الأربعاء - 12 ربيع الآخر 1440 هـ - 19 ديسمبر 2018 م

حقيقة التفويض وموقف السلف منه

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

 وقع عند المتأخرين (ممن لا خبرة لهم بأقوال السلف) نسبة أمور للسلف لا حقيقة لها، منها: نسبة مذهب تفويض صفات الله للسلف، واعتباره هو الطريق الأسلم في الاعتقاد, فهو وسط بين التشبيه والتأويل على حد قول من ينسبونه للسلف، وسنحاول في هذه المقالة تبيين حقيقته وموقف السلف منه .

التفويض فى اللغة يعود إلى معان منها: الرد إلى الشيء_التحكيم فيه_والتوكيل .

وهو فى الاصطلاح: “الحكم بأن معاني نصوص الصفات مجهولة غير معقولة لا يعلمها إلا الله”. [مصطلحات فى كتب العقائد لمحمد الحمد  ص/ 11]

والقائلون بهذا القول هم جماعة من الأشاعرة: كالجويني ذكره في كتابه _[العقيدة النظامية ص/ 23] والغزالي في كتابه : [إلجام العوام عن علم  الكلام ص/54] .

 

وقد ظهرت هذه المقولة فى بداية القرن الرابع الهجري، وكان لانتشارها وانتشار نسبتها للسلف أسباب منها:

_ ذِكـر بعض متأخري المحدثين لها في بعض مصنفاتهم، كالبيهقي في كتابه: [الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد. ص/123] .والخطابي نُقله عنه البيهقي أيضا في: [الأسماء والصفات   ص/345]

 

_اعتماد المتكلمين على الأصول الفلسفية والكلامية في تقرير الأسماء والصفات واستعمال مصطلحات كالجسم والحيز, ومحاكمة النصوص إليها ونسبة ذلك للسلف كما فعل الغزالي في كتابه [الاقتصاد في الاعتقاد ص/ 11]  .

 

_جناية التأويل الكلامي على الوحي وانتشار الحيرة في أصحابه, وكثرة تناقضهم, فقد أدرك كثير منهم خطر التأويل على الوحي فتركوه إلى التفويض _تفويض المعنى والكيف_ظنا منهم أنه الطريق الأسلم فى فهم الوحي قال الذهبي:” وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي الجويني في مرضه، فقال : اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور.” [ سير أعلام النبلاء 18/ 474].

 

_اعتقاد التعارض بين ظني الوحي وقطعي العقل (بزعمهم) كما نص على ذلك سعد الدين التفتازانى بقوله عن آيات الصفات :”إنها ظنية سمعية في معارضة قطعيات عقلية فيقطع بأنها ليست على ظاهرها ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيقتها جريا على الطريق الأسلم “[شرح المقاصد 4/ 50]

 

موقف السلف من التفويض:

 

من خلال التأريخ لظهور التفويض يُعلم أنه لم يكن معلوما عند السلف بمعناه الذى مر معنا، فالتفويض ظهر أول ما ظهر فى بداية القرن الرابع هجرى,  أي بعد انقضاء القرون المزكاة , وبالنظر في مؤلفات السلف وما أسند إليهم من أقوال نجد أنهم كانوا على خلاف هذا المنهج، فقد كانوا يؤمنون بما جاء عن الله على مراد الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله  صلى الله عليه وسلم كما نص على ذلك الشافعي وغيره, ولم يكونوا يفرقون بين اللفظ والمعنى , وقد تعرضوا لآيات الصفات وفسروها مبينين مراد الله عز وجل منها، قال مجاهد: “عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها”.[الفتاوى 5/38] .

 

_ونقل القرطبي وابن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: { الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى} .الأعراف الآية 45. فقال: “على وارتفع ” . وقال ابن المبارك حين سئل كيف نعرف ربنا؟ فقال: “فوق سبع سماوات على العرش بائن من خلقه “[البخاري في خلق أفعال العباد ص8 ].

_وقال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من علماء السلف” إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه ” [الصواعق المرسلة ص،/745]

_وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة ” الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله إلى حيث انتهى في صفته أو حيث انتهى رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب ونضعه عليه ونمسك عما سوى ذلك  ”
[اختلاف اللفظ ص/25].

 

فكلام السلف فى آيات  الصفات وتفسيرها وإثبات ما دلت عليه من المعانى دليل على مخالفتهم لهذا المذهب الذى حقيقة قوله التوقف عن المعنى مع القطع بأن الظاهر المتبادر إلى الذهن  غير مراد .

_وكانوا يعملون بمقتضى النصوص الآمرة لهم بالتدبر والتفكر في القرآن, وأن هذا الأمر لا يمكن أن يكون عبثا , بحيث يَأمر القرآن بما لا يمكن تدبره ولا يعقل .

 

_تفريق السلف بين تفويض الكيف والمعنى:

 

ومما يؤيد أن هذا المنهج _أي التفويض_على خلاف ما كان عليه السلف تفريق السلف بين الكيف والمعنى ,فالسلف كانوا يعتبرون المعاني معلومة بالنسبة لهم والكيفيات أمرها إلى الله وعباراتهم فى هذا كثيرة كقول مالك:” الاستواء معلوم _يعنى معناه_والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة”[الأسماء والصفات للبيهقي ص/515] .

 

 

_وقال الوليد بن مسلم: “سألت الأوزاعي, ومالك بن أنس ,وسفيان الثورى ,والليث بن سعد,عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة؟ فقالوا:  أمروها كما جاءت بلا كيف”[ الآجري في الشريعة /1146، رقم720 . والدارقطني في الصفات ص44، برقم67 .]

 

_وقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه ,فإنها جاءت ألفاظا دالة على معاني, فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال :أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد .

_والذين ساروا على نهج السلف وأدركوا هذه الفرقة كانوا يسمونها فرقة “التجهيل” أو “ألا أدرية” ينظر [الفتاوى /ج5/ص 34 الصواعق المرسلة ص/ 510] وغيرهما لعلمهم بحقيقة ما يقول به المفوضة وما يلزم عليه من لوازم باطلة، كاعتقاد أن نصوص الوحي غير مفهومة، وأن الله خاطب عباده بما ظاهره لا يليق به، وما يليق به لم يـبـينه فى كتابه ولا على ألسنة رسله, بل تركهم في حيرة من أمرهم، وتعبدهم بألفاظ لا يعرفون منها معنى يمدحونه به. وهذا مما ينزه عنه كلام البشر فكيف بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

 إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

5 ردود على “حقيقة التفويض وموقف السلف منه”

  1. يقول سعد:

    السلام عليكم أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يوفقكم لكل خير وأن يحفظكم من كل شر وهلا تفضلتم ياشيخنا العزيز الدكتور السعيدي بتشريفنا بأسماء اللجنة العلمية المكلفة بالكتابة و جزاكم الله خيرا

  2. يقول الشيخ لطيف السعيدي:

    إيضاحات بناءة مفيدة لطلبة العلوم الشرعية ومن أراد الإطلاع والتزود بالعلوم الشرعية.
    جزاك الله خير شيخنا الفاضل محمد السعيدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

السلفية والشُّروخُ التي لا تُسد -هل أشعلتِ السَّلَفية فتيلَ الفتنةِ في الأُمَّة وفرَّقت بينَ المسلمين؟!-

لا يخفى على أحدٍ ما تعيشُه الأمّة الإسلاميةُ من حالةٍ بائسةٍ لا تسرُّ صديقًا ولا تغيظ عدوًّا، فالخلافات بين النُّخب الفكرية في الأمة بلغت أوجَها حتى صارت سفينة الأمَّة تتلاعب بها الرياحُ وسط أمواجٍ عاتيةٍ في بحر متلاطم، وليس هناك من يقود هذه السفينة إلى بَرِّ الأمان، وكلّ من يمرِّرُ بصره على حال الأمة لن […]

نظَّارات الحداثة: من تقنيات الحداثيين في قراءة النصوص الشرعية والتراثية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة المتابع للمنتَج الفكري الحداثي يستطيع بسهولةٍ ملاحظةَ المحاولات الدؤوبة التي يبذلها الحداثيون العرب؛ للولوج عبر الكتابات الفكرية بحمولة مصطلحية ومجموعة مفاهيم خاصّة لكل واحد منهم، والعمل على اصطحاب تلك المفاهيم وضخِّها في مصنفاتهم بشكلٍ استعراضي خاصّ، وبشكل ربما يخالف قواعد اللغة والمعاني الأساسية المعروفة من تلك الكلمات؛ لخَلْق […]

الحداثة… جمود وتخلّف ورجعية

نشب خلافٌ بين الملك والبابا في بعض المسائل الإصلاحية، فضاق الملك ذرعًا بتدخّل البابا في بعض تعييناته، واتَّسعت هوة الخلاف بينهما حتى وجَّه البابا رسالة شديدةَ اللهجة إلى الملك في أواخر عام 1075م، هدَّده فيها بالحرمان وخلعِه من منصب الإمبراطورية إذا لم يقم بالتوبة والخضوع، فردَّ الملكُ من جانبه بعقد مجمع لأساقفة إيطاليِّين معارضين للبابا […]

تناقضات خصوم السلفيّة والهروب من الواقع

 لا يوجد حِراك علميٌّ في عصرنا الحديث عانى من الظلم والجور والتمييز مثل ما عانت السلفيَّة من خصومها، حتى إنَّ العقلاء من خصومِها وأربابَ العدل إذا تعلَّق الأمر بالسلفية استعاروا عقولَ غيرهم، وفكَّروا برؤوسٍ مشوهة كأنما لم يخلقها الله على أجسادِهم، وما ذاك إلا تماديًا في الظلم والتنازل عن ميثاق شرف الخصومة الثقافيَّة الذي يمنع […]

حديث: “سجود الشمس تحت العرش” وردّ شُبَه العقلانيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5]، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد الذي جعل الله تعالى “أمره ظاهرًا فيما جاء به من الحق، […]

الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟

ظلَّ ملفُّ تطبيق الشريعة مغلَّقًا ردحًا من الزمن، فلم تكن الشبهاتُ تورَد عليه بمجملِه إلا ما كان على بعض الحدود دونَ بعض، وما إن أعلن أتاتورك جمهورية تركيا العلمانية الحديثة حتى فُتح هذا الملف الذي كان مخبوءًا في سراديب الذاكرة العلمانية، فطُرح بقوة، ونوقش من كافَّة الطوائف الدينية، ولا زال الجدال فيه قائمًا بين الاتجاهات […]

ترجمة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ([1]) اسمه ونسبه ونسبته: هو: الطيِّب بن محمَّد بن إبراهيم بن الحاج صالح العُقْبيُّ. وإلى جدِّه صالح ينسب كلُّ فردٍ من أسرته، فيقال: “ابن الحاج صالح”. والعقبيُّ: نسبة إلى بلدة “سيدي عُقبة” التي تقع بولاية بسكرة، والتي قدِم إليها أحدُ أجداده واستقرَّ بها. ويعود نسبه في الأصل […]

حديث الإسراء والمعراج والرد على المتهوكين فيه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمن الحق الواجب اعتقاده أنه قد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة من مكة إلى بيت المقدس في فلسطين، ثم عرج بشخصه صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم حيث شاء الله تعالى من العلا، وهما -أي: رحلتا […]

ما هكذا يُدرَّس علم التَّفسير!

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا قال الشَّيخ العلامةمحمد البشير الإبراهيمي في حفل ختم رفيق دربه الإمام عبد الحميد ابن باديس -رحمهما اللَّه- تفسيره لكتاب اللَّه سنة (١٩٣٨م): “هذا هو اليوم الذي يختم فيه إمام سلفي تفسير كتاب اللَّه تفسيرًا سلفيًا ليرجع المسلمون إلى فهمه فهمًا سلفيًا، في وقتٍ طغتْ فيه المادة على الروح ولعب فيه […]

بين الأسماء الإلهية والأركونية للقرآن الكريم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة “فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن. والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليُحطم ما تحته”([1]). هذا كان […]

مسجد الخيف ومحاولات التشغيب لدى القبوريّين

جاءت أحاديث كثيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم تنهى عن الصلاة إلى جهة القبر، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلُّوا إلى القبور»([1])، بل شدّد صلى الله عليه وسلم في ذلك تشديدًا عظيمًا؛ حتى وصف من يفعل ذلك بأنهم شرار الخلق، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017