الأربعاء - 30 ذو القعدة 1443 هـ - 29 يونيو 2022 م

أَثَرُ التَّاريخِ في نهضةِ الأُمَم

A A

كثيرون بل هم فوق الحصر من كتبوا في كل جوانب التاريخ، أحداثه، وعِبَره، وسُنَنه، وأَعْلَامه، لكنني “أتحدث عن نفسي فقط” لا أعرف أحدًا بحث بتوسع جانبًا أراه مهمًّا من جوانب التاريخ، وهو أثره في نهضة الأمم وانحطاطها، وقد كانت لي قريبا من هذا المعنى محاضرة منشورة عبر مواقع التواصل عنوانها: “أثر التاريخ في أخلاق الأمم”، مما ذكرته فيها: أن الأمم التي لا تستحضر لها تاريخًا مجيدًا يصعب عليها أن تنهض أو تبني حضارة خاصة بها.

وأضيف في هذا المقال: أن الأمم التي يؤبه لها اليوم حضاريا، هي تلك الأمم التي كان لها أثر واضح ومكتوب في بناء الحضارة الإنسانية، كالصينيين واليابانيين والهنود والمسلمين.

وقد عرف مفكرو أوروبا الغربية هذه الحقيقة بعد احتكاكهم بالمسلمين في الأندلس أواخر القرن الهجري الأول، وفي الشام أواخر القرن الهجري الخامس.

ولما لم يكن للأوروبيين تراث حضاري يعبر عن أجناسهم ولغاتهم ودينهم وأوطانهم، اضطروا لانتحال تاريخ الرومان الغربيين المندثر رغم عدم توافقهم معه دينيا أو عرقيا، بل كانت العلاقة بين الرُّومان إبان سيادتهم وبين سائر الأوروبيين علاقةُ عداءٍ مفرط وكراهيةٍ شديدة، كما يذكر ذلك الفيلسوف الفرنسي (مونتسيكيو) 1755م في كتابه “تأملات في تاريخ الرومان”، بل إن روما التي سيطرت على حوض البحر الأبيض المتوسط قرونًا عديدة لم تحرص على تصدير حضارتها لوسط أوروبا وشمالها بالرغم من وجودها العسكري هناك فترات محدودة لأغراض دفاعية وحسب.

ومع ذلك فقد بلغ من حرص الأوروبيين على انتحال الحضارة الرومانية، أن أطلقوا اسمها مضافا إليها صفة القداسة [الإمبراطورية الرومانية المقدسة] على عدد من ملوك وسط أوروبا ابتداء من أواخر القرن العاشر الميلادي وحتى أسقط هذا اللقب نابليون الأول 1806م، ومن المفارقات الدالة على مدى حرص الأوروبيين على انتحال الحضارة الرومانية: أن الأباطرة الذين أُطلق عليهم رومان مقدسون كانوا من عائلات حاكمة مختلفة تنتمي غالبا للأمة الجرمانية التي كانت العامل الرئيس في إسقاط الإمبراطورية الرومانية الحقيقية.

ومن المفارقات أيضا: أن الحضارة الرومانية الغربية كانت وثنية، ومع ذلك لم يجد آباء الكنيسة حرجًا في إضفاء وصف القداسة عليها؛ لإثبات زعم انتمائهم إليها حضاريا.

كما حرص المفكرون الأوروبيون بشكل أكبر على انتحال التاريخ الحضاري الإغريقي، حتى إن حركة (توما الأكويني) 1274م التجديدية في التعاليم الكنسية كانت مبنية على محاولة مزج فلسفة أرسطو الإغريقية بالتعاليم النصرانية، وقد تم له ذلك؛ حيث أصبحت آراء أرسطو -خاصة فيما يتعلق بالطبيعة والفيزياء- من تعاليم الكنيسة المقدسة التي يحكم على مخالفيها بالهرطقة.

وحتى عصر التنوير الأوروبي الثائر على الكنيسة، كان عظيم الارتباط بالفلسفة الإغريقية، سواء ما كان منه متصالحًا مع الدين أم ما كان مناهضًا له، كل تلك الأفكار يسعى أصحابها إلى الارتباط بالفكر الإغريقي، وليس أدلَّ على ذلك من أن قصة الملك (أوديب) الإغريقية رغم خرافيتها وسذاجتها كانت مصدرا لإلهام كثير من الفلاسفة الأوروبيين لنظريات متباينة حول القضاء والقدر والحرية، وكانت هي ركيزة نظرية العُقْدة في التفسير النفسي لـ(سيجموند فرويد).

وفي عالم السياسة كانت فكرة الديمقراطية التي أطلقها الإغريق وفشلوا في تطبيقها هي هاجس فلاسفة الحُكم الأوروبيين، والتي كان أول نجاح في تطبيقها فيما أظن في بريطانيا عام 1688م، أي: في أبعد نقطة من أوروبا عن اليونان ليست مكانًا وحسب، بل وتاريخًا ولغةً وجنسًا.

كل ذلك يشهد على أن الأوروبيين حينما عزموا على إيجاد روح النهوض الحضاري في نفوس أبنائهم وقادتهم لم يجدوا بُدًّا من ربط أنفسهم بأقرب تراث حضاري لهم، وإن كانت عوامل الافتراق بينهم وبينه من حيث التاريخ واللغة والجنس والدين، بل والزمان والمكان بعيدة جدا.

تصور لو أن المفكرين الأوروبيين ربطوا أممهم بتاريخ شعوبهم -البريطان والغال والجرمان والدان والسلاف- التي ليس لها رصيد حضاري، هل كانت أوروبا ستنهض؟

الجواب: لا؛ لأن الأمة التي ليس لها ماض حضاري من الصعب أن تنهض.

المشكلة فينا كمسلمين أننا نملك تاريخا حضاريا أشد قربا لنا مما كان عليه الحال بين الأوروبيين والرومان والإغريق، بل إن بيننا وبين تاريخنا الحضاري القريب توافقًا في الدين والجنس واللغة والمكان والزمان، فنحن دون منازع نتاج ذلك التاريخ الحضاري المجيد، وهو نتاج آبائنا، وبهذا الاعتبار فنهضتنا الحضارية في متناول أيدينا بشرط أن نُعيد أنفسنا لها، وذلك بإبراز تاريخنا المجيد في أبهى حلله وتقديمه لأبنائنا في صورته الإنسانية الحقيقية، وحين أقول الإنسانية، أعني أنه ليس ملائكيا خاليًا من العيوب، بل هو تاريخ بشريٌّ تكثر فيه العيوب والأخطاء، لا لأنه فاسد وساقط وغير مشرِّف كما يصوره أعداؤه، بل لأنه في النهاية تاريخٌ بشري، وهو مع ذلك تاريخ رفيع عظيم يصلح بكل ما فيه من عيوب وجوانب قصور أن يكون وقودًا لنهوض أمة.

إن ما فعله الأوروبيون حين جمَّلوا وحسَّنوا تاريخ الرومان والإغريق ليستنهضوا أممهم وقادتهم، نفعل نحن عكسه مع تاريخنا الذي هو لنا ونحن له ومنا ونحن منه، ولم ننتحله انتحالًا أو نأخذه ادِّعاء كما فعل الأوروبيون، فجانب كبير من الصراع الثقافي الحاضر في ساحتنا وبين شبابنا هو في تاريخنا، حيث نرى حملة شعواء على هذا التاريخ تسعى إلى تزييفه وتكريه الناس به وإسقاط هيبته وعظمته من النفوس، بشكل قبيح جدًا لو استمر كما هو عليه الآن لن ينتهي الأمر إلا ونحن أمام جيل غير قابل للنهضة؛ لأنه لا يؤمن بامتلاكه تاريخا حضاريا، جيلٌ يرى أنه عالة في الوجود على أمم أخرى تملك التاريخ والحاضر والمستقبل، وأنه لو أراد النهوض فلن يقوم إلا على نتاجها الأخلاقي والقيمي والمعرفي، ودون ذلك لن يكون له أي وجود.

صناعةُ جيلٍ كهذا تجري اليوم تحت سمعنا وبصرنا، وللأسف أيضا يُسهم فيها بعض وسائل إعلامنا وكتَّابِنا.

نجد مثلا هجوما على الدولة الأموية لا يقتصر على نظامها السياسي، بل على كل شيء فيها حتى يصل إلى اتهامها بتحريف الحديث النبوي وتعاليم الدين، ويصل الطيش بهذا الرأي إلى اتهامها بأنها وراء الفكر الداعشي!! ولا يخفى أن الدولة الأموية هي أول دولة في تاريخ الإسلام بعد الخلافة الراشدة، وحين يتم إسقاطها بهذا الشكل فيعني ذلك إسقاط السنة النبوية التي بدأ حفظها وتدوينها في عهدها، ونسقط الفتوحات العظيمة التي جعلتها أعظم الدول في التاريخ اتساعا، بل لنقل إننا نسقط بإسقاطها التاريخ الإسلامي كله، والذي تعد الدولة الأموية ببنائها الإداري والاقتصادي أساسا له.

ليست الدولة الأموية محور المقال وإنما مثال فقط لمشروع كبير ممنهج لتحطيم التاريخ الإسلامي كله، وتصوير المسلمين أمام أنفسهم على أنهم نتوءات لا قيمة لها في تاريخ الإنسانية، مثلهم مثل شعوب أخر في هذا العالم لا تملك لنفسها تاريخا إلا في الأحافير التي يكتشفها الباحثون الغربيون في الغابات والأحراش، وينسبونها إلى ما قبل ملايين السنين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017