الخميس - 15 ذو القعدة 1440 هـ - 18 يوليو 2019 م

السلفية ليست رديفا للظاهرية

A A

السّلفية تعني اتِّباع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وهي بهذا المعنى تمثّل الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتَمَثَّلَهُ الصحابة -رضون الله عليهم- في تصرفاتهم وواقع حياتهم. ومن نافلة القول أن يؤكَّد على أسبقيتها للمذاهب الفقهية أيًّا كانت، فقد كان الأئمة -رضوان الله عليهم- على منهج الصحابة في الفقه والتفقُّه، لم يخرجوا عنهم في شيء من ذلك، بل كانوا يعدُّون الخروج عن منهج الصحابة من الضلال.

 وقد ساعد اطِّلاع الأئمة على مذاهب الصحابة وفتاواهم على تشكيل رؤية علمية متكاملة عندهم عرفت فيما بعد بالمذهب الذي هو عبارة عن طريق الاستنباط التي يتبعها الإمام في فتواه واستدلالاته؛ ولهذا عظّم الناس الأئمة واتّبعوهم، فلم يكن أحد من العلماء -سواء من المعتنين بالفقه أو الحديث- يرى في التمذهب بمذهب إمام من الأئمة منقصةً أو مخالفةً، فاتبعوا مذاهبهم واستدلّوا لها ونصروها؛ فهذا الإمام ابن عبد البر -وهو إمام من أئمة الحديث، ومن أكثر من تكلم عن التقليد ونبذه في كتابه “جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في رواية وحمله”- قد ألف كتابا في نصرة مذهب الإمام مالك وقال عنه: “فإن بعض إخواننا من أهل الطلب والعناية والرغبة في الزيادة من التعلم سألني أن أجمع له كتابًا مختصرًا في الفقه يجمع المسائل التي هي أصول وأمّهات لما يبنى عليها من الفروع والبينات في فوائد الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام يكون جامعًا مهذَّبا، وكافيًا مقرَّبًا، ومختصرا مبوَّبًا، يستذكر به عند الاشتغال، وما يدرك الإنسان من الملال، ويكفي عن المؤلفات الطوال، ويقوم مقام المذاكرة عند عدم المدارسة، فرأيت أن أجيبه إلى ذلك؛ لما رجوت فيه من عون العالم المقتصر ونفع الطالب المسترشد؛ التماسا لثواب الله عز وجل في تقريبه على من أراده، واعتمدت فيه على علم أهل المدينة، وسلكت فيه مسلك مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس رحمه الله”([1]).

وكذا ابن تيمية رحمه الله، فقد كان حنبليًّا لا يجد غضاضة في الانتساب للمذهب وتسمية أهله بالأصحاب([2]). وإمام المحدثين الحافظ ابن رجب الحنبلي كان منتسبًا لمذهب الإمام أحمد، والحافظ الذهبي من أئمة الشافعية، وقد نص على اتباع المذاهب وتبنِّيها، وبيَّن المصلحة في ذلك فقال: “ولم يبقَ اليومَ إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلا عن أن يكون مجتهدًا، وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاث مئة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقي مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربع مئة”([3]).

فلم تكن السلفيّة في أيّ مرحلة من مراحها تشكِّل بديلًا عن المذاهب ولا عداءً لها، ولا كانت قسيمًا للمذاهب الفقهية الأربعة، فقد امتاز المنهج السلفي بجعل التمذهب نوعًا من الترقّي الواعي في إدراك النصوص الشرعية والطريق إلى الاجتهاد، كما اعتبر التمذهب أداةً لحصر الأقوال المعتبرة في الشريعة مع المحافظة على الأصل في ترتيب الأدلة، وهو أن الأصل المتبع هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس ثم ما شهدت به قواعد الشرع والأصول المعتبرة، وتتمّ محاكمة الإمام إلى قواعده وأصوله التي عُهِدَ منه تبنّيها في الاستدلال، فلا يمكن جعل قوله حاكمًا على أصله وقاعدته، وهذا عين ما يفعله أتباع المذاهب من غير السلفيين، فليست كل أقوال الإمام متَّبعة عندهم ولا معتمدة، لكن الفرق بينهم وبين السلفيّين أن السلفيين يتركون قول الإمام عن وعيٍ واجتهاد، بينما غيرهم قد يتركه إلى قول آخَر دونه أو أنزل منه.

كما أنَّ التمذهب كوسيلة علميّة يتبنّاها العالم وطالب العلم ليس رديفًا للتقليد الذي هو حالةٌ تخصُّ العاميَّ ومنقصة في حقّ المشتغلين بالعلم، وهذه ميزة أخرى تميَّز بها أتباع المنهج السلفي حين جعلوا التمذهب طريقًا للترقّي الواعي في مراتب الاجتهاد، وليس أثقالًا توضَع على كاهل الشخص لتُقعِده عند مرحلة التقليد فلا يرتفع إلى سماء بعدها، وأكبر دليل على ذلك واقع علماء السلفية قديمًا وحديثًا، فكلّهم كانوا متمذهبين، وكلُّهم كانوا رافضين للتقليد، فهذا ملمح ينبغي التنبه له، والمعاصرون من السلفية دعَوا لنبذ التقليد، ولم يدْعُوا للخروج عن المذاهب، وأكبر شاهد على ذلك مؤلّفاتهم، فهذا مفتي شنقيط وعلامة قطره الإمام بداه بن البصيري الشنقيطي ألَّف في نبذ التقليد، ولكنه لم يدعُ إلى ترك المذهب، وهو علامة سلفيٌّ شهير، ويمكن لكلّ محب للاطلاع أن يراجع كتابه الموسوم بـ: “أسنى المسالك في أن من علم بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك”([4])، وقبله العلامة السلفي باب ولد الشيخ سيديا صاحب كتاب “إرشاد المقلّدين عند اختلاف المجتهدين”، وكذلك العلامة ابن عثيمين فهو عالم سلفيٌّ معاصر كان مهتمًّا بكتب المذهب الحنبلي وشرحها، واستنبط منها، ولم يكن يعاديها.

لكن المشكلة نشأت عند بعض خصوم السلفية من جهة أنهم جعلوا تمظهرات الظاهرية عند بعض المعاصرين هي ميزة السلفية، وبدؤوا يحطّون عليها كلَّ ما يمكن أن يحطّ على الظاهرية، والحقيقة أن الظاهرية وإن كانت لا تناقض السلفية من كل الوجوه إلا أنها ليست رديفة لها، وقد عجبت من بعضهم حين يصم السلفية ويقول: إنها تصدم ببعض الآراء الفقهية لأئمة المذاهب وذلك لحصرها طريقةَ التفقه في كتب السيد السابق وجماعته، مع العلم أن كتاب “فقه السنة” على جلالته لم يحظ بكل هذا الاعتناء من السلفيين، بل المدرسة التي يشير إليها المؤلف قام رمزها محدِّث العصر محمد ناصر الدين الألباني بتخريج أحاديث الكتاب؛ مما أغاظ حتى مؤلِّفَه، وهذا دليل على أنهم لم يأخذوا كلَّ ما فيه بعين الرضا، وعجبي لا ينقضي أن يصم هذا الرجل السلفية بقلّة الاطلاع وهمُ الذين حقَّقوا كتب الفقه وكتبَ الحديث ممَّا لم يكن للمقلِّدة بها علم ولا لآبائهم، فكيف يصدمون وهم من انفتحوا على تراث السلف وطالبوا بالجمع بين علم المتقدمين والمتاخرين؟!

وخلاصة الأمر: أن الحكم على حراك علميٍّ واسع وممتدّ عبر التاريخ بمظاهر جانبية عند بعض منتسبيه لا يخلو من كسل معرفيّ وفجور في الخصومة، ليس له من مبرر إلا التحمس للنقد ونشوة الانتصار للمذهبية المتوهَّم، فلا توجد معركة حقيقيّة بين السلفية والمذهبية، وإنما توجد هزيمة نفسية عند بعض خصوم السلفية، وسلوك خاطئ عند بعض أتباع السلفية.

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 137).

([2]) ينظر: مجموع الفتاوى (20/ 202).

([3]) سير أعلام النبلاء (7/ 177).

([4]) ينظر: أسنى المسالك (ص: 120).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

التعريف بكتاب: نجد قبل الوهابية.. الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية إبان القرون الثلاثة التي سبقت الحركة الوهابية

واحد من أكثر التحالفات نجاحًا هو التحالف الذي قام بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، كما أن واحدة من أكثر الدعوات التي كتب الله لها القبول وانتشرت شرقا وغربًا هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولو لم يكن من حسناتها إلا أنها حرَّكت الماء الراكد وأرجعت الأمة إلى التفكّر والتعقّل […]

ترجمة الشيخ محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم السلفي الندوي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ المحدث العلامة المسند الطبيب، أمير جمعية أهل الحديث بولاية هريانة بالهند، محمد إسرائيل بن محمد إبراهيم بن عبد الحليم بن ذريا بن دهن سنكه بن نعمت بن نظام، السلفي الندوي. مولده: ولد في الثامن عشر من شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وثلاث وخمسين للهجرة النبوية، […]

هل منع أتباعُ الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب الناسَ من الحجّ؟ بين الحقيقة والتَّزوير

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قد يَأتي أحدُهم ويسلِّط عدستَه على واحدٍ من النَّاس وهو يشقُّ بطنَ آخر، ثم يبدأ يخبر الناس بأنَّ هذا تعدٍّ وتجنٍّ وظُلم، ويتلقَّى النَّاسُ ذلك على هذا الحال، فيتَّهمون هذا الذي يقطِّع بطنَ الآخر بأشنع التُّهم. وهذه الصورةُ بلا شكٍّ ظلم وتجنٍّ، لكن هل هي الحقيقة كاملة؟! لو أبعد […]

ملخص من مقال: (التسامح  السلفي في المعتقد بين انفلات المعاصرين وتشدد بعض المتكلمين )

ظهر التكفير بشكل عشوائي عند كثير من المتكلمين، وكان من ذلك أن أصلوا أصولا يلزم عليها تكفير عامة المسلمين وانفراط عقد الدين لتعقيدها ومخالفتها للشرع.   وفي مقابل التكفير العشوائي ظهرت جماعة من المعاصرين دعت إلى وحدة الأديان ورأت وصف المؤمن يشمل كل مصدق بالله ولو كفر بالرسل والكتب وأشرك بالله عز وجل، فجعلوا الإيمان […]

عرض وتعريف بكتاب: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السلف في فهم الكتاب والسنة

أولا: بطاقة الكتاب: العنوان: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السَّلف في فهم الكتاب والسنة. اسم المؤلف: وليد بن راشد السعيدان. الطبعة: الدار العالمية للنشر والتوزيع. عدد الصفحات: 124 صفحة. ثانيا: موضوع الكتاب: يريد المؤلف في هذا الكتاب أن يشرح قاعدةً مهمَّةً من قواعد أهل السنة والجماعة في العقائد، وهي: (كلُّ فهمٍ يخالف فهم السَّلف في […]

معنى الفتنة في حقِّ الأنبياء.. ضبط المصطلح وحرج الفهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  فمِن المعلوم عند كلِّ من يعتَنق دينًا من الأديان السماوية أهميةُ الأنبياء فيه وقداستهم، وأن الدينَ قائم على أخبارهم وتصديقِهم، فلا يمكن معرفةُ حكمٍ من أحكام الله إلا عن طريقهم، وأيّ تنقُّص منهم هو تنقّص من الدين، كما أن نبوَّتهم دليلٌ على علوِّ مقامهم عند الله سبحانه وتعالى وتعظيمه […]

ترجمة الشيخ يحيى بن عبد الله التشادي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ومولده: هو: الشيخ يحيى بن عبد الله بن أحمد التشادي. مولده: ولد -رحمه الله- في قرية شكين التابعة لمدينة أبشة بدولة تشاد عام 1958م. طلبه للعلم ومشايخه: بدأ -رحمهُ الله- منذ الصِّغر يهتمُّ بالقرآن الكريم، فحفظه على يد والده رحمه الله، وتلقَّى تعليمه إلى الثانوية بالمعاهد الشرعية بمدينة […]

الانغلاق المعرفي لدى التيار الحداثي

يغلِب على الخطابِ الحداثيِّ الخفةُ والكِبر العلميّ، وتغيبُ عنه التُّؤدة والأناة والتثبُّت والموضوعيَّة؛ وذلك أنه غلب على كثير من منتسبي الفكر الحداثي النَّفَسُ الشبابيّ الثائر؛ مما أدى بهم إلى ممارسة نوعٍ من المرح في البحث والتلقائية في النقاش والبساطة في النقد ومخرجاته، وكلُّ هذا يرجِع إلى تحكُّم عقلية المصادرة للآراء في مكوِّن الفكر الحداثي؛ لأن […]

الاجتماع الأوَّل بين علماء نجد وعلماء مكة

ذكرنا في الورقة العلميَّة المنشورة في “مركز سلف” بعنوان “اتّفاق عقيدة علماء نجد وعلماء مكة”([1]) أنه في عام ١١٨٤هـ أرسل الشيخ محمدُ بن عبد الوهاب والإمامُ عبد العزيز بن محمد بن سعود الشيخَ عبد العزيز الحصين إلى والي مكة الشريفِ أحمد بن سعيد -بطلب منه-، ولم نبيِّن هل كان هذا أول اجتماع بين علماء نجد […]

(السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام.. مناقشتها والرد عليها)

المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام.. مناقشتها والرد عليها. اسم المؤلف: د. عماد السيد محمد إسماعيل الشربيني، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف. دار الطباعة: دار اليقين، مصر. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1422هـ-2002م. حجم الكتاب: يقع الكتاب في جزأين، ويبلغ عدد صفحاته (506) صفحة. أصل الكتاب: […]

حينَ ينتقِدُ الحداثيّون صحيحَ البخاري (حسن حنفي أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: لا شكَّ أنَّ السنة تحتل مرتبةً عالية في التشريع الإسلامي، فهي تُعدُّ المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وهي حجَّة كما هو حال القرآن الكريم؛ لذلك لم يفرِّق الصحابة الكرام بين الأمر الوارد في القرآن الكريم وبين ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانَ القرآن الكريم […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017