الثلاثاء - 29 ربيع الآخر 1439 هـ - 16 يناير 2018 م

أهمية علم أصول الفقه في ضبط الاستنباط من النصوص وفهمها

A A

علم أصول الفقه علم نافع لقارئه، ورافع لقدره، وهو من العلوم المعيارية التي لا يمكن للعالم ولا للقاضي الاستغناء عنها أبدًا أثناء إصدار الأحكام الشرعية، بل لا يمكن للمجتهد أن يهتدي للحكم الشرعي يقينًا أو ظنا غالبًا؛ وهو لم يصل مرحلة المشارك في هذا الفن؛ لأن عليه مدار الشرع، وبه تعرف مقاصده، ويُهتدى إلى أحكامه، وقد اعتنى العلماء به قديمًا وحديثًا؛ لأنه ألصق علوم الآلة بالاجتهاد، وأخصها بالاستنباط، وأعلاها درجة في الوصول إلى المطلوب من الأحكام الشرعية، بل تلك فائدته وثمرته، كما يقول أهل الفن، وقد حَجَّرَ العلماء على كل جاهل به، وأبعدوه عن إصدار الأحكام والفتيا، وحذَّروا من ممارسته لها؛ لعدم أهليته لذلك؛ لأنه فقد أشرف العلوم وأعلاها في التنزل على مراد الله عز وجل.

وقد حدد العلماء مباحث هذا الفن وذكروها مفصّلة، ونصوا على أن من لم يعرفها لم يكن له أن يُفتي بين العباد، ولا أن يقضي بينهم، يقول الشافعي رحمه الله:  “لا يحلّ لأحد أن يفتي في دين اللَّه إلا رجلًا عارفًا بكتاب اللَّه، بناسخه ومنسوخه،  وبمُحْكَمِه  ومُتَشَابهه، وتأويله وتنزيله، ومَكّيّه ومَدَنيّه، وما أُريد به، وفيما أُنزل، ثم يكون بعد ذلك بَصيرًا بحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ،  ويعرف من الحديث مثلَ ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مُشْرِفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحةٌ بعد هذا، فإذا كان هذا هكذا؛ فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي”([1]).

فهذا التنصيص من الشافعي على أهلية المفتي وأنها لا تكون إلا بمعرفة الأصول وما يلحق بها من علوم معينة على فهم الكتاب والسنة توارد عليه العلماء بعده، يقول الإمام الزركشي: “فإن أولى ما صُرفت الهمم إلى تمهيده، وأحرى ما عَنِيَت بتسديد قواعده وتشييده؛ العلم الذي هو قوام الدين، والْمُرَقِّي إلى درجات المتقين. وكان علم أصول الفقه جواده الذي لا يُلحق، وحبله المتين الذي هو أقوى وأوثق، فإنه قاعدة الشرع، وأصل يُرَدُّ إليه كل فرع. وقد أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم في جوامع كَلِمِه إليه، ونبَّه أرباب اللسان عليه، فصدر في الصدر الأول منه جملة سَنَيَّة، ورموز خفِيَّة”([2]).

ويقول السًّبكي مبيِّنًا أهميته في الاجتهاد وضرورته: “وكل العلماء في حضيض عنه (أي الاجتهاد) إلا من تغلغل بأصل الفقه، وكَرَعَ من مناهله الصافية بكل الموارد، وسَبَحَ في بحره، وترَوّى من زلاله، وبات يعلًّ به وطرفه ساهد”([3]).

ويؤكد شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله هذا المعنى فيقول: “لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُردُّ إليها الجزئيات؛ ليتكلَّم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم”([4]).

وهذا الشاطبي رحمه الله أثناء ذكره لطرق تحصيل العلم يذكر مواصفات العالم الذي ينبغي أخذ العلم منه، وأوَّل هذه الشروط علمه بأصول العلم وتحقيقه لها، فيقول: “فإذا تقرر هذا؛ فلا يؤخذ [العلم] إلا ممن تحقق به، وهذا أيضًا واضح في نفسه، وهو أيضا متفق عليه بين العقلاء؛ إذ من شروطهم في العالم بأي علم اتفق؛ أن يكون عارفًا بأصوله، وما ينبني عليه ذلك العلم، قادرًا على التعبير عن مقصوده فيه، عارفًا بما يلزم عنه، قائمًا على دفع الشُّبَه الواردة عليه فيه”([5]). وهذا كله يدل الباحث عن الحق على أهمية تعلم هذه المادة وتصورها تصورًا صحيحًا، فما أوتي مَن أوتي في العلم الشرعي إلا من جهة جهله بها، أو عدم مراعاتها إن كان عالمًا بها، ولنأخذ أمثلة لذلك في ميادين من هذا الفن يكثر الكلام فيها، والناس قد انقسموا فيها طرائق قددًا، ولو رجعوا إلى هذا الفن لكان حكًمًا عدلاً بينهم، ومن ذلك:

مفهوم المتشابه ومجال وقوعه: فمما يؤكد عليه علماء الأصول أن المتشابه قليل في الشريعة عمومًا؛ لأن كثرته تزيل عن الشرع وصف الحُجِّيَّة؛ ولأن الله وصف الوحي بالإحكام كله، وفي مقابل المتشابه جعل المحكَم هو الأكثر، فقال: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [سورة آل عمران: 7]. “فقوله في المحكمات: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} يدل أنها المعظم والجمهور، وأُمُّ الشيء معظمه وعامته، كما قالوا: “أُمُّ الطريق” بمعنى معظمه، و”أُمُّ الدماغ” بمعنى الجلدة الحاوية له الجامعة لأجزائه ونواحيه، و”الأُمُّ” أيضا الأصل، ولذلك قيل لمكة: “أُمُّ القرى”؛ لأن الأرض دُحيَت من تحتها، والمعنى يرجع إلى الأوَّل، فإذا كان كذلك؛ فقوله تعالى: {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] إنما يراد بها القليل.

والمتشابه لو كان كثيرًا لكان الالتباس والإشكال كثيرًا، وعند ذلك لا يُطلق على القرآن أنه بيان وهدى؛ كقوله تعالى: {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِين} [سورة آل عمران:138]. وقوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِين} [سورة البقرة:2]. وقوله {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }(44).

وإنما نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس، والمشكل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة لا بيان وهدى، لكن الشريعة إنما هي بيان وهدى؛ فدلَّ على أنه ليس بكثير، ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابهًا؛ لم يصح القول به، لكن ما جاء فيه من ذلك فلم يتعلق بالمكلفين حكم من جهته زائد على الإيمان به وإقراره كما جاء، وهذا واضح”([6]) .

وما دامت الحال هذه فإن الباحث في النصوص الشرعية لا بد أن يستصحب معنى الإحكام فيها، فلا يتعجل باعتقاد التضارب بين النصوص أو التعارض أو إلغاء بعضها لصالح بعض دون أن يمر بالمرحلة التي تسبق ذلك وهي الجمع، فمن لم يستحضر هذا المفهوم في الشرع وهو الإحكام وأنه يُرَدُّ إليه جميع ما اشتبه فيتضح به لم يكن له بُدٌّ من مخالفة الشريعة ظاهرًا وباطنًا خطأً أو قصدًا، وكذلك في بعض القواعد الفقهية المعتبرة عند الفقهاء فإن عدم معرفة الشخص بمجالها يجعله يستخدمها في غير محلها، ومن ذلك قاعدة “العادة محكَّمَة” ونظيرتها مما يشبهها في الصياغة، فإن هذه القاعدة من القواعد التي عليها مدار الشرع كما قال صاحب المراقي:

قد أُسِّسَ الفقه على رفع الضرر

وأن ما يشـق يجلب الوطر

ونفيِ رفع القطع بالشك وأن

يُحَكَّمَ العرفُ وزاد من فطن

كونَ الأمور تبعَ المقاصد

مَعَ تَكَلُّفٍ ببعض وارد(7)

فهذه القاعدة مع مراعاتها إلا أن لها مجالًا إذا لم تُخصّ به كان الْمُسْتَعْمِلُ لها مبطلا للشريعة، فالعرف لا يستدل به إلا إذا كان عرفًا محكومًا عليه بالإباحة الأصلية، أو بنص خاص من الكتاب والسنة، ولا تُسْتَخْرَجُ منه الأحكام، بل يستخرج منه تقدير ما حكمت به النصوص الشرعية، مثل مقدار النفقة على الزوج، ومقدار ما يؤكل من مال اليتيم، والعادة ليست مُنْشِئَةً للأحكام وإنما مُعِينَةٌ على فهم مقاصد المكلَّفين في عقودهم، وأنكحتهم وغير ذلك([8]).

ومثله يقال في العموم والخصوص، فقد يأتي اللفظ عامًّا يراد به الخصوص، ويأتي وهو باقٍ على عمومه، ويأتي وهو قابل للتخصيص، وغير ذلك من المجالات التي لا يسعها هذا المقال، فلا بد للباحث الشرعي أن يعيَها، وأن يتعامل معها بوعي مكتمل، ولا تكفي في ممارستها الثقافة؛ بل لا بد من الإدراك الحقيقي للقواعد الأصولية، ومعرفة مجالات استخدامها؛ لكي ينضبط المفتي والمتفقه، وتصدر فتواه عن رسوخ لا عن جهل واضطراب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/50).

([2]) البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (1/4-5).

([3]) الإبهاج في شرح المنهاج (1/6).

([4]) الفتاوى (20/203).

([5]) الموافقات للشاطبي (1/146).

([6]) الموافقات للشاطبي (3/96)، بتصرف يسير.

([7]) مراقي السعود (ص39).

([8]) ينظر المسودة (ص123)، وتقريب الوصول (ص444)، والموافقات (2/445).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

رفع الحرج في الشريعة: الحدود والجنايات نموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   إن اعتبار المكلف في الشريعة الإسلامية والسعي لإسعاده في الدنيا والآخرة أمرٌ مقطوع به؛ ولهذا الاعتبار مظاهرُ كثيرة؛ منها سعي الشريعة لوضع القواعد المنظمة لحياة الإنسان، التي تضمن أن يسير في الحياة سيرًا لا يشق عليه، كما شرعت له شرائع تراعي حاله وترفق به، وتضع حدًّا للمشقة التي […]

حكم التكفير بالانتساب للمذاهب الكفرية

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، وبعد : فمن المعلوم لدى أهل العلم خطر قضية تكفيرالأعيان ؛ لما يترتب عليه من لوازم خطيرة  يجب الاحتياط جدًا قبل ولوجها ؛ ولذا اعتنى أهل العلم بضوابط تكفير الأعيان؛ فإن الخطأ في نفي الكفر عن […]

وحدة الأمة بمنظار سلفي

  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، محمد صلى الله عليه وسلم ، وبعد : دأب كثير من خصوم السلفية على اتهامها ببث الفرقة  والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة ، رغم أن من الأصول التي يُلح عليها السلفيون ، الدعوة للوحدة والاجتماع ونبذ الفرقة والاختلاف […]

إرهاصات الانبعاث السَّلفي

وصل العالم الإسلامي في مطلع العصر الحديث وفي ظل غيابٍ كليٍ للمنهج السَّلَفِي إلى أسوأ أحواله من حيث الانفصام بين العلم الشرعي الذي يتوارثه العلماء وبين العمل والقيام بالدِّين، فكانت صورة الدين الموروث في الكتب تختلف كثيرًا عن الدين المعمول به سوى ظواهر من أعمال الجوارح؛ كالصلاة والصوم والحج والزكاة كادت أن تكون هي الباقي […]

الانتصار لأهل السنة وكشف مذهب أدعياء السلفية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف خلق الله أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد.. فلا تكاد تخمد لأهل البدع راية إلا ويحاول بعضهم أن يرفعوا غيرها؛ عسى أن تلقى رواجًا […]

خسارة العالم بانحسار السلفية

كانت القرون الثلاثة الأُوَل بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هي عصر سيادة عقيدةِ السلف رضوان الله عليهم وفقهِهِم، وفيما بعدها بدأت مذاهب البدعة ترتفع من هنا وهناك، حتى جاء القرن الخامس الهجري حيث بدأت الدولة السلجوقية في عهد آخر ملوكها الأقوياء ألب أرسلان وابنه ملك شاه ووزيرهما نظام الملك (485ه) ففي ذلك العصر […]

المناظرات وعلاج الافتتان

  حضَّت أمانة هيئة كبار العلماء قبل أيام المختصين على الردِّ على ما يُشيعه عدنان إبراهيم من شبهات حول الكتاب والسنة، ومعتقد السلف، ومصادر التلقي، والصحابة الكرام -رضي الله عنهم- والتاريخ الإسلامي، وعدد من الأحكام الفقهية، وغير ذلك، وجاء ردُّ عدنان إبراهيم بطلب مناظرة من ترشحه هيئة كبار العلماء من العلماء الكبار كما يقول. أما […]

وحدة الأُمَّة في وحدة اتباعها

تابعت كملايين المسلمين خطبة يوم عرفة والتي ألقاها فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام ورئيس شؤون الحرمين([1])، وكانت كما هو المتوقع من فضيلته جامعة مانعة نافعة مظهرة لحقيقة الإسلام الذي كادت البدع والأهواء والتحزبات أن تلقي به خلف ظهرها وتخفيه عن العالمين، لولا لطف الله –عزَّ وجلَّ– وإظهاره دينه ولو كره المجرمون. […]

ماذا قال لنا محمَّد بنُ عبدِ الوهَّاب؟

لا شك أننا حين نتحدث عن مصلحٍ ما ونريد أن نثبت أثرَه، لا بد أن ننظر في الأمر كيف كان قبله؛ ليتضح لنا ما هو الإصلاح الذي قدمه؟ ومن أراد أن يتعرف على نجد موطن الشيخ محمد، وكيف كانت قبله؟ فما عليه إلا أن يتصور عددا من المعطيات تكفُل له تصوير الواقع حتى وإن لم […]

حقيقة الأمر الشرعي ومعرفة المراد منه

ليس المراد من هذا المقال الدخول في المتاهات التي أدخل فيها المتكلمون من الأصوليين أنفسهم هل حقيقة الأمر أنه نفسي والصيغة دالةٌ عليه، وهل يتوجه الأمر للمعدوم أم لا، بل الذي يعنينا هنا هو معرفة حقيقة الأمر الشرعي من ناحية ما يدل عليه في استعمال الشارع من الأحكام، ومن ناحية أخرى معرفة مقصد الأمر هل […]

لماذا يجبُ السَّمْعُ والطَّاعةُ؟

العبد المؤمن مأمور بالتعبد لله تعالى باتباع النصوص عن الله تعالى وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- والاستسلام لها، سواء أَوَافقت هواه وعقله وما يرى أنه المصلحة أم خالفت ذلك كله، والقرآن الكريم فيه كل ما يهم المسلم في حاضره ومستقبله فهو كما قال عنه منزله -سبحانه- تبيانًا لكل شيء: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ […]

حقيقة عرض الأعمال على الرسول صلى الله عليه وسلم

حقيقة عرض الأعمال على الرسول صلى الله عليه وسلم الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبه ورسوله صلى الله عليه وسلم أما بعد، فتتنوع شبهات أهل البدع التي يستدلون بها على بدعهم؛ ما بين استدلالٍ بدليلٍ ثابتٍ ولكن لا حجة فيه، وضعيفٍ لا تقوم به حجةٌ. […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017