الأربعاء - 21 ذو القعدة 1445 هـ - 29 مايو 2024 م

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- كنوع من الدعاية الترويجية لمذهبهم، بل قد يضيفون بعضَ علماء الأثرية اعتمادًا على جهل المُتلقي؛ كابن عبد البر والمزي والذهبي وابن كثير.

ثم إذا اقتنع طالب العلم أنه لا بدّ من متابعة جمهور الأمة، ثم أراد أن يتعلم العقيدة الأشعرية، ودخل قاعة الدرس؛ أخرجوا له الأسماء الأخرى كالفخر الرازي والآمدي والسنوسي والسعد التفتازاني والجلال الدواني وغيرهم، حتى يتعلَّم علم الكلام والمنطق الآرسطي من خلالهم، وهو المذهب الذي ذمَّه الفريق الأول الذين تترَّس بهم لما أراد ترويجَ بضاعته.

وقد بيَّن المقريزي الشافعي أنَّ سبب انتشار المذهب الأشعري هو حمل السلاطين له بقوة السيف والسجن والتنكيل بمن يخالفه، ثم قال: “فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نُسي غيره من المذاهب وجُهل؛ حتى لم يبق اليوم مذهب يُخالفه، إلا أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات”([1]).

ولمَّا كان الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث خلافًا محتدمًا عبر التاريخ، وكان بينهم من التبديع والتكفير ما لا يمكن إنكاره لتواتره وشهرته، اضطروا في النهاية إلى القول بأنَّ هذا الخلاف كان خلافًا لفظيًّا وقريبًا.

وهذه الدعوى مع ما فيها من تجهيلٍ لعلماء الإسلام عبر القرون، ففيها أيضًا تزوير للتاريخ الفكري للمسلمين، فكيف لا يُدرك كل العلماء على مدار عصور الإسلام أنَّ الخلاف لفظيّ وقريب ثم يكتشفه المعاصرون؟! لا شك أنَّ تقديم الأمر بهذه الصورة فيه تسطيحٌ شديد للمسائل وبُعدٌ عن الحياد العلمي.

ونحن في هذا المقام سوف نناقش بعض كبار المسائل بإنصافٍ وعدل، ليتبين للقارئ الحقيقةُ كاملةً غير مجتزأة.

والمنهج الذي سنسلكه هو أن نذكر المسألة من مسائل الخلاف، ثم اعتراف علماء الأشاعرة بمخالفة أهل الحديث في كل مسألة نذكرها -إن شاء الله-، لنقطع بذلك على المخالف التأويل والتكلُّفات.

أولًا: مصدر التلقي:

قد بَلوَر الفخر الرازي في كتابه (أساس التقديس) منهجَ التلقي عند الأشاعرة مقدِّمًا العقل (الذي هو علم الكلام) على النقل (القرآن والسنة) فيما أسماه بالقانون الكلّيّ، وتبعه عليه المتأخرون من الأشاعرة.

قال الرازي: “اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعِر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يصدَّق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال، وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال، وإما أن يصدَّق الظواهر النقلية وتكذَّب الظواهر العقلية وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاتِه وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم…”([2]).

ويقول السنوسي رحمه الله: “أما من زعم أن الطريق بدأ إلى معرفة الحق بالكتاب والسنة ويحرم ما سواهما فالرد عليه أن حُجتيهما لا تُعرف إلا بالنظر العقلي، وأيضًا قد وقعت فيهما ظواهر من اعتقدها على ظاهرها كفَر عند جماعة أو ابتدع”([3]).

وقد اعترف السعد التفتازاني أن طريقتهم تخالف ما تواتر عن كتب الأنبياء وفطرة العقلاء فقال: “والواجب أنها ظنية سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيُقطع بأنها ليست على ظاهرها، فيفوَّض العلم بمعانيها إلى الله، أو تؤوَّل تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية… -إلى أن قال:- فإن قيل: إذا كان الدين الحقّ نفي الحيِّز والجهة فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تُحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع منها تصريح بنفي ذلك وبيان استحالته؟! مع أن المقام مقام التصريح بنفيها، بل مقام التأكيد والتكرير كما كررت الدلالة على وجود الصانع ووحدته وعلمه وقدرته وحقيَّة المعاد وحشر الأجساد في عدة مواضع، وأكدت غاية التأكيد، مع أن هذا أيضا حقيق بغاية التأكيد والتحقيق؛ لما تقرر في فطرة العقلاء مع اختلاف الأديان والآراء من التوجه إلى العلو عند الدعاء ورفع الأيدي إلى السماء. أُجيب: بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى صلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرًا في التشبيه”([4]).

أما طريقة أهل الحديث فيقول أبو المظفر السمعاني: “اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسَّسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتِّباع والمأثور تبعًا للمعقول، وأما أهل السُنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال مَنْ شاء ما شاء، ولو كان الدين بُنِيَ على المعقول وجب أن لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا.. وإنمَّا علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانًا وتصديقًا، وما لم نعقله قبلناه تسليمًا واستسلامًا، وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تُعبَر إلا بالتسليم”([5]).

ثانيًا: أول واجب على المكلَّف:

أول واجب على المكلف عند أهل السنة هو الشهادتان، وأما عند الأشاعرة فهو النظر في أدلة الأعراض وحدوث الأجسام التي يتوصَّلون من خلالها إلى إثبات الصانع، وهي أدلة مُستقاة من الفلسفة اليونانية، ولم يوجبها أحدٌ من السلف ولا من الأئمة على المسلمين.

يقول الجويني: “أول ما يجب على العاقل البالغ -باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا- القصدُ إلى النظر الصحيح المفضِي إلى العلم بحدوث العالم”([6]).

ويقول عبد القاهر البغدادي: “الصحيح عندنا قول من يقول: إن أول الواجبات على المكلَّف النظر والاستدلال المؤدِّيان إلى المعرفة بالله تعالى وبصفاته وتوحيده وعدله وحكمته، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى جواز إرسال الرسل منه، وجواز تكليف العباد ما شاء، ثم النظر المؤدّي إلى وجوب الإرسال والتكليف منه، ثم النظر المؤدّي إلى تفصيل أركان الشريعة، ثم العمل بما يلزمه منها على شروطه”([7]).

وقد اعترف أبو جعفر السمناني -أحد أئمة الأشاعرة- أن هذه المسألة أخذها الأشاعرة من المعتزلة ثم بقيَّت في المذهب، ونقل عنه ذلك الحافظ ابن حجر. قال السمناني: “إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وتفرَّع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك”([8]).

وقد اختار النووي رحمه الله مذهب أهل الحديث، وردَّ على المتكلمين، فقال: “قوله صلَّى الله عليه وسلَّم ‌في ‌الرواية ‌الأخرى: «‌أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به» وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحقِّقين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردُّد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحِّدين، ولا يجب عليه تعلُّم أدلّة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافًا لمن أوجب ذلك وجعله شرطًا في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأ ظاهر([9]).

ولا يصحّ أن يقال: إن النووي ما دام اختار ذلك فتكون المسألة مختلَفًا فيها عند الأشاعرة، وهذا الظن غير صحيح، فليست هي من مسائل الخلاف عندهم، بل المذهب قائم أصالةً على أدلة الحدوث والنظر في الوجود والموجود، وهو معتمَد متون العقيدة الأشعرية عند المتأخرين. أما من يجعلها من مسائل الخلاف فهم عوامّ الأشعرية وجُهّالهم من المعاصرين.

ففي (شرح الكبرى) للسنوسي نقل الأقوال في إيمان المقلد من غير نظر، وأرجعها إلى ثلاثة: أنه كافر، وأنه عاصٍ، وأنه مؤمن. واختار السنوسي القول الأول([10]).

وقال صاحب (الجوهرة)([11]):

إذ كل من قلّد في التوحيد *** إيمانه لم يخل من ترديد

ففيه بعض القوم يحكي الخُلفا *** وبعضهم حقق فيه الكشفا

فقال: إن يجزم بقول الغير *** كفى وإلا لم يزل في الضير

أما طريقة أهل الحديث فيلخِّصها أبو المظفر السمعاني رحمه الله بقوله: “أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسَّسوا، فإنهم قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدّي إلى معرفة الباري. وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو أنك تدبَّرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها، لا منقولًا من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من الصحابة رضي الله عنه، وكذلك من التابعين بعدهم. وكيف يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض وهم صدور هذه الأمة، والسفراء بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ولئن جاز أن يخفى الفرض الأول على الصحابة والتابعين، حتى لم يبينوا لأحد من هذه الأمة مع شدة اهتمامهم بأمر الدين وكمال عنايتهم حتى استخرجه هؤلاء بلطيف فطنتهم في زعمهم، فلعله خفي عليهم فرائض أخر! ولئن كان هذا جائزا فلقد ذهب الدين واندرس؛ لأنا إنما نبني أقوالنا على أقوالهم، فإذا ذهب الأصل فكيف يمكن البناء عليه؟! نعوذ بالله من قول يؤدّي إلى هذه المقالة التي تؤدّي إلى الانسلاخ من الدين، وتضليل الأئمة الماضين. هذا، وقد تواترت الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين… ولم يُرو أنه دعاهم إلى النظر والاستدلال، وإنما يكون حكم الكافر في الشرع أن يُدعى إلى الإسلام، فإن أبى وسأل النَّظِرة والإمهال لا يُجاب إلى ذلك، ولكنه إما أن يسلم أو يعطي الجزية أو يُقتَل، وفي المرتد إما أن يسلم أو يُقتل، وفي مشركي العرب على ما عُرف. وإذا جعلنا الأمر على ما قاله أهل الكلام لم يكن الأمر على هذا الوجه”([12]).

ومما تقدَّم يتبين بطلان طريقة الأشاعرة من وجوب النظر للتوصّل إلى توحيد الربوبية، فمن المعلوم عند أهل الحديث أن الشهادتين هي أول واجب على المكلف، وهو حقيقة دين الإسلام، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات معًا؛ فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق للعبادة وحده، دلَّ ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته؛ لأنه لم يعبد الله وحده إلا لأنه يعتقد بأن الله سبحانه هو المتفرد بالربوبية والكمال.

ثالثًا: مسألة الإيمان:

تواتر عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قولٌ وعمل يزيد وينقص، بينما يقرر الأشاعرة أن الإيمان هو التصديق، وأن العمل غير مؤثر في الإيمان.

قال البخاري: “لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص”([13]).

وقال أبو عمر بن عبد البر: “أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية”([14]).

اعتراف تقي الدين السبكي:

ألف السبكي كتاب (السيف المسلول على من سب الرسول) وقرر أن من سب الله ورسوله فهو كافر، حتى ولو كان مُسلمًا مصدقًا بالله ورسوله. ولكن استشكل السبكي مسألة أن الإيمان هو التصديق وأن العمل لا دخل له بالإيمان، ولم يمكنه الخروج من هذا الإشكال إلا بالاعتراف بأن تقرير الأشاعرة يخالف تقرير السلف.

يقول السبكي رحمه الله: “ومذهب الأشعريِّ وأكثرِ أصحابه أن الإيمان هو التصديق، واختلف جوابه في معنى التصديق: هل هو المعرفة أو هو قول النفس على تحقيق ومن ضرورته المعرفة، وهو الذي ارتضاه القاضي ابن الباقلاني، ومذهب السلف أن الإيمان معرفة بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وأنه يزيد وينقص، وأنه لا ينتفي بانتفاء الأعمال، ومذهب السلف في هذا هو الحق، ولتقريره مكان غير هذا”([15]).

فتأمل قول السبكي بعد حكايته مذهب الأشعري: (ومذهب السلف في هذا هو الحق)، ففيه دليل على تباين القولين عنده، وعلى ترجيح قول السلف.

اعتراف الجويني:

يعترف الجويني أن قول أهل الحديث هو أن الإيمان قول وعمل، ثم يصرح بخلافه، حيث قال: “فصل في معنى الإيمان: اعلموا أن غرضنا في هذا الفصل يستدعي تقديم ذكر حقيقة الإيمان، وهذا مما اختلفت فيه مذاهب الإسلاميين. فذهبت الخوارج إلى أن الإيمان هو الطاعة، ومال إلى ذلك كثير من المعتزلة، واختلفت مذاهبهم في تسمية النوافل إيمانا. وصار أصحاب الحديث إلى أن الإيمان معرفة بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. وذهب بعض القدماء إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار بها. وذهبت الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فحسب، ومضمِر الكفر إذا أظهر الإيمان مؤمن حقًّا عندهم، غير أنه يستوجِب الخلود في النار. ولو أضمر الإيمان ولم يتَّفق منه إظهاره فهو ليس بمؤمن، وله الخلود في الجنة. والمرضيّ عندنا أن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى، فالمؤمن بالله من صدقه([16]).

ويقول أيضا: “حقيقة الإيمان عندنا: التصديق، وهو معناه في اللغة… والمؤمن على التحقيق: من انطوى عقده على المعرفة بصدق من أخبر عن صانع العالم وصفاته وأنبيائه. فإن اعترف بلسانه بما عرفه بجنانه فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا. وإن لم يعترف بلسانه معاندًا لم ينفعه علم قلبه، وكان في حكم الله تبارك وتعالى من الكافرين به كفر جحود وعناد”([17]).

وأما السيف الآمدي -رحمه الله غفر الله له- فذكر هذه المقالة المتواترة عن السلف ونسبها إلى الحشوية! فيقول: “وبهذا ثبت فساد قول الحشوية: أن الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان”([18]).

ولا يُقال: إن الآمدي لا يعرف أن هذه مقالة السلف، فإن الرجل كان حنبليًّا في أول أمره، والحنابلة لهم اختصاص بهذه المقالة والحِجاج عنها بآثار الإمام أحمد وغيره من الأئمة.

نعم، خالف الإمام النوويّ رحمه الله وحاول التوفيق بين قول المتكلمين وبين قول السلف، والنوويّ لا يصحّ الاستدلال به في هذا؛ لأن قوله ليس معتمدًا في المذهب الأشعري، فهو مُستقلّ النظر، ونسبته إلى الأشعرية نسبةٌ عامّةٌ لا نسبة تحقيق.

وأما معتمد المذهب فهو ما قرره المتأخرون كالسنوسي واللقاني والبيجوري الذين اعتمدوا أقوال المتكلمين.

قال اللقاني:

وفسِّر الإيمان بالتصديق *** والنطق فيه الخلف بالتحقيق

وشرَح البيجوري هذا النظم بقوله: “إن الإيمان هو مطلق التصديق، والإيمان والعمل الصالح متغايران، ومن صدَّق بقلبه ولم يتَّفق له الإقرار في عمره لا مرة ولا أكثر من مرة مع القدرة على ذلك فهو مؤمن عند الله تعالى؛ ولكنه شرط في إجراء الأحكام الدنيوية”([19]).

اعتراف الكوثري:

يعترف الشيخ محمد زاهد الكوثري أن اعتقاد الأشاعرة يخالف اعتقادَ السلف، فيقول: “وهؤلاء الصالحون -يعني السلف- باعتقادهم ذلك الاعتقادَ أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتمًا إن كانوا يعدّون خلافَ اعتقادهم هذا بدعة وضلالة؛ لأن الإخلال بعمل من الأعمال -وهو ركن الإيمان- يكون إخلالًا بالإيمان، فيكون من أخلَّ بعملٍ خارجًا من الإيمان، إما داخلًا في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه بل في منزلة بين منزلتين الكفر والإيمان كما هو مذهب المعتزلة. وهم من أشدّ الناس تبرُّؤًا من هذين الفريقين، فإذا تبرّؤوا أيضًا مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن، يبقى كلامهم متهافتًا غير مفهوم! وأما إذا عدُّوا العمل من كمال الإيمان فقط، فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ، لكن تشدّدهم هذا التشدّد يدلّ على أنهم لا يعدّون العمل من كمال الإيمان فحسب، بل يعدونه ركنًا منه أصليًّا، ونتيجة ذلك كما ترى! ومن الغريب أن بعض من يعدّونه من أمراء المؤمنين في الحديث([20]) يتبجّح قائلًا: إني لم أخرج في كتابي عمن لا يرى الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، مع أنه أخرج عن غلاة الخوارج ونحوهم”([21]).

فانظر كيف يخطِّئ الكوثريُّ أهلَ الحديث قاطبةً في هذه المسألة المحورية، ويُحرّر المسألة، ويُبين أن خلافهم حقيقي، ثم يتهكَّم على الإمام البخاري!

رابعًا: إثبات الصفات:

أجمع الأشاعرة على أن صفات الله تبارك وتعالى ليست على ظواهرها، وذهب جمهور المتأخرين إلى التأويل، مثل تأويل استوى باستولى، واليد بالقوة أو النعمة، وهذا مذهب تواتَر عن السلف تبديعُه ونسبوه إلى الجهمية، فكيف يكون الخلاف لفظيًّا وقول الجهمية هو أحد القولين السائغين في المذهب، بل هو قول جمهور متأخريهم من الخلف؟!

يقول تقي الدين السبكي عمَّن يسمّيهم الحشوية: “هم طائفةٌ ضَلُّوا عنِ السبيلِ، وعَمِيَتْ أبصارُهم، يُجْرون آياتِ الصِّفاتِ على ظاهرِها، ويعتقِدونَ أنَّه المُرادُ”([22]).

وقال البيجوري: “وإنما اختلفوا: هل يُؤَوَّل ذلك الظاهر تأويلًا تفصيليًّا، أو يُؤَوَّل تأويلًا إجماليًّا.. فذهب إلى الأول الخلف، ويُعبَّر عنهم بالمؤوِّلة”([23]).

وقال أبو نصر السجزي: “ينبغي أن يتأمَّل قول الكلابية والأشعرية في الصفات؛ ليعلم أنهم غير مثبتين إلها في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها ويخالفونه”([24]).

وقد تكلَّف المعاصرون وقالوا: إنما أرادوا الظواهر التي تليق بالمخلوقين، لا مُطلق الظواهر، وهذا فيه نظر؛ لأن الأشاعرة لو أرادوا هذا لفصَّلوا هذا التفصيل، ولم يحدُث.

ولا يوجد من فصَّل هذا التفصيل إلا من السلفية: كابن تيمية وابن كثير وابن رجب، أما الأشاعرة فقد أرادوا ظاهر مدلول الكلمة ذاتها بدليل قولهم بالتأويل الإجمالي -كما سيأتي-.

وقارن بين تقرير السبكي وتقرير الحافظ ابن رجب، حيث قال بعدما أورد بعض آيات الصفات: “ولم يتأوّل الصحابة ولا التابعون شيئا من ذلك، ولا أخرجوه عن مدلوله، بل روي عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به”([25]).

وقال حافظ المغرب ابن عبد البر رحمه الله: “أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يحدّون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة”([26]).

وقد جاء في «العقيدة القادرية» التي ارتضى بها أهل الحديث والحنابلة وأرسل بها أمير المؤمنين القادر بالله إلى البلدان ما نصه: “وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز“([27]). وقد اتفق سائر الحنابلة والأثرية أن الصفات ليست على المجاز([28]).

ومعلوم أن نفي المجاز عن الصفات يعني نفي التأويل بنوعيه التفصيلي، والإجمالي (التفويض).

ولما وجد الأشاعرة المعاصرون تواتر نصوص أهل الحديث أن الصفات على ظواهرها صاروا يقولون: قصدوا أنها على ظاهر لفظها. والسؤال هنا: من الذي سبقكم بهذا التأويل لكلامهم؟ فإننا لم نجد أشعريًّا يتأوّل كلامهم.

فإذا لم يجد المعاصر أحدًا هرع إلى التمسك بمذهب مُتكلِّمة الحنابلة ممن يجعلون الصفات على ظواهرها مع قولهم بالتفويض -بزعمه-([29])، وهذا يزيد من التخبط والشذوذ أكثر؛ لأن في ذلك تلفيقًا بين المذاهب العقدية، ومعلوم أنه لم يسبقهم إلى هذا التلفيق أحد، فمن التزم مذهبًا فليلتزمه إلى النهاية، أو يصرِّح أنه ليس أشعريًّا بل مستقلّ النظر، ووقتئذٍ يمكن أن ننظر في كلامه، لا أن يُناضل عن الأشاعرة ثم هو يُخالفهم.

تفويض الأشاعرة هو التأويل الإجمالي:

يظن كثير من عوام طلاب العلم -لا سيما غير المتخصصين منهم- أن تفويض الأشاعرة هو إثباتٌ مجمل للصفات من غير تعمّق ولا تفكّر في كُنهها، وما دام الإنسان يثبت الصفات من غير تجسيم فهو مفوِّض. وهذا التصوّر غير صحيح، بل هذا هو نفسه إثبات السلف وأهل الحديث.

أما التفويض الكلاميّ عند الأشاعرة فهو اعتبار آيات الصفات مؤوَّلة ومن المجاز، إلا أنهم لا يُحدِّدون هذا التأويل.

يقول الجويني (478هـ): «وقد اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها، وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهامُ أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلَها والتزام هذا المنهج في آي الكتاب، وما يصح من سنن الرسول ﷺ»([30]).

وقال الغزالي (505هـ): «وما أراده -يعني: الله عز وجل- فلسنا نعرفه، وليس علينا ولا عليك -أيها السائل- معرفته، فكذلك نقول: ولا يجوز إثبات اليد والإصبع مطلقًا»([31]).

وقال ملا علي القاري (1014هـ): “والحاصل أن السلف والخلف مؤوِّلون؛ لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره، ولكن تأويل السلف إجماليّ لتفويضهم إلى الله تعالى، وتأويل الخلَف تفصيليّ لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين”([32]).

ويقول اللقاني (1041هـ):

وكل نصٍّ أوهمَ التشبيهَا   أوِّلْه أو فوِّض ورُمْ تَنزيهَا

وشَرَح قوله هذا فقال: “فمتى ورد في الكتاب أو السنة ظاهر يوهم خلافَ ما وجب له تعالى أو جاز في حقه -بأن يدل على المعنى المستحيل عليه تعالى- وجب علينا شرعًا تنزيهه تعالى عما دلّ عليه ذلك الظاهر اتفاقًا من أهل الحق وغيرهم… وإنما اختلفوا: هل يُؤَوَّل ذلك الظاهر تأويلًا تفصيليًّا، أو يُؤَوَّل تأويلًا إجماليًّا؟… وذهب إلى الثاني: «السلف» ويعبر عنهم بالمفوضة، وإليه أشار بقوله: «أو فوِّض ورُمْ» أي: اقصد «تَنزيهًا» له تعالى عما لا يليق به، فينزهونه سبحانه عما يوهمه ذلك الظاهر من المعنى المحال، ويفوِّضون علمَ حقيقته على التفصيل إليه تعالى إيثارًا للطريق الأسلم»([33](.

وقال النفراوي المالكي (1126هـ): “فعُلم بما ذكرنا أن كلًّا من أهل الطريقتين تُؤوّل المُتشابه بصرفه عن ظاهره لاستحالته، وافترقا بعد صرفه عن ظاهره المستحيل في بيان معناه على التعيين والتفصيل، فالسلف يفوّضون علم ذلك إلى الله تعالى، والخلف تؤوّله تأويلًا تفصيليًّا”([34]).

وقال الباجوري (1276هـ): “والمراد من التفويض: صرف اللفظ عن ظاهره، مع عدم التعرض لبيان المعنى المراد… قال الإمام السبكي: أجمع السلف والخلف على تأويـل الآيات المتشابهة تأويلا إجماليًا بصرف اللفظ عن ظاهره المحال على الله تعالى؛ لقيام الأدلة القاطعة على أنه تعالى مخالف للحوادث”([35]).

طريقتهم في الصفات الفعلية:

المذهب الأشعري يقرّر أن الفعل مخلوقٌ منفصل عن الله، ولذلك قالوا بخلق القرآن المنزَّل، فالفعل هو المفعول، والخلق هو المخلوق، والكلام هو الحروف المخلوقة، والاستواء هو حدث مخلوق سماه الله استواءً، والنزول هو حدث في السماء سماه الله نزولًا، ويفوِّضون هذا الشيء الذي أحدثه الله -أي: خلقه الله-.

قال البيهقي رحمه الله: “وذهب أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إلى أن الله تعالى -جل ثناؤه- فعلَ في العرش فعلًا سماه استواءً، كما فعل في غيره فعلا سماه رزقًا أو نعمةً أو غيرهما من أفعاله”([36]).

والمقصود بالفعل هنا ليس هو الفعل الاختياري من الله، بل الحدث المخلوق، أحدث شيئًا مخلوقًا دون فعل اختياري منه.

ويوضح شيخ الإسلام مراد الأشعرية بقوله: “ومعنى ذلك عنده وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته: أنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا كما قال: إنه يخلق في العرش معنى يسميه استواءً، وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل، بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء كأفعاله المتعدية كالخلق والإحسان، وكل ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه”([37]).

بمعنًى أوضح: لا يفهمون من الاستواء أنه: العلو والارتفاع على العرش، بل يفوّضون هذا الفعل المخلوق المنفصل عنه.

والسؤال: هل هذا هو نفسه قول الحنابلة والأثرية؟

يقول الإمام البخاري: «وقالت الجهمية: الخلق هو المخلوق، وقال أهل العلم: التخليق فعل الله»([38]). ومقالة الخلق هو المخلوق هي ذاتها مقالة الأشعرية.

ويقول السجزي: «وقد أقر الأشعري بحديث النزول ثم قال: النزول فعل يُحدثه في السماء… وهذا كلام مُسفت، لا معنى تحته، وتحقيقه: النفي بعد الإثبات»([39]).

الحرف والصوت:

أجمع الأشاعرة أن كلام الله معنى قائم بالنفس، وليس بحرف ولا صوت، وأن الله لم يكلِّم موسى عليه السلام ولم يُنادِه بصوته، وإنما أفهمه كلامَه، أو خلق له كلامًا فسمعه.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: “ولا يجوز أن يطلَق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ولا صوت”([40]).

وقال البيجوري عن صفة الكلام لله: “صفة أزلية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت”([41]).

ويصرح الجويني أن الخلاف لفظي مع المعتزلة فيقول: “اعلموا أن الكلام مع المعتزلة وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات؛ فإن ما أثبتوه وقدروه كلاما فهو في نفسه ثابت، وقولهم: إنه كلام الله تعالى، إذا رد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والتسميات؛ فإن معنى قولهم: هذه العبارات كلام الله أنها خلقه، ونحن لا ننكر أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلما به؛ فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته”([42]).

ويُصرح الجُرْجانيُّ أيضًا بموافقتهم للمعتزلة فقالَ: “اعلم أن ما تقوله المعتزلة في كلام الله تعالى وهو خلق الأصوات والحروف الدالة على المعاني المقصودة، وكونها حادثة قائمة بغير ذاته تعالى، فنحن نقول به، ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك، وما نقوله نحن ونثبته من كلام النفس المغاير لسائر الصفات فهم ينكرون ثبوته، ولو سلموه لم ينفوا قدمه الذي ندعيه في كلامه تعالى، فصار محل النزاع بيننا وبينهم نفي المعنى النفسي وإثباته”([43]).

وقد أجمع أهل الحديث على أن كلام الله بحرفٍ وصوت، واستدلوا بحديث: «يحشر الله العباد فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرب: أنا الملك الديان»([44]).

وحديث البخاري: «يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار»([45]).

قال البخاري: “وأن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله جل ذكره”. وقال: “وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق؛ لأن صوته -جل ذكره- يسمع من بعد كما يسمع من قرب وأن الملائكة يصعَقون من صوته”([46]).

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن قوم يقولون: لمَّا كلم الله موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بلى تكلَّم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. وقال أبي: حديث ابن مسعود: «إذا تكلم الله سمع له صوت كجرّ السلسلة على الصفوان». قال أبي: وهذه الجهمية تنكره. قال أبي: وهؤلاء كفار، يريدون أن يُموِّهوا على الناس، مَن زعم أن الله لم يتكلَّم فهو كافر([47]).

وقال ابن أبي الخير العمراني -إمام الشافعية في اليمن-: “الأشعرية موافقة للمعتزلة في أن هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق”([48]).

وقال السَّفاريني: “والحاصل أن المعتزلة موافقة الأشعرية، والأشعرية موافقة المعتزلة في أن هذا القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق مُحدَث، وإنما الخلاف بين الطائفتين أن المعتزلة لم تثبت لله كلامًا سوى هذا، والأشعرية أثبتت الكلام النفسي القائم بذاته تعالى، وأن المعتزلة يقولون: إن المخلوق كلام الله، والأشعرية لا يقولون: إنه كلام الله”([49]).

مسألة العلو والفوقية:

تعتبر هذه المسألة من أظهر مسائل الخلاف بين الفريقين، فيعتقد الأشاعرة أن الله عز وجل ليس فوق العرش، بل هو لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه.

قال الحافظ الذهبي: “وقال متأخرو المتكلمين: إن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش، ولا على السماوات، ولا في الأرض، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا هو بائن عن خلقه ولا متصل بهم”([50]).

وهو ما يخالف مذهب أهل الحديث مخالفة كليَّة: قال عَليّ بن الحسن بن شَقِيق: قلت لعبد الله بن المبارك: كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا عز وجل؟ قال: على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض([51]).

قال قتيبة بن سعيد: “هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}”. قال الذهبي: “فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكًا والليث وحماد بن زيد والكبار، وعمر دهرًا، وازدحم الحفاظ على بابه”([52]).

وقال السجزي: “فأئمتنا -كسفيان الثوري ومالك وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي- متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يُرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا”([53]).

وقال الحافظ ابن عبد البر بعد ذكر حديث النزول: “وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على عرشه من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش… -إلى أن قال:- ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل فوق السماوات السبع أن الموحّدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته”([54]).

ويعترف الغزالي بشكلٍ صريح أن مذهب الإمام أحمد هو إثبات الفوقية، فيقول: “والحنبلي مضطر إليه وقائل به ]يعني: التأويل[، فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون: إن أحمد بن حنبل رحمه الله صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط. أحدها: قول صلى الله عليه وسلم: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»، والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن». فانظر الآن كيف أوَّل هذا، حيث قام البرهان عنده على استحالة ظاهره… وإنما اقتصر أحمد بن حنبل رضي الله عنه على تأويل هذه الأحاديث الثلاثة؛ لأنه لم تظهر عنده الاستحالة إلا في هذا القدر؛ لأنه لم يكن مُمعنًا في النظر العقلي، ولو أمعن لظهر له ذلك في الاختصاص بجهة فوق وغيره مما لم يتأوله([55]).

فنسب إلى أحمد اعتقاد جهة فوق، واعتذر عنه بأن الإمام لم يكن ممعنًا في النظر العقلي، يعني لم يكن ممعنًا في الفلسفة وعلم الكلام.

ويعترف الدكتور حسن الشافعي بأن متأخري الأشاعرة خالفوا السلف قائلًا: “أما الأشاعرة فقد بدؤوا بإثبات الاستواء والعلو والفوقية دون كيف أو تمثيل، ولكن دون تأويل أيضًا كما سبق نقله عن الأشعري، وتابعه في ذلك أصحابه وتلاميذه، وتلاميذ أصحابه كالباقلاني الذي أثبت الاستواء أيضًا، وعارض تأويله بالاستيلاء والملك… -إلى أن قال:- أما بعد الباقلاني فقد جنحوا إلى نفي الجهة والمكان صراحة، وإلى تأويل الاستواء، واقتربوا بهذا من المعتزلة الذين قالوا بذلك من قبل، ولعل أول من عُرف عنه تأويل الاستواء ونفي الجهة من الأشاعرة هو الأستاذ أبو بكر بن فورك -توفى سنة 404هـ- أي: بعد وفاة الباقلاني بعامٍ واحد”([56]).

ويُقرر ابن رشد مُخالفة الأشاعرة قائلًا: “وأما هذه الصفة ]يعني: صفة العلو[ فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله. وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة، مثل قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]، ومثل قوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] ومثل قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ومثل قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16]، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سُلِّط التأويل عليها عاد الشرع كلّه مؤولًا. وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى. وجميع الحكماء قد اتفقوا أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك. والشبهة التي قادت نُفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية، ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم، فإن الجهة غير المكان”([57]).

ويعترف السنوسي أن عقيدة الأشاعرة ليست هي عقيدة العامة في الجهة وإثبات الحكمة والتعليل والحرف والصوت والأفعال الاختيارية في صفة الكلام، فيقول: “أما العامة فأكثرهم ممن لا يعتني بحضور مجالس العلماء ومخالطة أهل الخير، يتحقَّق منهم اعتقاد التجسيم والجهة وتأثير الطبيعة، وكون فعل الله لغرض، وكون كلامه جل وعلا حرفًا وصوتًا، ومرة يتكلم ومرة يسكت كسائر البشر، ونحو ذلك من اعتقادات أهل الباطل، وبعض اعتقاداتهم أجمع العلماء على كفر معتقديها، وبضعهم اختلفوا فيه”([58]).

خامسًا: ذم الأشاعرة لأئمة السلف وأصحاب الحديث:

من دلائل الاختلاف العقدي بين الأشاعرة وأهل الحديث: النفرة الشديدة بين الفريقين عبر التاريخ، وتقرير منظريهم بأن خلافهم ليس لفظيًّا، وهذه النفرة معروفة عند الحنابلة وكثير من أهل الحديث، فلا حاجة إلى نقلها، ولكن سننقل طرفًا من ذمّ الأشاعرة لبعض أعيان أهل الحديث، وهو مما يعني أن الخلاف ليس لفظيًّا.

قال الفخر الرازي: “واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلالَ أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه بالتوحيد، وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات؛ لأنه كان رجلًا مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل”([59]).

ولا غرابة في ذم الرازي -غفر الله له- لابن خزيمة، فالرازي هو القائل عن الإمامين البخاري ومسلم أنهما قد قبلا أحاديث الملاحدة، وأن قوله هذا من باب حسن الظن فيهما.

يقول الرازي: “اشْتهر فِيمَا بَين الْأمة أَن جمَاعَة من الْمَلَاحِدَة وضعُوا أَخْبَارًا مُنكرَة، واحتالوا فِي ترويجها على الْمُحدّثين، والمحدّثون لِسَلَامَةِ قُلُوبهم مَا عرفوها بل قبلوها، وَأي مُنكر فَوق وصف الله تَعَالَى بِمَا يقْدَح فِي الإلهية وَيبْطل الربوبية؟! فَوَجَبَ الْقطع فِي أَمْثَال هَذِه الْأَخْبَار بِأَنَّهَا مَوْضُوعَة، أما البُخَارِيّ والقشيري [يعني: مسلما] فهما مَا كَانَا عَالمين بالغيوب، بل اجتهدا واحتاطا بِمِقْدَار طاقتهما، فَأَما اعْتِقَاد أَنَّهُمَا علما جَمِيع الْأَحْوَال الْوَاقِعَة فِي زمَان الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى زَمَاننَا فَذَلِك لَا يَقُوله عَاقل، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنا نحسن الظَّن بهما وبالذين رويا عَنْهُم، إِلَّا أَنا إِذا شاهدنا خَبرا مُشْتَمِلًا على مُنكر لَا يُمكن إِسْنَاده إِلَى الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَطعنَا بِأَنَّهُ من أوضاع الْمَلَاحِدَة وَمن ترويجاتهم على أُولَئِكَ الْمُحدثين. الرَّابِع: أَن هَؤُلَاءِ الْمُحدثين يخرجُون الرِّوَايَات بِأَقَلّ الْعِلَل؛ أَنه كَانَ مائلا إِلَى حب عَليّ فَكَانَ رَافِضِيًّا فَلَا تقبل رِوَايَته، وَكَانَ معبد الْجُهَنِيّ قَائِلا بِالْقدرِ فَلَا تقبل رِوَايَته، فَمَا كَانَ فيهم عَاقل يَقُول: إِنَّه وصف الله تَعَالَى بِمَا يبطل إلهيته وربوبيته فَلَا تقبل رِوَايَته، إِن هَذَا من الْعَجَائِب!”([60]).

ويطعن الرازي في مرويات أبي هريرة قائلًا: “وأما أبو هريرة فإنه لم يصل إلى خدمة النبي صلى الله عليه وسلم إلا مدة قليلة، وهو في نفسه ما كان زائدًا في الذكاء والفطنة على أبي بكر وعلي، ثم إنه روى ألفي خبر وأكثر، وهو نصف الصحاح، وهذا يدل على الطعن الشديد”([61]).

ويعترف ابن جهبل الأشعري أن القيرواني وابن عبد البر يخالفان الأشاعرة، فقال في رده على ابن تيمية: “وأما ما حكاه -أي: ابن تيمية- عن أبي عمر بن عبد البر فقد علم الخاص والعام مذهب الرجل ومخالفة الناس له، ونكير المالكية عليه أولًا وآخرًا مشهور، ومخالفته لإمام المغرب أبي الوليد الباجي معروفة معلومة، حتى إن فضلاء المغرب يقولون: لم يكن أحد بالمغرب يرى هذه المقالة غيره وغير ابن أبي زيد، على أن العلماء منهم من قد اعتذر عن ابن أبي زيد بما هو موجود في كلام القاضي الأجل أبي محمد عبد الوهاب البغدادي المالكي رحمه الله”([62]).

وقد نقل التاج السبكي رد ابن جهبل معتضدًا به ومُقرًا له، وهذا اعترافٌ منهما بأن القيرواني وابن عبد البر من السلفية الذين يلزمهم التجسيم، ويُلاحظ في رد ابن جهبل أن مخالفة ابن عبد البر معلومة عند الأشاعرة، فالغريب من يأتي اليوم وينسب ابن عبد البر إلى الأشاعرة!

ومن تصالح مع نفسه والتزم قواعد مذهبه الأشعري اعترف بمخالفة أهل الحديث، وأنهم من المُشبِّهة. وممن اتَّسقوا وصدّقوا مع أنفسهم: الشيخ محمد زاهد الكوثري.

يقول الكوثري: “فدونك كتاب الاستقامة لخشيش بن أصرم، والكتب التي تسمى السنة لعبد الله وللخلال، ولأبي الشيخ، وللعسال، ولأبي بكر بن عاصم، وللطبراني، والجامع، والسنة والجماعة لحرب بن إسماعيل السيرجاني، والتوحيد لابن خزيمة، ولابن منده، والصفات للحكم بن معبد الخزاعي، والنقض لعثمان بن سعيد الدارمي، والشريعة للآجري، والإبانة لأبي نصر السجزي، ولابن بطة، ونقض التأويلات لأبي يعلي القاضي، وذم الكلام والفاروق لصاحب منازل السائرين.. تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل في آنٍ واحد، ولا سيما النقض لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسم، فإنه أوَّلُ من اجترأ من المجسمة بالقول: إن الله لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش عظيم؟!”([63]).

تبديعهم للحافظ أبي نصر السجزي:

يقول تقي الدين السبكي في رده على ابن القيم: “لكني تأسَّيت في ذلك بإمام الحرمين في كتابه المسمى بنقض كتاب السجزي، والسجزي هذا كان محدِّثا له كتاب مترجم بمختصر البيان، وجده إمام الحرمين حين جاور بمكة شرفها الله، اشتمل كتاب السجزي هذا على أمور، منها: أن القرآن حروف وأصوات.

قال إمام الحرمين: وأبدى من غمرات جهله فصولًا، وسوى على قصبة سخافة عقله نصولًا، ومخايل الحمق في تضاعيفها مصقولة، وبعثات الحقائق دونها معقولة.

وقال إمام الحرمين أيضا: وهذا الجاهل الغرّ، المتمادي في الجهل المصر، يتطلَّع إلى الرتب الرفيعة، بالدأب في المطاعن في الأئمة والوقيعة.

وقال إمام الحرمين أيضا: صدر هذا الأحمق الباب بالمعهود من شتمه، فأف له ولخرقه، فقد -والله- سئمت البحث عن عواره وإبداء شناره.

وقال الإمام أيضا: وقد كسا هذا التيس الأئمّة صفاته. وقال الإمام أيضا: أبدى هذا الأحمق كلاما ينقض آخره أوله في الصفات، وما ينبغي لمثله أن يتكلم في صفات الله تعالى على جهله وسخافة عقله.

وقال الإمام أيضا: قد ذكر هذا اللعين الطريد المهين الشريد فصولا، وزعم أن الأشعرية يكفُرون بها، فعليه لعائن الله تترى واحدة بعد أخرى، وما رأيت جاهلا أجسر على التكفير، وأسرع إلى التحكم على الأئمة من هذا الأخرق.

وتكلم السجزي في النزول والانتقال والزوال والانفصال والذهاب والمجيء، فقال الإمام: ومن قال بذلك حلّ دمه، وتبرم الإمام كثيرا من كلامه معه”([64]).

ونقل الكوثري عن أبي جعفر اللبلي الأشعري أنه قال في فهرسته: “وكذلك اللعين المعروف بالسجزي، فإنه تصدّى أيضا للوقوع في أعيان الأئمة وسرج الأمة بتأليف تالف، وهو على قلة مقداره وكثرة عواره ينسب أئمة الحقائق وأحبار الأمة وبحور العلوم إلى التلبيس والمراوغة والتدليس، وهذا الرذل الخسيس أحقر من أن يكترث به ذمّا، ولا يضرّ البحر الخضم ولغة كلب”([65]).

ولا خصوصية للسجزي في مسألة الحرف والصوت وإثبات الصفات على ظواهرها، مع أن من قرأ كتاب السجزي يعلم أنه يُنبِّه على التنزيه دائمًا، فمثلًا هو ينفى التمكن والتحيز والمماسة، فتبديعهم إياه دليل على أنهم يُبدِّعون كل أصحاب الحديث ممن يثبتون مطلق الصفات، ويلزم منه تبديع البخاري وأحمد والسلف كذلك.

موقفهم من الموفق ابن قدامة:

يُناضل المعاصرون عن كون ابن قدامة مفوِّضًا، وأن الخلاف بينه وبين الأشاعرة لفظيّ وخفيف، بينما لا نجد أحدًا من أئمة الإسلام القدامى -موافقًا أو مخالفًا- قال بهذا القول المخترع.

يقول ابن المعلم القرشي في رده على ابن تيمية: “بل غلب عليكَ البذاءة والهوى، وسلكتَ في ذلك مسلك من قد غوى؛ فقلت في جواب السؤال الرابع: (وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو الظاهر في عرف سلف الأمة، لا يُحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا يلحد في أسماء الله تعالى، ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة)، فجعلت تفسيرك الظواهر بمذهبك تفسير سلف الأمة، وجعلت المؤولين لما يوهم من الظواهر مُلحدة. ولعلك نسجتَ على منوال ابن قدامة!”([66]).

فنسب ابن المعلم القرشيُّ ابنَ تيمية إلى منوال ابن قدامة، فتأمل!

وقال أبو شامة المقدسي رحمه الله عن الإمام ابن قدامة رحمه الله: “كَانَ إِمَامًا عَلَمًا فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ، صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيْرَةً، لَكِنَّ كَلاَمَهُ فِي العقَائِدِ عَلَى الطَّرِيقَةِ المَشْهُوْرَةِ عَنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَمْ يُوَضِّحْ لَهُ الأَمْرَ فِيْهَا عَلَى جَلاَلَتِهِ فِي العِلْمِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِمعَانِي الأَخْبَارِ”. ثم علق الذهبي قائلًا: “قلت: وهو وأمثاله مُتعجّب منكم مع علمكم وذكائكم كيف قلتم؟! وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى”([67]).

وهذا اعتراف من أبي شامة أن المذهب مختلف، وتعجَّب من ابن قدامة، وتعليق الذهبي أيضًا -المعروف بإنصافه- يدلّ على أن الخلاف ليس لفظيًّا، كما يدَّعي بعض المعاصرين.

يقول د. سعيد فودة: “لا تظن -أيها القارئ- أن الحنابلة كلهم مجسّمون، بل فيهم مجسمة كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن قدامة، وهؤلاء تجسيمهم أقل من ابن تيمية وابن القيم وغيرهم”([68]).

وهنا يضع د. سعيد فودة الإمام ابن قدامة من جملة المُجسِّمة، إلا أن تجسميه أقل درجة عنده من تجسيم ابن تيمية -على حد زعمه-.

موقفهم من الحافظ عبد الغني المقدسي وتكفيره والتشنيع عليه:

الحافظ عبد الغني صاحب (الكمال في أسماء الرجال) كان أعلم أهل وقته بالسُّنة والحديث واللغة والآثار.

ويُلخص موقفَ الأشاعرة الحافظُ ابن رجب في ترجمة عبد الغني: “أخذوا عليه مواضع، منها قوله: ولا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول، ومنها قوله: كان ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان. فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان، فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيهًا تنفي حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال، وأما الحرف والصوت فإنه لم يصح عن إمامك الذي تنتمي إليه، وإنما المنقول عنه: أنه كلام الله غير مخلوق، وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدين: كل هؤلاء على ضلال، وأنت على الحق؟! قال: نعم».

وعقب الحافظ ابن رجب قائلًا: «فأما قولهم: (أجمع الفقهاء على الفتوى بكفره وأنه مبتدع) فيا لله العجب! كيف يقع الإجماع وأحفظ أهل وقته للسُّنة وأعلمهم بها هو المخالف؟! -يعني عبد الغني-، وما أحسن ما قال أبو بكر قاضي القضاة الشامي الشافعي لما عقد له مجلس ببغداد، وناظره الغزالي، واحتج عليه بأن الإجماع منعقد على خلاف ما عملت به، فقال الشامي: إذا كنتُ أنا الشيخ في هذا الوقت أخالفكم على ما تقولون، فبمن ينعقد الإجماع؟! بك وبأصحابك؟! هذا مع مخالفة فقيه الإسلام في وقته -يعني ابن قدامة- الذي يُقال: إنه لم يدخل الشام بعد الأوزاعي أفقه منه ومعه خلق على أئمة الفقهاء والمناظرين والمحدِّثين، هذا في الشام خاصة، دع عنك المخالفين لهؤلاء المجتمعين في سائر بلاد المسلمين -بغداد ومصر وغيرهما من أمصار المسلمين- مع إجماع السلف المنعقد على موافقة هؤلاء المخالفين لهم، ولم يكن في المخالفين للحافظ مَن له خبرة بالسُّنة والحديث والآثار. ولقد عُقد مرة مجلس لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تَيميَّة، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيب الجامع، فقال الشيخ شرف الدين عبد الله أخو الشيخ: كلامنا مع أهل السنة، أما أنت فأنا أكتب لك أحاديث الصحيحين، وأحاديث من الموضوعات، وأظنه قال: وكلامًا من سيرة عنترة، فلا تُميِّز بينهما -أو كما قال-، فسكت الرجل”([69]).

ومما سبق يتبين جليًّا أن عقيدة الأشاعرة تختلف عن عقيدة أهل الحديث في مسائل كبيرة مخالفةً حقيقية لا مخالفة لفظية، بل بعضهم -كما مرَّ بك- يحكي قول أهل الحديث من جُملة الأقوال ولا يختاره. ولو كانوا هم الامتداد الطبيعي للسلف فلماذا يقررون تقريرات مخالفة -منذ البداية- لأهل الحديث؟! وما الحاجة الداعية إلى ذلك؟!

رغم هذا يُصر المجادلون على أن تقرير أهل الحديث هو نفسه تقرير الأشاعرة، فإذا أتينا باعترافات من أهل مذهبه -من المنصفين- بمخالفة السلف وأهل الحديث في كل مسألة، تجد نفس هذا المُجادل يُناضل في تخطئة هؤلاء المنصفين، ويصر بأن التقرير هو التقرير، فإذا أتينا بطعونات الأشاعرة في أهل الحديث وتبرؤ الفريقين من الآخر يقول: لم يفهموا بعضهم بعضًا. كل هذا حتى لا ينهار الوهم الذي يعيش فيه.

وليس هذا بصنيع الباحث عن الحق؛ فإن الإنسان عليه أن يكون ولاؤه الأول والأخير للإسلام، لا إلى الطوائف والجماعات، ولا أن ينتمي إلى عقيدة معينة ثم يحاول جاهدًا إثباتها بمحض المناكفات مع خصمه، فهذا ينافي البحث العلمي المتجرد. وقد قيل: استدل ثم اعتقد، ولا تعتقد ثم تستدل، فتضلّ.

وقد كانت هذه ومضات سريعة ليقف عليها طالب الحق بدليله، ثم لينطلق منها للبحث والتحري.

وصلِّ اللهم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (4/ 192).

([2]) أساس التقديس (ص: 125).

([3]) شرح الكبرى (ص: 59-60).

([4]) شرح المقاصد (2/ 67).

([5]) الانتصار لأهل الحديث (ص: 81).

([6]) الشامل (ص: 26).

([7]) أصول الدين (ص: 75).

([8]) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر (1/ 77).

([9]) شرح صحيح مسلم (1/ 210).

([10]) شرح الكبرى مع الحواشي (ص: ٣٩).

([11]) جوهرة التوحيد مع حاشية تحفة المريد (ص: 40).

([12]) ينظر: الحجة في بيان المحجة، لقوام السنة الأصبهاني (2/ 120).

([13]) ينظر: فتح الباري (1/ 47).

([14]) التمهيد (9/ 238).

([15]) السيف المسلول على من سب الرسول (ص: 112).

([16]) الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص: 415).

([17]) العقيدة النظامية (ص: 257-260).

([18]) غاية المرام في علم الكلام (ص: 511).

([19]) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص: 46).

([20]) يقصد الإمام البخاري، والله المستعان.

([21]) التأنيب (ص: 75-76).

([22]) الإبهاج في شرح المنهاج (1/ 361).

([23]) هداية المريد شرح جوهرة التوحيد (ص: 139).

([24]) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص: 163).

([25]) فتح الباري (5/ 97).

([26]) التمهيد (٧/ ١٤٥).

([27]) ينظر: سير أعلام النبلاء (16/ 213). وينظر أيضًا: المنتظم لابن الجوزي في حوادث سنة (433هـ).

([28]) انظر مثلًا: الإيضاح في أصول الدين لابن الزاغوني (ص: 287).

([29]) والمعاصر الأشعري الذي ينسب بعض الحنابلة إلى التفويض فإنما يُقلد ابن تيمية في هذه النسبة، إذ لا يوجد أشعري نسبهم إلى ذلك، فعليه أن يكون مُتّسقًا مع نفسه، إما أن يقلّد أهل مذهبه، أو يقلّد ابن تيمية، لا أن يُلفّق هذا بذاك!

([30]) الرسالة النظامية (ص: 32-34).

([31]) إلجام العوام عن علم الكلام (ص: 74).

([32]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 260).

([33]) هداية المريد شرح جوهرة التوحيد (ص: 139).

([34]) الفواكه الدواني (1/ 51).

([35]) شرح جوهرة التوحيد (ص: 153).

([36]) الأسماء والصفات (2/ 308).

([37]) مجموع الفتاوى (5/ 386).

([38]) خلق أفعال العباد (ص: 112).

([39]) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص: 128).

([40]) الإنصاف (ص: 111).

([41]) شرح جوهرة التوحيد (ص: 129).

([42]) الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص: 136).

([43]) شرح المواقف (3/ 135).

([44]) أخرجه البخاري معلقا قبل حديث (7481)، وأخرجه موصولًا أحمد (16042).

([45]) صحيح البخاري (7483).

([46]) خلق أفعال العباد (ص: 149).

([47]) السنة (ص: 62).

([48]) الانتصار والرد على المعتزلة الأشرار (2/ 554).

([49]) لوامع الأنوار (1/ 165).

([50]) العلو (ص: 418).

([51]) ينظر: سير أعلام النبلاء (7/ 424).

([52]) مختصر العلو (ص: 187).

([53]) ينظر: سير أعلام النبلاء (17/ 656).

([54]) التمهيد (6/ 124-127).

([55]) فيصل التفرقة (ص: 66).

([56]) الآمدي وآراؤه الكلامية، د. حسن الشافعي (ص: 355-356).

([57]) الكشف عن مناهج الأدلة (ص: 145).

([58]) شرح السنوسي على الكبرى (ص: 62).

([59]) مفاتيح الغيب (9/ 582).

([60]) أساس التقديس (ص: 170).

([61]) المطالب العالية (3/ 129).

([62]) نقله التاج السبكي في الطبقات (9/ 78).

([63]) مقدمة الكوثري لكتابِ: الأسماء والصفات للبَيهقيِّ (ص: 3).

([64]) السيف الصقيل (ص: 25).

([65]) السيف الصقيل للسبكي، حاشية الكوثري (ص: 26).

([66]) نجم المهتدي ورجم المتعدي (ص: 77).

([67]) سير أعلام النبلاء (22/ 172).

([68]) تهذيب شرح السنوسية (ص: 12).

([69]) ذيل طبقات الحنابلة (4/ 16) وفيات المائة السابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

دعوى مخالفة علم الأركيولوجيا للدين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: عِلم الأركيولوجيا أو علم الآثار هو: العلم الذي يبحث عن بقايا النشاط الإنساني القديم، ويُعنى بدراستها، أو هو: دراسة تاريخ البشرية من خلال دراسة البقايا المادية والثقافية والفنية للإنسان القديم، والتي تكوِّن بمجموعها صورةً كاملةً من الحياة اليومية التي عاشها ذلك الإنسان في زمانٍ ومكانٍ معيَّنين([1]). ولقد أمرنا […]

جوابٌ على سؤال تَحَدٍّ في إثبات معاني الصفات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أثار المشرف العام على المدرسة الحنبلية العراقية -كما وصف بذلك نفسه- بعضَ التساؤلات في بيانٍ له تضمَّن مطالبته لشيوخ العلم وطلبته السلفيين ببيان معنى صفات الله تبارك وتعالى وفقَ شروطٍ معيَّنة قد وضعها، وهي كما يلي: 1- أن يكون معنى الصفة في اللغة العربية وفقَ اعتقاد السلفيين. 2- أن […]

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017