الأحد - 28 جمادى الأول 1448 هـ - 08 نوفمبر 2026 م

وحدة الأمة وموقع الإمامة منها

A A

لقد سعى الإسلام إلى إيجاد مجتمع متماسك تسوده الأخلاق وتحكمه القيم العالية، واشترط أن يكون هذا المجتمع في تجمّعه مختلفًا عن التجمعاتِ التي سبقته، ذاتِ الطابع العِرقي كما هو حال فارس والروم، أو القبَلي كما هو حال المحيط العربي. وهذه التجمعات لم تحقق المقصود منها، فجاء الإسلام بثنائية العدل والإحسان بوصفها أدوات لإدارة أي خلل يمكن أن يصدر عن  المجتمع، وجعل منهما مقصدًا وغاية له في التشريع.

ولما كان الحقُّ لا بدَّ له ممن يقوم به، وكان الناس كلمّا كثروا كثُرَ التكليفُ = جعل الإسلامُ الاجتماع أحد الوسائل التي يتحقق بها مراده، فكانت تشريعاتُه في صورة جزئيات تخدم أصلًا كليًّا وهو الاجتماع، لكن بشرط أن يكون على طاعة الله ومحقّقًا لمقاصده من شرعه، التي هي التعاون على البر والتقوى.

وتظهر قيمة الوحدة الإسلامية من خلال معرفة العناصر المكونة لها، وهي:

وحدة المعبود: وهذا أمر مبثوث في النصوص الشرعية، لا تخطئه العين، ولا شك أن وحدة المعبود دليل الاتفاق على التشريع وتحديد وجهته، قال تعالى: {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم} [سورة البقرة:163]، وقال سبحانه {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [سورة يوسف:39]، “أأرباب متفرقون؛ أي: آلهة شتى، هذا من ذهب، وهذا من فضة، وهذا من حديد، وهذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، متباينون لا تضر ولا تنفع. خير أم الله الواحد القهار، الذي لا ثاني له، القهار: الغالب على الكل”([1]).

وحدة الأصل: فكثيرًا ما دعي الناس إلى اتّباع الشرع ولزوم العبادة، ونُبِّهوا على هذا المعنى باعتبار أصلهم الواحد، وهو آدم عليه الصلاة والسلام، كما دُعوا إلى صلة الرحم لنفس المعنى، قال تعالى: {يَاأَيهَا الناسُ اتقُوا رَبكُمُ الذي خَلَقَكُم من نفس وَاحدَة وَخَلَقَ منهَا زَوجَهَا وَبَث منهُمَا رجَالاً كَثيرًا وَنسَاء وَاتقُوا اللهَ الذي تَسَاءلُونَ به وَالأَرحَامَ إن اللهَ كَانَ عَلَيكُم رَقيبًا} [سورة النساء:1].

وحدة الدين: فالدين هو الأصل الذي يُجتمَع عليه، وهو الشريعة التي يُتحاكم إليها، ولا تكون وحدة مع تعدده، ولذلك بين الله في كتابه أن الدين واحد: {إنَّ الدينَ عندَ الله الإسلاَمُ} [سورة آل عمران:19]، وقال: {وَرَضيتُ لَكُمُ الإسلاَمَ دينًا فَمَن اضطُر في مَخمَصَة غَيرَ مُتَجَانفٍ لإثم فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رحيم} [سورة المائدة:3].  ونهى عن التفرق فيه والاختلاف فقال: {شَرَعَ لَكُم منَ الدين مَا وَصى به نُوحًا وَالذي أَوحَينَا إلَيكَ وَمَا وَصينَا به إبرَاهيمَ وَمُوسَى وَعيسَى أَن أَقيمُوا الدينَ وَلاَ تَتَفَرقُوا فيه} [سورة الشورى:13]. والآيات في هذا المعنى كثيرة. كما أن الإسلام قرّر الأخوّة الدينية وجعلها رابطة لا تنقطع في الدنيا ولا في الآخرة.

وهذه العناصر كلها من نظر إليها يجد أنها لا تتحقق تحقّقًا كاملًا إلا بوجود معنى آخر مرتبط بها، ألا وهو الإمامة، وسوف نبين مكانتها في وحدة الأمة:

مكانة الإمامة في وحدة الأمة:

لا شك أن وحدة الأمة صارت مُناطةً بالإمامة في الشرع، كما هو شأن كثير من الألفاظ المقاربة لها كالجماعة والأمة، وتظهر قيمة الإمامة ومكانتُها في تحقيق وحدة الأمة حين ننظر إلى النصوص المعظمة من شأن الجماعة عمومًا والإمامة خصوصًا، فقد خصّت الشريعةُ الإمامةَ ولزومَ الجماعة بمزيد عناية، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاثٌ لا يُغَلّ عليهن قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن الدعوة تحيط من ورائهم»([2]). قال ابن عبد البر رحمه الله: “قوله «فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» أو: «هي من ورائهم محيطة» فمعناه عند أهل العلم: أن أهل الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إمامًا لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه؛ فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخولُ في طاعة ذلك الإمام إذا لم يكن معلنًا بالفسق والفساد معروفًا بذلك؛ لأنها دعوة محيطة بهم يجب إجابتها، ولا يسع أحدًا التخلّفُ عنها؛ لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين”([3]).

كما أن الشريعة جعلت القتلَ عقوبةً لمن أقدم على منازعة الإمام وسعى إلى تفريق الجماعة، وهذا يدل على أهمية وجود الإمام في تحقيق الوحدة، قال عليه الصلاة والسلام: «من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجل واحد؛ يريد أن يشقَّ عصاكم أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه»([4]). وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما»([5]). وقال عليه الصلاة والسلام: «ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون. فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع»، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا؛ ما صلوا»([6]). وفي رواية أخرى: «إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم. ولكن من رضي وتابع»، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: «لا؛ ما صلوا»؛ وقوله: «فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم»؛ أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه([7]).

فوحدة المسلمين واجتماع كلمتهم على هذه الحالة أمر منوطٌ بالحاكم، لا يستقيم حال الناس ولا تستقر أمورهم إلا به، وتظهر مركزية الإمامة من خلال النظر إلى المهام المنوطة به، التي هي إقامة الشرع، وسياسة الناس به، وجمعهم عليه، ومحاربة البدع، وإقامة الجُمَع، والجماعة والجهاد في سبيل الله([8])، فالفتوى والقضاء وغيرهما من مسائل الشرع كلُّها أمور تابعة للإمام، لا تصلح ولا تنضبط إلا برعاية الإمام وتعيين الأصلح لها، “فالشريعَة: هيَ المحجة التي جَاءَ بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيه وسلم، وسنّها وَأوجب اتباعها وصونها، وهي إلى الله أقصد سَبيل؛ لأَن مبناها على الوَحي والتنزيل، والخَير كُلُّه في اتباعها، والشر كُلُّه في ضياعها، وَقد جعل الله لَها حماة يُقيمُونَ منارها، وحَملَة يحفظون شعارها، فحماتها: المُلُوك والأمراء”([9]).

ومن خلال النظر في مهام الإمام وعظمة الأمور الموكولة مما تتعلق به مصلحة = تتبين أهمية الإمامة في وحدة الأمة، بل الجماعةُ في أغلب اصطلاحات الشارع تطلق على جماعة المسلمين الملازمة لإمامهم، كما تطلق الفُرْقة والجاهلية على كل من خرج عنها ونابذها، ومن الأدلة على ذلك أن التاريخ لم يشهد من خرج على الإمام -ولو بسبب ظلمه- وآل أمره إلى خير، بل ينتج عن ذلك -في الأغلب- سفكُ دماء معصومة، ونقض عهود مبرومة، وتفريق جماعة المسلمين وتشتّت كلمتهم.

ــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) تفسير البغوي (2/493).

([2]) سنن الترمذي ح(2658).

([3]) التمهيد(21/278).

([4]) مسلم (4208).

([5]) مسلم (4211).

([6]) مسلم (4212).

([7]) مسلم (4213).

([8]) ينظر غياث الأمم (ص177 وما بعدها).

([9]) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام (ص88).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017