الأربعاء - 02 شعبان 1447 هـ - 21 يناير 2026 م

السلفية ليست رديفا للظاهرية

A A

السّلفية تعني اتِّباع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وهي بهذا المعنى تمثّل الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتَمَثَّلَهُ الصحابة -رضون الله عليهم- في تصرفاتهم وواقع حياتهم. ومن نافلة القول أن يؤكَّد على أسبقيتها للمذاهب الفقهية أيًّا كانت، فقد كان الأئمة -رضوان الله عليهم- على منهج الصحابة في الفقه والتفقُّه، لم يخرجوا عنهم في شيء من ذلك، بل كانوا يعدُّون الخروج عن منهج الصحابة من الضلال.

 وقد ساعد اطِّلاع الأئمة على مذاهب الصحابة وفتاواهم على تشكيل رؤية علمية متكاملة عندهم عرفت فيما بعد بالمذهب الذي هو عبارة عن طريق الاستنباط التي يتبعها الإمام في فتواه واستدلالاته؛ ولهذا عظّم الناس الأئمة واتّبعوهم، فلم يكن أحد من العلماء -سواء من المعتنين بالفقه أو الحديث- يرى في التمذهب بمذهب إمام من الأئمة منقصةً أو مخالفةً، فاتبعوا مذاهبهم واستدلّوا لها ونصروها؛ فهذا الإمام ابن عبد البر -وهو إمام من أئمة الحديث، ومن أكثر من تكلم عن التقليد ونبذه في كتابه “جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في رواية وحمله”- قد ألف كتابا في نصرة مذهب الإمام مالك وقال عنه: “فإن بعض إخواننا من أهل الطلب والعناية والرغبة في الزيادة من التعلم سألني أن أجمع له كتابًا مختصرًا في الفقه يجمع المسائل التي هي أصول وأمّهات لما يبنى عليها من الفروع والبينات في فوائد الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام يكون جامعًا مهذَّبا، وكافيًا مقرَّبًا، ومختصرا مبوَّبًا، يستذكر به عند الاشتغال، وما يدرك الإنسان من الملال، ويكفي عن المؤلفات الطوال، ويقوم مقام المذاكرة عند عدم المدارسة، فرأيت أن أجيبه إلى ذلك؛ لما رجوت فيه من عون العالم المقتصر ونفع الطالب المسترشد؛ التماسا لثواب الله عز وجل في تقريبه على من أراده، واعتمدت فيه على علم أهل المدينة، وسلكت فيه مسلك مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس رحمه الله”([1]).

وكذا ابن تيمية رحمه الله، فقد كان حنبليًّا لا يجد غضاضة في الانتساب للمذهب وتسمية أهله بالأصحاب([2]). وإمام المحدثين الحافظ ابن رجب الحنبلي كان منتسبًا لمذهب الإمام أحمد، والحافظ الذهبي من أئمة الشافعية، وقد نص على اتباع المذاهب وتبنِّيها، وبيَّن المصلحة في ذلك فقال: “ولم يبقَ اليومَ إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلا عن أن يكون مجتهدًا، وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاث مئة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقي مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربع مئة”([3]).

فلم تكن السلفيّة في أيّ مرحلة من مراحها تشكِّل بديلًا عن المذاهب ولا عداءً لها، ولا كانت قسيمًا للمذاهب الفقهية الأربعة، فقد امتاز المنهج السلفي بجعل التمذهب نوعًا من الترقّي الواعي في إدراك النصوص الشرعية والطريق إلى الاجتهاد، كما اعتبر التمذهب أداةً لحصر الأقوال المعتبرة في الشريعة مع المحافظة على الأصل في ترتيب الأدلة، وهو أن الأصل المتبع هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس ثم ما شهدت به قواعد الشرع والأصول المعتبرة، وتتمّ محاكمة الإمام إلى قواعده وأصوله التي عُهِدَ منه تبنّيها في الاستدلال، فلا يمكن جعل قوله حاكمًا على أصله وقاعدته، وهذا عين ما يفعله أتباع المذاهب من غير السلفيين، فليست كل أقوال الإمام متَّبعة عندهم ولا معتمدة، لكن الفرق بينهم وبين السلفيّين أن السلفيين يتركون قول الإمام عن وعيٍ واجتهاد، بينما غيرهم قد يتركه إلى قول آخَر دونه أو أنزل منه.

كما أنَّ التمذهب كوسيلة علميّة يتبنّاها العالم وطالب العلم ليس رديفًا للتقليد الذي هو حالةٌ تخصُّ العاميَّ ومنقصة في حقّ المشتغلين بالعلم، وهذه ميزة أخرى تميَّز بها أتباع المنهج السلفي حين جعلوا التمذهب طريقًا للترقّي الواعي في مراتب الاجتهاد، وليس أثقالًا توضَع على كاهل الشخص لتُقعِده عند مرحلة التقليد فلا يرتفع إلى سماء بعدها، وأكبر دليل على ذلك واقع علماء السلفية قديمًا وحديثًا، فكلّهم كانوا متمذهبين، وكلُّهم كانوا رافضين للتقليد، فهذا ملمح ينبغي التنبه له، والمعاصرون من السلفية دعَوا لنبذ التقليد، ولم يدْعُوا للخروج عن المذاهب، وأكبر شاهد على ذلك مؤلّفاتهم، فهذا مفتي شنقيط وعلامة قطره الإمام بداه بن البصيري الشنقيطي ألَّف في نبذ التقليد، ولكنه لم يدعُ إلى ترك المذهب، وهو علامة سلفيٌّ شهير، ويمكن لكلّ محب للاطلاع أن يراجع كتابه الموسوم بـ: “أسنى المسالك في أن من علم بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك”([4])، وقبله العلامة السلفي باب ولد الشيخ سيديا صاحب كتاب “إرشاد المقلّدين عند اختلاف المجتهدين”، وكذلك العلامة ابن عثيمين فهو عالم سلفيٌّ معاصر كان مهتمًّا بكتب المذهب الحنبلي وشرحها، واستنبط منها، ولم يكن يعاديها.

لكن المشكلة نشأت عند بعض خصوم السلفية من جهة أنهم جعلوا تمظهرات الظاهرية عند بعض المعاصرين هي ميزة السلفية، وبدؤوا يحطّون عليها كلَّ ما يمكن أن يحطّ على الظاهرية، والحقيقة أن الظاهرية وإن كانت لا تناقض السلفية من كل الوجوه إلا أنها ليست رديفة لها، وقد عجبت من بعضهم حين يصم السلفية ويقول: إنها تصدم ببعض الآراء الفقهية لأئمة المذاهب وذلك لحصرها طريقةَ التفقه في كتب السيد السابق وجماعته، مع العلم أن كتاب “فقه السنة” على جلالته لم يحظ بكل هذا الاعتناء من السلفيين، بل المدرسة التي يشير إليها المؤلف قام رمزها محدِّث العصر محمد ناصر الدين الألباني بتخريج أحاديث الكتاب؛ مما أغاظ حتى مؤلِّفَه، وهذا دليل على أنهم لم يأخذوا كلَّ ما فيه بعين الرضا، وعجبي لا ينقضي أن يصم هذا الرجل السلفية بقلّة الاطلاع وهمُ الذين حقَّقوا كتب الفقه وكتبَ الحديث ممَّا لم يكن للمقلِّدة بها علم ولا لآبائهم، فكيف يصدمون وهم من انفتحوا على تراث السلف وطالبوا بالجمع بين علم المتقدمين والمتاخرين؟!

وخلاصة الأمر: أن الحكم على حراك علميٍّ واسع وممتدّ عبر التاريخ بمظاهر جانبية عند بعض منتسبيه لا يخلو من كسل معرفيّ وفجور في الخصومة، ليس له من مبرر إلا التحمس للنقد ونشوة الانتصار للمذهبية المتوهَّم، فلا توجد معركة حقيقيّة بين السلفية والمذهبية، وإنما توجد هزيمة نفسية عند بعض خصوم السلفية، وسلوك خاطئ عند بعض أتباع السلفية.

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 137).

([2]) ينظر: مجموع الفتاوى (20/ 202).

([3]) سير أعلام النبلاء (7/ 177).

([4]) ينظر: أسنى المسالك (ص: 120).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة استكمالًا للجزء الأول الذي بيَّنَّا فيه إمامة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنزلتَه عند المتأخرين، وأن ذلك قول جمهور العلماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة صنَّفوا فيه التصانيف من كثرة الثناء عليه وتعظيمه، وناقشنا أهمَّ المسائل المأخوذة عليه باختصار وبيان أنه مسبوقٌ بها، كما بينَّا أيضًا […]

لماذا يوجد الكثير منَ المذاهِب الإسلاميَّة معَ أنَّ القرآن واحد؟

مقدمة: هذه الدعوى ممَّا أثاره أهلُ البِدَع منذ العصور المُبكِّرة، وتصدَّى الفقهاء للردِّ عليها، ويَحتجُّ بها اليومَ أعداءُ الإسلام منَ العَلمانيِّين وغيرهم. ومن أقدم من ذكر هذه الشبهة منقولةً عن أهل البدع: الإمام ابن بطة، حيث قال: (باب التحذير منِ استماع كلام قوم يُريدون نقضَ الإسلام ومحوَ شرائعه، فيُكَنُّون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين […]

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   يُعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كبار علماء الإسلام في عصره والعصور المتأخِّرة، وكان مجاهدًا بقلمه ولسانه وسنانه، والعصر الذي عاش فيه استطال فيه التتار من جهة، واستطالت فيه الزنادقة وأصحاب الحلول والاتحاد والفرق الملحِدة من جهةٍ أخرى، فشمَّر عن ساعديه، وردّ عليهم بالأصول العقلية والنقلية، […]

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يفتقِر كثيرٌ من المخالفين لمنهجية الحكم على المناهج والأشخاص بسبب انطلاقهم من تصوراتٍ مجتزأة، لا سيما المسائل التاريخية التي يكثر فيها الأقاويل وصعوبة تمييز القول الصحيح من بين ركام الباطل، ولما كانت الشبهات حول تاريخ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كثيرة ومُتشعبة رأيت أن أضع قواعد عامة […]

تَعرِيف بكِتَاب (مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح. اسم المؤلف: أ. د. عبد الله بن عمر الدميجي، أستاذ العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى في دار الهدي النبوي بمصر ودار الفضيلة بالرياض، عام 1436هـ/ 2015م. […]

الحالة السلفية عند أوائل الصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: تعدَّدت وجوه العلماء في تقسيم الفرق والمذاهب، فتباينت تحريراتهم كمًّا وكيفًا، ولم يسلم اعتبار من تلك الاعتبارات من نقدٍ وملاحظة، ولعلّ أسلمَ طريقة اعتبارُ التقسيم الزمني، وقد جرِّب هذا في كثير من المباحث فكانت نتائج ذلك محكمة، بل يستطيع الباحث أن يحاكم الاعتبارات كلها به، وهو تقسيم […]

تغاريد سلف