الجمعة - 25 ربيع الأول 1441 هـ - 22 نوفمبر 2019 م

تفاضل الصفات: مبحث في دلالة الألفاظ ورد التأويل

A A

 

كلُّ موصوف بصفات لا بدّ أن تتفاوت في حقِّه بحسب الغرضِ منها، وما يدل عليه الوضع اللغويّ لها، وما تتحمله الكلمة في سياق معيَّن، ومبحث الصفات الإلهية من المباحث التي خفضت فيها الفرق الإسلامية ورفعت بين منكرٍ لها ومثبتٍ ومتأوِّل، ومن الأمور التي تنازع الناس فيها قديمًا قضية تفاضل الصفات بعضِها على بعض.

وقد نازع في هذا بعض المتكلمين، وحملوا كلام أئمة السّلف على المنع من تفضيل الصفات فيما بينها، وجعلوا التفاضل لا يقع إلا بين المخلوقات، وأن التفضيل يلزم منه التنقيص، والصفات بالنسبة للباري سبحانه وتعالى واحدة، وقد رام أصحاب هذا القول من خلاله تأويل الصفات، وبعضهم التزم بأصله في نفي الصفات، فرفض بناءً على ذلك تفاضلها، فالأشاعرة حين جعلوا الكلام معنًى قائمًا بالذات، وجعلوه قديمًا ليس فيه حادث، فإنَّه أشكل عليهم وجود بعض الآيات التي تدلّ على أنّ بعضه أفضل من بعض، فلزمَهم أن يحملوها على معنى معيَّن، وأنَّ هذا بالنسبة للأجر، أما الصفة ففي نفسها لا تتفاضل، وكون القرآن أفضل من التوراة وفيه ما ليس في التوراة مع أن الجميع كلام الله فهذا أيضا مشكل، والصحيح أن الصفات تتفاضل فيما بينها، والصفة المفضولة ليست صفة نقص بل هي صفة كمال، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، قال عليه الصلاة والسلام: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي»([1])، قال ابن تيمية رحمه الله: “وصف رحمته بأنها تغلب وتسبق غضبه، وهذا يدل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها”([2]).

 وقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»([3])، قال شيخ الإسلام: “وأما استعاذته به منه فلا بد أن يكون باعتبار جهتين: يستعيذ به باعتبار تلك الجهة، ومنه باعتبار تلك الجهة، ليتغاير المستعاذ به والمستعاذ منه؛ إذ إن المستعاذ منه مخوف مرهوب منه، والمستعاذ به مدعوٌّ مستجار به ملتجأ إليه، والجهة الواحدة لا تكون مطلوبة مرهوبا منها، لكن باعتبار جهتين تصح”([4])، “ومعلوم أنَّ المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه”([5]).

والأشعري وإن كان مذهبه في الكلام عدم تفاضل الصفات؛ فإن هذا المذهب لم يطرده في جميع أقواله، بل يرى تفاضل الصفات فيما بينها، وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب الأشعري في المسألة فقال: “النقل عن الأشعري في نفي تفاضل الصفات غير محرر، فإن الأشعري لم يقل: إن الصفات لا تتفاضل، بل هذا خطأ عليه، ولكن هو يقول: إن الكلام لا يدخله التفاضل كما لا يدخله التماثل؛ لأنه واحد عنده لا لما ذكر، وأما الصفات المتعددة فإنه قد صرح بأنها ليست متماثلة، ومذهبه أن الذات ليست مثل الصفات، ولا كل صفة مثل الأخرى، فهو لا يثبت تماثل المعاني القديمة عنده، فكيف يقال على أصله ما يوجب تماثلها، وإذا امتنع من إطلاق التفاضل فهو كامتناعه من إطلاق لفظ التماثل، وكامتناعه من إطلاق لفظ التغاير. وفي الجملة فمن نقل عنه أنه نفى التفاضل وأثبت التماثل فقد أخطأ؛ لكن قد لا يطلق لفظ التفاضل كما لا يطلق لفظ التماثل، لا لأن الصفات متماثلة عنده؛ بل هو ينفي التماثل لعدم التعدد، ولعدم إطلاق التغاير كما يقال: هل يقال: الصفات مختلفة أم لا؟ وهل هي متغايرة أم لا؟ وهل يقال في كل صفة: إنها الذات أو غيرها أو لا يجمع بين نفيهما وإنما يفرد كل نفي منهما أو لا يطلق شيء من ذلك؟ فهذه الأمور لا اختصاص لها بهذه المسألة مسألة التفضيل”([6]).

وقد جنح الغزالي -رحمه الله- وهو من أساطين الأشعرية إلى القول بتفاضل الصفات فيما بينها، بل وتفاضل الكلام، وجعل عدم العلم بذلك دليلا على طمس البصيرة، كما بين جهة التفضيل فقال رحمه الله: “لعلك تقول: قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض القرآن على بعض، والكل قول الله تعالى، فكيف يفارق بعضها بعضًا؟! وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟! فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد، فقلِّد صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقد دلّت الأخبار على شرف بعض الآيات، وعلى تضعيف الأجر في بعض السور المنزلة”([7]).

والقاعدة في الباب: أن كلام الله يتفاضل بحسب المخبَر عنه، فإذا كان المخبر عنه هو رب العالمين فإن الكلام بهذا الاعتبار أفضل من غيره، وإذا كان المخبر عنه أهل الجنة وأهل النار فإنه يتفاضل من هذه الحيثية، وهذا أمر معروف مطروق عند أهل العلم([8]).

وقد قال الله عز وجل: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون} [الزمر: 55]. فدلَّ على أن فيه حسنا وأحسن.و

القاعدة في هذا الباب أيضًا عدم التكلف، وإحسان الظن برب العالمين وبكتابه، والتَّبَيُّن من مراده سبحانه، كما أنه لا يمكن العدول عن ظاهر نصوص الوحي إلى ما تمليه محالات العقول ومحاراتها؛ بل الأصل المتمسك به هو الظاهر، ولازم الوحي الصحيح لازم؛ لأن الله بكل شيء عليم، ولا يعجزه شيء، فلو أراد معنى لم يعجزه التعبير عنه، فكل معاني القرآن مرادة، وما كان مشكلا بينه النبي صلى الله عليه وسلم، وما ليس كذلك فقد بقي على حاله، لكن من كان في قلبه أدنى شك وريب من الكتاب؛ فإنه يقع له من الانحراف عن الحق بقدر ما في قلبه، وأما المؤمنون فإن الوحي لا يزيدهم إلا إيمانا.

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه البخاري (3194).

([2]) جواب أهل العلم والإيمان (ص: 90).

([3]) أخرجه أبو داود (1427).

([4]) جواب أهل العلم والإيمان (ص: 90).

([5]) المصدر نفسه (ص: 90).

([6]) مجموع الفتاوى (17/ 157).

([7]) جواهر القرآن (ص: 62).

([8]) ينظر: الإتقان في علوم القرآن (2/ 192).

رد واحد على “تفاضل الصفات: مبحث في دلالة الألفاظ ورد التأويل”

  1. يقول عبدالله:

    اشكر لكم جهودكم المبذولة في هذا الصدد ..
    ولكني اتمنى ان تتطرق بحوثكم الشأن العام والداخلي الاسلامي الدارج في مثل الوقت ..
    تغيير الهوية الإسلامية بطرق جديدة مغايرة لمنهج السلف الصالح ..
    ودمتم بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض ونقد لكتاب: السلفية وأثرها في تشتيت الأمة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمّة: مكثتُ زمنًا طويلًا أتابع السجالَ الواقعَ بين سعيد فودة وخصومِه، وكنتُ في بعض الأحيان أقرأ الردَّ عليه ولا أقف على كلامِه، فأتعاطفُ معه لعلمي بتجوُّز الناس في هذا الزمان في البحث العقدي ونسبتهم للشخص لازم قوله، وولوعهم بتتبّع الزلات وتصيُّد العثرات إلا من رحم الله تعالى، فلا تزلّ […]

ميراثُ فاطمةَ رضي الله عنها مِن أرْضِ فدَك .. تحقيقاتٌ وأنظار

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثُرَ في الآونةِ الأخيرةِ الحديثُ حول قصَّةِ أرض فدك، والتي يدَّعي فيها المدَّعونَ أنها حقٌّ للسَّيدةِ فاطمةَ رضي الله عنها مِن إرث أبيها صلى الله عليه وسلم، وشنَّعوا فيها كثيرًا على أصحابِ النبي صلوات الله وسلامه عليهِ.  وفدكٌ أرض للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أرضِ خيبرَ، ومن […]

مفهوم الطائِفة بين القرآن والإِسقاطات الخاطئةِ

استخدَم القرآنُ الكريم لفظَ الطائفة استخدامًا لغويًّا، فلم يحدِّد لها معنًى يخصُّها تكون به سلبيَّة أو إيجابيَّة، وإنما جُلُّ استخدامِه لها أنها تعني الجماعةَ منَ الناس اجتَمَعُوا على الخير أو على الشَّرِّ، ويأتي المدحُ أو الذَّمُّ بناءً على طبيعة الاجتماع. ويمكن إجمالُ معاني الطائفةِ في القرآن بحسب الاستخدام في ثلاثة معان: المعنى الأول: إطلاق الطائفة […]

مقوِّمات السلفية المعاصرة.. وقفة مع متَّهمي السلفيّة بامتهان الوعظ والبُعد عن المنهج العلميّ الرصين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    تمهيد: لم تزل الأصواتُ تعلو بنقدِ السلفية واتهامها حتى صارت مزعجةً لمن صدرت عنهم، وصارت أقرب إلى الصُّراخ والعويل منها إلى صوتِ العلم والعقل، وآل الناسُ في السلفية إلى أمر مريج، وقولٍ مختلف لا يتميَّز فيه حقٌّ من باطل، وحَسْبُ الناكثين عن الحقِّ المصرِّين على الحنث العظيم أن […]

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017