السبت - 23 شعبان 1446 هـ - 22 فبراير 2025 م

حقيقة التفويض وموقف السلف منه

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

 وقع عند المتأخرين (ممن لا خبرة لهم بأقوال السلف) نسبة أمور للسلف لا حقيقة لها، منها: نسبة مذهب تفويض صفات الله للسلف، واعتباره هو الطريق الأسلم في الاعتقاد, فهو وسط بين التشبيه والتأويل على حد قول من ينسبونه للسلف، وسنحاول في هذه المقالة تبيين حقيقته وموقف السلف منه .

التفويض فى اللغة يعود إلى معان منها: الرد إلى الشيء_التحكيم فيه_والتوكيل .

وهو فى الاصطلاح: “الحكم بأن معاني نصوص الصفات مجهولة غير معقولة لا يعلمها إلا الله”. [مصطلحات فى كتب العقائد لمحمد الحمد  ص/ 11]

والقائلون بهذا القول هم جماعة من الأشاعرة: كالجويني ذكره في كتابه _[العقيدة النظامية ص/ 23] والغزالي في كتابه : [إلجام العوام عن علم  الكلام ص/54] .

 

وقد ظهرت هذه المقولة فى بداية القرن الرابع الهجري، وكان لانتشارها وانتشار نسبتها للسلف أسباب منها:

_ ذِكـر بعض متأخري المحدثين لها في بعض مصنفاتهم، كالبيهقي في كتابه: [الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد. ص/123] .والخطابي نُقله عنه البيهقي أيضا في: [الأسماء والصفات   ص/345]

 

_اعتماد المتكلمين على الأصول الفلسفية والكلامية في تقرير الأسماء والصفات واستعمال مصطلحات كالجسم والحيز, ومحاكمة النصوص إليها ونسبة ذلك للسلف كما فعل الغزالي في كتابه [الاقتصاد في الاعتقاد ص/ 11]  .

 

_جناية التأويل الكلامي على الوحي وانتشار الحيرة في أصحابه, وكثرة تناقضهم, فقد أدرك كثير منهم خطر التأويل على الوحي فتركوه إلى التفويض _تفويض المعنى والكيف_ظنا منهم أنه الطريق الأسلم فى فهم الوحي قال الذهبي:” وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي الجويني في مرضه، فقال : اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور.” [ سير أعلام النبلاء 18/ 474].

 

_اعتقاد التعارض بين ظني الوحي وقطعي العقل (بزعمهم) كما نص على ذلك سعد الدين التفتازانى بقوله عن آيات الصفات :”إنها ظنية سمعية في معارضة قطعيات عقلية فيقطع بأنها ليست على ظاهرها ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيقتها جريا على الطريق الأسلم “[شرح المقاصد 4/ 50]

 

موقف السلف من التفويض:

 

من خلال التأريخ لظهور التفويض يُعلم أنه لم يكن معلوما عند السلف بمعناه الذى مر معنا، فالتفويض ظهر أول ما ظهر فى بداية القرن الرابع هجرى,  أي بعد انقضاء القرون المزكاة , وبالنظر في مؤلفات السلف وما أسند إليهم من أقوال نجد أنهم كانوا على خلاف هذا المنهج، فقد كانوا يؤمنون بما جاء عن الله على مراد الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله  صلى الله عليه وسلم كما نص على ذلك الشافعي وغيره, ولم يكونوا يفرقون بين اللفظ والمعنى , وقد تعرضوا لآيات الصفات وفسروها مبينين مراد الله عز وجل منها، قال مجاهد: “عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها”.[الفتاوى 5/38] .

 

_ونقل القرطبي وابن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: { الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} .الأعراف الآية 45. فقال: “على وارتفع ” . وقال ابن المبارك حين سئل كيف نعرف ربنا؟ فقال: “فوق سبع سماوات على العرش بائن من خلقه “[البخاري في خلق أفعال العباد ص8 ].

_وقال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من علماء السلف” إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه ” [الصواعق المرسلة ص،/745]

_وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة ” الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله إلى حيث انتهى في صفته أو حيث انتهى رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب ونضعه عليه ونمسك عما سوى ذلك  ”
[اختلاف اللفظ ص/25].

 

فكلام السلف فى آيات  الصفات وتفسيرها وإثبات ما دلت عليه من المعانى دليل على مخالفتهم لهذا المذهب الذى حقيقة قوله التوقف عن المعنى مع القطع بأن الظاهر المتبادر إلى الذهن  غير مراد .

_وكانوا يعملون بمقتضى النصوص الآمرة لهم بالتدبر والتفكر في القرآن, وأن هذا الأمر لا يمكن أن يكون عبثا , بحيث يَأمر القرآن بما لا يمكن تدبره ولا يعقل .

 

_تفريق السلف بين تفويض الكيف والمعنى:

 

ومما يؤيد أن هذا المنهج _أي التفويض_على خلاف ما كان عليه السلف تفريق السلف بين الكيف والمعنى ,فالسلف كانوا يعتبرون المعاني معلومة بالنسبة لهم والكيفيات أمرها إلى الله وعباراتهم فى هذا كثيرة كقول مالك:” الاستواء معلوم _يعنى معناه_والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة”[الأسماء والصفات للبيهقي ص/515] .

 

 

_وقال الوليد بن مسلم: “سألت الأوزاعي, ومالك بن أنس ,وسفيان الثورى ,والليث بن سعد,عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة؟ فقالوا:  أمروها كما جاءت بلا كيف”[ الآجري في الشريعة /1146، رقم720 . والدارقطني في الصفات ص44، برقم67 .]

 

_وقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه ,فإنها جاءت ألفاظا دالة على معاني, فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال :أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد .

_والذين ساروا على نهج السلف وأدركوا هذه الفرقة كانوا يسمونها فرقة “التجهيل” أو “ألا أدرية” ينظر [الفتاوى /ج5/ص 34 الصواعق المرسلة ص/ 510] وغيرهما لعلمهم بحقيقة ما يقول به المفوضة وما يلزم عليه من لوازم باطلة، كاعتقاد أن نصوص الوحي غير مفهومة، وأن الله خاطب عباده بما ظاهره لا يليق به، وما يليق به لم يـبـينه فى كتابه ولا على ألسنة رسله, بل تركهم في حيرة من أمرهم، وتعبدهم بألفاظ لا يعرفون منها معنى يمدحونه به. وهذا مما ينزه عنه كلام البشر فكيف بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

 إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

5 ردود على “حقيقة التفويض وموقف السلف منه”

  1. يقول سعد:

    السلام عليكم أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يوفقكم لكل خير وأن يحفظكم من كل شر وهلا تفضلتم ياشيخنا العزيز الدكتور السعيدي بتشريفنا بأسماء اللجنة العلمية المكلفة بالكتابة و جزاكم الله خيرا

  2. يقول الشيخ لطيف السعيدي:

    إيضاحات بناءة مفيدة لطلبة العلوم الشرعية ومن أراد الإطلاع والتزود بالعلوم الشرعية.
    جزاك الله خير شيخنا الفاضل محمد السعيدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

موقف الإمامية الاثني عشرية من خالد بن الوليد -قراءة نقدية-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: إن الله أعزّ الأمة، ووجّهها نحو الطريق المستقيم، وفتح لها أبواب الخير بدين الإسلام، هذا الدين العظيم اصطفى الله له محمدَ بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، واصطفى له من بين أهل الأرض رجالًا عظماء صحبوه فأحسنوا الصحبة، وسخروا كل طاقاتهم في نشر دين الله مع نبي […]

التلازم بين العقيدة والشريعة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: من تأمل وتتبَّع أسفار العهدين القديم والحديث يدرك أنهما لا يتَّسمان بالشمول والكمال الذي يتَّسم به الوحي الإسلامي؛ ذلك أن الدين الإسلامي جاء كاملا شاملا للفكر والسلوك، وشاملا للعقيدة والشريعة والأخلاق، وإن شئت فقل: لأعمال القلوب وأعمال الجوارح واللسان، كما جاء شاملا لقول القلب واللسان، وهذا بخلاف غيره […]

إنكار ابن مسعود للمعوذتين لا طعن فيه في القرآن ولا في الصحابة

يعمد كثير من الملاحدة إلى إثارة التشكيك في الإسلام ومصادره، ليس تقويةً لإلحاده، ولكن محاولة لتضعيف الإسلام نفسه، ولا شك أن مثل هذا التشكيك فيه الكثير من النقاش حول قبوله من الملاحدة، أعني: أن الملحد لا يؤمن أساسًا بالنص القرآني ولا بالسنة النبوية، ومع ذلك فإنه في سبيل زرع التشكيك بالإسلام يستخدم هذه النصوص ضد […]

دعاوى المناوئين لفتاوى ابن باز وابن عثيمين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: تُثار بين الحين والآخر نقاشات حول فتاوى علماء العصر الحديث، ومن أبرز هؤلاء العلماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين. ويطغى على هذه النقاشات اتهام المخالف لهما بالتشدد والتطرف بل والتكفير، لا سيما فيما يتعلق بمواقفهما من المخالفين لهما في العقيدة […]

شبهات العقلانيين حول حديث “الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم” ومناقشتها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    مقدمة: لا يزال العقلانيون يحكِّمون كلامَ الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم إلى عقولهم القاصرة، فينكِرون بذلك السنةَ النبوية ويردُّونها، ومن جملة تشغيباتهم في ذلك شبهاتُهم المثارَة حول حديث: «الشيطان يجري في ابن آدم مجرى الدم» الذي يعتبرونه مجردَ مجاز أو رمزية للإشارة إلى سُرعة وقوع الإنسان في […]

البهائية.. عرض ونقد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات بعد أن أتم الله تعالى عليه النعمة وأكمل له الملة، وأنزل عليه وهو قائم بعرفة يوم عرفة: {اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وهي الآية التي حسدتنا عليها اليهود كما في الصحيحين أنَّ […]

الصمت في التصوف: عبادة مبتدعة أم سلوك مشروع؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: الصوفية: جماعةٌ دينية لهم طريقةٌ مُعيَّنة تُعرف بالتصوّف، وقد مَرَّ التصوّف بمراحل، فأوَّل ما نشأ كان زُهدًا في الدنيا وانقطاعًا للعبادة، ثم تطوَّر شيئًا فشيئًا حتى صار إلحادًا وضلالًا، وقال أصحابه بالحلول ووحدة الوجود وإباحة المحرمات([1])، وبين هذا وذاك بدعٌ كثيرة في الاعتقاد والعمل والسلوك. وفي إطار تصدِّي […]

دفع مزاعم القبورية حول حديث: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»

مقدمة: من الفِرى ردُّ الأحاديث الصحيحة المتلقّاة بالقبول انتصارًا للأهواء والضلالات البدعية، وما من نصّ صحيح يسُدُّ ضلالًا إلا رُمِي بسهام النكارة أو الشذوذ ودعوى البطلان والوضع، فإن سلم منها سلّطت عليه سهام التأويل أو التحريف، لتسلم المزاعم وتنتفي معارضة الآراء المزعومة والمعتقدات. وليس هذا ببعيد عن حديث «‌اتخذوا ‌قبور ‌أنبيائهم»، فقد أثار أحدهم إشكالًا […]

استباحة المحرَّمات.. معناها وروافدها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: من أعظم البدع التي تهدم الإسلام بدعة استباحةُ الشريعة، واعتقاد جواز الخروج عنها، وقد ظهرت هذه البدعة قديمًا وحديثًا في أثواب شتى وعبر روافد ومصادر متعدِّدة، وكلها تؤدّي في نهايتها للتحلّل من الشريعة وعدم الخضوع لها. وانطلاقًا من واجب الدفاع عن أصول الإسلام وتقرير قواعده العظام الذي أخذه […]

الحالة السلفية في فكر الإمام أبي المعالي الجويني إمام الحرمين -أصول ومعالم-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: من الأمور المحقَّقة عند الباحثين صحةُ حصول مراجعات فكرية حقيقية عند كبار المتكلمين المنسوبين إلى الأشعرية وغيرها، وقد وثِّقت تلك المراجعات في كتب التراجم والتاريخ، ونُقِلت عنهم في ذلك عبارات صريحة، بل قامت شواهد الواقع على ذلك عند ملاحظة ما ألَّفوه من مصنفات ومقارنتها، وتحقيق المتأخر منها والمتقدم، […]

أحوال السلف في شهر رجب

 مقدمة: إن الله تعالى خَلَقَ الخلق، واصطفى من خلقه ما يشاء، ففضّله على غيره، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ ‌وَيَخۡتَارُ﴾ [القصص: 68]. والمقصود بالاختيار: الاصطفاء بعد الخلق، فالخلق عامّ، والاصطفاء خاصّ[1]. ومن هذا تفضيله تعالى بعض الأزمان على بعض، كالأشهر الحرم، ورمضان، ويوم الجمعة، والعشر الأواخر من رمضان، وعشر ذي الحجة، وغير ذلك مما […]

هل يُمكِن الاستغناءُ عن النُّبوات ببدائلَ أُخرى كالعقل والضمير؟

مقدمة: هذه شبهة من الشبهات المثارة على النبوّات، وهي مَبنيَّة على سوء فَهمٍ لطبيعة النُّبوة، ولوظيفتها الأساسية، وكشف هذه الشُّبهة يحتاج إلى تَجْلية أوجه الاحتياج إلى النُّبوة والوحي. وحاصل هذه الشبهة: أنَّ البَشَر ليسوا في حاجة إلى النُّبوة في إصلاح حالهم وعَلاقتهم مع الله، ويُمكِن تحقيقُ أعلى مراتب الصلاح والاستقامة من غير أنْ يَنزِل إليهم […]

الصوفية وعجز الإفصاح ..الغموض والكتمان نموذجا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  توطئة: تتجلى ظاهرة الغموض والكتمان في الفكر الصوفي من خلال مفهوم الظاهر والباطن، ويرى الصوفية أن علم الباطن هو أرقى مراتب المعرفة، إذ يستند إلى تأويلات عميقة -فيما يزعمون- للنصوص الدينية، مما يتيح لهم تفسير القرآن والحديث بطرق تتناغم مع معتقداتهم الفاسدة، حيث يدّعون أن الأئمة والأولياء هم الوحيدون […]

القيادة والتنمية عند أتباع السلف الصالح الأمير عبد الله بن طاهر أمير خراسان وما وراء النهر أنموذجا (182-230ه/ 798-845م)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة: كنتُ أقرأ قصةَ الإمام إسحاق بن راهويه -رحمه الله- عندما عرض كتاب (التاريخ الكبير) للإمام البخاري -رحمه الله- على الأمير عبد الله بن طاهر، وقال له: (ألا أريك سحرًا؟!)، وكنت أتساءل: لماذا يعرض كتابًا متخصِّصًا في علم الرجال على الأمير؟ وهل عند الأمير من الوقت للاطّلاع على الكتب، […]

دعوى غلو النجديين وخروجهم عن سنن العلماء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: تكثر الدعاوى حول الدعوة النجدية، وتكثر الأوهام حول طريقتهم سواء من المخالفين أو حتى من بعض الموافقين الذين دخلت عليهم بعض شُبه الخصوم، وزاد الطين بلة انتسابُ كثير من الجهال والغلاة إلى طريقة الدعوة النجدية، ووظفوا بعض عباراتهم -والتي لا يحفظون غيرها- فشطوا في التكفير بغير حق، وأساؤوا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017