الأربعاء - 27 جمادى الأول 1441 هـ - 22 يناير 2020 م

حقيقة التفويض وموقف السلف منه

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

 وقع عند المتأخرين (ممن لا خبرة لهم بأقوال السلف) نسبة أمور للسلف لا حقيقة لها، منها: نسبة مذهب تفويض صفات الله للسلف، واعتباره هو الطريق الأسلم في الاعتقاد, فهو وسط بين التشبيه والتأويل على حد قول من ينسبونه للسلف، وسنحاول في هذه المقالة تبيين حقيقته وموقف السلف منه .

التفويض فى اللغة يعود إلى معان منها: الرد إلى الشيء_التحكيم فيه_والتوكيل .

وهو فى الاصطلاح: “الحكم بأن معاني نصوص الصفات مجهولة غير معقولة لا يعلمها إلا الله”. [مصطلحات فى كتب العقائد لمحمد الحمد  ص/ 11]

والقائلون بهذا القول هم جماعة من الأشاعرة: كالجويني ذكره في كتابه _[العقيدة النظامية ص/ 23] والغزالي في كتابه : [إلجام العوام عن علم  الكلام ص/54] .

 

وقد ظهرت هذه المقولة فى بداية القرن الرابع الهجري، وكان لانتشارها وانتشار نسبتها للسلف أسباب منها:

_ ذِكـر بعض متأخري المحدثين لها في بعض مصنفاتهم، كالبيهقي في كتابه: [الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد. ص/123] .والخطابي نُقله عنه البيهقي أيضا في: [الأسماء والصفات   ص/345]

 

_اعتماد المتكلمين على الأصول الفلسفية والكلامية في تقرير الأسماء والصفات واستعمال مصطلحات كالجسم والحيز, ومحاكمة النصوص إليها ونسبة ذلك للسلف كما فعل الغزالي في كتابه [الاقتصاد في الاعتقاد ص/ 11]  .

 

_جناية التأويل الكلامي على الوحي وانتشار الحيرة في أصحابه, وكثرة تناقضهم, فقد أدرك كثير منهم خطر التأويل على الوحي فتركوه إلى التفويض _تفويض المعنى والكيف_ظنا منهم أنه الطريق الأسلم فى فهم الوحي قال الذهبي:” وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي الجويني في مرضه، فقال : اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور.” [ سير أعلام النبلاء 18/ 474].

 

_اعتقاد التعارض بين ظني الوحي وقطعي العقل (بزعمهم) كما نص على ذلك سعد الدين التفتازانى بقوله عن آيات الصفات :”إنها ظنية سمعية في معارضة قطعيات عقلية فيقطع بأنها ليست على ظاهرها ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيقتها جريا على الطريق الأسلم “[شرح المقاصد 4/ 50]

 

موقف السلف من التفويض:

 

من خلال التأريخ لظهور التفويض يُعلم أنه لم يكن معلوما عند السلف بمعناه الذى مر معنا، فالتفويض ظهر أول ما ظهر فى بداية القرن الرابع هجرى,  أي بعد انقضاء القرون المزكاة , وبالنظر في مؤلفات السلف وما أسند إليهم من أقوال نجد أنهم كانوا على خلاف هذا المنهج، فقد كانوا يؤمنون بما جاء عن الله على مراد الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله  صلى الله عليه وسلم كما نص على ذلك الشافعي وغيره, ولم يكونوا يفرقون بين اللفظ والمعنى , وقد تعرضوا لآيات الصفات وفسروها مبينين مراد الله عز وجل منها، قال مجاهد: “عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها”.[الفتاوى 5/38] .

 

_ونقل القرطبي وابن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: { الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} .الأعراف الآية 45. فقال: “على وارتفع ” . وقال ابن المبارك حين سئل كيف نعرف ربنا؟ فقال: “فوق سبع سماوات على العرش بائن من خلقه “[البخاري في خلق أفعال العباد ص8 ].

_وقال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من علماء السلف” إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه ” [الصواعق المرسلة ص،/745]

_وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة ” الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله إلى حيث انتهى في صفته أو حيث انتهى رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب ونضعه عليه ونمسك عما سوى ذلك  ”
[اختلاف اللفظ ص/25].

 

فكلام السلف فى آيات  الصفات وتفسيرها وإثبات ما دلت عليه من المعانى دليل على مخالفتهم لهذا المذهب الذى حقيقة قوله التوقف عن المعنى مع القطع بأن الظاهر المتبادر إلى الذهن  غير مراد .

_وكانوا يعملون بمقتضى النصوص الآمرة لهم بالتدبر والتفكر في القرآن, وأن هذا الأمر لا يمكن أن يكون عبثا , بحيث يَأمر القرآن بما لا يمكن تدبره ولا يعقل .

 

_تفريق السلف بين تفويض الكيف والمعنى:

 

ومما يؤيد أن هذا المنهج _أي التفويض_على خلاف ما كان عليه السلف تفريق السلف بين الكيف والمعنى ,فالسلف كانوا يعتبرون المعاني معلومة بالنسبة لهم والكيفيات أمرها إلى الله وعباراتهم فى هذا كثيرة كقول مالك:” الاستواء معلوم _يعنى معناه_والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة”[الأسماء والصفات للبيهقي ص/515] .

 

 

_وقال الوليد بن مسلم: “سألت الأوزاعي, ومالك بن أنس ,وسفيان الثورى ,والليث بن سعد,عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة؟ فقالوا:  أمروها كما جاءت بلا كيف”[ الآجري في الشريعة /1146، رقم720 . والدارقطني في الصفات ص44، برقم67 .]

 

_وقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه ,فإنها جاءت ألفاظا دالة على معاني, فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال :أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد .

_والذين ساروا على نهج السلف وأدركوا هذه الفرقة كانوا يسمونها فرقة “التجهيل” أو “ألا أدرية” ينظر [الفتاوى /ج5/ص 34 الصواعق المرسلة ص/ 510] وغيرهما لعلمهم بحقيقة ما يقول به المفوضة وما يلزم عليه من لوازم باطلة، كاعتقاد أن نصوص الوحي غير مفهومة، وأن الله خاطب عباده بما ظاهره لا يليق به، وما يليق به لم يـبـينه فى كتابه ولا على ألسنة رسله, بل تركهم في حيرة من أمرهم، وتعبدهم بألفاظ لا يعرفون منها معنى يمدحونه به. وهذا مما ينزه عنه كلام البشر فكيف بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

 إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

5 ردود على “حقيقة التفويض وموقف السلف منه”

  1. يقول سعد:

    السلام عليكم أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يوفقكم لكل خير وأن يحفظكم من كل شر وهلا تفضلتم ياشيخنا العزيز الدكتور السعيدي بتشريفنا بأسماء اللجنة العلمية المكلفة بالكتابة و جزاكم الله خيرا

  2. يقول الشيخ لطيف السعيدي:

    إيضاحات بناءة مفيدة لطلبة العلوم الشرعية ومن أراد الإطلاع والتزود بالعلوم الشرعية.
    جزاك الله خير شيخنا الفاضل محمد السعيدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

حديث: «إذا هلك قيصر فلا قيصر» بيان ورفع إشكال

مقدمة: كثيرةٌ هي دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها إخباره بما سيكون في المستقبل من الغيوب، فتحقَّق بعض ذلك على ما أخبر به في حياته وبعد موته؛ كالإخبار عن انتشار أمره، وافتتاح الأمصار والبلدان الممصَّرة كالكوفة والبصرة وبغداد على أمته، والفتن الكائنة بعده، وغير ذلك مما أخبر به، ورآه الناس عيانًا، وبعضها […]

الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي

اتَّفق سلف الأمة على أنه لا حجَّة لأحد على الله في تركِ واجب، ولا في فعل محرَّم؛ وتصديق ذلك في كتاب الله قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، والمعنى: “لا حجَّة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده”، قاله الربيع بن أنس رحمه الله([1]) . فمن احتجَّ […]

السَّلَفيةُ..بين المنهج الإصلاحي والمنهج الثَّوري

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدِّمة: يتعرَّض المنهجُ السلفيّ لاستهدافٍ مستمرّ من الخصوم والمناوئين؛ بالتهم والافتراءات وإثارة الشبهات حولَ الأفكار والمواقف، وذلك طبيعيّ لا غرابةَ فيه إن وضعناه في سياقِ الصراع بين اتِّجاه إصلاحيٍّ والاتجاهات المخالفة له، لكن الأخطر من دعاوي المناوئين وتهم الخصوم هو محاولة السعي لقراءة المنهج السلفيِّ والنظر إليه خارجَ إطار […]

التَّقليد المذموم.. إلغاءٌ للشَّخصية وتمهيدٌ للخرافة

المسلم الذي يهمُّه أمرُ هذه الأمَّة يجب عليه أن يبحثَ دائمًا عن أدوائها؛ ليكون هو الطَّبيب الذي يضع يدَه على المرض، فيتفحَّصه ويعالجه بما يناسبه. ومن الأمراض التي عانت الأمة الإسلامية منها كثيرًا وأحدثت شروخًا في الفكر الإسلاميّ القائم على اتّباع الكتاب والسنة وإعمال العقل في دائرته ومجاله: مرض التقليد المذموم، وهذا المرض لم يصب […]

عرض وتعريف بكتاب «ابن تيمية» لجون هوفر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد: لازال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني الشهير بابن تيمية والملقب بشيخ الإسلام يملأ الدنيا ويشغل الناس، ليس في العالم الإسلامي فحسب بل والعالم الغربي! وقد صدر قبل فترة ضمن سلسلة “صُنَّاع العالم الإسلامي” كتابٌ بعنوان: […]

بضاعَتُكم ردَّت إليكُم (موقف نصر حامد أبو زيد من محمَّد شحرور)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يأتي متطبِّب يدَّعي أنَّه حاذق في الطبّ، فيتلاعب بأبجديّات الطب، ويتعالى على أدواته، ويقدح في مسلَّماته، فلِمَ تكون درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تقريبا؟! ولم يكون السكَّر الطَّبيعي في الدم هو ما بين 120 إلى 126؟! ولم يكون معدَّل نبضات القلب ما بين 60 إلى 90؟! بل لِم نصدق […]

إثبات الربوبية بين الوحي وأصحاب الإعجاز العلمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: قضية الربوبية من القضايا التي تشغل كلَّ عاقل في هذا الكون ما دام جسدُه يتحرَّك وعقلُه يستوعِب الأشياءَ، وذلك لنوازعَ كثيرةٍ في النفس البشريَّة، منها أهميةُ معرفة الربِّ فطرةً ودينًا وعقلًا، ومنها حبُّ الاطلاع على الأشياء والوقوف على حقائقها بما يضمَن الطمأنينةَ واليقينَ بالمعتقَد. والعقلُ البشريُّ في مرحلةٍ […]

حديث: «الشمسُ والقمَر مكوَّران في النَّار يومَ القيامة» تفسيرٌ ورفعُ إشكال

تكذيبُ حديثٍ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقلُّ خطرًا عنِ الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقُله، وأهل العلم “لا يجيزون مخالفةَ حديث تبيَّن إمكان صحَّته، ثم ثبت صحَّة إسناده، ولم يعلم ما يقدح فيه أو يعارضه”([1])، وقد أفرط العقلانيون في ردّ الأحاديث الثابتة بالأهواءِ والمزاعم الباطلة، […]

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: قدَّر الله تعالى أن تُبتلى كلُّ أمّة بمن يحيد عنِ الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتُليت أمَّة الإسلام بمثل ذلك منذ عصرها الأول، فظهرتِ الخوارجُ والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرها من الفِرق، واستمرت هذه الفرق إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء أفكارها ومعتقداتها وانبعاثها من مراقدها بين الحين […]

موقِف عُلماء الحنابلة من ابن تيميّة ومدى تأثير مدرسته في الفقه الحنبلي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إنَّ شيخَ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يمثِّل شخصيةً فريدة، لها تأثيرها في التاريخ الإسلاميِّ؛ إذ جمع بين العلم والعمل والجهاد والسّلوك؛ ومنزلته في المذهب الحنبليِّ لا تخفَى على من له أدنى ممارسَة للفقه الحنبليِّ وأصوله، وتأثيره فيمن عاصَره ومن جاء بعدَه واضح لا ينكَر؛ حتى فيمن جالسه […]

تغريدات في التعريف بكتاب من شبهات الحداثيين حول الصحيحين

1- لم يترك الحداثيون شيئا من ثوابت الإسلام إلا وخاضوا فيه تغييرا وتبديلًا، ولم يتركوا مصدرًا من مصادر التشريع في الدين إلا ومارسوا عليه مناهجهم النقدية، وتجديدهم المزعوم، وفي هذه التغريدات سنتعرف على كتاب مهم تناول موقفهم من الصحيحين. 2-اسم الكتاب: من شبهات الحداثيين حول الصحيحين (عرض ونقد). موضوعه: يتناول الكتاب موقف الحداثيين من الصحيحين، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017