الثلاثاء - 12 صفر 1442 هـ - 29 سبتمبر 2020 م

حقيقة التفويض وموقف السلف منه

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

 وقع عند المتأخرين (ممن لا خبرة لهم بأقوال السلف) نسبة أمور للسلف لا حقيقة لها، منها: نسبة مذهب تفويض صفات الله للسلف، واعتباره هو الطريق الأسلم في الاعتقاد, فهو وسط بين التشبيه والتأويل على حد قول من ينسبونه للسلف، وسنحاول في هذه المقالة تبيين حقيقته وموقف السلف منه .

التفويض فى اللغة يعود إلى معان منها: الرد إلى الشيء_التحكيم فيه_والتوكيل .

وهو فى الاصطلاح: “الحكم بأن معاني نصوص الصفات مجهولة غير معقولة لا يعلمها إلا الله”. [مصطلحات فى كتب العقائد لمحمد الحمد  ص/ 11]

والقائلون بهذا القول هم جماعة من الأشاعرة: كالجويني ذكره في كتابه _[العقيدة النظامية ص/ 23] والغزالي في كتابه : [إلجام العوام عن علم  الكلام ص/54] .

 

وقد ظهرت هذه المقولة فى بداية القرن الرابع الهجري، وكان لانتشارها وانتشار نسبتها للسلف أسباب منها:

_ ذِكـر بعض متأخري المحدثين لها في بعض مصنفاتهم، كالبيهقي في كتابه: [الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد. ص/123] .والخطابي نُقله عنه البيهقي أيضا في: [الأسماء والصفات   ص/345]

 

_اعتماد المتكلمين على الأصول الفلسفية والكلامية في تقرير الأسماء والصفات واستعمال مصطلحات كالجسم والحيز, ومحاكمة النصوص إليها ونسبة ذلك للسلف كما فعل الغزالي في كتابه [الاقتصاد في الاعتقاد ص/ 11]  .

 

_جناية التأويل الكلامي على الوحي وانتشار الحيرة في أصحابه, وكثرة تناقضهم, فقد أدرك كثير منهم خطر التأويل على الوحي فتركوه إلى التفويض _تفويض المعنى والكيف_ظنا منهم أنه الطريق الأسلم فى فهم الوحي قال الذهبي:” وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي الجويني في مرضه، فقال : اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور.” [ سير أعلام النبلاء 18/ 474].

 

_اعتقاد التعارض بين ظني الوحي وقطعي العقل (بزعمهم) كما نص على ذلك سعد الدين التفتازانى بقوله عن آيات الصفات :”إنها ظنية سمعية في معارضة قطعيات عقلية فيقطع بأنها ليست على ظاهرها ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيقتها جريا على الطريق الأسلم “[شرح المقاصد 4/ 50]

 

موقف السلف من التفويض:

 

من خلال التأريخ لظهور التفويض يُعلم أنه لم يكن معلوما عند السلف بمعناه الذى مر معنا، فالتفويض ظهر أول ما ظهر فى بداية القرن الرابع هجرى,  أي بعد انقضاء القرون المزكاة , وبالنظر في مؤلفات السلف وما أسند إليهم من أقوال نجد أنهم كانوا على خلاف هذا المنهج، فقد كانوا يؤمنون بما جاء عن الله على مراد الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله  صلى الله عليه وسلم كما نص على ذلك الشافعي وغيره, ولم يكونوا يفرقون بين اللفظ والمعنى , وقد تعرضوا لآيات الصفات وفسروها مبينين مراد الله عز وجل منها، قال مجاهد: “عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها”.[الفتاوى 5/38] .

 

_ونقل القرطبي وابن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: { الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} .الأعراف الآية 45. فقال: “على وارتفع ” . وقال ابن المبارك حين سئل كيف نعرف ربنا؟ فقال: “فوق سبع سماوات على العرش بائن من خلقه “[البخاري في خلق أفعال العباد ص8 ].

_وقال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من علماء السلف” إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه ” [الصواعق المرسلة ص،/745]

_وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة ” الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله إلى حيث انتهى في صفته أو حيث انتهى رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب ونضعه عليه ونمسك عما سوى ذلك  ”
[اختلاف اللفظ ص/25].

 

فكلام السلف فى آيات  الصفات وتفسيرها وإثبات ما دلت عليه من المعانى دليل على مخالفتهم لهذا المذهب الذى حقيقة قوله التوقف عن المعنى مع القطع بأن الظاهر المتبادر إلى الذهن  غير مراد .

_وكانوا يعملون بمقتضى النصوص الآمرة لهم بالتدبر والتفكر في القرآن, وأن هذا الأمر لا يمكن أن يكون عبثا , بحيث يَأمر القرآن بما لا يمكن تدبره ولا يعقل .

 

_تفريق السلف بين تفويض الكيف والمعنى:

 

ومما يؤيد أن هذا المنهج _أي التفويض_على خلاف ما كان عليه السلف تفريق السلف بين الكيف والمعنى ,فالسلف كانوا يعتبرون المعاني معلومة بالنسبة لهم والكيفيات أمرها إلى الله وعباراتهم فى هذا كثيرة كقول مالك:” الاستواء معلوم _يعنى معناه_والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة”[الأسماء والصفات للبيهقي ص/515] .

 

 

_وقال الوليد بن مسلم: “سألت الأوزاعي, ومالك بن أنس ,وسفيان الثورى ,والليث بن سعد,عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة؟ فقالوا:  أمروها كما جاءت بلا كيف”[ الآجري في الشريعة /1146، رقم720 . والدارقطني في الصفات ص44، برقم67 .]

 

_وقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه ,فإنها جاءت ألفاظا دالة على معاني, فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال :أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد .

_والذين ساروا على نهج السلف وأدركوا هذه الفرقة كانوا يسمونها فرقة “التجهيل” أو “ألا أدرية” ينظر [الفتاوى /ج5/ص 34 الصواعق المرسلة ص/ 510] وغيرهما لعلمهم بحقيقة ما يقول به المفوضة وما يلزم عليه من لوازم باطلة، كاعتقاد أن نصوص الوحي غير مفهومة، وأن الله خاطب عباده بما ظاهره لا يليق به، وما يليق به لم يـبـينه فى كتابه ولا على ألسنة رسله, بل تركهم في حيرة من أمرهم، وتعبدهم بألفاظ لا يعرفون منها معنى يمدحونه به. وهذا مما ينزه عنه كلام البشر فكيف بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

 إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

5 ردود على “حقيقة التفويض وموقف السلف منه”

  1. يقول سعد:

    السلام عليكم أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يوفقكم لكل خير وأن يحفظكم من كل شر وهلا تفضلتم ياشيخنا العزيز الدكتور السعيدي بتشريفنا بأسماء اللجنة العلمية المكلفة بالكتابة و جزاكم الله خيرا

  2. يقول الشيخ لطيف السعيدي:

    إيضاحات بناءة مفيدة لطلبة العلوم الشرعية ومن أراد الإطلاع والتزود بالعلوم الشرعية.
    جزاك الله خير شيخنا الفاضل محمد السعيدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مُحاكَمَة الملِحد إلى بَدَهيَّات العَقلِ

مِن مآزقِ العقل البشريِّ الحيرةُ في وجود الخالِق، وهي عَرَض مَرَضيٌّ يَدخُل في دائرة الوسوَسَة وليس في نطاق العِلم؛ لأنه في صورته النهائيَّة يعني الخروجَ بالإنسان من دائرة العَقل إلى الجنونِ، ومن هنا اقترحَ كثيرٌ من العقلاءِ معالجتَه على أنه ظاهرةٌ مَرَضِيّة، وليس ظاهرةً فِكريَّة أو علميَّة وإن حاول أصحابُه ذلك؛ لأنَّ الأعمى قد تراه […]

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (2)

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    7- طريقة في الاستسقاء: ذكر المؤلف في حوادث سنة 1291هـ: وفي يوم السادس والعشرين من شهر ذي القعدة أمر الباشا بالقراءة على سبعين ألف حجر آية: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الآية، وكل مائة مرة يقرأ هذا الدعاء: (اللهم لا تهلك عبادك بذنوب عبادك، ولكن برحمتك الشاملة اسقنا ماء […]

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (1)

   للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: يُعدُّ كتاب (الحوادث المكية) للمؤرخ المكي أحمد بن أمين بيت المال (1255-1323هـ) المسمّى بـ: (النّخبة السّنيَّة في الحوادث المكية) أو (التحفة السنية في الحوادث المكية)([1]) مِن أهمِّ الكتب في تاريخ مكة المكرمة في الحقبة ما بين (1279هـ) و(1322هـ)؛ لما يتميَّز به من تدوين الحوادث الحوليَّة والانفراد بذكر […]

سنُّ أمّ المؤمنين عائشةَ عندَ زواج النبيِّ ﷺ بها تحقيقٌ ودَفعُ شبهة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدّمة: يتفنَّن المخالِفون في تَزيين ادِّعاءاتهم الباطلةِ بزخرُفِ مُوافقة العَقل والمبالغةِ في الحسابات الموهومة؛ فتراهم يحاولون إضفاءَ الصّبغة الأكاديميّة والموضوعيَّة العلميَّة عليها، والواقعُ يكذِّب دعواهم، والمنهَج العلميُّ يثبت خلافَ مزاعمهم، وبالمثال يتَّضح المقال. مِن ذلك ما ادَّعاه بعضُ الكُتّاب من عدَم دقَّة كثير من الأحاديث والروايات المتعلِّقةِ بالإسلام والتي […]

علاقةُ الجن بالبشر في حدود النصوص الشرعية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدَّمة: عالم الغيب عالم محجوبٌ عن الإنسان، لا يطَّلع عليه إلا بقدرِ ما تسمح به السنَن الكونيَّة، وما يقدِّمه الوحيُ مِن معلومات يقينيَّة عنه، ومع ندرةِ المعلومات عن العوالم الغيبية وقلة الوسائل لمعرفتها فإنَّ الإنسان يأبى إلا أن يحاول الاطِّلاع عليها، ويظلُّ طلبُ الحقيقة عنها سؤالًا يشغل بالَ […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب:الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا. اسم المؤلف: د. فضة بنت سالم العنزي، أستاذ مساعد بجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية. دار الطباعة: مركز دلائل، الرياض، المملكة العربية السعودية. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1440هـ-2019م. حجم الكتاب: […]

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو […]

تلخيص كتاب جلاء الحداثة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» بيان ورد التباس

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ شهرةَ المبطِل في باطله لا تنفُخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه؛ فما يقوم به أصحاب الأهواء من اتخاذهم بعض الأحاديث الصحيحة متكَأً لهم؛ فيحمِلُونها على غير محاملها، ويُحمِّلُونها ما لا تحتمله من التحريفات والتأويلات الفاسدة؛ تمهيدًا لاستخدامها بالباطل لتكون برهانًا ودليلًا على نشر شبهاتهم […]

عرض وتعريف بكتاب: صيانة الجناب النبوي الشريف

بيانات الكتاب: عنوان الكتاب: صيانَة الجَناب النَّبوي الشَّريف (ردُّ الإشكالات الواردة على سبعة أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم). المؤلف: د. أسامة محمد زهير الشنطي (الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة). الناشر: مبرة الآل والأصحاب. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى، سنة 1441هـ. حجم الكتب: 535 صفحة. التعريف العام بموضوع الكتاب: يهدف هذا الكتاب إلى تحليل ومناقشة سبعة […]

جواب شبهةٍ حول حديث: «من تصَبَّح بسبعِ تَمرات»

من المسلَّم به أنَّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم محمولٌ على التشريع والإخبار، ويستحيل في حقِّه الكلام بالظنِّ والتخمين، وإن جُوِّز من باب الاجتهاد فيمتنع إقرارُه من القرآن، ولذلك أمثلةٌ كثيرة في القرآنِ، منها قضيَّة أسرى بدرٍ، فقد أنزل الله فيهم قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ […]

خلاصة كتاب معالم المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

  المفاضلة بين الأنبياء – تحرير مفهوم ودفع إيهام –

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فقد خلق الكون كله، واختار من ذلك ما شاء من الأمكنة والأزمنة ففضل بعضها على بعض. والمفاضلة مفاعلة من الفضل، وهي المقارنة بين شيئين أو جهتين وتغليب أحدهما على الآخر في الفضل، إذا فالمفاضلة إثبات الفضل لشيءٍ على آخر، وتقديمه بذلك عليه، ولذا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017