلى العالم الإسلامي والعربي إلا حوالي عام 1426هـ / 2005م؛ حيث نجح أولًا موقع يوتيوب في بثِّ المحتوى المرئي، ثم نشأ من بعده برنامجا فيس بوك وتويتر وما بعدها من البرامج، ولا يُعنى […]

قراءة نقديّة في كتاب (الصواعق والرعود) لابن داود الحنبلي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، فمنذ ظهرت الدعوة السلفية الإصلاحية التي قادها وجدَّدها الشيخ الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب (ت 1206هـ) في بلاد نجد وما حولها، […]

من تكفير ابن عبد الشكور إلى تكفير ابن فيروز

بعد مقالي السابق”التكفير بين الدرر السنية وبين ابن عبدالشكور” تواصل معي بعض طلاب العلم والمثقفين مستغربين من عبارات ابن عبد الشكور المغرقة في دنس التكفير الذي لا يرتضيه صاحب فطرة سليمة ،وأكد بعضهمُ ما أشرتُ إليه  في المقال وهو أن نُقَّاد الخطاب السلفي ماهم إلا أدوات تشويه بعضها مستأجر وبعضها مأزوم فكرياً ،بدلالة صمتهم عن […]

هل القول بتحريمِ البناءِ على القُبور بدعة وهابيَّة؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: “من الأمورِ المشهورة عن احتلالِ فرنسا للقيروان في تونس أنَّ رجلًا فرنسيًّا دخلَ في الإسلام وسمَّى نفسه: سيِّد أحمد الهادي، واجتهدَ في تحصيل الشَّريعة حتى وصَلَ إلى درجةٍ عالية، وعُيِّنَ إمامًا لمسجدٍ كبير في القيروان، فلمَّا اقتربَ الجُنودُ الفرنساويون من المدينة لغزوها واحتلالها، استعدَّ أهلُها للدفاع عنها، وجاؤوا […]

جوانب من حياة العلامة جمال الدين القاسمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فهذه جوانب، من حياة مصلح كبير، وعالم شهير، تعلم وعلّم، ودعا وصبر، حتى نفع الله به البلاد والعباد، ألا وهو الشيخ جمال الدين القاسمي.   نسبه وولادته: هو أبو الفرج محمد جمال الدين […]

عرض وتعريف بكتاب “طعون وشبهات الشيعة الإمامية حول صحيح البخاري والرد عليها”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: طعون وشبهات الشيعة الإمامية حول صحيح البخاري والرد عليها. اسم المؤلف: الدكتور عادل يوسف العزازي. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى، دار اللؤلؤة بالمنصورة، جمهورية مصر العربية، عام 1442هـــ/ 2021م. حجم الكتاب: يقع الكتاب في أربع مجلدات، وعدد صفحاته (2489) صفحة. أصل الكتاب: رسالة علمية […]

بين تكفير الدرر السنية وتكفير ابن عبد الشكور

  أصبح التكفير من التهم التي كما يقولون معلبة ومُلقاة على قارعة الطريق يتناولها كل مناوئ للسلفية ، تاريخها ومبادئها وواقعها ليلقي بها على كل ما هو سلفي ومن هو سلفي ، لأهداف متباينة تختلف باختلاف منهج الكاتب أو المتكلم. ولا تكاد تدخل مواقع التواصل الاجتماعي إلا وتجد العديد من  الشبهات تتناول السلفية من أطراف […]

قبس من حياة العلامة عبد الظاهر أبو السمح

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فهذا قبس من حياة عالم جليل، ومصلح كبير، دعا إلى الله تعالى على بصيرة وعلم وحكمة، هو الشيخ العلامة عبد الظاهر أبو السمح.   نسبه وولادته: هو الشيخ محمد عبد الظاهر بن محمد […]

جواب الاحتمال الوارد على النبوة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة العاقل يَعلمُ علمَ يقينٍ أن المعارف البشرية على تنوعها ودِقة بعضها ليست وليدةَ العقل البشري في كل تفاصيلها، بل لها مصادر كثيرة، والمؤمن يرى أن أعظمها وأسلمها هو الوحي المتلقّى عن الأنبياء، خصوصا في جانب القيم والأخلاق والتشريعات؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يهتدي إلى الحق في كل شيء […]

حقوق المطلقات بين الشريعة والقوانين الوضعية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الكليات الشرعية التي يعلمها كل دارس للفقه الإسلامي أن حفظ العرض مقصد كلي، وبقاء النسل الإنساني كذلك؛ ومن ثم شرعت الشريعة النكاح لاستباحة الأبضاع مع حفظ حقوق المكلفين، وقد سمى الله العقد الواقع بين الزوجين ميثاقا غليظا، وعين حقوق كل طرف، وما له وما عليه، ثم فتح […]

الغُلوُّ في حقوق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (مسألَةُ العصمَةِ نموذَجًا) الجزء الثاني

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المسألة الثانية: عصمة الأنبياء بعد النبوَّة من الكبائر والصغائر: أولًا: عصمة الأنبياء من الكبائر وصغائر الخِسَّة عند الأشعرية: قال القاضي ابن الباقلاني في أحكام الأنبياء: «ومن صفته أن يكون منزّهًا عن الكفر بالله، وإصابة الفجور، وكل مُسقطٍ سخيفٍ من الذنوب بعد إرساله»([1]). وقال: «ومن حَقّه أن يكون مُنزّهًا […]

الغُلوُّ في حقوق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (مسألَةُ العصمَةِ نموذَجًا) الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تعدُّ الشيعةُ الإمامية من غلاة الفرق في مسألة العِصمة، حيث حكموا بامتناع جميع الذنوب من الصغائر والكبائر سهوًا وعمدًا من أوّل العمر إلى آخره على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بدعوَى أنَّ ذلك يوجب التنفيرَ عنهم، ويسقط الوثوق بأقوالهم، وقالت المعتزلة أيضًا بنحو قولهم. «‌وهم ‌قصَدوا ‌تعظيمَ الأنبياء بجهلٍ كما […]

تطبيقات قانون الجذب “في ميزان النقد”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الإنسانُ في حركةِ العصر الجديد وفي الفِكر الباطني جزءٌ من الإله، فهو ينطوي في أعماقه بالقوة على كلِّ القدرات والملكات التي تتَّصف بها الألوهية، والإنسانُ بحسب هذا المعتقد يستحِقّ كلَّ شيء، ويستطيع أن يحصل على كلّ شيء، بل يستطيع أن يصل إلى الكمال المطلق، لكنه لا يستطيع أن يتبيَّن […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017