الجمعة - 16 ذو القعدة 1440 هـ - 19 يوليو 2019 م

حركاتُ الإِنقاذ السَّلفية في الهِند وغرب إِفرِيقيا والمغرِب

A A

لا أعتقد أنهم مخطئون أولئك الذين يقولون إن بداية النهضة الإسلامية المعاصرة كانت مع قدوم الحملة الفرنسية، لكنني أقول ليست الحملة الفرنسية وحدها، بل التكالب الغربي عمومًا على العالم الإسلامي، إسبانيا، والبرتغال، وإنجلترا، فكل هؤلاء كانت أساطيلهم تجوب السواحل الإسلامية بعد الألف الهجرية، وكان المسلمون شيئًا فشيئًا يتعرفون على ضعفهم من مختلف الجوانب أمام هذه الشعوب الطارئة عليهم، لكن المشكلة الكبرى هي أنهم لم يكونوا يجدون في الإسلام كما هو بين أيديهم أي محرك للتقدم والنهوض.

فالعلماء الذين يفترض أن يكونوا شارحي الإسلام يمكن قَسْمُهُم إلى فريقين:

الأول صوفيون طرقيون، أي: واقعون بعقولهم وقلوبهم وجوارحهم تحت سيطرة أشياخ الطرق الصوفية بل إن بعض أشياخ الطرق كانوا من هؤلاء العلماء.

والآخر: علماء منشغلون بدراسة كتب الشريعة كافة لكنهم غارقون في التقليد في كل مناحي العلم وأعظمها الاعتقاد وعلم السلوك.

فكان غالب حفظهم للكتاب والسنة وخلافات الفقهاء حفظًا للتبرك فقط، لا للاجتهاد والبحث عن الصواب، أما عملهم فهو على ما ورثوه من الحضرات والخلوات والزوايا والأضرحة والخرافات التي تراكمت في ظل غياب النص والعقل والركون التام إلى التقليد، لا أقول تقليد الأئمة الأولين من طبقة مالك والشافعي، بل تقليد البيئة الخرافية التي أدى إليها حصر مالك والشافعي وأمثالهما في زاوية الفقه الذي لا يتجاوز أعمال الجوارح وأحكام البيوع والأقضية والأنكحة، بل حتى في تلك لم يكن مالك والشافعي في كثير منها تتجاوز آراؤهم بُطُون الكتب ومحفوظات العلماء.

وهذه البيئة العلمية العقيمة كانت بدون شك عاجزة عن مقاومة الزلزال الذي أحدثه القدوم الأوربي الجديد إلى الشرق لاسيما الحملة الفرنسية على مصر.

كانت ردة الفعل الطبيعية قوة حركة الاستغراب لدى المثقفين المسلمين الذين لم يجدوا فيما حولهم من العلم والواقع الإسلامي سوى ما يدعم الخرافة والتخلف والانصياع للقهر والاحتلال، إلى أن بدأت بالظهور نزعات التأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

فقد بدأت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بداية فعلية منذ اللقاء التاريخي بين الإمامين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود عام 1157هـ يوافقه 1744م، ومنذ ذلك التاريخ وحتى سقوطها عام 1233هـ يوافقه 1818م أي: بعد خروج الفرنسيين من مصر بسبعة عشر عاما، ولم تكن الدولة العثمانية أو الدولة المصرية وحدهما وراء إسقاطها، بل كان ذلك بمباركة الدولة العظمى آن ذاك بريطانيا التي حضر مندوبها مدير شركة الهند الشرقية والتي كانت تتولى عملية استعمار الهند آنذاك، حضر الحفل الذي أقامه إبراهيم باشا في الدرعية على إثر إسقاطها وما جرى فيها من دمار ومذابح، كما كان ضمن جيش إبراهيم باشا أعداد لا تُحصى من المرتزقة الأوربيين.

وسر مباركة بريطانيا لهذا الحدث: أنها أول دولة من دول الاحتلال عرفت خطر النهوض السَّلَفِي على مصالحها، وذلك إثر الانبعاث الإسلامي الذي أحدثه في الهند الشاه ولي الله الدهلوي [1176هـ] وابنه عبد العزيز رحمهما الله [1239هـ]، فقد تسبب النهوض السَّلَفِي في الهند في أولى الحركات الجهادية ضد الاستعمار البريطاني، كما تسبب في إحياء الاجتهاد وبداية خروج مسلمي الهند من دوامة الخرافة التي كانت بريطانيا تسعى لإبقائهم فيها، وظهرت عدة حركات قوية كلها كانت ذات صلة وتأثر بدعوة الشيخ وإن كان بدرجات مختلفة، وقد بدت الهند أكثر البلاد زعامات إصلاحية متأثرة بهذه الدَّعوَة، فبعد الشاه ولي الله الذي كان معاصرًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب جاء أبناؤه وتلاميذه وكان تأثرهم بدعوة الشيخ لا يخفى في كلامهم ومؤلفاتهم، وقد ظهر أيضا في تلك الحقبة الاستعمارية أحمد شهيد بريلوي [1246هـ] في شمال الهند، وكان غالب تأثره بدعوة الشيخ في جانب عقيدة الولاء والبراء وجهاد المحتل، وظل يحاول الاستبقاء على الصوفية وتنقيتها من الخرافة، وتيتو مير في البنغال [1831م] الذي قاد حركة سلفية في دعوتها العقائدية والجهادية.

وفي البنغال أيضا واجه الإنجليز الحركة الفرائضية التي تعتبر أقوى الحركات التي واجهوها في شرق القارة الهندية وهي دعوة متأثرة بالسَّلَفِية بشكل كبير، قَدِمَ مؤسسها حاجي شريعة الله من مكة سنة 1231ه، بعد أن أقام فيها 17 عاما تخللها فترة حكم الدولة السعودية الأولى لمكة المكرمة.

كما عرفت بريطانيا أثر النهوض السَّلَفِي على مصالحها في غرب إفريقيا، حيث كانت قد بدأت تضع أقدامها في تلك البلاد وفوجئت بدولة سلفية قوية هي دولة العالم المجاهد عثمان بن فودي [1233هـ] يوافقه [1818م]، والجدير بالملاحظة أن عثمان فودي هذا تلقى المنهج السَّلَفِي المحارب للبدعة والخرافة في مكة، وذلك أثناء مجاورته فيها إبان حُكم الدولة السعودية الأولى، وقرر بعد استفادته هذا المنهج القويم العودة إلى بلاده ونشر الإسلام الصحيح هناك ومحاربة البدعة والخرافة وإعادة الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وسار على نهج قريب من نهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وألف عددًا من الكتب والرسائل، وانتهى الأمر به إلى إعلان الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا والتي جمع فيها الإمارات الصغيرة المتحاربة والمشتتة، وقضى بها على القوى الوثنية هناك، فلما وطئت عيون المحتل البريطاني أرض تلك البلاد وجدت هذه الدولة السَّلَفِية القوية التي ساهم وجودها في تأخير احتلال بريطانيا، بل وفي بقاء نيجيرية منتفضة على المحتل حتى أوان استقلالها.

والحقيقة أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم تؤثر على نيجيريا والهند وحسب، بل يمكننا الجزم بأن كل الحركات التي دعت إلى العودة إلى النصوص وإلى العقل ونبذ الخرافة وتنقية الإسلام من شوائب البدع والأوهام، وبالتالي كل الحركات التي دعت إلى مقاومة المستعمر وطرده من بلاد الإسلام والتي جاءت بعد دعوة الشيخ كانت متأثرة بها، أو لِنقُل بعبارة أدق كل الحركات والدعوات التي أعادت للأمة الثقة بدينها بعدما كادت قوة المستدمر [المستعمر] أن تسقط فئامًا كبيرًا من ناشئة الأمة في غياهب الصدمات الحضارية.

ولم يكن يحول بين عقلاء العلماء والحكام وبين هذه الدَّعوَة إلا التوجهات السياسية والتعصب للأهواء والبدع، وقد اجتمع الأمران في الأقطار التي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية حيث الخصومة السياسية تُغذي الأهواء وأهلها، ولعل هذا هو السر في كون العلماء والحكام الذين تأثروا بدعوة الشيخ مبكرين هم الذين لم تكن بلادهم ولاية عثمانية.

وقد ضربتُ مثلًا بمن كان منهم بالقارة الهندية، وهنا أُغَرِّبُ لأتحدث عن سلطان المغرب المولى سليمان بن محمد بن عبد الله ملك المغرب [1238هـ]، وقد وصله كتاب الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود سنة 1226هـ، فكان الملك سليمان خير من استجاب من ملوك الأمصار لهذه الدَّعوَة، فأرسل على إثرها ولده إبراهيم ومعه لفيف من العلماء ليعطوه رأيهم في دعوة الشيخ محمد عن كثب فجاء تقريرهم حميدًا مفيدًا، ألقى الملك على إثره خطبته المشهورة بخطبة المولى سليمان، وكان لهذا الملك أثره العظيم في كل الحركات التي ناهضت الاستعمار الغربي في المغرب عسكريا؛ كحركة عبد الكريم الخطابي وحركة الريسوني، أو فكريا؛ كحركة بوشعيب الدكالي [1356هـ]، وعلال الفاسي [1394هـ]، وتقي الدين الهلالي [1407هـ] وغيرهم من العلماء والمفكرين، بل إن التوجه السَّلَفِي للدولة العلوية زمن السلطان سليمان هو صاحب الأثر الأكبر في بقائها رغم تكالب فرنسا وإسبانيا عليها.

 

 

 

رد واحد على “حركاتُ الإِنقاذ السَّلفية في الهِند وغرب إِفرِيقيا والمغرِب”

  1. يقول محمد:

    لكن نجحت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله دون غيرها من الحركات

    شاكرا للشبخ الدكتور محمد السعيدي مقاله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

التعريف بكتاب: نجد قبل الوهابية.. الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية إبان القرون الثلاثة التي سبقت الحركة الوهابية

واحد من أكثر التحالفات نجاحًا هو التحالف الذي قام بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، كما أن واحدة من أكثر الدعوات التي كتب الله لها القبول وانتشرت شرقا وغربًا هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولو لم يكن من حسناتها إلا أنها حرَّكت الماء الراكد وأرجعت الأمة إلى التفكّر والتعقّل […]

ترجمة الشيخ محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم السلفي الندوي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ المحدث العلامة المسند الطبيب، أمير جمعية أهل الحديث بولاية هريانة بالهند، محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم بن عبد الحليم بن ذريا بن دهن سنكه بن نعمت بن نظام، السلفي الندوي. مولده: ولد في الثامن عشر من شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وثلاث وخمسين للهجرة النبوية، […]

هل منع أتباعُ الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب الناسَ من الحجّ؟ بين الحقيقة والتَّزوير

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قد يَأتي أحدُهم ويسلِّط عدستَه على واحدٍ من النَّاس وهو يشقُّ بطنَ آخر، ثم يبدأ يخبر الناس بأنَّ هذا تعدٍّ وتجنٍّ وظُلم، ويتلقَّى النَّاسُ ذلك على هذا الحال، فيتَّهمون هذا الذي يقطِّع بطنَ الآخر بأشنع التُّهم. وهذه الصورةُ بلا شكٍّ ظلم وتجنٍّ، لكن هل هي الحقيقة كاملة؟! لو أبعد […]

ملخص من مقال: (التسامح  السلفي في المعتقد بين انفلات المعاصرين وتشدد بعض المتكلمين )

ظهر التكفير بشكل عشوائي عند كثير من المتكلمين، وكان من ذلك أن أصلوا أصولا يلزم عليها تكفير عامة المسلمين وانفراط عقد الدين لتعقيدها ومخالفتها للشرع.   وفي مقابل التكفير العشوائي ظهرت جماعة من المعاصرين دعت إلى وحدة الأديان ورأت وصف المؤمن يشمل كل مصدق بالله ولو كفر بالرسل والكتب وأشرك بالله عز وجل، فجعلوا الإيمان […]

عرض وتعريف بكتاب: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السلف في فهم الكتاب والسنة

أولا: بطاقة الكتاب: العنوان: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السَّلف في فهم الكتاب والسنة. اسم المؤلف: وليد بن راشد السعيدان. الطبعة: الدار العالمية للنشر والتوزيع. عدد الصفحات: 124 صفحة. ثانيا: موضوع الكتاب: يريد المؤلف في هذا الكتاب أن يشرح قاعدةً مهمَّةً من قواعد أهل السنة والجماعة في العقائد، وهي: (كلُّ فهمٍ يخالف فهم السَّلف في […]

معنى الفتنة في حقِّ الأنبياء.. ضبط المصطلح وحرج الفهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  فمِن المعلوم عند كلِّ من يعتَنق دينًا من الأديان السماوية أهميةُ الأنبياء فيه وقداستهم، وأن الدينَ قائم على أخبارهم وتصديقِهم، فلا يمكن معرفةُ حكمٍ من أحكام الله إلا عن طريقهم، وأيّ تنقُّص منهم هو تنقّص من الدين، كما أن نبوَّتهم دليلٌ على علوِّ مقامهم عند الله سبحانه وتعالى وتعظيمه […]

ترجمة الشيخ يحيى بن عبد الله التشادي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ومولده: هو: الشيخ يحيى بن عبد الله بن أحمد التشادي. مولده: ولد -رحمه الله- في قرية شكين التابعة لمدينة أبشة بدولة تشاد عام 1958م. طلبه للعلم ومشايخه: بدأ -رحمهُ الله- منذ الصِّغر يهتمُّ بالقرآن الكريم، فحفظه على يد والده رحمه الله، وتلقَّى تعليمه إلى الثانوية بالمعاهد الشرعية بمدينة […]

الانغلاق المعرفي لدى التيار الحداثي

يغلِب على الخطابِ الحداثيِّ الخفةُ والكِبر العلميّ، وتغيبُ عنه التُّؤدة والأناة والتثبُّت والموضوعيَّة؛ وذلك أنه غلب على كثير من منتسبي الفكر الحداثي النَّفَسُ الشبابيّ الثائر؛ مما أدى بهم إلى ممارسة نوعٍ من المرح في البحث والتلقائية في النقاش والبساطة في النقد ومخرجاته، وكلُّ هذا يرجِع إلى تحكُّم عقلية المصادرة للآراء في مكوِّن الفكر الحداثي؛ لأن […]

الاجتماع الأوَّل بين علماء نجد وعلماء مكة

ذكرنا في الورقة العلميَّة المنشورة في “مركز سلف” بعنوان “اتّفاق عقيدة علماء نجد وعلماء مكة”([1]) أنه في عام ١١٨٤هـ أرسل الشيخ محمدُ بن عبد الوهاب والإمامُ عبد العزيز بن محمد بن سعود الشيخَ عبد العزيز الحصين إلى والي مكة الشريفِ أحمد بن سعيد -بطلب منه-، ولم نبيِّن هل كان هذا أول اجتماع بين علماء نجد […]

(السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام.. مناقشتها والرد عليها)

المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام.. مناقشتها والرد عليها. اسم المؤلف: د. عماد السيد محمد إسماعيل الشربيني، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف. دار الطباعة: دار اليقين، مصر. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1422هـ-2002م. حجم الكتاب: يقع الكتاب في جزأين، ويبلغ عدد صفحاته (506) صفحة. أصل الكتاب: […]

حينَ ينتقِدُ الحداثيّون صحيحَ البخاري (حسن حنفي أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: لا شكَّ أنَّ السنة تحتل مرتبةً عالية في التشريع الإسلامي، فهي تُعدُّ المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وهي حجَّة كما هو حال القرآن الكريم؛ لذلك لم يفرِّق الصحابة الكرام بين الأمر الوارد في القرآن الكريم وبين ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانَ القرآن الكريم […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017