الأربعاء - 12 ربيع الآخر 1440 هـ - 19 ديسمبر 2018 م

من الهرطقة إلى الأصولية…قراءة في فكر جورج طرابيشي

A A

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة


 

الفصل الأول :

طرابيشي السيرة الانقلابية

لما كان التحليل النفسي كان ولا يزال بامتياز منهجاً لكتابة السيرة الذاتية ، أو لأعادة قراءتها[1]، فسنحاول فهم السيرة الذاتية للأستاذ جورج طرابيشي بهذه المنهجية، فالقارئ لطرابيشي أول ما يستوقفه التقلبات والانقلابات الفكرية التي مر بها، ولعل أجواء الانقلابات السياسية التي عاشها طرابيشي في بلده سوريا كان لها أثر في تشكيل ثقافة الانقلابات الفكرية في شخصيته .[2]

وفي آخر مقال له وصف هذه الانقلابات الفكرية بأنها محطات في حياته ( ست محطات في حياتي )، وكل محطة مثلت مرحلة فكرية فمن التدين إلى الهرطقة ، ومن مرحلة القوميـة العربية والبعثية واليسـارية والماركسية، إلى مرحلة الحداثة والليبرالية،مروراً بشغفه بالتحليل النفسي لفرويد، و ليس انتهاءً بانقلابه على الراحل الجابري.

يقول طرابيشي : ( كثيراً ما تساءلت لماذا يغلي في دمي حب الهرطقة ؟ فيوم كنت قومي النزعة كنت من أوائل من أدرك أن القومية العربية إن تكن فاعلة ثقافياً فهي عاجزة سياسياً، وأن الدولة القطرية هي بالتالي واقعة نهائية .

ويوم صرت ماركسياً تعاملت مع الهامش المركزي أكثر مما مع المتن، ومع نصوص ماركس ولينين المحظورة أكثر بكثير مما تعاملت مع نصوصهما الرسمية.

ويوم انتهيت إلى أن أصير ديمقراطياً لم أرَ في الديمقراطية أيديولوجيا خلاصية،نظير ما كان فُعِل بعقيدتي الوحدة العربية والاشتراكية [3])

وعلى طريقة طرابيشي الذي أتقن فن التحليل النفسي ووضع خصومه تحت مجهر فرويد ، بل وللأمة العربية بمجملها كما ظهر تحليله النفسي لهزيمة 1967 [4]، نرى انعكاس ذلك في أغلب كتاباته فمفردة ” انقلاب “ يتردد صداها إلى حد الهوس، وعقدة الانقلابات ستنعكس على كتاباته ومفرداته النقدية، وإذا أخذنا مثالاً على ذلك في آخر كتاب صدر له ” من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث “، فالعنوان بحد ذاته إنقلابي، أما عناوين الانقلابات والتحولات والنكوص فتظهر في أغلب أجزاء الكتاب، فهو يتساءل : (كيف حدث هذا التحول من الإسلام القرآني إلى الإسلام السني[5] )؟ وهكذا ينتقل بك الكتاب من تحول لآخر فيصفه قائلاً:( ذي خطورة لاهوتية وليس فقط تشريعية، هو ذاك الذي أعطى هذا الكتاب عنوانه : من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث [6])، ويمتد التحول للتاريخ والجغرافيا : ف( التحول التاريخي والجغرافي الكبير من إسلام الرسالة إلى إسلام الفتوحات.[7]) ، ومن ذلك : ( والواقع أن كتب الحديث وليس في القرآن ، تم تحويل النبي الأمي المرسل إلى قومه إلى نبي أممي مرسل إلى الأمم قاطبة.[8] ) ، وهذا النص يظهر غائية طرابيشي من تأليف الكتاب : نفي عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للإنسانية جميعاً، فيضع فاصلاً كاملاً بعنوان : (من النبي الأمي إلى النبي الأممي ) [9]وهي قضية مفصلية لاهوتية ، لم يستطع المفكر الحداثي الليبرالي  أن يغادر الحياة دون أن ينبشها من أعماق ذاته التي انقلب عليها يوماً ما في أول شبابه، وكانت بداية هرطقاته وانقلاباته أو قل انقلاباته وهرطقاته، فارتد عن دينه ضمن الحلقة الأولى من مسلسل الانقلابات الطرابيشية[10] ، لكن الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل مثلت مشهد الانقلاب الأكبر والأخير، من الهرطقة إلى الأصولية!!! ، إنه انقلاب بأثر رجعي نسخ جميع الانقلابات السابقة ليظهر لنا طرابيشي في نسخته الأخيرة والمعدّلة والمنقحة، طرابيشي الناسخ والمنسوخ في آن واحد ، فما نسخه في أول حركة انقلابية شبابية ، يعود إليه مرتداً عن حداثته ليرتد إلى أصوليته في شيخوخته ،فالهرطوقي في هذا الكتاب يهرطق فيما سبق أن هرطقه، وإذا به يخالف القانون الذي أراد أن يبطله وعابه على العائدين والتائبين إلى الصراط المستقيم مع اقتراب لحظة الغيب الكبير ، ولكنه عاد لأصوليته الأولى بنكهة حداثوية، من ( مثال العديدين من المرتدين من المفكرين العرب بدءاً بخالد محمد خالد وانتهاء بعبد الرحمن بدوي.[11] ).

وإذا عدنا لهوس الانقلاب والانقلابين نرى الإمام الشافعي يمثل أحد زعماء الانقلاب الكبير والذي سيتلو بيان رقم (1) لزمرة الانقلابيين، والذي سيكتشفه طرابيشي ، فيقول : ( أفنغالي إذا قلنا إن الشافعي نفذ انقلاباً حقيقياً على الصعيد اللاهوتي والإبتسمولوجي معاً عندما جعل للسنة الرسولية نصاباً إلهياً وبوأها منزلة الأصل مع الكتاب [12])، ويقول عن الشافعي : ( إذا استعرنا لغة الحركات الانقلابية الحديثة ، مؤسساً ل” جمهورية جديدة “[13] ) ولا شك أنها استعارة نفسية قبل كونها استعارة لغوية ، فحياة طرابيشي كلها انقلابية سيسقطها بحيلة نفسية على خصومه،لكن أعجب ما في هذا الانقلاب المكتَشَف أنه انقلاب صامت ،وليس على طريقة الانقلابات البيضاء أو الدموية، وهذا الانقلاب الذي يمثل أخطر انقلاب في بنية العقل المسلم ، وفي صميم دينه لم يكتشفه إلا جورج طرابيشي في الألفية الثالثة!!!

ويؤكد دور الريادة للشافعي في العملية الانقلابية: ( ولا يعسر علينا أن ندرك خطورة النتائج المترتبة على هذا الانقلاب – والتعبير لا يبدو لنا مبالغاً فيه – الذي نفذه الشافعي[14])، نعم ليس مبالغاً فيه ، فالحركة الانقلابية لازمة من لوازم فكر طرابيشي .

ويتدرج طرابيشي في تفاصيل الحركة الانقلابية ليصل لزعيم تاريخي آخر للانقلابيين : الإمام ابن حزم، ( ولسنا معنيين هنا بالملابسات التاريخية- والجغرافية – التي حكمت على الانقلاب الحزمي بأن يبقى مجرد مشروع محصور تواجده في النصوص . [15]) ، و كخبير بشؤون الانقلابات يصف عملية الانقلاب الحزمي : ( وكما في كل انقلاب ، كان لابد لابن حزم من أن ينطلق من نقطة الصفر ولكن من دون أن يتنكر للاستمرارية التي تربطه لا محالة بالمنقلب عليه، ولو من خلال كونها استمرارية ضدية . [16]) ، ويقول : ( فمن خلال الرجوع إلى ما يسميه ابن حزم نفسه ” أوائل العقل ” ستتوفر لمشروعه الانقلابي نقطة بداية مطلقة. ، ….سيفي بشرط الاستمرارية الضدية الذي من دونه يكف الانقلاب- وهنا المعرفي – عن أن يكون انقلاباً . [17]) ، فهو انقلاب على الانقلاب ، وكعادة المنقلبين بتصفية بعضهم البعض مع رفع ذات الشعارات البراقة ، فابن حزم ينقلب على الشافعي ( ومع هذا التحول الخطير من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث تكتمل أبعاد الانقلاب ” الظاهري ” الذي دشنه الشافعي واستأنفه ابن حزم فيما يكاد أن يكون انقلاباً على الانقلاب في ” نشأة ثانية “ [18])، و لو أطلق عليها الحركة التصحيحية لناسب المشهد !!!

و تمضي لعبة الانقلاب على الانقلاب ليصبح انقلاباً جماعياً ( فمن جراء الانقلاب السني والتأليف الجماعي للمدونة الحديثية [19]...)، ولكي تكتمل حلقات الانقلاب الطرابيشي لابد من صبغه بصبغة شرعية بإشراك الجماهير في تحريكه ، والجمهور هنا هم أصحاب البلاد المفتوحة فلابد من إنزالهم لميدان التحرير ، فالانقلاب بغير العامة لا شرعية له، ( ذلك أنه ما كان لنار النزعة الإثنية الفارسية بأن تخمد تحت رماد الإسلام، فالإسلام الذي حمل إلى أعاجم البلدان المفتوحة، وفي مقدمتهم الفرس، كان إسلام قرآن لا يد لهم فيه، وما أنزل أصلاً برسمهم، وبالمقابل إن الإسلام الذي أعادوا تصديره إلى فاتحهم كان إسلام سنة كانت لهم اليد الطولى في إنتاجه، وهو الإنتاج الذي استطاعوا أن يؤسسوا أنفسهم من خلال إتقان صناعته[20]) ، وتمضي المؤامرة الفارسية العجمية لقلب النظام المعرفي الإسلامي ، (والحال أيضاً أن الموالي، أي الأرقاء المعتوقين من الأعاجم وأحفادهم، كانوا هم أيضاً وراء تطوير صناعة الفقه مثلما كانوا وراء تطوير صناعة الحديث.[21])، ثم انضم الجميع للحركة الانقلابية : (إن تسييد السنة قد تلاقت فيه مصالح الأوتوقراطية العربية الفاتحة ومصالح النخب والشرائح المثقفة من شعوب البلدان المفتوحة[22]) ، لكن طرابيشي لا يمكنه إخفاء غائيته من كتابه : نفي عموم الرسالة المحمدية لجميع البشرية ، فيعلن سبب التقاء هذه المصالح : ( وعلى هذا النحو فحسب نستطيع أن نفهم تلاقي المصالح بين نخب الفاتحين ونخب البلدان المفتوحة في تأميم الرسول العربي [23] هكذا خرج من رأسه أو من رأس قلمه بصبغة ماركسية ( تأميم الرسول العربي )، وحاشا المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم بزعمه كان للعرب الأميّين ، ولكن مؤامرة الفاتحين والفرس والأعاجم جعلت رسالته لجميع البشرية، وليس كما قال الله تعالى : } وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ { الأنبياء (107)، وهكذا يستمر طرابيشي بلعبة خلط الأوراق، فلوثته اللاهوتية لا تفارقه ، فيدس بين سطور كتابه تكرار هذه الفرية.

ولكي يكتمل المشهد الانقلابي يرجع طرابيشي للحركة الانقلابية صبغتها السياسية، وهو خبير بها كما أخبرنا في محطته الثالثة من محطاته التقلبية والانقلابية حيث قال : (كنت انتميت إلى حزب البعث قبل استلامه السلطة. ثم استقلت من الحزب بعد سنة من استلامه  الحكم لخلافات سياسية وإيديولوجية ليس المجال هنا للدخول في تفاصيلها .[24]) ،فيعنون ( الانقلاب المتوكلي [25])، فإذا كان العلماء فقهاء ومحدِثين اختطفوا هذه الحركة الانقلابية فلا بأس من إشراك الساسة في لعبة الانقلابات لتكتمل عناصر الانقلاب كما هو في عالم السياسة، ( وبدوره لم يكن انقلاب المتوكل من الضد إلى الضد، فيما يتعلق بملابسات ” محنة القرآن ” جميعها، انقلاباً من طبيعة لاهوتية، بل كان انقلاباً سياسياً يضع في اعتباره الأول مصلحة ” الملك الطبيعي ” الذي آل إليه على غير ما توقع …[26]وهكذا يشتبك السياسي بالمعرفي وباللاهوتي وتكون النتيجة أيديلوجيا سائدة لمدة عشرة قرون !!! ( ومن هذا المنظور نستطيع أن نقول إن الانقلاب المتوكلي – كان دون أن يمثل بداية مطلقة- هو المقدمة للانقلاب الأخطر منه بما لا يقاس من زاوية الإبستمولوجيا الدينية، أي التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث وتأسيس هذا الأخير في أيديولوجيا سائدة على امتداد تلك القرون العشرة الفاصلة بين عصر المتوكل وعصر النهضة…[27])، وهكذا استلم المحدِثون زمام السلطة الدينية ( أما تسليم سلطة الدين لأهل الحديث في ظل الانقلاب المتوكلي فقد وأد تلك المحاولة الإصلاحية وقطع الطريق أمام كل احتمال لتجددها ….[28])، وهكذا انقلب المحدِثون على خصومهم المغيَبين في رواية الانقلاب الطرابيشية وهم أهل القرآن ، ف ( فليس عجباً إزاء هذا الحضور الكلي لأهل الحديث ألا يكون قد تبقى من نصاب آخر لأهل القرآن سوى الغياب. وهذا حتى في القرآن نفسه بتأويل أهل الحديث له : فأصحابهم هم وحدهم، دون القرآنيين، ” حزب الله “ )

نعم هكذا تبين للقارئ من هم المنقَلب عليهم إنهم ” القرآنيون “ ، وبالإحالة إلى كتاب طرابيشي “ المعجزة ” تظهر لنا معجزة اصطلاحية وهي أن هناك جماعة في التاريخ الإسلامي تسمى ” القرآنيين “لم يكتشفها إلا طرابيشي بقوله : ( ورغم محاولات التصدي التي أبداها من سُمّوا في حينه ب ” القرآنيين “، فقد اندفع التيار الجارف لأهل الحديث ليفرض لهم هيمنة شبه مطلقة …[29]) ، فسطوة المحدِثين غيبت ذكرهم عبر التاريخ إلى زمن المتوكل، فالمحدِثون يمتلكون كل شيء المعرفة والسياسة والتاريخ والجغرافيا وقبل ذلك الإيدلوجيا ، لدرجة أن خصومهم الذين انقلبوا عليهم لا ذكر لهم في التاريخ إلا في رواية طرابيشي ، وهو الناقد الفلسفي والمحلل التاريخي وقبل ذلك المفكر والمنظر، لم يسعفه التاريخ بذكر رواية واحدة صحيحة أو مزيفة ، فإذا القرآنيون الحاضرون الغائبون في رواية انقلاب المحدِثين، وعلى طريقة طرابيشي في ذكر سجل الحضور والغياب ، نجد أنه نسي أو تناسى ذكر شخصية قرآنية واحدة في مسلسل الانقلابات، فالغائب الأكبر في رواية الانقلاب هم المنقَلب عليهم، فرهاب المحدَثين ألجم قلمه حتى أخفاهم لما يقارب من ثلاثة قرون ، وهكذا يظهر أن سطوة علماء الحديث ما زالت قائمة ولم تنته كما ذكر بظهور عصر النهضة، فهم جعلوا الناقد السياسي التاريخي يغفل عن أهم عنصر من عناصر الانقلاب : المنقلَب عليهم ، وهو القائل : ( نحن مطالبون بتبرير تسميتنا له بالانقلاب، الشيء الذي يستتبع أولاً بيان هوية المنقلب عليه، وذلك بقدر ما يصح القول بأنه لا انقلاب من دون منقَلب عليه .[30] فلا نعلم من هم ؟ وما شخصياتهم ؟ ومتى استلموا السلطة ؟ وما شعاراتهم ؟ وأخطر ذلك لا نعلم مصيرهم؟ وإذا كان أحد منهم نجى بعد مذبحة المحدَثين لهم فأين ذهبوا ؟ وأين سجونهم؟ وما هي الدول التي منحتهم حق اللجوء ؟ إلا إذا كان في مخيلة طرابيشي أن المحدَثين استعملوا الأسيد لتذويبهم ومن ثم اختفى كل شيء.!!!

وفي المقابل نجد أن لوبي المحدِثين يظهر من منذ عصر الفتوحات ، فيقلب كل شيء ، ويضع مخططاً رهيباً لاستلام السلطة الدينية، فيتآمر مع أتباع البلاد المفتوحة ،ويشكل معهم حلفاً سرياً ، ولم يكتف بذلك بل يتمدد في السلطة السياسية الأموية والعباسية، وإذا بأبي حنيفة يصمت عن مؤامراتهم وأما أتباعه فيرفعون راية الاستسلام ، وأما مالك بن أنس فاكتشف المؤامرة بهامش من حرية العقل الذي أعمله ، ولكنه ما لبث أن أدى فروض الطاعة، إلا أن العمل السري للوبي المحدِثين انتقل للعمل العلني ،فظهر زعيم الانقلاب وقارئ بيانه الأول الشافعي ، وسلّم الراية لتلميذه النجيب ابن حنبل ، وإن كان تلميذه أشد سطوة منه على طريقة الحركات الانقلابية ، ولا بأس أن يتمدد اللوبي في الغرب فيظهر ابن حزم، ويتم تطويق العالم الإسلامي من كل حدوده حتى لا يفر أحد من المنقلَب عليهم ، وهناك دعاة للانقلابيين : ابن قتيبة والطحاوي وابن شاهين و الحازمي وغيرهم، وهكذا تستكمل مسرحية الانقلاب تاريخياً وجغرافياً وأبطالاً ، ولكن أين المنقلب عليهم ؟!!

  • حركة الضباط الأحرار

لقد حاول جورج طرابيشي أن يمارس تنويماً مغناطيسياً على القارئ ليقنعه بواقعية مسرحيته ، فأخرج من اللاتاريخ شخصيات انقلابية وأحداث انقلابية ، فعند حديثه عن غزوة تبوك أو العسرة تراه يشير إلى بداية حالة التمرد التي تسبق الحركات الانقلابية ، ولأن لاهوت طرابيشي لم يغادره كما زعم في محطته الأولى، وإنما ألبسه ثوباً جديداً، ولعلمه كقارئ جيد للتاريخ أن هذه الغزوة تمثل عالمية الإسلام ، ونقلاً للدعوة خارج حدود الجزيرة ، وذلك أن الروم وأتباعهم من العرب وقفوا في وجه تبليغ هذه الدعوة ، فأخذ بنسج خيالات مسرحية الانقلاب، فيقول : ( والواقع أن هذا التحول من حرب الأميين، أي مشركي العرب ، إلى حرب الكتابيين الروم هو ما يمكن أن يفسر أو – على الأقل – يسهم في تفسير ثاني أكبر أزمة ثقة عصفت بالإسلام الفتي بعد صلح الحديبية، وهي تلك التي تمثلت بالإضراب عن المشاركة في غزوة تبوك التي كانت فاتحة الحملات على أرض الروم[31]) ،

فغزوة تبوك تمثل مرحلة التمرد والعصيان المدني التي تسبق حركة الانقلاب الكبرى، وذلك أن هذه الغزوة : ( تميزت أكثر ما تميزت بتخلف المتخلفين، أو المثَّاقلين والقاعدين حسب التعبير القرآني، ويكاد يكون البيان التقريعي، الذي يشغل ثلاث أرباع آيات سورة التوبة المئة والتسع والعشرين، ضد أولئك ” الخوالف ” ،أي المستنكفين من الصحابيين عن المشاركة في غزوة تبوك، هو الأعنف في نوعه في كل سور القرآن[32])، إذاً بدأنا باكتشاف خيوط الحركة الانقلابية وجذورها الأولى ، إنهم المنافقون الذين حاول طرابيشي باسترتيجية خلط الأوراق أن يوهم القارئ أنهم الصحابة- رضوان الله عليهم -!!، ومن المعلوم الذي لا يخفى على طرابيشي أن المتخلفين هم أهل النفاق الذين فضحهم الله تعالى في سورة التوبة ،قال تعالى :  }رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)   { ،أما المؤمنون الصادقون فقال عنهم : } لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ  وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) {، وذلك أن الصحابة الذين تخلفوا تاب الله عليهم بصدقهم، لكن ما يفيدنا أن طرابيشي يجعلهم قادة الحركة الانقلابية الأولى، فإذا بطرابيشي الذي كان قرآنياً قبل صفحات يخالف القرآن الكريم عن سبق إصرار، فإن كان صادقاً في قرآنيته فلماذا يثني الله تعالى على أهل هذه الغزوة ، قال تعالى :}   لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ  إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (117) {، وهل حركة التمرد كانت لأن المسلمين خالفوا القرآن بتوجيه دعوتهم لغير العرب من أهل الكتاب !! ،وإذا كان المنافقون هم من انقلب على النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فلماذا يفضحهم الله تعالى ؟!! وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام على خطأ عندما حولوا مسار الدعوة من الأميّين إلى الأمميّين لماذا يمدحهم القرآن الكريم؟!! فظهر من ذلك أن المنافقين هم إذا أبطال رواية طرابيشي الذين يصورهم لنا انقلابيين ، وانكشفت ألاعيب طرابيشي ، بأن ادعاءاته القرآنية ما كانت إلا مدخلاً لاهوتياً لنفي عموم الرسالة المحمدية لجميع البشرية ، ولما أسقط بيديه بمجريات غزوة تبوك التي تمثل إعلاناً عملياً وعالمياً أن دعوة الإسلام دعوة لجميع العالمين، أخذ يخلط الأوراق و يقلب الحقائق ، فيصور للقارئ أن هناك حركة تمرد ستمهد للانقلاب القادم وأن حركة الضباط الأحرار بدأت بالتشكل في صفوف الدولة الحديثة، ولكن لو صدقنا ذلك نرى أن الانقلابيين يتمردون على مبادئ الدستور القرآني الذي أكد لنا طرابيشي أنه هو التشريع الأوحد، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم مكفوف اليد- وحاشاه بحسب تعبيره- عن التصرف، لكن واضع الدستور يمدح محمداً ومن ثبت معه ويذم المنافقين ( الانقلابيين )، فليت شعري من ينقلب على من؟؟، إنها رقصة- بتعبير طرابيشي- الانقلابات التي يقلب فيها طرابيشي بكل حرفنة الحقائق وينقلب فيها أول ما ينقلب على الحقائق القرآنية التي كان يدعو إليها قبل صفحات قليلة ، وهي وإن كانت حرفنة ولكنها عقدة جورج طرابيشي الأولى.

وبحرفنة طرابيشي باختيار نماذجه المدروسة بانتقائية ، اختار غزوة تبوك ، ليبرهن على أن الإسلام ليس دين فتوحات لأن حركة التمرد تمنع ذلك – أي ما يسميه من التحول من دين الرسالة إلى دين الفتوحات- ، لكن حرفنة طرابيشي هذه المرة كانت سبباً في كشف مآربه،وانعكس عليه ما أراد أن يبرهن عليه ، فغزوة تبوك التي أثنى الله تعالى على المؤمنين المشاركين فيها تمثل الدليل العكسي لما أراد أن يوقع القارئ في أسره ويجعله على حد تعبيره – غير مفكر فيه – ، فظهر من ذلك أن القرآن الكريم هو الذي مهد لانطلاق الفتوحات لنشر الدعوة لجميع البشر، بما وعد به المؤمنين بالنصر و الأجر العظيم.

وهنا لابد من تسجيل شكر خاص لطرابيشي بكشفه لنا عن ضباطه الأحرار ( المنافقون )، مما يسهل علينا تتبع جذور وتاريخ الحركة الانقلابية التي يتحدث عنها والتي أقام كتابه عليها، لأن خيوط الحركة الانقلابية الطرابيشية متشابكة لأبعد الحدود، مما يصعب فك طلاسمها وأسرارها ، بما يشبه أسرار لاهوت طرابيشي نفسه.

 

  • أسانيد رواية طرابيشي.

بانتهاء عهد الآباء المؤسسين ( المنافقين ) سيستلم راية التمرد ما أسماهم طرابيشي بالقرآنيين، فيقول : ( ومع تحوله – أي الإسلام – من الرسالة إلى الفتوحات، عن مكر التاريخ. فالإسلام الذي خرج في طور أول إلى الفتوحات حاملاً الرسالة القرآنية ارتد بعد الفتوحات، وفي طوره الثاني، نحو نفسه محملاً بما سيتم تكريسه تحت اسم السنة النبوية، ففي الصدر الأول، وقبل أن تستقر الفتوحات بعض الاستقرار ، لم يكن للإسلام من أهل آخرين سوى أهل القرآن، ولكن بعد أن أتت الفتوحات أكلها، ظهر أهل السنة وانتزعوا الغلبة تدريجياً لأنفسهم ولمصطلحهم ، حتى لم يعد تعبير الأهل القرآن دارجاً في الاستعمال[33]).

وكم تعجبت وأنا أقرأ هذا النص ، أيعقل أن قارئاً تاريخياً وناقداً فلسفياً وكاتباً بحجم طرابيشي يقع بمثل هذه السقطة التاريخية المعرفية ، من يصدق أن جورج طرابيشي الذي يحفر بعمق في جذور المصطلحات ، ويبحث في حفرياتها الأدبية واللغوية والتاريخية والاجتماعية، يخرج من رأسه ” أهل القرآن “ ؟!! ومتى في ” الصدر الأول “؟  لقد أخرج لنا طرابيشي ما يزيد عن مئة كتاب تأليفاً وترجمة، وهذه الوفرة في الإنتاج ، سبقها غزارة في المطالعة وهذا لايخفى على قارئ طرابيشي ، ومع ذلك لم يذكر طرابيشي من أطلق هذا المصطلح على الجيل الأول، ولم يذكر لنا حادثة واحدة بسند صحيح أو غير صحيح تدلل على وجود قرآنيين في مقابل سنيّين،ويتضح من العبارة أنهم الصحابة الأوائل وأنه يتحدث على أقل تقدير عن زمن الخلفاء الراشدين، وسنسلم لطرابيشي بذلك ، لكن من هم الذين قادوا الانقلاب، وكيف حدث؟!! هل سكت أهل القرآن عن هذا الانقلاب؟ أتمنى لو ذكر لنا طرابيشي حادثة واحدة ولو على سبيل التلميح، ثم إذا عدنا إلى ماذكره عن غزوة تبوك، كمرحلة تمرد تسبق الانقلاب – على رأي طرابيشي – بسبب نزعة الفتوحات، فكان الأصل أن تتوقف الفتوحات لا أن تتطور جغرافياً، وإذا كان هؤلاء الفاتحين في الطور الأول هم أهل القرآن، لماذا خالفوا القرآن وخرجوا فاتحين، والقرآن يقول لهم إن هذا الدين للعرب غير الكتابيين ، فلماذا يقدموا أنفسهم يبذلوا أموالهم في سبيل الفتوحات ؟ يا الله من ينقلب على من ؟!!

وسأحاول أن أسعف طرابيشي برواية تدل على وجود القرآنيين في هذا الزمان ، ما يروى عن الحسن قال: ( بينما عمران بن الحصين – رضي الله عنه –  يحدث عن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ قال له رجل : يا أبا نجيد حدثنا بالقرآن، فقال له عمران بن الحصين – رضي الله عنه – : ( أنت وأصحابك تقرؤون القرآن، أكنت محدثني عن الصلاة وما فيها وحدودها؟ أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب والبقر وأصناف الإبل ؟ ولكن قد شهدت وغِبت أنت ، ثم قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزكاة كذا وكذا) ، فقال الرجل : أحييتني أحياك الله ، قال الحسن : فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين.[34]).

وفي رواية : ( فغضب عمران بن الحصين – رضي الله عنه – وقال للرجل : هل قرأت القرآن؟ قال : نعم ، قال : فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً ، ووجدت المغرب ثلاثاً ، والغداة – أي الفجر- ركعتين ، والظهر أربعاً والعصر أربعاً؟ قال : لا . قال : فعن من أخذتم ذلك ؟ ألستم عنا أخذتموه ، وأخذناه عن رسول الله صلى الله علي وسلم؟ قال : أوجدتم في القرآن }ليطوفوا بالبيت العتيق {الحج : 29،أوجدتم فيه : فطوفوا سبعاً،واركعوا ركعتين خلف المقام ؟ أوجدتم فيه من كل أربعين شاة شاة واحدة……….)[35]

وفي هذا النص يظهر أن فكرة الاحتجاج بالقرآن دون السنة كانت ما تزال في بدايتها، وهذا الرجل قطعاً ليس من الصحابة فلذلك قال له عمران بن الحصين – رضي الله عنه – : ( شهدت وغَبت أنت )، و أن الرجل كان له جماعة تقول بقوله ، فلما علمه الصحابي الجليل اقتنع بما قال  ، وإذا علمنا أن وفاة عمران بن الحصين – رضي الله عنه- كانت سنة 52 أو 53 ه وهو ممن نزل البصرة من الصحابة[36]، فيتبين لنا أن هذه الفكرة تأخرت نوعاً ما إلى منتصف القرن الأول ، وكانت بعيدة عن مهد الرسالة في مكة والمدينة، وأن الفكرة تم وأدها في بدايتها ، ولا يمنع هذا وجود أشخاص آمنوا بذلك ، أو حالات فردية تبنت الفكرة ، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون أصحابها لهم مكانة وقوة ونفوذ وطائفة، أو أن يكون أحد انقلب عليهم – كما يصور لنا طرابيشي – فهي مجرد أفكار رددها البعض ، فهل يعقل أن هؤلاء هم القرآنيون الذين كانت لهم السلطة وقادوا الفتوحات؟!!

ثم نتساءل بعد التسليم لطرابيشي أن الصدر الأول من جيل الفتوحات كان قرآنياً كما تزعم، كيف كانوا يصلون ؟ ويزكون ؟ ويحجون ؟ ويصومون ؟ فتفاصيل ذلك لم تذكر في القرآن الكريم ، فهلا أخبرتنا برواية يتيمة تقول لنا كيف عبد الصحابة القرآنيون ربهم ؟ أم أن طرابيشي يقصد المنافقين ، وبما أنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام، فلم نعرف عنهم شيئاً، فهنا يعذر طرابيشي لفقدانه الأدلة التاريخية!! ولكن يصعب أن نقول ذلك ، فهو يصفهم بالفاتحين ، والمنافقون كانوا خوالف في زمن نزول الوحي، فهل انصلح حالهم بعد انقطاع الوحي!! ربما استراتيجية خلط الأوراق الطرابيشية من الفاعلية بمكان لدرجة أنها أثرت حتى على صاحبها!!، وبما أن طرابيشي إعلامي سابق طبق نظرية ( اخلط الأوراق واخلط الأوراق حتى يصدقك الناس )، على طريقة نظرية ” جوبلز” وزير الدعاية النازي ( اكذب اكذب حتى يصدقك الناس ).

لكنه الخيال الطرابيشي الأسطوري ، الذي أخرج لنا أسطورة القرآنيين  ، وإذ بطرابيشي الذي كان يحارب الأساطير، يمارس أسطرة التاريخ كما يشتهي، والعجيب أن هرطقات طرابيشي السابقة كانت عقلانية نوعاً ما ، أما هرطقته الأخيرة فكانت لا عقلانية فكان يهذي بما يعرف من أصوليته التي ارتد إليها، فلذلك ابتعد عن العقلانية بهذا الشكل ، وهكذا تفعل الأصولية بصاحبها، وربما هي المعجزة لا غير التي جعلت القرآنيين الأوائل أصحاب سلطة، ولكن طرابيشي لا يؤمن بالمعجزات ، والمعجزة الأكبر كيف استولى السنيون على السلطة وأزاحوا القرآنيين، إنها العجائبية بعينها.

إن كتاب طرابيشي ” من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث “، يقوم على أصلين مترابطين، الأول: نفي حجية السنة النبوية. والثاني : نفي عموم الرسالة المحمدية لجميع البشرية- وهي أطروحته المركزية -، وقصرها على العرب من غير أهل الكتاب، فالنفي الأول سيؤدي للنفي الثاني، وذلك أن القرآن الكريم- بزعمه – لم يمنح النبي صلى الله عليه وسلم صلاحية تشريعية،فهو مبلغ عن ربه، وبينت إن بلاغه إنما يكون لقومه من العرب الأميّين- غير أهل الكتاب-، لكن ظهرت أحاديث فيما بعد تظهر عالمية الإسلام ، وهذه الأحاديث باطلة من وجه مخالفتها للدور الرسالي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي نص عليه القرآن الكريم، وهذه الأحاديث كانت سبباً في تحول الإسلام من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث ، فالإسلام الأول كما نزل به الوحي هو إسلام القرآن، ولكن ظهر تاريخياً تحول الإسلام القرآني لإسلام حديثي، وهذا التحول يقتضي وجود فئتين ، قرآنيين ، وحديثيين أو سنيين، والقرآنيون هم الصدر الأول كما صرح طرابيشي، وأما الحديثيون فهم ظهروا فيما بعد وانقلبوا على القرآنيين،فالكاتب يتحدث عن زلزال مدمر في بنية المركب المعرفي والديني والثقافي للأمة الإسلامية، فلذلك عرض في الفصل الأول : الله والرسول : الشارِع والمشرَّع له، ثم حشد الآيات الكريمة التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا دور له سوى التبليغ، ونفي الدور التشريعي للسنة النبوية، فيقول : ( وهذا التمييز – أي بين النبي والرسول- حاسم الدلالة في تحديد العلاقة التشريعية بين الله ورسوله.فالله هو الشارع والرسول هو المشَّرع له، وهذا الحصر للرسول، من وجهة النظر التشريعية، في موقع المفعولية دون الفاعلية يمكن استقراؤه في العشرات من الآيات القرآنية .[37])

ويقول : ( ولنشرع الآن -مع القارئ- برحلتنا الاستقرائية مع الآيات القرآنية التي تؤكد ما ذهبنا إليه من أن الرسول مكفوف اليد من الناحية التشريعية،فضلاً أنه معطَّل عن الإرادة الذاتية، منهي عن المبادرة، ومطالب بالخضوع التام من حيث هو مرسَل للمشيئة الإلهية المرسِلة ، وهذه تحت طائلة العقاب…[38])

وأترك للقارئ الكريم استخراج معجم –سوء الأدب– الطرابيشي مع النبي صلى الله عليه وسلم من النص السابق : مكفوف اليد- معطل الإرادة- طائلة العقاب ، وغيرها كثير في هذا الكتاب ، ولكن يظهر أن من صفق للكتاب من المسلمين كان تأثير تنويم مغناطيس قلم طرابيشي ، فلم ينتبه لمثل هذه العبارات.

وإذا عدنا لما نحن بصدده في مناقشة طرابيشي في مدلول هذه الآيات ، فإنا نتفق مع طرابيشي فيما ذهب إليه من إثبات مصدر الرسالة المحمدية وهو الوحي الإلهي، ولكن استراتيجية خلط الأوراق الطرابيشية توصلنا لما هو مخالف لمدلول الآيات الكريمة، وعلى العكس من ذلك تثبت شرعية الرسالة المحمدية من جهة ،وتشريعيتها من جهة أخرى ، فالشارع ( الله تعالى ) يمنح رسوله صلى الله عليه وسلم سلطة تشريعية منها ما كان بالوحي ومنها ما كان بالاجتهاد، ويراقبه في أدائها، فإذا ما حصل مجانبة للصواب- في حالات نادرة – كحادثة أسرى بدر وعبس وتولى وغيرها من الحوادث، ينزل الوحي لتصحيح ذلك لضمان سلامة التبليغ والاجتهاد التشريعي الممنوح للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن طرابيشي خلط هذا بهذا ويستدل بالآيات التي صوبت بعض المواقف ليطلق عليها كف اليد وطائلة العقاب ونحوها من ألفاظ لا تليق بمقام النبوة، وطرابيشي يعلم أن القرآن الكريم لم يذكر تفاصيل الصلاة، وإنما شرعها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنواع الصلوات سوى المفروضة كثيرة جداً ، وكذلك أعمال الصلاة وأذكارها وشروطها وهيأتها كثيرة جداً ، فليذكر نصاً قرآنياً واحداً، أو رواية صحيحة أو مزيفة في كف يد المصطفى – وحاشاه – عنها، وقل نحو ذلك في الزكاة والصوم والحج وسائر أعمال وأحكام الشريعة الإسلامية ، من عبادات و معاملات وآداب!!!

ولنمض مع قرآنية طرابيشي، ولنقل أن ذلك حصل ولكن أصحاب السلطة من القرآنيين لم يتمكنوا من إظهار ذلك لأنهم يتوجسون خيفة من مؤامرة الحديثيّين الذين بدأت دسائسهم تظهر في الصدر الأول، لكن طرابيشي لم يخبرنا بشخصية قرآنية واحدة في هذا العصر، وذلك لأن الحديثييّن أخفوا جميع الحقائق والوثائق التي تدل على أحداث المرحلة عندما استلموا السلطة تماماً كما يفعل الانقلابيون بإخفاء ما يدينهم فيحرقون أرشيف الأحداث، وعليه فيكون أهل الحديث ليسوا وضاعين للأحاديث كما يتهمهم طرابيشي فحسب ، بل هم كذلك أخفوا  تاريخ مرحلة بأكملها، أو بالتعبير الطرابيشي حُكِمَ عليهم – أي القرآنيين – بالإنقراض [39]، تمهيداً لتنفيذ المؤامرة الكبرى، ولكن طرابيشي الذي يتهم خصومه بسد الفراغات التاريخية نسي أن يسد فراغ تاريخ القرآنيين في الصدر الأول، فقفز إلى أواخر القرن الثاني فعند حديثه عن تكريس الشافعي للسنة، تحدث لأول مرة عن مقاومة أصحاب السلطة للانقلابين فيقول : ( وقد صدرت هذه المقاومة عمن يمكن تسميتهم ب” القرآنيين “) ثم يتراجع فيقول : ( وإن كان يصعب تحديد هويتهم بعد محق آثارهم.) فلما عجز عن خلق شخصية قرآنية واحدة في القرن الأول والثاني، حاول صياغة تعريف لهم ليوهم القارئ بوجودهم فقال : ( ونقصد ب” القرآنيين” من اعتبروا الكتاب وحده ، دون السنة المستلحقة به ، المرجع الوحيد في البيان الإلهي[40])

فانكشف أمره من فصل مسرحيته الأول، وبان عوار الفصل الثاني – وهو عقدة الرواية – نفي عموم الرسالة المحمدية لجميع البشرية، ثم توالت سقطات الناقد الفلسفي والمؤرخ الناقد لدرجة العجز في الفصول التالية.

والأعجب من ذلك أنه يلجأ لأرشيف المحدثين عند الحاجة إليه لسد فراغاته الكثيرة،فيستدل على نفي حجية السنة بالسنة، فمن كان قبل قليل مكفوف اليد- وحاشاه- يصبح مطلق اليد ، ومن كان معطّلاً يصبح عاملاً، وهنا نسأله : أليست تلك الأحاديث من وضع المحدثين؟!! فكيف تستدل بها وتبني عليها أحكامك بما أنها موضوعة مزيفة؟!! فهو قرآني متى يريد ذلك ، وحديثي إن أراد ذلك، فلا بأس بالانقلاب على الانقلاب في شخصية أصابها هوس الانقلاب.

وفي قفزة عجائبية من الصدر الأول إلى القرن الثاني يعنون منظر القرآنيين بالفصل الثالث : مالك بن أنس : هامش من الحرية[41]، وإذا علمنا أن مولد الإمام مالك – رحمه الله – 93 ه ووفاته 179 ه ، فهذا يعني أن فترة الفراغ الدستوري – بحسب لغة الساسة وخاصة في زمن الانقلاب – ستطول إلى أبعد من زمن الصدر الأول ، ولنتصور أن الانقلاب الحديثي بدأ في منتصف القرن الأول، فعليه أن فاعليته ستستمر إلى بداية القرن الثاني إلى حين وصول الإمام مالك إلى مرتبة القائد الملهم والمصلح بحيث يصبح يناور الانقلابيين ليرجع الأمور لنصابها، ولكن طرابيشي فاته سد فراغ مع من تفاوض مالك ؟ وأين جرت المحادثات؟ وما التنازلات التي قدمها الانقلابيون لمالك مما جعل له هامش من الحرية، ويبدو أن مالكاً كان من الدهاء في مناوراته التفاوضية، فاستطاع كسب هذا الهامش ، ولكن المالكية من بعده أضاعوا كل هذه المكاسب .

وعلى طريقته الانقلابية قدّم طرابيشي الكلام عن الإمام مالك والإمام الشافعي قبل الإمام أبي حنيفة – رحمهم الله- ، فيعنون : الفصل الخامس : أبوحنيفة من الرأي إلى الحديث[42]، وبالعقدة الانقلابية ذاتها ينقلب تلاميذ أبي حنيفة عليه وهما صاحباه : أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، فيرى طرابيشي : ( أن ثمة مسافة، من طبيعة إبستمولوجية، تبدو لنا فاصلة بين المعلم والتلاميذ.فيوم ” قال ” أبو حنيفة، في النصف الأول من القرن الثاني، لم تكن المدونة الحديثية قد تبلورت بعد، ولم تكن الآثار المروية عن النبي أو المتداولة على لسانه قد شقت طريقها من الحجاز إلى العراق متجاوزة المحطة الانتقالية التي كانت تمثلها الشام الأموية……………………..بل أكثر من ذلك : فتلميذا أبي حنيفة بالذات كانا من أوائل أولئك الطالبين،فأبو يوسف القاضي ، وإن لم يرحل ، بادر يتصل، حتى قبل اتصاله بأبي حنيفة، بالمحدِثين ويتلقى عنهم،….أما محمد بن الحسن فقد مارس الرحلة فعلياً،إذ رحل إلى مالك وتلقى عنه فقه الحديث والرواية…[43])، لكن يظهر أن أبا حنيفة لم يكتشف الميول الحديثية لدى تلاميذه، فكيف سيكتشف النوايا الانقلابية الخبيثة ، وخاصة أن المحدثين هم من دس هذين الجاسوسين في نظام حكم أبي حنيفة لينقلبا عليه بعد وفاته ، ويحولا مذهباً بأكمله من الرأي للحديث، ألم يقل طرابيشي إن أبا يوسف اتصل بالمحدثين قبل اتصاله بأبي حنيفة!! وأما محمد بن الحسن فرغم اتصاله بالإمام مالك فلم يستفد من هامش الحرية منه ، ومع ذلك شارك صاحبه أبا يوسف في الانقلاب، لكن مسلسل الانقلابات في مذهب أبي حنيفة لم يتوقف ، فأتباع المذهب سيقدمون التنازلات تلو التنازلات خوفاً من اللوبي الحديثي ( هذه التنازلات أمام الأيدلوجيا الحديثية [44]) ليحولوا الإمام أبا حنيفة إلى صاحب حديث.

وأمازعيم الانقلابيين والأب الروحي لهم وقارئ بيان رقم (1) الإمام الشافعي فسيتحدث عنه طرابيشي بما يقارب مائة صفحة،فيعنون : الشافعي: تكريس السنة [45]، ولو قال تكريس الحكم الانقلابي لما أبعد، و يظهر خيط جديد في كشف مؤامرة الانقلاب ، ولكنه سرعان ما يفلت من يد طرابيشي ، ف( صدرت هذه المقاومة عمن يمكن تسميتهم ب” القرآنيين ،وإن كان يصعب تحديد هويتهم بعد محق آثارهم ،ونقصد ب” القرآنيين” من اعتبروا الكتاب وحده ، دون السنة المستلحقة به ، المرجع الوحيد في البيان الإلهي[46])، وبخبرة محلل الانقلابات يكشف لنا طرابيشي أن الشافعي صرح باسم المنقَلب عليهم، بما أفرده الشافعي تحت عنوان : ” باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها] أي الأحاديث[” في كتاب ” جماع العلم ” من كتاب الأم [47]، ثم قال الشافعي : ( قال لي قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه ) ، وهكذا على عادة الجماعات السرية الانقلابية يخفي الشافعي اسم القائل ، فكيف سيصرح باسمه فتنكشف المؤامرة، فالانقلاب التام لم يتم بعد ، فكان الشافعي بمكر المخطط الانقلابي من الذكاء بمكان فاخفى اسمه !!ويذهب طرابيشي – في هامش الكتاب [48]– لتأييد ما قاله الأستاذ محمد الخضري (إن المعنيين بهؤلاء” الأصحاب “المعتزلة ،ولكن لا يستبعد أيضاً أن يكونوا من الخوارج )، نعم هكذا وضع طرابيشي القرآنيين المنقَلب عليهم في الهامش ، مع أنهم أبطال روايته ، وبذكرهم ستتكشف خيوط الحركة الانقلابية الحديثية، فكان الأحرى به بما عرف عنه من جلد على البحث وسعة اطلاع أن يمضي في تتبع خيوط الحركة الانقلابية ، ولكن قدراته البحثية لم تسعفه ، ليس لقلة خبرة وضعف مهارة، فمثل طرابيشي لا تعوزه مهاراته في التنقير عن أدلته بالمنقاش من ركام التاريخ، فلو وجد شبه رواية لطار بها ، وحلّلها وجعل لها فصلاً كاملاً ، واستخرج لها شخصيات تؤيد رأيه ، لكنه لم يجد إلا سراباً ، ورغم موافقته لما ذكره الأستاذ محمد الخضري أنهم المعتزلة وأضاف لهم الخوارج ، وحينهاستتكشف المسرحية من فصولها الأولى ، ويبطل مفعول تنويمه المغناطيسي للقارئ من جلسة التنويم الأولى ، وذلك أن ظهور فكر الاعتزال كان في أواخر القرن الأول وبداية القرن الثاني ، وطرابيشي يقول إن القرآنيين كانوا في الصدر الأول، وإن الحديثين انقلبوا عليهم فحولوا الإسلام من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، وهذا سيظهر زيف دعواه من جهتين، أن قصة الشافعي مع مناظره كانت تقريباً في أواخر القرن الثاني، مما يجعل الفجوة الزمنية كبيرة جداً بين الصدر الأول وزمن الشافعي ، والثاني أن الشافعي والمحدثين هم من انقلب على القرآنيين، وهذا يعني أن السلطة الحاكمة والسلطة المعرفية كانت بيد القرآنيين ثم انتزعها أهل الحديث منهم، والتاريخ لا يذكر ذلك لا من قريب ولا من بعيد، فلما ورط طرابيشي نفسه في لعبة اللاتاريخ،

لجأ إلى تهميش أبطال روايته في الهامش، وأضاف لهم الخوارج، فإن يكون لديك وهم واقعة تاريخية خير لك من لا شيء!!

وحتى يظهر للقارئ الكريم من يقصد الإمام الشافعي بهذه الفئة أنقل تحقيق الأستاذ عبد الغني عبد الخالق في كتابه الماتع ” حجية السنة ” تحت عنوان : (هل أنكر بعض أئمة معتزلة البصرة حجية السنة؟)[49] ثم نقل رأي الأستاذ محمد الخضري أن مقصود الشافعي من ذلك بعض أئمة المعتزلة في البصرة ، قال الخضري : ( ولم يظهر لنا الشافعي شخصية من كان يرى هذا الرأي، ولا أبانه التاريخ. إلا أن الشافعي- في مناظرته لأصحاب الرأي الآتي ( يعني : الذين يردون خبر الخاصة .) قد صرح : بأن صاحب هذا المذهب ( يعني: من يرد الأخبار كلها.) منسوب إلى البصرة ، وكانت البصرة مركزاً لحركة علمية كلامية؛ ومنها نبعت مذاهب المعتزلة، فقد نشأبها كبارهم وكتابهم، وكانوا معروفين بمخاصمتهم لأهل الحديث. فلعل صاحب هذا القول منهم.[50]) ثم قال الخضري : ( وقد تأيد عندي هذا الظن : بما رأيته في الكتاب الموسوم بتأويل مختلف الحديث لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ( 276 ه ) وفيه :… فإنك كتبت إلي تعلمني ما وقفت عليه من ثلب أهل الكلام أهلَ الحديث وامتهانهم وإسهابهم في الكتب بذمهم….[51])، قال الخضري : ( ومن ذلك يفهم : أن غارة شعواء شنت في هذا العصر ” الذي كتب فيه الشافعي رسالته ” أو قبل ذلك بقليل؛ من المتكلمين- على أهل السنة. وأكثر المتكلمين كان بالبصرة: فمن المؤكد : أن يكون الذي ناظر الشافعي من هؤلاء.[52]).

وبعد نقل الشيخ عبد الغني عبد الخالق لرأي الأستاذ الخضري: أن مناظر الشافعي كان من المعتزلة ، رد هذا الرأي مبيناً أن المناظر إنما رد السنة من حيث احتمال الخطأ والسهو والكذب على الرواة: وإن بلغوا عدد التواتر على زعمه ، ولا ينكر حجية السنة من حيث هي سنة [53]، ثم عنون بعد ذلك بصفحات: ( مناظر الشافعي : إن كان منكراً للحجية فليس معتزلياً )، ثم قال: ( لو فرضنا جدلاً : أن هذا الخصم كان ينكر حجية السنة؛ فلا يصح القول بأنه من المعتزلة؛ كما ذهب إليه الخضري، فإنه لم ينقل في كتب الأصول، ولا في كتب التوحيد ، والفرق : أن أحداً من المعتزلة أنكر حجيتها.[54])

وعند الرجوع لكتاب ” الأصول الخمسة ” للقاضي عبد الجبار المعتزلي نرى أن المعتزلة لم ينكروا حجية السنة ، حيث جاء فيه : ( فما قولكم في الأخبار التي يروون : أتقبل كلها أم لا ؟ قيل له : أما إن ثبت بالأخبار المتواترة وعلمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك وعمل به قلنا به . وما رواه الواحد والاثنان ومن يجوز عليه الخلط لا يقبل في الديانات ويقبل في فروع الفقه إذا كان الراوي ثقة، ضابطاً، عدلاً، ولم يخالف ما رواه الكتاب ولم يمنع من قوله مانع، وما روي من مخالف الكتاب و دلالة العقل تأولناه على الوجه الصحيح، كما نتأول كتاب الله تعالى على ما يوافق دلالة العقل، لا على ما يخالفها.[55])، وهذا نص يمثل منهج المعتزلة في التعامل مع السنة، وأكثر من ذلك نرى كبار المعتزلة كالجاحظ- وهو قريب العهد بالشافعي – يحتج بالأحاديث في كتبه كما في البيان والتبيين وغيرها من كتبه.

ويرى الشيخ عبد الغني عبد الخالق أنه ليس في كلام ابن قتيبة ما يدل على إنكارهم لحجية السنة ، وكل ما يفهم منه : أن المعتزلة لم تر الاحتجاج بما كان يرويه غيرهم ( من الفرق) لاحتمال كذبهم في ذلك، أو لأنه متناقض، أو مناف لما ذهبوا إليه من نفي الصفات ، لا لأنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يتساءل : وكيف وابن قتيبة نفسه يعترف : بأنهم كانوا يتمسكون بالأحاديث كغيرهم حيث يقول :” وتعلق كل فريق منهم لمذهبه بجنس من الحديث ” )[56]

وكما فرح طرابيشي بكتاب ” تأويل مختلف الحديث ” لأنه حفظ تراث معتزلة القرن الثالث الذي مُحِق من الوجود[57] ، فلنا أن نفرح لأنه أثبت أن جميع طوائف الأمة : سنة وشيعة وخوارج وقدرية وغيرهم كانت تحتج بالحديث، فسرد قائمة بالأحاديث التي تحتج بها كل طائفة – ومنهم المعتزلة – ، مما يضعف موقف طرابيشي الذي نومنا مغناطيسياً لينفي حجية السنة ، ويقول إن ” القرآنيين ” هم الأصل ثم انقلب عليهم ” الحديثيون ” ، فظهر أن جميع الأمة كانت تحتج بالحديث ، على اختلاف بينهم في طرق إثباته وتأويله، فظهر أن ” القرآنيين ” الذي زعم أنهم كانوا في ” الصدر الأول ” لا وجود لهم إلا في مخيلته ، ولو كان لهم امتداد تاريخي لاحتجوا بما قاله سلفهم من ” الصدر الأول “، ولا شك أن طرابيشي جيد القراءة رأى ذلك في كتاب ابن قتيبة ولكنه محقه كما محق المحدثون تراث المعتزلة!! ، والذي يظهر  أن الجميع أصيب بفوبيا أهل الحديث ، فمنهم من اختفى قسرياً ، ومنهم من استسلم للمحدثين ، لدرجة أن إماماً من أئمة المعتزلة في القرن السادس وهو الإمام الزمخشري يحشد الأحاديث في تفسيره- خوفاً من أهل الحديث -.!!

ومع ذلك يفتري طرابيشي على المعتزلة بوصفهم قرآنيين وأنهم رفضوا حجية الحديث، فيقول : ( ومن خلال هذه العناوين نستطيع أن نحدد للطائفة المعتزلية التي أنكرت الحديث سمات إبستمواوجية ثلاثاً : (أ) فهي قرآنية، (ب) وهي تقدم حجة العقل، (ج) وهي تعتبر التناقض الذاتي في الأحاديث دليلاً على بطلان حجيتها وعلى كونها موضوعة.[58]).

لكن يبقى السؤال مشروعاً من مناظِر الشافعي الذي  ردت طائفته الأخبار كلها؟

فطرابيشي يخبرنا أنه من ” القرآنيين ” الذين قاوموا المنقلبين عليهم ف( صدرت هذه المقاومة عمن يمكن تسميتهم ب” القرآنيين ،وإن كان يصعب تحديد هويتهم بعد محق آثارهم ،ونقصد ب” القرآنيين” من اعتبروا الكتاب وحده ، دون السنة المستلحقة به ، المرجع الوحيد في البيان الإلهي[59])، ولا بأس أن يكون من المعتزلة أو الخوارج – ولو بالهامش : ((أن المعنيين بهؤلاء” الأصحاب “المعتزلة ،ولكن لا يستبعد أيضاً أن يكونوا من الخوارج [60] ) .

وبما أن طرابيشي تعمّد وضع أبطال أسطورته في الهامش، تماماً كما يفعل المنقلَب عليهم عندما يختبئون تحت الأرض كي لا يظفر بهم خصومهم، سنحاول إخراجهم إلى واجهة التاريخ ،فابن حزم – رحمه الله- يرى أن القائلين هم من ” غالية الرافضة “[61]، ووصف أحد رواة هذا الحديث بأنه ساقط متهم بالزندقة[62]، ويرى السيوطي أن الشافعي كان يناظر الزنادقة والرافضة[63] ، وأنه في زمانه – أي السيوطي- قائلاً رافضياً زنديقاً أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة [64]، ثم فصل أصل هذه المقولة بقوله : ( وأصل هذا الرأي الفاسد الزنادقة وطائفة من غلاة الروافض ذهبوا  إلى إنكار الاحتجاج بالسنة ، والاقتصار على القرآن ، وهم في ذلك مختلفو المقاصد ، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلي رضي الله عنه ، وأن جبريل- عليه السلام –  أخطأ في نزوله على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ….)[65]، ويشير السيوطي إلى وجود أصحاب أهل هذا الرأي بكثرة في زمن الأئمة الأربعة ومن بعدهم ، وأن الأئمة وأتباعهم تصدوا للرد عليهم في مناظراتهم وكتبهم ودروسهم.[66]، ويبدو أن هذا الرأي الفاسد ظهر مجدداً في زمن الإمام السيوطي فلذلك ألّف كتابه : ” مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ” ،فظهرت لنا أسانيد رواية طرابيشي المسلسلة بالمنافقين والزنادقة ، أن المنقلَب عليهم هم هؤلاء المنافقون الذين قادوا حملة التمرد الأولى كما في غزوة تبوك، نقلوا أفكارهم للزنادقة من بعدهم ، ولا عجب في ذلك فإن الزنادقة هم الطبعة الجديدة من المنافقين ، وكلاهما من غير المسلمين ،فالفكر اللاقرآني الذي يردد طرابيشي ترانيمه في كتابه، أسانيده متصلة بالمنافقين والزنادقة، كان يظهر أحياناً بين الفترة والأخرى فيحاوره العلماء كما فعل عمران بن الحصين – رضي الله عنه- وكما رد عليهم الشافعي في زمانه ، وأشار لهم ابن حزم، وتكرر ترديد شبههم زمن السيوطي ، ثم لما أطل الاستعمار بوجهه القبيح على الهند وباكستان ظهرت فتنة القرآنيين، وكان خاتمة حفاظهم وكاهنهم الجديد ” جورج طرابيشي”، فوضع لهم عهداً جديداً متضمناً خارطة طريق إنقلابية ( ومن هذا المنظور المحدد فإن الانقلاب الكوبرنيكي المنشود في الثقافة العربية الإسلامية يمكن أن يأخذ- ضمن جملة أشكال أخرى- شكل عودة إلى الإسلام القرآني دون ما عداه، واليوم كما بالأمس البعيد، فإن القرآنيين الخُلَّص يمكن أن يضطلعوا بدور ريادي في هذا الانقلاب.[67])

ومن أعجب الانقلابات الطرابيشية أنه انقلب على أصحابه القرآنيين الخُلَّص، فاتهمهم بالكذب بوضعهم حديث ” عرض الحديث على القرآن “ ، فيقول : ( ونحن لا نشك على كل حال أن حديث عرض الحديث على القرآن هو من وضع بعض ” القرآنيين” الذين أرادوا أن يجابهوا ” الحديثيين ” بمثل سلاحهم . [68])، ولكنه لم ينتبه لاتهامه هذا إذ كيف يكذب ” أهل القرآن ” والقرآن يحرم الكذب ؟!!، فظهر أنهم لا قرآنيين ، لكن طرابيشي بأصوليته التي ارتد عنها في أول عمره ثم عاد إليها بثوبها الحداثي يطعن بكل شيء له علاقة بالإسلام فيضحي بأصحابه القرآنيين وينقلب عليهم ، وظهر أن مزايداته على إسلام القرآن ما هي إلا مدخلاً لاهوتياً.

والأمر الثاني نبهنا طرابيشي بتسمية القوم الذين وضعوا حديث ” عرض الحديث على القرآن ” بالقرآنيين، ليقدم لنا دليلاً آخر على أنهم الزنادقة كما قال الإمام السيوطي، حيث أن علماء الحديث كشفوا لنا أن الحديث من وضع الزنادقة ، فعملية التجميل التي قام بها مبضع الجراح طرابيشي بتسميتهم ب “ القرآنيين الخُلّص ” لا يغير من الأمر شيء حيث انكشف وجههم القبيح بجمعهم بين الكذب وتعطيل الشريعة ، قال الإمام ابن حزم: ( أول ما نعرض على القرآن الحديث الذي ذكرتموه فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال تعالى :} وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا . {   الحشر 7،وقال : }   مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ { النساء 80، وقال تعالى : } لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ   { النساء 105،ونسأل قائل هذا القول الفاسد في أي قرآن وُجِد أن الظهر أربع ركعات ، وأن المغرب ثلاث ركعات ، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا ، وصفة القراءة فيها والسلام …………..[69]).

وقال الإمام ابن عبد البر : ( وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه ، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم فقالوا : نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك ، قالوا : فلما عرضناه على كتاب الله عز وجل وجدناه مخالفاً لكتاب الله، لأنا لا نجد في كتاب الله ألا نقبل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به ، والأمر بطاعته ، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال .[70])

ونقل عن الإمام عبد الرحمن بن مهدي أن هذا الحديث من وضع الزنادقة والخوارج.[71]

ومن قبلهم نقل الإمام ابن بطة  عن الإمام الساجي: ( هذا حديث موضوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغني عن علي بن المديني أنه قال : ليس لهذا الحديث أصل والزنادقة وضعت هذا الحديث . ) ثم قال ابن بطة : ( وصدق ابن الساجي وابن المديني – رحمهما الله- لأن هذا الحديث كتاب الله يخالفه ويكذب قائله وواضعه …[72]).

 

 

  • تحليل عُقد طرابيشي.

العصاب كما يعرفه طرابيشي المحلل النفسي: كل خلل أو اضطراب من طبيعة مرضية يصيب الشخصية أو قطاعاً منها نتيجة لتمحورها حول عقدة نفسية، فإن العقدة التي ينتظم من حولها” العصاب الجماعي العربي” هي عقدة التثبيت على الماضي، وعلى اعتبار أن هذه العقدة من طبيعة نكوصية ، فقد كان لا بد لنا من تحديد اللحظة التاريخية لها.[73]

واللحظة التاريخية التي شكلت الانقلاب الطرابيشي الأول  – الردة عن الدين –  كما وصفه في مقاله الأخير مثلت العقدة الأولى له، فيصفها بقوله : (ووصلت إلـــى البيت  وأنا في شبه هذيان وأصابتني حمّى حقيقيـــة  وبقيت يومـــين طريح الفراش، ثم لما أفقت كان ردّ فعلي الوحيد أنني  قلت بيني وبين نفسي: لا، إن الله  ذاك الّذي حدثنـي عنه الكاهن لا يمكن أن يوجد ولا يمكن أن يكون ظالماً إلى هذا الحدّ. ومن ذلك اليوم كففت عن أن أكون مسيحيا.)[74] ،فهذه العقدة التي تطارد طرابيشي في كل مراحل حياته الفكرية الحافلة  ، فانعكس ذلك على شخصيته الفكرية من خلال انقلاباته الشخصية، وهو الباحث الناقد فأخذ يتلمس الحقيقة التائهة لعله يجدها هنا أو هناك ، فشكلت في نهاية المطاف مشروعاً طرابيشياً حداثياً، عبر محطات من الهرطقة تلو الهرطقة ،حتى وقف به قطار تأنيب الضمير على رصيف الأصولية لعله يريح نفسه المتعبة ، فعبّر عنه ب ” من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث “، وحقيقته ما أصابه من عُصاب الردة، فلاشك أن عقلاً  كعقل طرابيشي الناقد الفلسفي اقترب كثيراً من معرفة الإسلام بما أوتي من جَلد على القراءة واطلاع واسع على التاريخ الإسلامي وآراء فلاسفة الإسلام ومفكريه وعلمائه، وهو قبل ذلك ارتد عن دينه في أوائل مسيرته الفكرية ، وترسخت ردته بعقله الناقد لما تربى عليه من تربية لاهوتية، ومن يقرأ لطرابيشي في كتابه ” من إسلام القرآن ..”، لا يسعه أن يشك أن طرابيشي أحد القرآنيين !! نعم إنه قرآني مرحلي – فالغاية تبرر الوسيلة – ليصل إلى غايته اللاهوتية ، ففكر وقدّر ثم نظر ثم أدبر واستكبر وقال : إن محمداً لم يرسل لأمثالي من أهل اللاهوت ، بل أرسل للأميّين الذين ليس عندهم كتاب ، ولكن من سيصدق ذلك ؟ وما الطريقة الأمثل لأقنع نفسي أولاً والقارئ ثانياً ؟نعم إنها مسرحية الانقلابات مرة أخرى ، ففكر وقدّر ثم نظر ثم أدبر واستكبر وقال : نعم هم علماء الحديث الذين حولوا الإسلام من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث ، وغني عن الذكر أن القرآن كما يريده طرابيشي الذي أنزل للعرب خاصة ، وبما أن طرابيشي عربي قومي ، فلا بد من قيد آخر عربي غير كتابي، حتى يرتاح ضميره الذي ما زال يؤنبه منذ الردة الأولى، فجريمة علماء المسلمين الأولى إذاً ليس نظامهم المعرفي القائم على الفصل بين العقل والنقل- بزعمه- ،كما يريد طرابيشي أن يوهم القارئ ، بل جريمتهم الكبرى أنهم آمنوا بالله تعالى الذي أوجب طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم المرسل للعالمين: العرب وغير العرب ، الكتابي منهم وغير الكتابي ، ولما رأى طرابيشي بنظرته التاريخية ما لعلماء المسلمين فقهاء ومحدِثين ومفسرين ومتكلمين من مكانة في الثقافة الجمعية الإسلامية ، أخذ بالطعن بهم واحداً تلو الآخر ، فلم يبق ولم يذر ، ولما رأى الجميع متفقين على مرجعية كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فثارت أصوليته من جديد لينفي عموم الرسالة المحمدية لجميع الإنسانية، وهي أطروحته المركزية لكتابه.[75]

هذه العقدة- أي الردة الأولى – ولدت عقدة أخرى وهي عقدة المقارنات اللاهوتية بين الإسلام ولاهوته الأول، فيلصق بالإسلام كل هرطقة لاهوتية، ليقول للقارئ أنه لا فرق بين الإسلام وبين لاهوتي الأول ، فكلاهما وقع فيه التحريف والتبديل ، فإسلامكم الحقيقي هو إسلام القرآن ، ولكن المحدِثين حرفوه ، وأول تحريف له جعله ديناً لجميع البشرية،

فعن ( طريق التطوير المتضافر للمدونة الحديثية وللمدونة الفقهية ، وبالتالي للمؤسسة الإفتائية، بسلطة تشريعية لم يقر بها القرآن للرسول نفسه. وعلى هذا النحو تكون قد نصبت نفسها وسيطة بين الله وبين المؤمنين في كل ما جلّ ودقّ من شؤون حياتهم الدينية والدنيوية معاً، مع أن أهم ما يميز الإسلام القرآني عن غيره من الديانات المؤسسسة لنفسها في بنى كهنوتية وترتتيبات كنسية هو إلغاؤه لهذه الوساطة وتأسيسه للعلاقة بين الله والمؤمن في تواصلية مباشرة .[76])، ولم يذكر لنا كم من صكوك الغفران صرفها الإمام الشافعي والإمام أحمد !!

بل أبعد من ذلك يرى طرابيشي أن ما قام به الشافعي بإثبات وحي السنة يشبه عملية تنصيب المسيح إلهاً ابناً ممشاركاً في الجوهر للإله الأب، ولكن مع فارق ( فبدلاً من تأليه شخص الرسول، جرى تكريس المصدرية الإلهية لسنته- أو كلمته حسب التعبير المسيحي الوارث ل” اللوغوس” الإغريقي- .)[77]  ،وفي معرض رده على الإمام ابن حزم في إثبات وحي السنة، يقول : ( -أي بالاستعارة من اللاهوت المسيحي – ما دام الحديث ” مشاركاً في الجوهر ” للقرآن من حيث الماهية الوحيية.[78]).

ومن مقارناته : أن  ( الغلاة من أهل الحديث والسيرة والفقه ممن أخرجوا الرسول عن نطاقه البشري وأعطوه امتيازاً متعالياً على الشرط الإنساني يشبه أو يكاد – ذلك الذي أعطته المجامع الكنسية بعد تنصر الأمبراطورية الرومانية للمسيح عندما جعلت له طبيعتين : إلهية وبشرية [79].)، وهذه العقدة ذات طبيعة مزدوجة ، فهي تبرر من جهة ردته عن المسيحية ، وكذلك تبرر عدم دخوله في الإسلام، فكيف يدخل فيما فر منه بسبب تحريفه، فكلاهما تحرف ، ولكن المختلف طريقة التحريف ، فعلماء الحديث حرفوا الإسلام بتحويله من إسلام قرآني إلى إسلام حديثي، فيلزم طرابيشي أن يدخل في إسلام القرآن الذي لم يحرف ، ولكن العقل التخريجي لطرابيشي يقول : أن من جملة ما حرفه المحدِثون أنهم نقلوا الرسالة من الأمة العربية الأمية التي لا كتاب لها ، إلى العالمية، وهذا يجعل العقل التبريري لطرابيشي مرتاح الضمير، لكن اللوثة الأصولية ستبقى متجذرة في نفسه كما سيأتي بيانه .

وإذا حاولنا فك عُقد طرابيشي الكثيرة، تظهر أمامنا عقدة الراحل محمد عابد الجابري، وهي المحطة الخامسة من محطات طرابيشي الفكرية الانقلابية، ( في المحطّة الخامسة من حياتي سأتوقف عند عن علاقتي بـالراحل  محمد عابد الجابري  الّذي كرست له ربع قرن من عمري.[80])، فما علاقة الجابري بموضوع نفي عموم الرسالة المحمدية؟!و بموضوع التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، ومع ذلك يقحمه طرابيشي في كتابه في عدد من مباحثه ، مع أن معركته مع الجابري تتمحور حول مدى عقلانية العقل العربي، والمؤثرات في إقالته أو استقالته،و باستراتيجية خلط الأوراق، سيسيطر الجابري على المشهد مرة أخرى ، فبعد الحديث عن تعطيل السنة النبوية في الفصل الأول من الكتاب ، و تحول الرسالة من رسالة إلى الأميّين إلى رسالة للأمميّين في الفصل الثاني، يدخل في جدال حول عقلانية الإمام مالك وابن حزم وأبي حنيفة ووسطية الشافعي للرد على الجابري، فالعقلية النصية – بزعمه – ستبقى نصية سواءً من الكتاب الكريم أو من الحديث الشريف، فكيف انقلب الكتاب هذا الانقلاب بطريقة غير منهجية ، وكيف وقع مفكر كطرابيشي مؤلف عشرات الكتب بطريقة منهجية تميز كتبه من حيث الترتيب والانضباطية ، بهذه العشوائية واللامنهجية، إنه الهوس الجابري الذي أصابه ، وبقي يلاحقه ربع قرن من الزمان.!!

-تعميد الحداثة.

ويبقى السؤال الكبير : ما علاقة طرابيشي بمثل هذه القضية؟ هل غِيرة طرابيشي على القرآن وأهله جعلته يخوض غمار معركة خسرها من قبله الزنادقة ؟ كيف أدخل نفسه في قضية لاهوتية إسلامية – كما يصفها -؟ إنه اللاهوت الأول الذي زعم أنه ارتد عنه وعليه ، ولكنه يخرجه بثوبه الحداثوي.

ويبقى السؤال الكبير الآخر إذا كان طرابيشي قرآنياً أكثر من القرآنيين كما ظهر في عنوان كتابه ” من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، لماذا لم يعمل بما في القرآن ؟ ولماذا لم يعلن إسلامه ؟!! لقد كان طرابيشي من الحرفنة والذكاء الذي توقع مثل هذا السؤال في ذهن  القارئ، فكان جوابه جاهزاً؟ فالقرآن الكريم حق ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن إنما بعث للعرب غير الكتابيّين، فطرابيشي قرآني لأبعد الحدود، فهو ملتزم بما في القرآن ، والقرآن ينص – بزعمه- على أن الرسالة للعرب غير الكتابيين، وأما الكتابيين العرب من يهود ونصارى – وطرابيشي منهم – ، فجاءهم القرآن بصورة فرعية ، لا ليأتيهم بكتاب بديل من كتابهم ، بل ليصحح لهم ما حرفوه من الكتاب الذي أوتوه ، وليبطل مذهب من ذهب منهم على سبيل المثال إلى أن عزير أو المسيح هو ابن الله…..فكل ما هنالك أنهم مدعوون إلى العودة إلى كتابهم الأصلي [81] ،فهو يتمثل القرآن كما أراد القرآن !!

فحقق عدداً من الأهداف بقرآنيته المزعومة ،فنفى عموم الرسالة المحمدية لجميع البشرية ، و زوّر تاريخ المسلمين بذكر طائفة القرآنيين الموهومة،و هدم حجية السنة التشريعية ،وطعن بالأئمة الأربعة وعلماء الفقه والحديث، وأعمل منشاره -بحسب تعبيره- ذهاباً وإياباً بجميع طوائف الأمة ، فهي أمة كذب واختلاق، وطهر نفسه من ردته الأولى ، وأخيراً طبع قبلة الحياة على فكر ” اللاقرآنيين ” لإنعاشه من جديد في ثقافة المسلمين، مما يثير الفتن بين المسلمين، فلذلك صدقه أشباه العلمانيين والحداثيّين وبعض المساكين.

وخلاصة القول إن السنة النبوية ضرورة دينية، وهذا لا تقبله حداثة طرابيشي وأصوليته ، أو أصوليته وحداثته ، ولكن من غرر بهم من المسلمين – ولو كانوا حداثيين – ف( ليت شعري، كيف يتصور : أن يكون نزاع في هذه المسألة بين المسلمين؛ وأن يأتي رجل في رأسه عقل ، ويقول أنا مسلم، ثم ينازع في حجية السنة بجملتها؟ مع أن ذلك مما يترتب عليه عدم اعترافه بالدين الإسلامي كله أوله إلى آخره: فإن أساس هذا الدين هو : الكتاب، ولا يمكن القول – بأنه كلام الله – مع إنكار حجية السنة جملة: فإن كونه كلام الله، لم يثبت إلا بقول الرسول ( الذي ثبت صدقه بالمعجزة ) : ” إن هذا: كلام الله وكتابه .” وقول الرسول هذا من السنة التي يزعم : أنها ليست بحجة؛ فهل هذا: إلا إلحاد وزندقة، وإنكار للضروري من الدين : يقصد به تقويض الدين من أساسه؟ [82]).( ونحن في استدلالنا- على عقيدة دينية، أو حكم شرعي- من كتاب الله : إنما نستدل بالآية أو ببعضها؛ فلو لم يكن هذا القول من الرسول حجة : لما أمكننا الاستدلال بالآية أو ببعضها، ولا يخفى عليك : أن كون الآية أو بعضها من القرآن ، أصبح ضرورة دينية: لا يسع مسلماً إنكاره بحال. وكذا الاستدلال بشيء من ذلك على حكم شرعي.

وإذا كان هذان الأمران الضروريان، متوقفين على حجية السنة : كانت هي أيضاً ضرورة دينية. فكيف لمن يعتنق دين الإسلام : أن يُقدِم على إنكار حجيتها، أو الشك فيها؟![83]).

ومع هذا يصفه بعضهم ب الكبير فيكتب : (ما الذي يجعل جورج طرابيشي كبيراً)[84]، فطرابيشي(لم يركن إلى الحقائق المغلّفة، ولا الرؤى الجاهزة، بل كان ثائراً، حتى على ما يطرحه هو، وهذا النقد المتواصل، وعدم الركون إلى المغلف من الرؤى،وعدم الاطمئنان إلى سلامة الأفكار التي يعيش المرء عليها، هو ما ميز طرابيشي، الذي نقد نفسه، فتجدد، وكرر الأسئلة على منهجه، فتفوق، وهذا ما يصنع الكبار، ويبقي الصغار صغاراً في الفكر والثقافة.

آمن طرابيشي بالكتابة متنفّساً، وسبيلاً لتغيير أفكار المجتمع، وطبقاته المتكلّسة…)، لكن الحقائق الأصولية المغلفة رجع إليها طرابيشي ، وكيميائية الانقلابات الفكرية وثورته النقدية لم تكلسه فحسب بل حنطته برجوعه إلى لحظة الانقلاب الأول ، حتى يخيل لك وأنت تقرأ ما كتبه عن رسول العرب غير الكتابيّين ، أنك تقرأ كتاباً لاهوتياً في القرون الوسطى ، ولكن بصبغة حداثية ، أو على طريقة طرابيشي تعميد الحداثة ، فهذا هو كبيرهم.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

[1] كما قال جورج طرابيشي في مقدمته لكتاب ، المثقفون العرب والتراث ( التحليل النفسي لعصاب جماعي)، مكتبة رياض الريس ، لندن ، الطبعة الأولى 1991م. ص 9.

[2]  ضربت سوريا رقماً قياسياً في عدد الانقلابات في فترة زمنية قصيرة منذ 1949 إلى 1970 م .

[3] طرابيشي : جورج طرابيشي ، هرطقات 2 ، دار الساقي ، بيروت ، الطبعة الأولى 2008 ، ص 7 .

[4] انظر : طرابيشي ، المثقفون العرب والتراث ( التحليل النفسي لعصاب جماعي)، مكتبة رياض الريس ، لندن ، الطبعة الأولى 1991م.

[5] طرابيشي : جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث النشأة المستأنفة ،دار الساقي ، بيروت ، الطبعة الأولى 2010م ، ص 85.

[6]  المصدر السابق ص 89 .

[7] المصدر السابق ص 90 .

[8] المصدر السابق ص 98

[9]  من إسلام القرآن ص 87

[10] وهي المحطة الأولى في حياة طرابيشي ، حيث قال : (ومن ذلك اليوم كففت عن أن أكون مسيحياً.) ، انظر آخر مقال له : طرابيشي : ست محطات في حياتي ، بتاريخ 23 / 2 / 2015 م، موقع الأثير الإلكترونيhttp://www.atheer.om/archives/11257

[11] طرابيشي : هرطقات 2 ، دار الساقي ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2008 ، ص 8.

[12] من إسلام القرآن ص 194

[13] المصدر السابق ص 195.

[14] من إسلام القرآن ص 272.

[15] من إسلام القرآن ص 295 .

[16] المصدر السابق ص 296.

[17] المصدر السابق . ص 296 .

[18] المصدر السابق ص 387 .

[19] من إسلام القرآن ص 478- 479 .

[20] من إسلام القرآن ص 103.

[21] من إسلام القرآن ص 105.

[22] المصدر السابق ص 105.

[23] من إسلام القرآن ص 106

[24] طرابيشي : ست محطات في حياتي ، بتاريخ 23 / 2 / 2015 م، موقع الأثيرالإلكترونيhttp://www.atheer.om/archives/11257

[25] المصدر السابق ص 483 .

[26] من إسلام القرآن ص 488 .

[27] المصدر السابق ص 491.

[28] من إسلام القرآن ص 493.

[29] المعجزة أو سبات العقل المسلم ، دار الساقي ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2008 ، ص 168، لكن لم يقل لنا طرابيشي من الذي سماهم بهذا المصطلح!!

[30]  من إسلام القرآن ص 296.

[31] من إسلام القرآن ص 94

[32] من إسلام القرآن ص 94

[33] من إسلام القرآن ص 101.

[34] أورده السيوطي في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ، تحقيق د سراج الدين حنيف ، دار القرآن والسنة ، الطبعة الثالثة 2006 م ، ص 91، وعزاه المحقق للشريعة للآجري ، والخطيب البغدادي في الكفاية ، ودلائل النبوة ، وفي هذا الكتاب من الأقوال والمواقف التي لا تحصى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء الراشدين ، والصحابة والتابعين وأئمة الدين من الأئمة الأربعة وغيرهم في إثبات حجية السنة كما أثبتها القرآن الكريم، فهي من المسلمات البديهية في فكر الأمة .

[35] المصدر السابق ص 63 .

[36] انظر ترجمته : ابن حجر ، الإصابة في تمييز الصحابة ، تحقيق عادل عبد الموجود وآخرون، دار الكتب العلمية ، بيروت ،الطبعة الأولى ، 1995 م ، ( 4 / ص 585 )

[37] من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث ص 10

[38] المصدر السابق ص 11

[39]  انظر : طرابيشي ، من إسلام القرآن ص 218.

[40] من إسلام القرآن ص 186 .

[41] ص 109.

[42] ص 273.

[43] من إسلام القرآن ص 276

[44] من إسلام القرآن ص 289

[45] ص 173.

[46] من إسلام القرآن ص 186 .

[47]  انظر : من إسلام القرآن ص 187

[48]  من إسلام القرآن ص 187.

[49] عبد الخالق : عبد الغني عبد الخالق، حجية السنة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار الوفاء ، القاهرة ، سلسلة قضايا الفكر الإسلامي (1)، دون سنة الطبع، ص 255.

[50] نقله في حجية السنة ص 258، وانظر : الخضري ، محمد بك الخضري ، تاريخ التشريع الإسلامي، دار الفكر، القاهرة ، الطبعة الثامنة ، 1967 م ، من ص 153 – إلى ص 155.

[51] المصدر السابق ص 258

[52] المصدر السابق ص 260.

[53] انظر :حجية السنة ص 261.

[54] المصدر السابق ص 267.

[55] الأصول الخمسة ، القاضي عبد الجبار بن أحمد الأسد أبادي، تحقيق فيصل عون ، منشورات جامعة الكويت ،1998 م ، ص 98.

[56] حجية السنة ، ص 268 ، وانظر : قول ابن قتيبة : تأويل مختلف الحديث ، تحقيق سليم الهلالي ، دار ابن القيم ، الرياض ، الطبعة الثانية ، 2009 م، ص 41.

[57]  من إسلا القرآن ص 391

[58]  من إسلام القرآن ص 399- 400.

[59] من إسلام القرآن ص 186 .

[60]  من إسلام القرآن ص 187.

[61] نقله الشيخ عبد الغني عبد الخالق في حجية السنة ، ص 255، وهو في الإحكام في أصول الأحكام، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، 1983م  ( 2 / 80 )

[62] ابن حزم : الإحكام في أصول الأحكام ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، 1983م  ( 2 / 76 )

[63] السيوطي : مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ، تحقيق د سراج الدين حنيف ، دار القرآن والسنة ، الطبعة الثالثة 2006 م ، ص 92.

[64] المصدر السابق ص 57

[65] السيوطي : ص 59

[66]  انظر : السيوطي ص 59

[67] طرابيشي : المعجزة أو سبات العقل المسلم. ص 183.

[68] من إسلام القرآن ص 188، كما اتهمهم بوضع حديث ” تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله “، انظر : من إسلام القرآن ص 219.

[69] الإحكام في أصول الأحكام، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، 1983م ، ( 2 / 79 )

[70] جامع بيان العلم وفضله ، تحقيق أبو الأشبال الزهيري ،دار ابن الجوزي – الدمام، الطبعة الأولى ، 1994م ، ( 2 / 1191 ).

[71] المصدر السابق، وأشار المحقق لقول الإمام ابن بطة عن الحديث.

[72] الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ، تحقيق رضا معطي ، دار الراية ، الرياض ، 1994 م ، الطبعة الثانية، ( 2 / 266 )

[73] انظر : طرابيشي ، المثقفون العرب والتراث ( التحليل النفسي لعصاب جماعي)، ص 10

[74] طرابيشي : ست محطات في حياتي ، بتاريخ 23 / 2 / 2015 م، موقع الأثير الإلكترونيhttp://www.atheer.om/archives/11257

[75]  وللأسف صفق المصفقون لهذا الكتاب بما أسرهم به طرابيشي بأسلوبه الأدبي، وتحليل لكتب التراث ، حتى قال أحدهم : إنه يفهم في الإسلام أكثر من أعلم عالم دين !!، ولم ينتبه المسكين ما غاية طرابيشي من كتابه : نفي عموم رسالة الإسلام للبشرية ، وقال أستاذ في العلم الشرعي : أوافق طرابيشي في كثير مما قاله !!

[76] من إسلام القرآن ص 103.

[77] من إسلام القرآن ص 195.

[78] من إسلام القرآن ص 372.

[79]  من إسلام القرآن ص 477 في الهامش .

[80] طرابيشي : ست محطات في حياتي ، بتاريخ 23 / 2 / 2015 م، موقع الأثير الإلكترونيhttp://www.atheer.om/archives/11257

[81] انظر : طرابيشي ، من إسلام القرآن ، هامش ص 92.

[82] عبد الغني عبد الخالق ، حجية السنة ص 249 – 250.

[83] عبد الغني عبد الخالق ، حجية السنة ، ص 250

[84] تركي الدخيل : صحيقة البيان الإماراتية ، http://www.albayan.ae/opinions/articles/2016-03-09-1.2590632.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

السلفية والشُّروخُ التي لا تُسد -هل أشعلتِ السَّلَفية فتيلَ الفتنةِ في الأُمَّة وفرَّقت بينَ المسلمين؟!-

لا يخفى على أحدٍ ما تعيشُه الأمّة الإسلاميةُ من حالةٍ بائسةٍ لا تسرُّ صديقًا ولا تغيظ عدوًّا، فالخلافات بين النُّخب الفكرية في الأمة بلغت أوجَها حتى صارت سفينة الأمَّة تتلاعب بها الرياحُ وسط أمواجٍ عاتيةٍ في بحر متلاطم، وليس هناك من يقود هذه السفينة إلى بَرِّ الأمان، وكلّ من يمرِّرُ بصره على حال الأمة لن […]

نظَّارات الحداثة: من تقنيات الحداثيين في قراءة النصوص الشرعية والتراثية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة المتابع للمنتَج الفكري الحداثي يستطيع بسهولةٍ ملاحظةَ المحاولات الدؤوبة التي يبذلها الحداثيون العرب؛ للولوج عبر الكتابات الفكرية بحمولة مصطلحية ومجموعة مفاهيم خاصّة لكل واحد منهم، والعمل على اصطحاب تلك المفاهيم وضخِّها في مصنفاتهم بشكلٍ استعراضي خاصّ، وبشكل ربما يخالف قواعد اللغة والمعاني الأساسية المعروفة من تلك الكلمات؛ لخَلْق […]

الحداثة… جمود وتخلّف ورجعية

نشب خلافٌ بين الملك والبابا في بعض المسائل الإصلاحية، فضاق الملك ذرعًا بتدخّل البابا في بعض تعييناته، واتَّسعت هوة الخلاف بينهما حتى وجَّه البابا رسالة شديدةَ اللهجة إلى الملك في أواخر عام 1075م، هدَّده فيها بالحرمان وخلعِه من منصب الإمبراطورية إذا لم يقم بالتوبة والخضوع، فردَّ الملكُ من جانبه بعقد مجمع لأساقفة إيطاليِّين معارضين للبابا […]

تناقضات خصوم السلفيّة والهروب من الواقع

 لا يوجد حِراك علميٌّ في عصرنا الحديث عانى من الظلم والجور والتمييز مثل ما عانت السلفيَّة من خصومها، حتى إنَّ العقلاء من خصومِها وأربابَ العدل إذا تعلَّق الأمر بالسلفية استعاروا عقولَ غيرهم، وفكَّروا برؤوسٍ مشوهة كأنما لم يخلقها الله على أجسادِهم، وما ذاك إلا تماديًا في الظلم والتنازل عن ميثاق شرف الخصومة الثقافيَّة الذي يمنع […]

حديث: “سجود الشمس تحت العرش” وردّ شُبَه العقلانيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5]، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد الذي جعل الله تعالى “أمره ظاهرًا فيما جاء به من الحق، […]

الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟

ظلَّ ملفُّ تطبيق الشريعة مغلَّقًا ردحًا من الزمن، فلم تكن الشبهاتُ تورَد عليه بمجملِه إلا ما كان على بعض الحدود دونَ بعض، وما إن أعلن أتاتورك جمهورية تركيا العلمانية الحديثة حتى فُتح هذا الملف الذي كان مخبوءًا في سراديب الذاكرة العلمانية، فطُرح بقوة، ونوقش من كافَّة الطوائف الدينية، ولا زال الجدال فيه قائمًا بين الاتجاهات […]

ترجمة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ([1]) اسمه ونسبه ونسبته: هو: الطيِّب بن محمَّد بن إبراهيم بن الحاج صالح العُقْبيُّ. وإلى جدِّه صالح ينسب كلُّ فردٍ من أسرته، فيقال: “ابن الحاج صالح”. والعقبيُّ: نسبة إلى بلدة “سيدي عُقبة” التي تقع بولاية بسكرة، والتي قدِم إليها أحدُ أجداده واستقرَّ بها. ويعود نسبه في الأصل […]

حديث الإسراء والمعراج والرد على المتهوكين فيه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمن الحق الواجب اعتقاده أنه قد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة من مكة إلى بيت المقدس في فلسطين، ثم عرج بشخصه صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم حيث شاء الله تعالى من العلا، وهما -أي: رحلتا […]

ما هكذا يُدرَّس علم التَّفسير!

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا قال الشَّيخ العلامةمحمد البشير الإبراهيمي في حفل ختم رفيق دربه الإمام عبد الحميد ابن باديس -رحمهما اللَّه- تفسيره لكتاب اللَّه سنة (١٩٣٨م): “هذا هو اليوم الذي يختم فيه إمام سلفي تفسير كتاب اللَّه تفسيرًا سلفيًا ليرجع المسلمون إلى فهمه فهمًا سلفيًا، في وقتٍ طغتْ فيه المادة على الروح ولعب فيه […]

بين الأسماء الإلهية والأركونية للقرآن الكريم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة “فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن. والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليُحطم ما تحته”([1]). هذا كان […]

مسجد الخيف ومحاولات التشغيب لدى القبوريّين

جاءت أحاديث كثيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم تنهى عن الصلاة إلى جهة القبر، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلُّوا إلى القبور»([1])، بل شدّد صلى الله عليه وسلم في ذلك تشديدًا عظيمًا؛ حتى وصف من يفعل ذلك بأنهم شرار الخلق، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017