الأحد - 07 رجب 1444 هـ - 29 يناير 2023 م

المخالفات العقدية في (رحلة ابن بطوطة) (3)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

سبق أن تحدّثنا في الورقة العلمية الأولى عن تقسيم المخالفات في الرحلة إلى عدّة أقسام، منها: التصوف، وقد تحدَّثنا عنه في الورقة العلمية الثانية، وفي هذه الورقة العلمية نكمل الحديث عن:

– النبوة والأنبياء والكرامات.

– الطوائف والفرق المخالفة.

– السحر والسحرة والشعوذة والتنجيم.

– بدع العبادات.

– بدع الأدعية والأذكار.

– بدع العادات والمناسبات.

أولًا: النبوة والأنبياء والكرامات:

مدينة الرملة والثلاثمائة نبي!

المدينة التي وصفت بأنها قصبة فلسطين، كان لها نصيب في رحلة ابن بطوطة، حيث سافر إليها، وسجَّل أحداثها ومشاهدها، وبها الجامع الأبيض بمنارته الذي أصبح رمزًا ومعلمًا، ومئذنته تسمّى مئذنة النبي صالح عليه السلام، على أن تحتها مغارة يعتقد أنها مدفنه. ذكر ابن بطوطة الرملة فقال: وهي مدينة كبيرة كثيرة الخيرات حسنة الأسواق، ويقال: إن في قبلته ثلاثمائة من الأنبياء مدفونين عليهم السلام، وفيها من كبار الفقهاء مجد الدين النابلسي([1]).

قصد المساجد التي بها قبور منسوبة للأنبياء بمدينة طبريّة:

ومما ذكره الرحالة ابن بطوطة عن مدينة طبرية أن بها مسجدًا يعرف بمسجد الأنبياء، فيه قبر شعيب عليه السلام وبنته زوج موسى الكليم عليه السلام وقبر سليمان عليه السلام وقبر يهودا وقبر روبيل -صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم-. قال: وقصدنا منها زيارة الجب الذي ألقي فيه يوسف عليه السلام، وهو في صحن مسجد صغير وعليه زاوية ([2]).

قلت: وقبور الأنبياء لا يعرف بالتحديد أماكنها، فضلًا أن تكونَ في مساجد، إلا قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو معروف في بيته، وقبر الخليل إبراهيم عليه السلام معروف في المغارة في الخليل في فلسطين.

تعظيمهم لمسجد الأقدام وقصّة وقعت لهم يحكيها المصنّف بلسانه وعينيه:

وحكى ابن بطوطة عن دمشق وأهلها، فكان مما ذكره مسجد الأقدام، فقال: ومن مشاهد دمشق الشهيرة البركة مسجد الأقدام، وهو مسجد عظيم كثير البركة وله أوقاف كثيرة، ويعظمه أهل دمشق تعظيما شديدًا، والأقدام التي ينسب إليها هي أقدام مصورة في حجر هناك يقال: إنها أثر قدم موسى عليه السلام، وفي هذا المسجد بيت صغير فيه حجر مكتوب عليه: كان بعض الصالحين يرى المصطفى صلى الله عليه وسلم في النوم فيقول له: ها هنا قبر أخي موسى عليه السلام… وحين نزل الطاعون الأعظم بدمشق في أواخر ربيع الثاني سنة تسع وأربعين شاهدت من تعظيم أهل دمشق لهذا المسجد ما يعجب منه، وهو أن ملك الأمراء نايب السلطان أرغون شاه أمر بدمشق أن يصوم الناس ثلاثة أيام، فصام الناس ثلاثة أيام متوالية كان آخرها يوم الخميس، ثم اجتمع الأمراء والشرفاء والقضاة وساير الطبقات على اختلافها في الجامع حتى غصّ بهم، وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصلّ وذاكر وداع، ثم صلّوا الصبح وخرجوا جميعا على أقدامهم… وقصدوا مسجد الأقدام وأقاموا به في تضرعهم إلى قرب الزوال، وعادوا إلى البلد فصلوا الجمعة، وخفف الله تعالى عنهم، فانتهى عدد الموتى إلى ألفين في اليوم الواحد، وقد انتهى عددهم بالقاهرة ومصر إلى أربعة وعشرين ألفا في يوم واحد([3]).

جبل قاسيون ومشاهده المباركة:

قال ابن بطوطة: وجامع قاسيون مدفن سبعمائة نبيّ، وبعضهم يقول: سبعين ألفا، وخارج المدينة المقبرة العتيقة وهي مدفن الأنبياء والصالحين، وفي طرفها مما يلي البساتين أرض منخفضة غلب عليها الماء، يقال: إنها مدفن سبعين نبيا، وقد عادت قرارا للماء، ونزهت من أن يدفن فيها أحد، وفي آخر جبل قاسيون الربوة المباركة في كتاب الله ذات القرار المعين، ومأوى عيسى وأمه عليهما السلام مغارة صغيرة في وسطها كالبيت الصغير، وإزاءها مصلى الخضر عليه السلام يبادر الناس إلى الصلاة فيها([4]).

الكرامات:

الكون يسير على سنن محكمة بأمر الله تعالى، وربط المسببات بأسبابها، والنتائج بمقدماتها، وأودع الله في الأشياء خواصها، فصارت عادة، فإذا لم ترتبط الأسباب بنتائجها وخرقت هذه العادة المألوفة فإن كان لنبي فهو معجزة، وإذا كان لأناس صالحين فهو كرامة، وكرامة الولي تحصل ببركة اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الصوفية جعلوا مجرد وقوعها دليلًا على فضل صاحبها حتى ولو وقعت من فاجر قالوا: هذه كرامة، ولابن بطوطة في باب الكرامات قصص وأحداث، وسنأتي على بعضها:

  • كرامة للشيخ خليفة صاحب المكاشفات، الذي استزاره النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فرحل إلى المدينة، وبعد أن سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم قعد واضعًا رأسه على ركبتيه، فلما رفع رأسه وجد أربعة أرغفة وآنية فيها لبن وطبقًا فيه تمر، فأكل هو وأصحابه.
  • الشيخ أبو عبد الله الفاسي من كبار أولياء الله تعالى، يذكر أنه كان يسمع رد السلام عليه إذا سلم من صلاته.
  • كرامة لأبي الحسن الشاذلي، كان يحج كل سنة، فلما كان آخر سنة خرج فيها، قال لخديمه: استصحب فأسًا وقفة وحنوطًا وما يجهز به الميت، فقال الخديم: ولماذا يا سيدي؟ فقال له: في حميثرا سوف ترى، فلما بلغا حميثرا بصعيد مصر اغتسل الشيخ وصلى ركعتين وقبضه الله عز وجل في آخر سجدة من صلاته ودفن هناك([5]).

ثانيًا: الطوائف والفرق المخالفة:

ما ذُكر في رحلة ابن بطوطة في هذا الباب ما هو إلا غيض من فيض من أحوال الأمة الإسلامية في تلك الحقبة، ومن أراد التوسع فلينظر في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده التي اتسمت بالمناظرات حينًا، وبالردود أحيانًا حتى فنَّد شبهاتهم، وردَّ الكثير من كيدهم بحمد الله، فقد تصدّى للفلاسفة والباطنية من صوفية وإسماعيلية ونصيرية وسواهم، كما تصدى للروافض والملاحدة، وفنَّد شبهات أهل البدع التي تقام حول المشاهد والقبور، كما تصدَّى للجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مجال الأسماء والصفات.

الطريقة الرفاعية:

قال تحت عنوان “فضلاء القدس المشهورين”: ومنهم الشيخ الصالح العابد أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى من أهل أرز الروم، وهو من تلامذة تاج الدين الرفاعي، صحبته ولبست منه خرقة التصوف([6]).

الطائفة الحيدرية:

قال: ثم سافرنا إلى مدينة زاوة، وهي مدينة الشيخ الصالح قطب الدين حيدر، وإليه تنتسب طائفة الحيدرية من الفقراء، وهم الذين يجعلون حلق الحديد في أيديهم وأعناقهم وآذانهم، ويجعلونها أيضًا في ذكورهم حتى لا يتأتى لهم النكاح!([7]).

الطريقة القلندرية الصوفية وحلق اللحى والحواجب:

ذكر عن الطائفة المعروفة بالقلندرية، وهم: الذين يحلقون لحاهم وحواجبهم، تأسيًا بشيخهم جمال الدين الساوي، كان جميل الصورة حسن الوجه، فعلقت به امرأة من أهل ساوة وكانت تراوده وتدعوه لنفسها وهو يمتنع، فكادت به، فقال لها: إني حيث تريدين فأريني بيت الخلاء، فأرته إياه، فأدخل معه الماء وكانت عنده موسى حديدة، فحلق لحيته وحاجبيه وخرج عليها، فاستقبحت هيئته واستنكرت فعله وأمرت بإخراجه، وعصمه الله بذلك، فبقي على هيئته فيما بعد، وصار كلّ من يسلك طريقته يحلق رأسه ولحيته وحاجبيه([8]).

صوامع تتحرك لذكر علي بن أبي طالب:

قال ابن بطوطة: ولهذا المسجد سبع صوامع إحداها الصومعة التي تتحرّك -بزعمهم- عند ذكر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، صعدت إليها من أعلى سطح المسجد ومعي بعض أهل البصرة، فوجدت في ركن من أركانها مقبض خشب مسمّرا فيها كأنه مقبض مملّسة البنّاء، فجعل الرجل الذي كان معي يده في ذلك المقبض وقال: بحقّ رأس أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه، تحرّكي! وهزّ المقبض، فتحركت الصومعة، فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له: وأنا أقول: بحقّ رأس أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحرّكي! وهززت المقبض فتحركت الصومعة! فعجبوا من ذلك، وأهل البصرة على مذهب السنّة والجماعة، ولا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم، ولو جرى مثل هذا بمشهد عليّ أو مشهد الحسين أو بالحلّة أو بالبحرين أو قم أو قاشان أو ساوة أو آوه أو طوس لهلك فاعله! لأنّهم رافضة غالية([9]).

التصوف وكثرة المزارات بقرافة مصر:

قال: ولمصر القرافة العظيمة الشأن في التبرك بها.. وهم يبنون بالقرافة القباب الحسنة ويجعلون عليها الحيطان.. ومن المزارات الشريفة المشهد المقدس العظيم الشأن حيث رأس الحسين بن علي عليهما السلام.. وبقرافة مصر من قبور العلماء والصالحين ما لا يضبطه الحصر وبها عدد جم من الصحابة وصدور السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم([10]).

ثالثًا: السحر والسحرة والشعوذة والتنجيم:

السحر من المنكرات العظيمة، ومن الكبائر الموبقات، بل هو من نواقض دين الإسلام إذا كان تعلمه ومباشرته عن طريق الاستعانة بالشياطين، وإن الجن والشياطين هم العامل الأساس في السحر، ومن الأدلة الشرعية على أن السحر يكون عن طريق مردة الجن -وهم الشياطين- قول الله عز وجل: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102].

وقد ذكر ابن بطوطة الكثير من مواقف أئمة الصوفية وإظهارهم للسحر في ثوب كرامات الأولياء، قال ابن بطوطة: ثم رحلنا إلى مدينة بَرْوَن، مدينة صغيرة للمسلمين بين بلاد الكفار، أميرها محمد بن بيرم التركي الأصل، والسباع بها كثيرة… حتى قتل من أهلها كثيرًا، وذكر أن جماعة كانوا في دار عرس، فخرج أحدهم لحاجة، فافترسه، فخرج أصحابه في طلبه فوجدوه مطروحا بالسوق وقد شرب دمه ولم يأكل لحمه، وذكروا أنه كذلك فعله بالناس. ومن العجب أن البعض أخبروه أنه ليس بسبع، وإنما هو آدمي من السّحرة المعروفين بالجوكية يتصور في صورة سبع.

ذكر السّحرة الجوكية:

قال: وهؤلاء الطائفة تظهر منهم عجائب، منها أن أحدهم يقيم الأشهر لا يأكل ولا يشرب، وكثير منهم تحفر لهم حفر تحت الأرض وتبنى عليه، فلا يترك له إلا موضع يدخل منه الهواء، ويقيم بها الشهور، وسمعت أن بعضهم يقيم كذلك سنة!

يخبرون بأمور مغيب، والسلطان يعظمهم ويجالسهم، ومنهم من ينظر إلى الإنسان فيقع ميتا من نظرته، وتقول العامة: إنه إذا قتل بالنظر وشق عن صدر الميت وجد دون قلب! ويقولون: أكل قلبه، وأكثر ما يكون هذا في النّساء، والمرأة التي تفعل ذلك تسمّى كفتار!

حكاية [سحر الجوكية]:

قال: بعث إليّ السلطان يوما وهو في خلوة وعنده بعض خواصّه ورجلان من هؤلاء الجوكية، فجلست، وقال لهما: إن هذا العزيز من بلاد بعيدة، فأرياه ما لم يره، فقالا: نعم، فتربع أحدهما ثم ارتفع عن الأرض حتى صار في الهواء فوقنا متربّعا، فعجبت منه، وأدركني الوهم فسقطت إلى الأرض، فأمر السلطان أن أسقى دواء عنده، فأفقت وقعدت وهو على حاله متربع، فأخذ صاحبه نعلا من شكارة كانت معه، فضرب بها الأرض كالمغتاظ، فصعدت إلى أن علت فوق عنق المتربّع وجعلت تضرب في عنقه وهو ينزل قليلا حتى جلس معنا، فقال لي السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النّعل، ثم قال: لولا أني أخاف على عقلك لأمرتهم أن يأتوا بأعظم مما رأيت! فانصرفت عنه وأصابني الخفقان، ومرضت حتى أمر لي بشربة أذهبت ذلك عني([11]).

رابعًا: بدع العبادات:

العبادة هي التي يقصد بها فاعلها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة([12]).

وهي مبنية على أصلين: أحدهما: إخلاص العبادة لله وحده، وثانيهما: تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وليس لأحد كائنًا من كان ومهما بلغ من العلم والعبادة أن يشرع عبادة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما يتعلق بالعبادات فهي توقيفية، وسنتعرف فيما يلي على بدع العبادات التي ذكرت في رحلة ابن بطوطة.

النذر لمسجد مدينة هيلي:

قال ابن بطوطة: ومدينة هيلي معظمة عند المسلمين والكفار، بسبب مسجدها الجامع؛ فإنه عظيم البركة مشرق النور، وركاب البحر ينذرون له النذور الكثيرة([13]).

النذر للروضة:

قال ابن بطوطة: ومن الناس في بلاد العراق وغيرها من يصيبه المرض، فينذر للروضة نذرًا إذا برئ([14]).

بدع اتباع الجنائز عند أهل دمشق:

ذكر أنهم يمشون أمام الجنازة والقراء يقرؤون القرآن بالأصوات الحسنة والتلاحين المبكية التي تكاد النفوس تطير لها رقة، فيجلسون وأمامهم ربعات القرآن يقرؤون فيها، فإذا أتموا القراءة قام المؤذنون فيقولون: افتكروا واعتبروا صلاتكم على فلان الرجل الصالح العالم، ويصفونه بصفات من الخير، ثم يصلون عليه ويذهبون به إلى مدفنه([15]).

بدع اتباع الجنائز عند أهل الهند:

ذكر أنهم يجتمعون بروضة الميت صبيحة الثلاث من دفنه، وتفرش الروضة بالثياب الرفيعة، ويكسى القبر بالكسى الفاخرة، وتوضع حوله الرياحين من الورد والنّسرين والياسمين، وذلك النوار لا ينقطع عندهم، ويأتون بأشجار الليمون والأترج، ويجعلون فيها حبوبها إن لم تكن فيها، ويجعل صيوان يظلّل الناس نحوه، ويأتي القضاة والأمراء ومن يماثلهم فيقعدون، ويقابلهم القراء، ويؤتى بالربعات الكرام، فيأخذ كل واحد منهم جزءًا فإذا تمت القراءة من القراء بالأصوات الحسان يدعو القاضي ويقوم قائما ويخطب خطبة معدة لذلك، ويذكر فيها الميت ويرثيه بأبيات شعر، ويذكر أقاربه ويعزّيهم عنه، ويذكر السلطان داعيا له، وعند ذكر السلطان يقوم الناس ويحطون رؤوسهم إلى سمت الجهة التي بها السلطان، ثم يقعد القاضي ويأتون بماء الورد، فيصب على الناس صبا، يبتدأ بالقاضي ثم من يليه كذلك إلى أن يعمّ الناس أجمعين، ثم يؤتى بأواني السّكّر -وهو الجلّاب- محلولا بالماء، فيسقون الناس منه، ويبدؤون بالقاضي ومن يليه، ثم يؤتى بالتنبول وهم يعظمونه ويكرمون من يأتي لهم به، فإذا أعطى السلطان أحدا منه فهو أعظم من إعطاء الذهب والخلع، وإذا مات الميت لم يأكل أهله التنبول إلا في ذلك اليوم، فيأخذ القاضي أو من يقوم مقامه أوراقا منه، فيعطيها لولي الميت فيأكلها وينصرفون حينئذ([16]).

خامسًا: بدع الأدعية والأذكار:

علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته الدعاء وذكر الله تعالى، وحذر من الاعتداء، واجتمعت في أدعية الكتاب والسنة وأذكارها ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لعاقل العدول عنها، وقد احتال الشيطان على الناس في هذا الجانب، فزين للجهلة سوء أعمالهم؛ فاخترعوا لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وينسبونها إلى الأنبياء والصالحين، وهذه المحدثات مصداق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور»([17])، وقد داخل الذكرَ والدعاء كثيرٌ من الغلط والمخالفات والبدع والشركيات، وهي تتفاوت في الفساد والإثم بحسب ما اشتملت عليه من شرك أو بدعة أو خطأ وغلط، وقد ذكر ابن بطوطة كثيرًا عن أوراد أصحاب الطرق ومنها:

حزب البحر:

يقول ابن بطوطة: سافرت إلى مدينة “هُو”: مدينة كبيرة بساحل النيل، ونزلت منها بمدرسة تقي الدين ابن السراج، ورأيتهم يقرؤون بها في كل يوم بعد صلاة الصبح حزبا من القرآن، ثم يقرؤون أوراد الشيخ أبي الحسن الشاذلي وحزب البحر، وبهذه المدينة السيد الشريف أبو محمد عبد الله الحسني من كبار الصالحين دخلت إلى هذا الشريف متبركا برؤيته والسلام عليه([18]).

جامع في جدة يستجاب فيه الدعاء:

قال: وبجدة جامع يعرف بجامع الأبنوس معروف البركة يستجاب به الدعاء([19]).

سادسًا: بدع العادات والمناسبات:

فإنّه لا تعظيمَ للزَّمان والمكان إلا ما عظَّمَته الشريعة، وقيام التعظيم في القلب إما ضربٌ من العبوديَّة، أو ضربٌ من عوائِدِ الوثنيَّة؛ فالبِدعة تدخُلُ في العادات والمناسبات المحددة بسماتٍ تعَبُّديَّة، وقد أورد ابن بطوطة كثيرًا من العادات والمناسبات البدعية، منها:

كيفية السلام على سلطان اليمن:

كان للسلام على سلطان اليمن طريقة ذكرها ابن بطوطة فقال: “فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الخميس، وفيه يجلس السلطان لعامة الناس، دخل بي عليه فسلمت عليه، وكيفية السلام عليه: أن يمس الإنسان الأرض بسبابته ثم يرفعها إلى رأسه، ويقول: أدام الله عزك. ففعلت كمثل ما فعله القاضي عن يمين الملك، وأمرني فقعدت بين يديه([20]).

من عادات أهل دمشق في الوفاة:

قال: ومما يؤثر من فضائلهم أن أحد ملوكهم السالفين أوصى أن يدفن بقبلة الجامع المكرم ويخفى قبره، وعين أوقافا عظيمة لقراء يقرؤون سبعًا من القرآن الكريم في كل يوم حيث قبره، فصارت قراءة القرآن على قبره لا تنقطع أبدا، وبقي ذلك الرسم الجميل بعده مخلدًا([21]).

خاتمة:

الحقبة الزمنية المظلمة التي مرت بها الأمة الإسلامية ظاهرة في ما سجله ابن بطوطة في رحلاته إلى مشارق الدول الإسلامية ومغاربها، وكيف أن الجهل قد تفشى، والبدع والخرافات صارت شريعة، ويظهر مدى تأثر الرحالة ابن بطوطة بالصوفية، واعتقد بطرقهم، ومن رحمة الله بهذه الأمة أنها تمرض ولا تموت، فيبعث الله تعالى للأمة من يجدد لها دينها ويردهم إلى الحق والهدى والنور، فلا بد من بقاء شعلة الدعوة والتعليم والإرشاد من العلماء متقدةً؛ ليبصر الناس الطريق المستقيم والمنهج القويم.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) رحلة ابن بطوطة (1/ 44).

([2]) رحلة ابن بطوطة (1/ 46).

([3]) رحلة ابن بطوطة (1/ 75-76).

([4]) رحلة ابن بطوطة (1/ 76-77).

([5]) رحلة ابن بطوطة (1/ 186-187). وينظر أيضا: كرامة المرشدي في مدينة فوّا، وكرامة بهلول الشّولى بشيراز. رحلة ابن بطوطة (1/ 193-194). وكرامة للإمام قطب الدين النيسابوري في مدينة زاوة. رحلة ابن بطوطة (3/ 57).

([6]) رحلة ابن بطوطة (1/ 44).

([7]) رحلة ابن بطوطة (1/ 301).

([8]) رحلة ابن بطوطة (1/ 23).

([9]) رحلة ابن بطوطة (2/ 13).

([10]) رحلة ابن بطوطة (1/ 27).

([11]) رحلة ابن بطوطة (4/ 19-21).

([12]) ينظر: العبودية لابن تيمية (ص: 38).

([13]) رحلة ابن بطوطة (2/ 435).

([14]) رحلة ابن بطوطة (1/ 134-136).

([15]) رحلة ابن بطوطة (1/ 81).

([16]) رحلة ابن بطوطة (1/ 81).

([17]) أخرجه أبو داود (٩٦)، وأحمد (١٦٧٩٦)، وصححه ابن حبان (٦٧٦٣)، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ١٧١).

([18]) رحلة ابن بطوطة (1/ 37).

([19]) رحلة ابن بطوطة (1/ 186).

([20]) رحلة ابن بطوطة (1/ 191)، وانظر (1/ 196).

([21]) رحلة ابن بطوطة (1/ 80).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

حديث إزالة النخامة من المسجد واعتراض الحداثيين

يرى بعض الحداثيين أنَّ هذا الدينَ قد جمع بين بعضِ التناقضات، منها أمور تتعلق بالنظافة؛ إذ كيف يسمح النبي صلى الله عليه وسلم  لصحابته أن يتنخَّموا عن يسارهم وتحت أقدامهم وهم في الصلاة، خاصة لو حدث ذلك في المسجد، أليس هذا منظرًا مؤذيًا لمن حوله؟ ثم أليس هذا الفعل فيه سوء أدب مع الله؟! فإذا […]

الرد على من زعم أن التفويض هو إثبات مع التنزيه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة ثمة قناعة غير صحيحة منتشرة في الأوساط الشعبوية ، وهو أن من التفويض هو إثبات مجمل للصفات من غير خوض في المعاني التفصيلية، وكثيرًا ما نسمع من المخالفين أن إثبات معنى صفة اليد وتفويض الكيف عند شيخ الإسلام هو إثبات تحديد لهذه اليد كأن تكون من جنس أيدي المخلوقين […]

خصائص أبي بكر الصديق رضي الله عنه (أدلتها، وركائزها، ومدلولاتها)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     فإنَّ مِن أصول أهل السنة والجماعة حبَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمَهم وتوقيرهم، والشهادة لهم بالفضل والسابقة والمكانة السامقة، فهم خير قرون الأمة وأكرمها. وقد كان السلف رضي الله عنهم يعلِّمون أولادهم حبَّ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما يعلِّمونهم السورة من القرآن، كما […]

حديث صفوان بن المعطل.. وهل يدل على التهوين من صلاة الفجر؟

  ادَّعى بعض مَن عُرف بتتبُّع الشواذ والمتشابهات أنَّ أداء صلاةِ الفجر بعد طلوع الشمس لا يختلف عن صلاتها قبل طلوع الشمس، وأنّ الإنسان إذا كانت أحواله لا تتناسب مع صلاة الفجر في موعِدها فلا مانع مِن صلاتها حينما يستيقظ. واحتجَّ على ذلك بحديث صفوان بن المعطّل رضي الله عنه وأنَّ النبي صلى الله عليه […]

المعتمد العقدي عند الحنابلة.. دعوى ونقاش

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اعتمدت بعض الدعوات الحنبلية الجديدة على ظنون وأوهام صيَّروها مُسلَّمات، ومن جُملة هذه الظنون: فكرة «معتمد المذهب العقدي» وذلك بهدف تمرير بعض البدع في قالب اختيارٍ مذهبي، وليت الأمر وقف إلى هذا الحد، بل تعداه إلى ادعاءاتٍ غير محرّرة، وهو ادعاء أن معتمد المذهب هو التفويض أو نفي الأفعال […]

أين ذهبت خُطَبُ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: السُّنَّة النبويَّة واجهت الكثيرَ من حَمَلاتِ التَّشكيك والطعن على مرِّ العصور، بدءًا من فتنة الخوارج والروافض، ثم أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وصولًا إلى المستشرقين، وانتهاء بأذنابهم من منكري السنَّة ممَّن يسمَّون بالقرآنيين والحداثيين ومن على شاكلتهم. وقد صار التَّشكيك في السنة النبوية صَيحةَ الوقت المعاصر، وبات كلُّ […]

الزيارة وشد الرحال .. بين أهل السنة والصوفية “الجزء الثاني”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   القسم الثاني: الأحاديث التي استدلوا بها على استحباب شد الرحال إلي قبر النبي ﷺ: الحديث الأول: ما رواه الدارقطني في سننه، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي»([1]). استدل به السبكي في شفاء السقام، وعمر عبد […]

الزيارة وشد الرحال .. بين أهل السنة والصوفية “الجزء الأول”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أولاً: تعريف الزيارة: أولاً: في اللغة: مأخوذة من الزور وهو الميل، فالزاء والواو والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على المَيْل والعدول، فمن زار قوماً فقد مال إليهم بنفسه([1]) ، وتأتي بمعنى: الإتيان بقصد الالتقاء([2])،  أوهي:  في العرف قصد المزور إكراماً له واستئناساً به([3]) . ثانياً: في الاصطلاح العام: أما عند […]

الاحتفال بالكريسماس.. مناقشة فتوى دار الإفتاء المصرية في الاحتفال والتهنئة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وسلم وبعد: فقد سئلت دار الإفتاء المصرية سؤالا، عن حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية، وعن حكم تهنئة المسيحين فيه؟ فأجابت بما يلي :”الاحتفال برأس السنة الميلادية المؤرخ بيوم ميلاد سيدنا المسيح عيسى ابن مريم على نبينا […]

تكفير المعيَّن عند الإمام محمد بن عبدالوهاب (مهمَّاتٌ ومسالكُ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد:      “قلَّة هم الرجال الذين أثاروا هكذا انفعالات، وقلَّة هم الذين رأوا فكرهم محرفًا بصورة كاريكاتورية، وقلَّة هم الذين أُبديَت بهم الآراء دون الاهتمام بقراءتهم أو فهمهم، ومع محمد بن عبدالوهاب ندخل في ميدان الجدل، وقضية النوايا والاستيهام، فمنذ أكثر من قرنين راجت التحليلات والروايات غير الموضوعية التي […]

التداخل العقدي بين الطوائف المنحرفة.. الصوفية والفلاسفة أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   لا شكَّ أنَّ الزهد والتقلُّل من مُتع الدنيا وعدم تعلُّق القلب بها هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، وقد حثَّنا الله في كتابه على ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5]، […]

شذرات في التحوّل المذهبي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إن التحوّل المذهبي من الأمور التي تشدّ أنظار المطالع في سير الفقهاء والعلماء والمفكرين من السابقين واللاحقين وتراجمهم، وقلما ينظر فيها طالب علمٍ إلا وتساءل عن أسباب ذاك التحوّل وملابساته. ومن الرسائل اللطيفة التي أُفْرِدت لهذا الموضوع: رسالة للشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، حيث […]

موقف الفقيه العزّ بن عبد السلام من ابن عربيّ الاتّحادي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: تواترت كلماتُ أهل العلم العدول من مختلف المذاهب في ذمّ محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير بمحيي الدين ابن عربي (558هـ-638هـ) أحد أشهر رؤوس الضلالة في تاريخ الإسلام، واشتهرت كلماتهم في التحذير منه وبيان انحرافه وإلحاده، حتى أفرد بعضهم في ذلك الفتاوى والمؤلَّفات، […]

المشاهد والقباب بين الحقيقة والخرافة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة، وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت بها القلوب بعد […]

ورقة في الجواب عن شبهة عدم الإلزام بفهم الصحابة في فهم نصوص الوحي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة لم يعد العقلانيون المعاصرون يصادمون النَّص، ولم يعودوا يناقضون الإجماع؛ لأنهم علموا أنها معركة خسر فيها مرارًا وتكرارًا أسلافُهم ممن يريدون اتباع الهوى وإشباع الشهوة وتحريف الدين الإسلامي، فاتخذوا وسيلةً أخرى لاستهداف النصوص الشرعية، فصاروا يقدِّمون أفكارهم المخالفة للشرع في قالب شرعيّ بتوظيف النصوص لترسيخ أفكارهم الهدّامة للدين الإسلامي، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017