الثلاثاء - 05 شوّال 1439 هـ - 19 يونيو 2018 م

أَثَرُ التَّاريخِ في نهضةِ الأُمَم

A A

كثيرون بل هم فوق الحصر من كتبوا في كل جوانب التاريخ، أحداثه، وعِبَره، وسُنَنه، وأَعْلَامه، لكنني “أتحدث عن نفسي فقط” لا أعرف أحدًا بحث بتوسع جانبًا أراه مهمًّا من جوانب التاريخ، وهو أثره في نهضة الأمم وانحطاطها، وقد كانت لي قريبا من هذا المعنى محاضرة منشورة عبر مواقع التواصل عنوانها: “أثر التاريخ في أخلاق الأمم”، مما ذكرته فيها: أن الأمم التي لا تستحضر لها تاريخًا مجيدًا يصعب عليها أن تنهض أو تبني حضارة خاصة بها.

وأضيف في هذا المقال: أن الأمم التي يؤبه لها اليوم حضاريا، هي تلك الأمم التي كان لها أثر واضح ومكتوب في بناء الحضارة الإنسانية، كالصينيين واليابانيين والهنود والمسلمين.

وقد عرف مفكرو أوروبا الغربية هذه الحقيقة بعد احتكاكهم بالمسلمين في الأندلس أواخر القرن الهجري الأول، وفي الشام أواخر القرن الهجري الخامس.

ولما لم يكن للأوروبيين تراث حضاري يعبر عن أجناسهم ولغاتهم ودينهم وأوطانهم، اضطروا لانتحال تاريخ الرومان الغربيين المندثر رغم عدم توافقهم معه دينيا أو عرقيا، بل كانت العلاقة بين الرُّومان إبان سيادتهم وبين سائر الأوروبيين علاقةُ عداءٍ مفرط وكراهيةٍ شديدة، كما يذكر ذلك الفيلسوف الفرنسي (مونتسيكيو) 1755م في كتابه “تأملات في تاريخ الرومان”، بل إن روما التي سيطرت على حوض البحر الأبيض المتوسط قرونًا عديدة لم تحرص على تصدير حضارتها لوسط أوروبا وشمالها بالرغم من وجودها العسكري هناك فترات محدودة لأغراض دفاعية وحسب.

ومع ذلك فقد بلغ من حرص الأوروبيين على انتحال الحضارة الرومانية، أن أطلقوا اسمها مضافا إليها صفة القداسة [الإمبراطورية الرومانية المقدسة] على عدد من ملوك وسط أوروبا ابتداء من أواخر القرن العاشر الميلادي وحتى أسقط هذا اللقب نابليون الأول 1806م، ومن المفارقات الدالة على مدى حرص الأوروبيين على انتحال الحضارة الرومانية: أن الأباطرة الذين أُطلق عليهم رومان مقدسون كانوا من عائلات حاكمة مختلفة تنتمي غالبا للأمة الجرمانية التي كانت العامل الرئيس في إسقاط الإمبراطورية الرومانية الحقيقية.

ومن المفارقات أيضا: أن الحضارة الرومانية الغربية كانت وثنية، ومع ذلك لم يجد آباء الكنيسة حرجًا في إضفاء وصف القداسة عليها؛ لإثبات زعم انتمائهم إليها حضاريا.

كما حرص المفكرون الأوروبيون بشكل أكبر على انتحال التاريخ الحضاري الإغريقي، حتى إن حركة (توما الأكويني) 1274م التجديدية في التعاليم الكنسية كانت مبنية على محاولة مزج فلسفة أرسطو الإغريقية بالتعاليم النصرانية، وقد تم له ذلك؛ حيث أصبحت آراء أرسطو -خاصة فيما يتعلق بالطبيعة والفيزياء- من تعاليم الكنيسة المقدسة التي يحكم على مخالفيها بالهرطقة.

وحتى عصر التنوير الأوروبي الثائر على الكنيسة، كان عظيم الارتباط بالفلسفة الإغريقية، سواء ما كان منه متصالحًا مع الدين أم ما كان مناهضًا له، كل تلك الأفكار يسعى أصحابها إلى الارتباط بالفكر الإغريقي، وليس أدلَّ على ذلك من أن قصة الملك (أوديب) الإغريقية رغم خرافيتها وسذاجتها كانت مصدرا لإلهام كثير من الفلاسفة الأوروبيين لنظريات متباينة حول القضاء والقدر والحرية، وكانت هي ركيزة نظرية العُقْدة في التفسير النفسي لـ(سيجموند فرويد).

وفي عالم السياسة كانت فكرة الديمقراطية التي أطلقها الإغريق وفشلوا في تطبيقها هي هاجس فلاسفة الحُكم الأوروبيين، والتي كان أول نجاح في تطبيقها فيما أظن في بريطانيا عام 1688م، أي: في أبعد نقطة من أوروبا عن اليونان ليست مكانًا وحسب، بل وتاريخًا ولغةً وجنسًا.

كل ذلك يشهد على أن الأوروبيين حينما عزموا على إيجاد روح النهوض الحضاري في نفوس أبنائهم وقادتهم لم يجدوا بُدًّا من ربط أنفسهم بأقرب تراث حضاري لهم، وإن كانت عوامل الافتراق بينهم وبينه من حيث التاريخ واللغة والجنس والدين، بل والزمان والمكان بعيدة جدا.

تصور لو أن المفكرين الأوروبيين ربطوا أممهم بتاريخ شعوبهم -البريطان والغال والجرمان والدان والسلاف- التي ليس لها رصيد حضاري، هل كانت أوروبا ستنهض؟

الجواب: لا؛ لأن الأمة التي ليس لها ماض حضاري من الصعب أن تنهض.

المشكلة فينا كمسلمين أننا نملك تاريخا حضاريا أشد قربا لنا مما كان عليه الحال بين الأوروبيين والرومان والإغريق، بل إن بيننا وبين تاريخنا الحضاري القريب توافقًا في الدين والجنس واللغة والمكان والزمان، فنحن دون منازع نتاج ذلك التاريخ الحضاري المجيد، وهو نتاج آبائنا، وبهذا الاعتبار فنهضتنا الحضارية في متناول أيدينا بشرط أن نُعيد أنفسنا لها، وذلك بإبراز تاريخنا المجيد في أبهى حلله وتقديمه لأبنائنا في صورته الإنسانية الحقيقية، وحين أقول الإنسانية، أعني أنه ليس ملائكيا خاليًا من العيوب، بل هو تاريخ بشريٌّ تكثر فيه العيوب والأخطاء، لا لأنه فاسد وساقط وغير مشرِّف كما يصوره أعداؤه، بل لأنه في النهاية تاريخٌ بشري، وهو مع ذلك تاريخ رفيع عظيم يصلح بكل ما فيه من عيوب وجوانب قصور أن يكون وقودًا لنهوض أمة.

إن ما فعله الأوروبيون حين جمَّلوا وحسَّنوا تاريخ الرومان والإغريق ليستنهضوا أممهم وقادتهم، نفعل نحن عكسه مع تاريخنا الذي هو لنا ونحن له ومنا ونحن منه، ولم ننتحله انتحالًا أو نأخذه ادِّعاء كما فعل الأوروبيون، فجانب كبير من الصراع الثقافي الحاضر في ساحتنا وبين شبابنا هو في تاريخنا، حيث نرى حملة شعواء على هذا التاريخ تسعى إلى تزييفه وتكريه الناس به وإسقاط هيبته وعظمته من النفوس، بشكل قبيح جدًا لو استمر كما هو عليه الآن لن ينتهي الأمر إلا ونحن أمام جيل غير قابل للنهضة؛ لأنه لا يؤمن بامتلاكه تاريخا حضاريا، جيلٌ يرى أنه عالة في الوجود على أمم أخرى تملك التاريخ والحاضر والمستقبل، وأنه لو أراد النهوض فلن يقوم إلا على نتاجها الأخلاقي والقيمي والمعرفي، ودون ذلك لن يكون له أي وجود.

صناعةُ جيلٍ كهذا تجري اليوم تحت سمعنا وبصرنا، وللأسف أيضا يُسهم فيها بعض وسائل إعلامنا وكتَّابِنا.

نجد مثلا هجوما على الدولة الأموية لا يقتصر على نظامها السياسي، بل على كل شيء فيها حتى يصل إلى اتهامها بتحريف الحديث النبوي وتعاليم الدين، ويصل الطيش بهذا الرأي إلى اتهامها بأنها وراء الفكر الداعشي!! ولا يخفى أن الدولة الأموية هي أول دولة في تاريخ الإسلام بعد الخلافة الراشدة، وحين يتم إسقاطها بهذا الشكل فيعني ذلك إسقاط السنة النبوية التي بدأ حفظها وتدوينها في عهدها، ونسقط الفتوحات العظيمة التي جعلتها أعظم الدول في التاريخ اتساعا، بل لنقل إننا نسقط بإسقاطها التاريخ الإسلامي كله، والذي تعد الدولة الأموية ببنائها الإداري والاقتصادي أساسا له.

ليست الدولة الأموية محور المقال وإنما مثال فقط لمشروع كبير ممنهج لتحطيم التاريخ الإسلامي كله، وتصوير المسلمين أمام أنفسهم على أنهم نتوءات لا قيمة لها في تاريخ الإنسانية، مثلهم مثل شعوب أخر في هذا العالم لا تملك لنفسها تاريخا إلا في الأحافير التي يكتشفها الباحثون الغربيون في الغابات والأحراش، وينسبونها إلى ما قبل ملايين السنين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الظاهرة الشحرورية في التاريخ والمنطلقات والمآلات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة نادى مناد على رؤوس الناس يقول: أدركوا الناس، ستهلك الأمة، تلاعبوا بكتاب الله، وضاعت السنة، وأهانوا الشريعة…!! فقيل له: على هونك، ما الخطب؟! قال: ظهر لنا على رؤس الأشهاد وفي كل وسائل التواصل وفي التلفاز دكتور في هندسة التربة يدعى محمد شحرور…! فقلنا: وماذا عساه أن يقول؟ فليقل في […]

تعقيب على مقال (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب…) المنشور في جريدة السبيل

   نشرت جريدة السبيل الأردنيّة يوم الخميس الموافق 10/ مايو/ 2018م مقالًا للدكتور علي العتوم عنوانه: (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير أهل البدع)، وقد تضمّن المقال -رغم قصره- قدرًا كبيرًا من المغالطات الناشئة عن عدم تحرير المسائل العلمية، ومحل النزاع في مسائل الخلاف، والتسرع في استصدار أحكام وتقييمات كلّيّة […]

يصرخون: “ذاك عدوُّنا من العلماء”!

عن أنس رضي الله عنه قال: بلَغ عبدَ الله بنَ سلام مقدَمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأتاه، فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ، قال: ما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول […]

الغائية والتوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد… ما الذي حصل حين انحرفت البشرية عن غايتها ومسارها الصحيح؟! إن انحراف الإرادة البشرية هو ما أدى إلى عدد هائل من المفاسد والأضرار لا تتخيله العقول البشرية القاصرة، بل ولا تستطيع أن تبكيها البشرية جمعاء، وماذا عساها أن تفعل […]

حقيقة النصب وموقف أهل السنة منه

من سمات أهل البدع وصفهم أهل السنة بالأوصاف المنفّرة عنهم، ومن ذلك اتهام الروافض لهم بالنّصب والعداء لأهل البيت، وقد شاركهم في ذلك بعض الطوائف المنتسبة للتّصوف الذين تأثروا بالتشيع، ونال رموز مقاومة الرافضة وشبهاتهم القسط الأكبر من هذا الاتهام، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي اتّهموه بالنصب ومعاداة علي رضي الله عنه. […]

فوائد من غزوة بدر

لم تكن غزوة بدر حدثًا عاديًّا يمكن تناوله تناولًا سرديًّا دون النظر إلى الدلالات والعبر التي تحملها تفاصيل هذا الحدث العظيم الذي سمى القرآن يومه “يوم الفرقان”، وحكى أحداثه، وأنزل فيه ملائكته المقربين؛ استجابة لدعوة الموحدين من المؤمنين، فقد كانت النخبة المؤمنة في ذلك الزمن مجتمعة في هذه المعركة في أول حدث فاصل بينهم وبين […]

ضوابط في تدبر القرآن الكريم

 حث الله عباده على تدبر الوحي والنظر فيه من جميع جوانبه؛ في قصصه وأخباره وأحكامه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين هذا الوحي للناس ليسهل عليهم تدبره وفهم معانيه على وفق مراد الله عز وجل، فقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]. وقد ذكر الطبري -رحمه […]

الإيمان بالملائكة حقيقتُه وتأثيرُه في حياة المؤمن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قضية الملائكة من أكبر القضايا التي شغلت المجتمعات البشرية على اختلافها بين معتقد لوجودهم، وناف لهم، والمعتقدون لوجودهم اختلفوا في اعتقادهم طرائق قددًا، فمنهم العابد لهم من دون الله، ومنهم المعتقد فيهم أنهم بنات الله، ومنهم من اتّخذهم عدوا، وآخرون جعلوهم جنسًا من الجن، كل هؤلاء تحدث القرآن عنهم […]

إطلاق (المعنى) و(التأويل) والمراد بها عند السلف في الصفات

من الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من الناس: حمل الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة على اصطلاحات المتأخرين؛ يقول الإمام ابن القيم: “وهذا موضع زلَّت فيه أقدام كثير من الناس، وضلَّت فيه أفهامهم؛ حيث تأولوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح […]

التمائم عند المالكية

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس التوحيد، ويردهم إلى الجادة التي حادوا عنها لطول عهدهم بالرسالة، واجتيال الشياطين لهم عن دينهم وتحريفهم له، وقد شمل هذا التحريف جميع أبواب الدين، بما في ذلك أصله وما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وقد انحرف الناس في هذا الأصل على أشكال وأحوال، ومن بين مظاهر الانحراف […]

العلم اللدني بين القبول والرفض

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فإن الكلام عن “العلم اللدني” مزلة أقدام؛ لذا كان لزامًا على المؤمن الوقوف على حقيقته، وكيفية دفع الشبهات التي وقع فيها أهل الانحراف والزيغ، ومقدمة ذلك أمور([1]): أولًا: إن العلم الحقيقي الذي […]

فَبِأَيِّ فَهمٍ يُؤمِنُون؟ مُناقَشَة لإِمكَانِيَّة الاستِغنَاءِ باللُّغَة عَن فَهمِ الصَّحَابَة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن بداهة الأمور أن كلّ من أراد أن يستوضح قضيَّة أو أمرًا سيتجه للبحث عنه عند ذويه ومن ابتكره وشارك في صناعته، فمن أراد أن يستوعب أفكار أرسطو ذهب يستعرض نصوص أصحابه والفلاسفة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017