الخميس - 17 جمادى الآخر 1443 هـ - 20 يناير 2022 م

السلفية ليست رديفا للظاهرية

A A

السّلفية تعني اتِّباع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وهي بهذا المعنى تمثّل الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتَمَثَّلَهُ الصحابة -رضون الله عليهم- في تصرفاتهم وواقع حياتهم. ومن نافلة القول أن يؤكَّد على أسبقيتها للمذاهب الفقهية أيًّا كانت، فقد كان الأئمة -رضوان الله عليهم- على منهج الصحابة في الفقه والتفقُّه، لم يخرجوا عنهم في شيء من ذلك، بل كانوا يعدُّون الخروج عن منهج الصحابة من الضلال.

 وقد ساعد اطِّلاع الأئمة على مذاهب الصحابة وفتاواهم على تشكيل رؤية علمية متكاملة عندهم عرفت فيما بعد بالمذهب الذي هو عبارة عن طريق الاستنباط التي يتبعها الإمام في فتواه واستدلالاته؛ ولهذا عظّم الناس الأئمة واتّبعوهم، فلم يكن أحد من العلماء -سواء من المعتنين بالفقه أو الحديث- يرى في التمذهب بمذهب إمام من الأئمة منقصةً أو مخالفةً، فاتبعوا مذاهبهم واستدلّوا لها ونصروها؛ فهذا الإمام ابن عبد البر -وهو إمام من أئمة الحديث، ومن أكثر من تكلم عن التقليد ونبذه في كتابه “جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في رواية وحمله”- قد ألف كتابا في نصرة مذهب الإمام مالك وقال عنه: “فإن بعض إخواننا من أهل الطلب والعناية والرغبة في الزيادة من التعلم سألني أن أجمع له كتابًا مختصرًا في الفقه يجمع المسائل التي هي أصول وأمّهات لما يبنى عليها من الفروع والبينات في فوائد الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام يكون جامعًا مهذَّبا، وكافيًا مقرَّبًا، ومختصرا مبوَّبًا، يستذكر به عند الاشتغال، وما يدرك الإنسان من الملال، ويكفي عن المؤلفات الطوال، ويقوم مقام المذاكرة عند عدم المدارسة، فرأيت أن أجيبه إلى ذلك؛ لما رجوت فيه من عون العالم المقتصر ونفع الطالب المسترشد؛ التماسا لثواب الله عز وجل في تقريبه على من أراده، واعتمدت فيه على علم أهل المدينة، وسلكت فيه مسلك مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس رحمه الله”([1]).

وكذا ابن تيمية رحمه الله، فقد كان حنبليًّا لا يجد غضاضة في الانتساب للمذهب وتسمية أهله بالأصحاب([2]). وإمام المحدثين الحافظ ابن رجب الحنبلي كان منتسبًا لمذهب الإمام أحمد، والحافظ الذهبي من أئمة الشافعية، وقد نص على اتباع المذاهب وتبنِّيها، وبيَّن المصلحة في ذلك فقال: “ولم يبقَ اليومَ إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلا عن أن يكون مجتهدًا، وانقطع أتباع أبي ثور بعد الثلاث مئة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقي مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربع مئة”([3]).

فلم تكن السلفيّة في أيّ مرحلة من مراحها تشكِّل بديلًا عن المذاهب ولا عداءً لها، ولا كانت قسيمًا للمذاهب الفقهية الأربعة، فقد امتاز المنهج السلفي بجعل التمذهب نوعًا من الترقّي الواعي في إدراك النصوص الشرعية والطريق إلى الاجتهاد، كما اعتبر التمذهب أداةً لحصر الأقوال المعتبرة في الشريعة مع المحافظة على الأصل في ترتيب الأدلة، وهو أن الأصل المتبع هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس ثم ما شهدت به قواعد الشرع والأصول المعتبرة، وتتمّ محاكمة الإمام إلى قواعده وأصوله التي عُهِدَ منه تبنّيها في الاستدلال، فلا يمكن جعل قوله حاكمًا على أصله وقاعدته، وهذا عين ما يفعله أتباع المذاهب من غير السلفيين، فليست كل أقوال الإمام متَّبعة عندهم ولا معتمدة، لكن الفرق بينهم وبين السلفيّين أن السلفيين يتركون قول الإمام عن وعيٍ واجتهاد، بينما غيرهم قد يتركه إلى قول آخَر دونه أو أنزل منه.

كما أنَّ التمذهب كوسيلة علميّة يتبنّاها العالم وطالب العلم ليس رديفًا للتقليد الذي هو حالةٌ تخصُّ العاميَّ ومنقصة في حقّ المشتغلين بالعلم، وهذه ميزة أخرى تميَّز بها أتباع المنهج السلفي حين جعلوا التمذهب طريقًا للترقّي الواعي في مراتب الاجتهاد، وليس أثقالًا توضَع على كاهل الشخص لتُقعِده عند مرحلة التقليد فلا يرتفع إلى سماء بعدها، وأكبر دليل على ذلك واقع علماء السلفية قديمًا وحديثًا، فكلّهم كانوا متمذهبين، وكلُّهم كانوا رافضين للتقليد، فهذا ملمح ينبغي التنبه له، والمعاصرون من السلفية دعَوا لنبذ التقليد، ولم يدْعُوا للخروج عن المذاهب، وأكبر شاهد على ذلك مؤلّفاتهم، فهذا مفتي شنقيط وعلامة قطره الإمام بداه بن البصيري الشنقيطي ألَّف في نبذ التقليد، ولكنه لم يدعُ إلى ترك المذهب، وهو علامة سلفيٌّ شهير، ويمكن لكلّ محب للاطلاع أن يراجع كتابه الموسوم بـ: “أسنى المسالك في أن من علم بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك”([4])، وقبله العلامة السلفي باب ولد الشيخ سيديا صاحب كتاب “إرشاد المقلّدين عند اختلاف المجتهدين”، وكذلك العلامة ابن عثيمين فهو عالم سلفيٌّ معاصر كان مهتمًّا بكتب المذهب الحنبلي وشرحها، واستنبط منها، ولم يكن يعاديها.

لكن المشكلة نشأت عند بعض خصوم السلفية من جهة أنهم جعلوا تمظهرات الظاهرية عند بعض المعاصرين هي ميزة السلفية، وبدؤوا يحطّون عليها كلَّ ما يمكن أن يحطّ على الظاهرية، والحقيقة أن الظاهرية وإن كانت لا تناقض السلفية من كل الوجوه إلا أنها ليست رديفة لها، وقد عجبت من بعضهم حين يصم السلفية ويقول: إنها تصدم ببعض الآراء الفقهية لأئمة المذاهب وذلك لحصرها طريقةَ التفقه في كتب السيد السابق وجماعته، مع العلم أن كتاب “فقه السنة” على جلالته لم يحظ بكل هذا الاعتناء من السلفيين، بل المدرسة التي يشير إليها المؤلف قام رمزها محدِّث العصر محمد ناصر الدين الألباني بتخريج أحاديث الكتاب؛ مما أغاظ حتى مؤلِّفَه، وهذا دليل على أنهم لم يأخذوا كلَّ ما فيه بعين الرضا، وعجبي لا ينقضي أن يصم هذا الرجل السلفية بقلّة الاطلاع وهمُ الذين حقَّقوا كتب الفقه وكتبَ الحديث ممَّا لم يكن للمقلِّدة بها علم ولا لآبائهم، فكيف يصدمون وهم من انفتحوا على تراث السلف وطالبوا بالجمع بين علم المتقدمين والمتاخرين؟!

وخلاصة الأمر: أن الحكم على حراك علميٍّ واسع وممتدّ عبر التاريخ بمظاهر جانبية عند بعض منتسبيه لا يخلو من كسل معرفيّ وفجور في الخصومة، ليس له من مبرر إلا التحمس للنقد ونشوة الانتصار للمذهبية المتوهَّم، فلا توجد معركة حقيقيّة بين السلفية والمذهبية، وإنما توجد هزيمة نفسية عند بعض خصوم السلفية، وسلوك خاطئ عند بعض أتباع السلفية.

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 137).

([2]) ينظر: مجموع الفتاوى (20/ 202).

([3]) سير أعلام النبلاء (7/ 177).

([4]) ينظر: أسنى المسالك (ص: 120).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مقصلَة التَّجسيم(الجزء الأول: بيان موقف ابن تيميَّة من التَّجسيم)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقد عمل أهل السنة والجماعة بمقتضى هذه الآية، فأثبتوا الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، ونزَّهوا الله عن المثل، فهم في كل ما يثبتونه لله من الأسماء والصفات يكرّرون ويؤكّدون أنَّه إثبات بلا […]

مناقشة دعوى مخالفة ابن تيمية للإمام أحمد في مسألة حدوث القرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسبب القراءات الحرفية والمنزوعة من السياق التاريخيّ والعقديّ لكلام الإمام أحمد وفهم مآلات كلامه ظهرت شبهةٌ انتشرت مؤخَّرًا في الأوساط العلمية، وهي أن ابن تيمية يخالف الإمام أحمد في قدم القرآن، أثارها بعضُ الباحثين المعاصرين، متأثِّرين بالطرح الاستشراقي في عدَم الرسالية في مناقشة الأفكار والموضوعية في الطرح، وليت […]

معهود العرب.. بين الحصانة الفكرية وأصحاب النص المفتوح

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: في الأيام القليلة الماضية طالعتُ مقالاتٍ ونشراتٍ لبعض الكتَّاب العرب، تدور مادتها حول قراءة النصّ الشرعي وتفسيرِه، ويدْعون فيه لفتح النصّ ليتسنّى لهم الاستدلالُ به، وتوظيفُه فيما يريدون. والعجيب أن هذه الأفكار بجملتها وتفاصيلها إنما هي إعادة تدوير لأفكار استشراقية وكتاب غربيين حداثيين، وتلقَّفها بعض الكتَّاب العرب […]

مفهوم الكبائر في نصوص البلد الحرام

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: المعصيةُ شؤمُها عظيم، وعاقبتها وخيمةٌ، وهي من أسباب حِرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب عقوبةٌ سوى صدِّه عن الطاعة لكفى، فالعاصي تقطع عليه المعصيةُ طاعاتٍ كثيرة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما عليها([1]). والمغبون من حُرم الطاعة والعبادة في أفضل أماكنها وأوقاتها، قال الغزالي: (فإن الله […]

قراءة في كتاب «الحركة الحنبلية وأثرها في بغداد من وفاة الإمام أحمد إلى نهاية القرن الخامس الهجري» (241- 500)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الكتابة في تواريخ المذاهب عمل شاق، يدركه من عانى الكتابة، أو تعنّى البحث فيه، وقد اقتحم هذا الدرب كثير من الباحثين، وقد قدّم الباحث الجزائري خالد كبير علال -حفظه الله- بحوثًا قيمةً عن الحنابلة وتاريخهم، وهو عمل يُبين عن همةٍ عاليةٍ عند الباحث؛ حيث تجشَّمَ عناء البحثِ في مذهبٍ […]

ترجمة الشيخ العلامة صالح بن محمد اللحيدان رحمه الله تعالى

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة فقد فجع العالم الإسلامي صبيحة يوم الأربعاء الثاني من شهر جمادى الآخرة (1443هـ) بموت عالم من كبار العلماء، وموت العالم –لا شك- ثلمة في جدار الإسلام، فالعلماء هم حراس الشريعة، وحماة ثغورها، ولذلك كان موتهم مصيبة كبيرة لدى أهل العلم والإيمان، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذه ترجمة موجزة […]

التخاطر والاستبصار ..وأثرهما في نشر الإلحاد في بلاد المسلمين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إن من خطورة فكر أصحاب الفلسفات الشرقية الوافدة على بلادنا أنهم ينشرون بين الناس أن التواصل مع العقل الباطن يُمكّن المرء من قدرات فوق بشرية، وإمكانات بلا حدود. وهذه المزاعم الخرافية من نواتج الاعتقاد بأن الوعي هو الوجود المطلق، وأن الفكر متحكم بالحقائق الخارجية، كما هو متقرر في الفلسفة […]

الوجه الحقيقي للإلحاد

اتّهام الأديان بالإرهاب: يقرِّر ريتشارد دوكينز: أنَّ أكثر الحروب في العالم كانت نتيجةَ الأديان([1])، وهي جملة لطالما ردَّدها الملاحدة عند نقدهم للأديان، فيرون أنَّه لا مخلَص للبشريَّة من الحروب والقتال إلا بنبذ الأديان كلّها والصيرورة إلى الإلحاد؛ لأن الإلحاد -في نظرهم- هو جنة الأرض، وهو السَّلام الذي سيعمُّ الكون لو صار الجميع إليه، متخلِّين عن […]

عرض ونقد لكتاب:(الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه.. عرض ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     البيانات الفنية للكتاب: اسم الكتاب: الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه.. عرض ونقد، وبيان آثارها على المستوى العلمي والعملي مع موقف كبار العلماء الذين عاصروا نشوء الوهابية وشهدوا أفعالهم. أعدَّه: عثمان مصطفى النابلسي. الناشر: دار النور المبين للنشر والتوزيع – عمَّان، الأردن. الطبعة: الأولى، 2017م. العرض الإجمالي للكتاب: هذا […]

موقف السلفيين من العلماء المخالفين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: معلوم أن الصفات السلوكية الإنسانية العامة من الاتزان والعدل والحكمة هي أهم ما يميز فضلاء بني البشر، بل لعلها من المشتركات الأخلاقية لدى جميع الأمم، وأولى الناس بهذه الصفات السويَّة هم أهل السنة، فهم نقاوة أهل الإسلام، كما أن أهل الإسلام هم نقاوة أهل الأمم. ومن تلك الصفات […]

بحث في معنى قول الإمام أحمد:(إيّاك أن تتكَّلم في مسألة ليس لك فيها إمام)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أولًا: تمهيد: 1- أصل هذه القاعدة: اشتُهِرَ عن الإمام أحمد رحمه الله قولُه ناصحًا تلميذَه أبا الحسن الميموني: “إيّاك أن تتكَّلم في مسألة ليس لك فيها إمام”([1])، فجرت هذه العبارة قاعدةً في ضبط العلوم، ونبراسًا لكل طالب علم يتناول الأقوال والخلاف، ويترتب على فهمها الفهمَ الصحيح عظيمُ الأثر، وعلى […]

تحرير مذهب الحنابلة في مسألة تهنئة النصارى بأعيادهم

مع كلّ موسم من أعياد غير المسلمين يتجدَّد الجدَل حول هذه المسألة، ويتجدَّد معها الاتهام للعلماء والدعاة المتمسِّكين بما عليه عامَّة أهل العلم من تحريم تهنئة النصارى وغيرهم من الكفار بأعيادهم بالتشدد وتضييق ما فيه سَعَة، ومصادرةِ الرأي الآخر، والإنكارِ في مسائل الخلاف… إلى آخر تلك التُّهَم المكرَّرة. وبعد أن كان غايةُ القائلين بجواز ذلك […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: قواعد وضوابط منهجية للردود العقدية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: قواعد وضوابط منهجية للردود العقدية. اسم المؤلف: أ. د. أحمد قوشتي عبد الرحيم مخلوف، أستاذ العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى. دار الطباعة: مركز تكوين للدراسات والأبحاث، الدمام. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1441هـ-2019م. حجم الكتاب: يقع في مجلدين، وعدد صفحاته […]

الحركة الإصلاحية النجدية ودعوى شراء ذمم المثقفين

حققت حركة الإصلاح السلفي النجدي منذ انطلاقتها نجاحات وإنجازات كبيرة على المستوى الديني والسياسي ، ومن الطبيعي أن يكون لهذه النجاحات صدى سيئًا لدى الخصوم، وهذا ما دفع طائفة منهم إلى اتهامها بمختلف التهم ومواجهة إنجازاتها بحرب تشويه ودعاية كاذبة من بينها الزعم بأن القائمين على الدعوة الوهابية قاموا بشراء ذمم المثقفين مقابل الثناء على […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017