الثلاثاء - 14 صفر 1440 هـ - 23 أكتوبر 2018 م

نماذج من الالتفاف على النصوص الشرعية عند الحداثيين

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة


قامت النظرةُ الحداثية على اعتبار الدِّين قيمةً اغتصبت مركزَ القيادة في المجتمع، وحقُّها أن تُجعل في قفص الاتِّهام، ومن هنا جعلوا الوحي مرمًى لساهمهم، وحاولوا جعل جسور منيعة دونه للحيلولة بين الناس وبينه، وكان من أهم هذه الجسور التأكيد على انتهاء صلاحية العلوم المتعلّقة بالوحي وفهمه؛ ليتسنى لهم بعد ذلك الانفراد به على أساس أنه نصّ لغويٌّ تكفي المداخل الأدبية لفهمه والتعامل معه، ويكون الجميع مؤهَّلا لتفسيره انطلاقًا من تخصُّصه ولو كان أجنبيًّا؛ لأن الوحي وفق هذه النظرية مجردُ نتاج لغويٍّ ينتمي إلى ثقافة محدودة، تمَّ إنتاج معانيه انطلاقا من تلك الثقافة التي شكَّلت نظامه الدلالي والمركزي.

وقد بخل كثير من الحداثيين في تناوله للوحي على الوحي بلفظ يناسبه، فاستبدلوا بلفظ القرآن الكريم لفظ: ظاهرة القرآن، وهذا الشح في التسليم بقداسة الوحي ليس لغرضٍ نزيه، وليس دافعه التثبت في النسبة؛ وإنما لتبرير الزهد المبكر في النصوص، والتعبير عن عدم الاطمئنان لنصوص الوحي بالتشكيك في مدى كونه محفوظًا، وقد أكَّد بعضهم على التفريق بين الوحي الملفوظ وبين الوحي المدوَّن، فالوحي الذي تلفَّظ به النبي صلى الله عليه وسلم على مدى ثلاث وعشرين سنة لا يمكن أن يكون هو نفسه الوحي الذي جمع، فقد كانت هناك ظروف وملابسات صاحبت هذا الجمع والتدوين تجعل إمكانية التسليم بأنه وحي خال من التأليف ومن مشاركة الآخرين فيه أمرًا مستبعَدًا. وهذه النظرية مجرد تمهيد للالتفاف على نصوص الوحي بعد ذلك، وإخضاعها لعمليات تشريح تأويلية لا تخضع لأي مقومات موضوعية، وتجعل من النصوص مجرد أدوات احتياطية لتمرير الأفكار وكسبها نوعًا من المصداقية الآنية عند المجتمعات المتديِّنة تديُّنًا سطحيًّا.

ونظرا للحاجة الماسة لمعرفة طرق تعامل هذه المدرسة مع الوحي فسوف نقوم بدراسةٍ لبعض مظاهر الالتفاف على النصوص عندها، وكيف يتم هذا الالتفاف، مع مناقشتهم في هذا الاحتيال العلمي، وبيان مدى إمكانية تسمية هذه الممارسات نشاطًا علميًّا مع ما تتسم به من عدم الجدية في تناول النصوص.

والناظر في الحالة الفكرية للتيار الحداثي يجد نماذج كثيرة للتحايل على النصوص ومحاولة توظيفها لصالح مقاصد أجنبية على الشرع، ومن هذه النماذج:

أولًا: علاقة النص بالمصلحة:

لقد كان لتبني التيار الحداثي للإسلام مشاركة قوية في إقناع أنفسهم وبعض المغرَّر بهم بأن هذه الآراء هي داخل المساحة الاجتهادية المتاحة لأي معتن بالعلوم الشرعية، ومن ثم تناولوا بعض المباحث الشرعية تناولًا شكليًّا من أجل كسب مصداقية شرعيّة تسمح بالمنازلة في الساحة الشرعية، وكان من بين هذه المباحث مبحث المصلحة، وكان إسهام الحداثيين في هذا الميدان يتمثّل في نقلهم مفهوم المصلحة من مفهوم منضبط له مصداقيةٌ شرعيةٌ إلى مفهوم عائم غير منضبط، ويعدُّ التأكيد عليه أمرًا مهمًّا حسب النظرية الحداثية؛ حيث جعلوا من المصلحة فكرة لمعارضة العلة وإلغاء النص الذي هو سبب وجودها ومراعاتها، يقول فهمي هويدي: “إذا حدث التعارض بين النصوص وبين أيٍّ من مصالح الناس المعتبرة فلا مجال لتطبيق الأولى، وتُغَلَّبُ المصلحة على النص في الثانية”([1]).

 وبنوا على هذا تخطئة الفقهاء الذين يربطون تطبيق الشريعة بتطبيق أحكامها، فتطبيق الشريعة عند الحداثيين يكون بتطبيق روحها([2]).

 وذهب الجابري إلى أبعد من ذلك، فرأى أن العلة ليست موجبة للحكم، وانتقد القاعدة المعروفة: “الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا”، واعتبر أن المصلحة هي الحاكمة على النص([3])، ومراده من ذلك ألا يتقيد بالعلة التي هي مناط الحكم؛ لأنها قد تقيده في التعامل مع النص بوجودها من عدمها، فَعَوَّضَ ذلك بِالتَّمَلُّصِ منها، وتعليق الحكم بمفهوم عائم هو المصلحة، دون أن يضع لها تعريفًا أو ضابطًا.

وتوصَّلوا من خلال هذا الطرح إلى أن فكرة النسخ ليست خاصة بالنص الشرعي، بل هي موكولة إلى الأمة؛ لأن الأحكام ليست مطلقة، بل هي نسبية خاضعة للظروف الزمانية والمكانية، ولهذا فقد نسخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم المؤلفة قلوبهم، وأوقف توزيع الأرض المفتوحة على الغانمين([4]).

 وقد توالت كلمات الحداثيين في تمجيد المقاصد ورفعها في وجه أصول الفقه كأداة للاستنباط، كما جعلوا منها سجنًا للنصوص الشرعية المرتهنة للواقع الاجتماعي والسياسي والزماني حسب زعمهم، واعتبروا أن الفكر الديني مرتبك بسبب سيطرة فكرة قداسة النص واعتباره متجاوزًا لواقعه، ولا حَلَّ إلا في التخلص من قداسته لصالح المصلحة والمقصد، كما فعل عمر بن الخطاب بزعمهم([5]).

واعتبروا المقاصد هي الملاذ الوحيد الذي يُـمـَكِّنُ المجتهد الحداثي من نسخ ما فُقِدَتْ مصلحته، ويتخلص من سلطة النص، ويصبح حُرًّا في كيان التشريع الإسلامي([6]).

وهذه النظرة الالتفافية على النص تتمُّ من خلال رفع شعار المصلحة كمعول هدم للنص ولمعناه، واعتبار العلة المنضبطة نوعًا من التجميد لدلالة النص، وممارسة عمليات ترفيهية تحت غطاء المصلحة للتقليل من تدخل النص في الحياة العامة، وتضييق دلالته وقصرها على زمن معين؛ ليتم التعامل معه بعيدًا عن أي ضوابط، وترك العلاقة مباشرة بين المتلقي البسيط وبين النصّ؛ بعيدًا عن المعايير العلمية المشكِّلة لعقلية التعامل مع النص، وتستبدل جميع المعايير بمفهوم المصلحة الذي هو مفهوم عائم عند القوم، بينما حين تتم محاكمة هذا التعامل إلى الطرح الفقهي المتزن نجد أنه ناقص علميًّا ومقصِّر من الناحية الاجتهادية، ودليل ذلك باختصار قلة الإنتاج العلمي وضعف المساحة الاجتهادية التي يغطيها الطرح الحداثي، فالمفروض أنه بتعليته المصلحة ورفع شعار الاجتهاد والمقاصد يوجد إنتاج علمي جاد يعبر عن جدية في البحث العلمي وقدرة على المنافسة لتراث بحجم الإنتاج الفقهي، فأي مراجعة فكرية يقصد منها المقارنة بين الإنتاج الفقهي والتحايل الحداثي تجعل الشخص يدرك بدون عناء أن الممارسة الحداثية تعني الانسحاب الكلي من الشريعة والجلوس تحت الظل بسبب تضييق مجال النص؛ لذا لم يكن للقوم رأي يذكر غير التشغيب في كثير من المجالات الشرعية، فلا تجد لهم ذكرا في أبواب المعاملات والأنكحة والسياسة الشرعية، غير آراء تخرج في شكل تشغيب واعتراضات غير موفقة.

بينما المصلحة في الشرع مفصلة ومحددة، فهي في الشرع يقصد بها لذَّاتُ الدنيا وأسبابها وأفراحها وأسبابها، ويقصد بالمفسدة آلام الدنيا وأسبابها وغمومها وأسبابها، وهذه أمور معلومة بالعادات.

وأما لذات الآخرة وأسبابها وأفراحها وأسبابها وآلامها وأسبابها وغمومها وأسبابها فقد دل عليها الوعد والوعيد والزجر والتهديد.

 فأما اللذات ففي مثل قوله: {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُون} [الزخرف: 71].

وأما الأفراح ففي مثل قوله: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان: 11]، وقوله: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [آل عمران: 170].

 وأما الآلام ففي مثل قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُون} [البقرة: 10].

وأما الغموم ففي مثل قوله تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق} [الحج: 22].

فهذه هي قاعدة المصالح والمفاسد التي تعرف بها([7]).

ثانيًا: الموقف من النص:

يعدُّ الإيمان بالوحي ضرورة للإيمان بالله عز وجل؛ لأنه منه جاء، وأي نظرة لا تقدِّس الوحي ولا تعترف به لا يمكن أن تكون نظرة دينية، كما أن نزعه من الأولية في ترتيب الأدلة يؤثر على فكر المتعامل مع الوحي وفي تعاطيه مع قضاياه.

وقد حسم الحداثيون مشكلتهم مع الوحي، وقرروا الانتساب للإسلام وأهله ومحاولة إصلاحه من الداخل -على حد زعمهم-، وشهروا سلاح المصلحة في وجه النص كما مر معنا، وهذا التصرف جعل النص في مقاعد الاحتياط، وجعل الحداثيين في معركة دائمة مع النص، وتظهر هذه المعركة في شكل ملامح واضحة لا تخفى على مهتمٍّ ومتابع للمنجزات المعرفية لهذه المدرسة، وقد كان لهذا الصراع مظاهر:

المظهر الأول: التشكيك في مدى قدرة النص على إصلاح الحياة:

وقد عبروا عن هذا الهدف بعبارات متنوعة ترجع في مجملها إلى التشكيك وعدم الاعتراف للوحي بالقدسية والأسبقية في فهم الأمور، أو القدرة على معالجتها، وهذا ما عبر عنه علي حرب بـ: كشف الآلية الفكرية التي تحيل التاريخ إلى متعال، والخصوصي إلى كوني، والدنيوي إلى مقدّس([8]).

كما عبروا عن مدى استيائهم من الحديث عن الجنة والنار والحور العين وغيرها من الملذات بوصفها مواضيع ثانوية لا ينبغي الحديث عنها في ظل العولمة، يقول تركي الربيعة: “لقد أصبح المسلم يتعرض للإحراج من كثرة حديث القرآن عن اللذات في الجنة والحور العين”([9]).

 وانطلاقا من هذا التعطيل الضمني لموضوعات كثير من النصوص الشرعية واعتبارها خطابا جماهيريًّا بدائيًّا، فإن تعاملهم مع النص لم يكن قائمًا على مبدأ التسليم، ولا على إعطاء الأسبقية له في التوجيه والإرشاد، وإنما جعلوه غطاءً ومبررًا لا مرجعًا ومستنَدًا، ودليل ذلك أن البحث الحداثي في النصوص اتجه نحو المضامين قصد وجود مبررات تشهد للتوجّه الحداثي الذي يريد من الوحي مجرد مبرر للإنجاز الحضاري ومشيد به، وهنا يقع إشكال آخر ربما لا يتنبه له الحداثيون بسبب الحماس للفكرة، وهو أن سؤال الإضافة لا يزال قائما، فالغرب لا ينتظر منا كي يقبلنا كأمة حضارية أن يجد في نصوص تراثنا الديني ما لا يتعارض مع قيَمه أو يشهد لها، فليس كافيا في قبول أي طرح أن يكون متماهيًا مع طرح آخر مع تفوُّق الآخر عليه في الإنجاز، ثم إن غض الطرف عن حاجة المسلمين لفهم القرآن وفصلهم عنه بهذه الطريقة التعسفية هزيمة حضارية تنضاف إلى الشعور النفسي الذي ينتاب جميع رواد هذه المدرسة، وهو تعبير عن العجز عن المجاراة الفكرية والعلمية للغرب؛ بدليل أن العالم الناهض ليس سبب نهوضه المادي هو ترك دين معين أو تبني دين آخر، فهو يعيش ثقافات مختلفة، وأكثر أهله إضافة لهذه الحياة هم أناس أتباع ديانات خرافية غير مقنعة مثل البوذية والمجوسية والهندوسية؛ مما يدل على أن عقدة التدين التي تسكن هؤلاء لا علاقة لها بالإنجاز، فالآليات لا تحمل ولاءً لأحد، وإنما هي تابعة لسنن كونية، من نجح في استخدامها فسوف ينهض بها بغضِّ النظر عن دينه، لكن الحداثيين لا يسلّمون للأسف بهذه الحقيقة الواقعية، ويصرون على الربط بين ما في مخيلتهم عن النصوص وبين واقع الأمة، والعجب من ذلك أن يتجاوزوا الألفاظ التي أعلن القرآن العداء معها ليردوه إليها ويصفوه بها، فهذا عراب الفكر الحداثي محمد أركون يعلن أن ابن إسحاق أسهم في عملية التمويه والتعمية ضد الجاهلية التي كان القرآن افتتحها([10]).

ولم يحدد لنا معالم الجاهلية في القرآن، وهل كان ابن إسحاق بهذه الدرجة من التأثير في الأمة والمحورية ليؤسس لشرع جديد، أو يخفي شيئا منصوصًا في الوحي.

هذه الكلمة من أركون -والتي أعيدت صياغتها عند بقية القوم- ليس لها أي قيمة علمية ولا موضوعية، ولا تستند إلى معاير موضوعية لا من التاريخ ولا من ذات النصوص، ولكنها فقط تعبر عن مدى الاستياء من الوحي ومن توجيهاته، وهي تحمل في طياتها انكسارًا معرفيًّا.

أما المنهجية العلمية التي يتبعها علماء المسلمين في فهم الوحي والتعامل مع تقريراته فلا يمكن التعالي عليها ولا تجاوزها ولو نفسيًّا، إلا بممارسة التشغيب والتمويه الثقافي في نقد العلوم الإسلامية، وإعطاء مواقف غامضة من النص تجتمع في نزع القداسة عنه، وعدم التسليم له، مع الإفاضة بدون إضافة في مواضيع من نحو: قراءة التراث، وإعادة ترتيب العلوم؛ ليتسنى للشخص التنقل بشكل سلس بين العقل والوحي والذوق الشخصي، دون استناد إلى معيار علمي في سبب هذا التنقل ودوافعه، وهذا ما يمكن تصنيفه وفق الآليات العلمية الجادة بالتحايل والالتفاف، وهو شيء قد رفضه القرآن على مستويين: المستوى الأول: في التعامل مع الدين، والمستوى الثاني: في التعامل مع الوحي، فقد ذم الله عز وجل من قال: غنه سوف يأخذ هذا الدين أخذا مؤقتًا، يتبناه في وقت دون وقت، وبين أن هذا المسلك غير مقبول؛ لما يتسم به من عدم الجدية وفهم حقيقة الدين، قال تعالى: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (72) وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [آل عمران: 72، 73].

هذا بالنسبة للدين، وكذلك الحال بالنسبة للحوادث الكونية، فإنه لا يمكن أن تكون علاقة الإنسان بالوحي علاقة نفعية محضة؛ إذا تبناه وأنجز يزداد تبنيا له، وإذا أخفق تركه، فهذا الهزل في التعامل لا يليق بالفكر الجاد، فضلا عن الدين، قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين} [الحج: 11].

“يعني جلّ ذكره بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} أعرابا كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين من باديتهم، فإن نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة والدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإلا ارتدّوا على أعقابهم، فقال الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ} على شك، {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} وهو السعة من العيش وما يشبهه من أسباب الدنيا اطمأنّ به، يقول: استقرّ بالإسلام وثبت عليه، {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} وهو الضيق بالعيش وما يشبهه من أسباب الدنيا {انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} يقول: ارتدّ فانقلب على وجهه الذي كان عليه من الكفر بالله”([11]).

فاشتراط الإنجاز الحضاري من أجل قبول الدين خارج عن ماهيته، حتى مع وجوده ومع اليقين أن المسلمين كانت لهم إسهامات قوية في الحضارة الإنسانية، سواء على مستوى البناء العمراني أو على مستوى القيم والأخلاق والأفكار، لكن الإسلام لا يُعرَف من هذه الناحية ولا يُفهَم، بل إنما يفهم من ذاته ومن نصوصه المعبِّرة عنه، ومن تطبيقات الجيل الأول لهذه النصوص؛ لأنه المخاطب بالوحي ابتداء؛ ولذلك فإنه من الاحتيال على الوحي أن يستبعد النموذج الذي يعد تحقُّقًا عمليًّا لأوامر القرآن كما أراده الله ويستبعد تطبيقه، ويتعامل مع النصوص بعيدا عن مراعاة علم الصحابة وفهمهم؛ ليقع الإنسان في جدلية بين النص ومعناه، وبين النص وتطبيقه، وقد يصل في مرحلة من المراحل إلى أن التعامل الأمثل مع النص يكمن في تعليقه وجعل مسافة فاصلة بين النص والواقع تجعل النص غير قادر على مسايرته ومتابعته؛ مما يجعل إمكانية طرحه والاستغناء عنه ريثما يطوِّر نفسه بنفسه أمرًا مطروحًا ومقبولًا.

المظهر الثاني: الانقلاب على المعايير:

مر معنا في أول هذه الورقة مستوى التحفظ الذي اتَّسمت به النظرة الحداثية للوحي، والذي ظهر في شكل موقف من الوحي يجعل مبدأ الشك ظاهرة لا تخفى على دارس لهذه المدرسة ومنتجها العلمي والفكري، ولا شك أنه لا بد من اختلاق مبررات لهذا التحفظ، وقد كان من بين هذه المبررات الموقف من العلوم المعيارية، والتي تضبط وتعين المنهج السليم في التعامل مع الوحي ثبوتًا واستدلالًا، وهذه العلوم أساسًا هي علوم القرآن ومصطلح الحديث وأصول الفقه، ففي جانب علوم القرآن شكّلت إشكالية اللغة التي دُوِّن بها العلم الإلهي في اللوح المحفوظ أصالة، ومن ثم اصطدموا بهذا الإشكالية، فقد افترض بعضهم أن القرآن حُفظ بالمعنى دون الحرف، واعتبر اللغة عاجزة ومقصِّرة، وهي تعبر عن الأحداث أكثر من تعبيرها عن الحقائق([12]).

وهذا التشكيك في اللغة واتهامها بالعجز يعني بطبيعة الحال تجاوزها وعدم اعتبارها في تفسير الوحي، ولم يقف القوم عند هذا الحد، بل تجاوزوه إلى التشكيك في الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وغيرها من العلوم، وكل هذا محاولة منهم في رفض فكرة التفسير التراثي للقرآن، وإحلال مفاهيم أجنبية ومبسّطة محل العلوم المعيارية، ولا شك أن استبعاد أيِّ دورٍ للغة في فهم القرآن وعدم اعتبار العلوم الخاصة به علومًا تستحق الاعتبار لا يعدُّ التفافًا على النصوص وتفرُّدًا لصوصيًّا في تأويلها فحسب، بل هو أيضًا عملية سطوٍ معرفيٍّ مجرَّم، لا يمكن فهمه إلا في إطار العداء الحقيقيّ للنص؛ لأن استبعاد هذه العلوم يخرج القرآن عن معناه ومقصده، ويجعله يحاكم إلى مفاهيم قوم لا يؤمنون به.

أما السنة النبوية فقد عمدوا إلى تجاوز علم الحديث عمومًا واعتباره صنعًا بشريًّا، وجميع النصوص المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم هي نصوص وضعت عليه؛ إما من طرف الصحابة أو من طرف مصنفي السنة النبوية، ومما يدل على الكسل المعرفي تركيزهم على الرواة المكثرين في حد زعمهم، واعتبار الإكثار من الرواية دليلا على الكذب، وكأن المسلمين كانوا جالسين يتلقون كل ما يروى لهم عن رسول الله صلى الله عليه بأفواه فارغة، فمثلا حين يشكِّك الحداثيون في مرويات أبي هريرة على أنها وصلت خمسة آلاف حديث، فهذا يدلُّ على عدم استيعابهم لهذا العلم وجهلهم به إلى حد الجهل المركّب، فهم يخلطون بين الرواية والطرق، ويخلطون بين المكرر وغيره، وبين الضعيف والصحيح، وبين ما انفرد به أبو هريرة وبين ما لم ينفرد به، فإذا كان مجموع ما روى أبو هريرة عدده خمسة آلاف حديث -إن سلمنا بذلك- فما نسبة المكرر فيه؟ وما نسبة ما انفرد به أبو هريرة؟

والجواب على السؤالين: أن ما انفرد به أبو هريرة لا يتجاوز أربع مئة حديث، ومجموع رواياته لا تتجاوز ألفا وثلاث مئة حديث، وبين هذا وذاك يبقى النقاش في الصحيح منها والضعيف، وهو ما كفى علماءُ الحديث الأمةَ مؤنةَ تمييزه.

والعجب أن هذا الجهل المركب الذي يتميز به الحداثيون في هذا الباب لا يستحيون منه ليكون مدعاة لسكوتهم لا لنقدهم.

ومن نماذج إنكار العلوم الحديثية العمد إلى المصنفات في السنة النبوية والتشكيك في مروياتها وطبيعة تدوينها([13])، وكما مرَّ فإن هذا راجع إلى الجهل بطبيعة التدوين الحديثيّ، وأنه كان مبكّرًا، وتم وفق آليات معيَّنة لا يمكن التحايل عليها، فقد كان أهل الحديث معتنين بالرواة وبشيوخهم وبتلامذتهم وبأحوالهم، وهذا الاعتناء لم يقف عند معرفة حال الرواة، بل تجاوزه إلى ضبط الألفاظ الصادرة عنهم، وهل هي محتملة للسماع من غيره، فيجعلون ما كان محتملا للسماع موهمًا له تدليسًا، ويفصِّلون فيه تفصيلات كثيرة يمكن مراجعتها في كتب هذا الفن، إلا أن مؤدَّى إنكار علوم الحديث والتشكيك فيها هو التفاف على نصوص كثير من الوحي، وإهدار لها، وإحلال للهوى محلَّها.

وحين تأتي لأصول الفقه يفاجئك مستوى السطحية التي يتحلى بها الحداثيون مع آليات عميقة بحجم أصول الفقه، وأي فحص لمدى الأهلية يكشف ما قلنا. فهم ينسبون أصول الفقه للشافعي في غلطٍ عجيب بين إفراد الفنّ بالتصنيف وبين إنشائه، وممن نَظَّرَ لهذا نصر أبو زيد في كتابه “الشافعي وتأسيس إيديولوجيا الوسطية”([14]).

وقد نوع العبارة في هذا الكتاب للتأكيد على هذا المعنى، مع اعتبار علم أصول الفقه صناعة بشرية بحتة ينبغي إخضاعها للنقد والرد كما هو شأن جميع المنجزات البشرية، وهذا خلط بين الجانب الفني وهو التقسيم والتعريف والتأليف والتنظيم، فهذا جهد بشري؛ ولذلك اختلفت فيه أنظار المؤلفين، ولم يزل إلى اليوم يعيش ازدهارًا وبناء متجدّدًا، والجانب الثاني: هو المحتوى، وهو قائم على جانبين: المصادر الإجمالية كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، والثاني هو قواعد فهم النص كدلالة الأمر والنهي والناسخ والمنسوخ والتعارض والترجيح، فهذه المحاور موجودة قبل الشافعي، ومتقرِّرة قبله، فمصارد التشريع وقواعد فهمه لا مجال لأحد في إنشائها، ومساهمة الشافعي فيها هي إفرادها بالتأليف لا غير؛ ولذلك حين يختلف العلماء لا يتنازعون في أن هذه الآليات حاكمة لتصوُّراتهم وأفكارهم تجاه النصوص.

ولِتجاوز أصول الفقه مظهرٌ آخر عند القوم وهو خلق صراع بين الأدلة الشرعية والعقلية، واعتبار الأدلة العقلية قسيمًا للأدلة الشرعية، ومن هنا يفتعلون صراعًا بين الأدلة العقلية والأدلة الشرعية، والحقيقة أنَّ الأدلة الشرعية -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- قسمان: قسم نقلي وقسم عقلي، فالدليل العقلي من الأدلة الشرعية([15]). ثم الدليل الشرعي المعتبر هو خبر العدل الواحد، ومثل الأمر والنهي والعموم والقياس يجب اتباعها إلا أن يقوم دليل أقوى منها يدل على أن باطنها مخالف لظاهرها، ونظائر هذا كثيرة([16]).

والدليل العقلي مجاله واسع: القياس والاستصحاب والسياسة الشرعية والجمع بين الأدلة وترتيبها، فكل هذا عملية عقلية بحتة، لكن الذي يميز الدليل العقلي الشرعي هو أنه عاضد للنص لا حاكم عليه، تابعٌ له لا منفرد عنه، وعلى هذا النحو ورد الدليل العقلي في القرآن والسنة النبوية، فقد قرر القرآن مسائل الاعتقاد والأحكام بما تقبله العقول، وضرب الأمثلة العقلية المفهمة لهذا المعنى عند الناس، واستعمل أقربها للناس وأكثرها تأثيرًا؛ مثل ضربه للمثال بالمطر والجبال والإبل، وتشبيهه لحقيقة الحياة بالمطر النازل من السماء على الأرض، وبما ينبت من الزرع وسرعة زوالها بزواله.

المظهر الثالث: الجناية بالتأويل:

هذا نموذج صارخ للالتفاف على النصوص الشرعية من طرف الحداثيين، وهو استخدام تقنية التأويل لإعادة برمجة الشريعة وفق ما تهواه نفوسهم، ويتم التأويل عبر النفخ في مفاهيم معينة لا تتعارض مع الشرع، لكنها ليست أداة لفهمه؛ مثل مفهوم الإعمار والتعلق به، وجعله مقصدًا من مقاصد الشريعة، ويتم استبعاد مفاهيم أخرى أكثر أهمية منه ليحل محلَّها؛ مثل العبودية والاستسلام والعقيدة والإيمان بالغيب، ويتم تعلية المشترك الإنساني على حساب الخصوصية الثقافية والدينية لدى الأمة، ولا شك أن تضخيم هذا المفهوم وجعله في مقام المقصد والغاية سوف يحوج أصحابه إلى إعادة ترتيب الشريعة من جديد؛ فتأتي المعركة الفاصلة من أجل فهم النص وتنزيله؛ إذ التأويل الوجه الثاني للنص الذي يمثّل آلية من آليات الثقافة لإنتاج المعرفة، وهو عبارة عن توجه قصديٍّ إلى استخراج مغزى النصّ ودلالته، وهو بهذه الصورة يمثل جهدا بشريًّا بحتًا([17]).

وقد قام نصر أبو زيد في محاولته التبريرية للحدِّ من التصادم بين المفاهيم الغربيَّة والأصول الإسلامية بمحاولة الكلام عن التأويل وسياقه التاريخي، وادعى أن التأويل كان مصطلحًا شائعًا ومقبولا، قبل أن ينسحب تدريجيًّا ويفقد دلالته الحياديّة لصالح التفسير، ويكسب دلالة سلبية([18]).

وهذه المشاقة بين اللفظين هي تبرُّع بارد غير مقبول من نصر أبو زيد في قراءته للتاريخ الإسلامي وتفسيره لنشأة المصطلحات؛ إذ التأويل الذي رفض عند السلف ليس مرادفًا للتأويل الذي كان شائعًا من قبل، وجولة سريعة في كتب التفسير القديمة والحديثة تؤكِّد هذا المعنى، لكن هذه المشاقّة يردُّ نصر أبو زيد من خلالها ما أثر عن السلف؛ ليستحدث مفهومًا جديدًا للتأويل يتسنى له من خلاله تفسير النص عبر آليات مستحدثة، يمارس فيها رياضة صنع الأبدان الدينية؛ بعيدًا عن الآليات الشرعية ومقترحاتها الموضوعية التي لا تسمح له بمزيد من التحرك البهلواني في دائرة النصوص، وقد صرَّف الكاتب العبارة في كتبه من أجل تأكيد هذه الجدلية التي يختلقها بين المفاهيم، وبعد أن قرَّر أن التأويل بمعنى التفسير هو الذي كان سائدًا، وأن النموذج السنيَّ في التفسير يكتسي مصداقيته من الاستناد إلى الآثار؛ بَيَّنَ أن هذا النموذج غير مقنع؛ بدليل تصادمه مع العلم، وقدم على ذلك نموذجا وهو تفسير الرعد بالملَك في قوله سبحانه وتعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13]. وبيَّن أن المفسر المعاصر حين يتشبّث بهذا التفسير يجد نفسه في صدام مع حقائق العلم([19]).

وهذه المحاولة الاستهزائية ليست مقصودة لذاتها، وإنما المراد تعميمها وجعل الخطأ منهجًا عامًّا في التفسير بمعناه الأول؛ ليستبدل بعد ذلك بمصطلح جديد هو تعليق معاني النصوص حتى يثبت العلم صدقها، ونبدأ رحلة من التأخر في فهم النص والحذر من معناه، ريثما تترجم لنا كتب الحضارة الغربية العلمية، وننظر فيها، ونتأكد من مدى اتفاق الوحي معها.

وهذا التيه المعرفي الذي يجعل فيه نصر أبو زيد نفسه لا يقدم له حلًّا سوى تبنّي مناهج غيرية في تفسير الوحي؛ لأن مشكلته مع النص تكمن في أن آلياته المتبعة عند العلماء لا تضيِّق دلالة النص، وإنما توسِّعها، لكنها تحجر على المتلقي أن يثبت المعاني المحددة في نفسه دون الرجوع إلى النص، وقد حذر الحداثيون من بناء عقلية علمية تؤصِّل للحقيقة؛ لما سوف تؤدي إليه من حسم للدلالة وتحديد للمعنى([20]).

وقد حاول الحداثيون دمج الوعي في التفسير للنص الديني، وقصدوا بالوعي تجريبية القراءة، وتقديم الوجود على الماهية، واعتبار اجتماعية القراءة، وضرورة تجاوب النص مع تطلعات الإنسان؛ مما يجعل القراءة ظاهرة اجتماعية وإيديولوجية تزحزح جمود الواقع والعقل الإسلاميَّين، ولدمج الوعي بمجرى النص طريقان في القراءة:

  • أ‌- القراءة الأفقية: والتي تُعْنَى بالدلالة والتأويل في بنية النص الديني: الكتاب والسنة.
  • ب‌- القراءة العمودية: وهي التي تتبع السند والتراكمات التاريخية والعلاقات العامة السابقة على النص، والتي أسهمت في وجود النص([21]).

ويسعى الاتجاه الحداثي من خلال هذه الطرق إلى أن يؤسِّس لمبدأ مساءلة العلوم المعيارية المتعلقة بفهم النص؛ مثل علوم القرآن والأصول؛ ليؤكد بذلك تاريخيَّتَها وتاريخيَّة ما أنتجت من مواقف.

هذا مع تأكيدهم على مصادرة الآليات المحتكرة لفهم النص؛ لأن النص الديني يمثل عقبة في ذهن الكثير من المسلمين، وذلك نتيجة تأويل معيّن قد تبلور عبر التاريخ([22]).

ومن هنا أقاموا نظرية البحث الدلالي القائمة على التعلية من شأن الفهم على حساب المعنى، وقطع النظر عن أي بعد غيبي في التفسير، فالنظرية الفلسفية عند محمد أركون حولت السؤال: كيف يجب أن يكون المعنى حتى أفهمه؟ إلى سؤال جديد: كيف أفهم حتى يكون المعنى؟ وهو تحويل من بنية المعنى إلى بنية الفهم من المعنى المعطى من طرف الله أو من طرف العقل الأول في الفلسفة إلى المعنى المنبثق من الذات([23]).

فالتأويل عندهم تَحْيِينٌ للمعنى وجعله أسيرًا لذهنية القارئ والمتلقي؛ ليفهمه وفق معاييره الخاصة، ونفوا أن يكون وجود أي معنى أصلي لأيّ كلمة تنتج عنه المعاني اللاحقة لها([24]). فالمعاني تنتج عبر الأنظمة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وليست منبثقة عن النص نفسه ولو كان مقدَّسا([25]).

وهذا التوجه برمته يرنو في حالة المصالحة مع النص إلى أن يجعل التفسير له محصورا في الأبعاد المادية، وذلك ما صرح به بعضهم من تحديد غائية الشريعة من خلال الشعائر وحصرها في تهذيب الأخلاق الاجتماعية، وغاية التشريع سياسة المصالح العامة، ومن هنا يتم استبعاد الخوض في تفاصيل الأوامر والنواهي، وإحلال قضايا النهوض والبناء محلَّها؛ باعتبار أن الأمم نهضت بدون الدخول في هذه التفاصيل، فهي ليست شرطا في النهوض بالأمم، ويمكن إحلال أي قيم تساعد على النهوض محلَّها، وبطبيعة الحال فقد تراجعت قيمة تفاصيل الوحي لصالح المادية والمدنية، واعتبار الإنجاز الحضاري قيمة مطلقة يشاد بها، بغض النظر عن مدى اتسامها بالدين من عدمه، فضلا عن تحاكمها للوحي ودخوله في تفاصيلها؛ مما قد يعوق سرعتها في النهوض بالأمم على حد النظرة الحداثية العوراء للوحي، وكل هذا هروبا مما يسمونه العقل الديني المعقَّد في كنهه وممارسته ونتائجه، والتعقيد في منظورهم هو الاستجابة بسرعة لما تمليه الحياة المدنية من نفور من التاريخ وصراع مع الدين، ويتواصل البحث إلى ما لا نهاية ليصل إلى استحالة تأصيل العلوم الشرعية أو إمكانية وجود آلية منضبطة تسمح للدين بالتكيف مع الحياة أو إدارتها؛ مما يجعل التخلي عن جزء كبير منه أمرًا مطلوبًا وضرورة عقلية وواقعية، ومحاولة الالتفاف على الباقي مما لا يمكن رده أو تأويله وفق النظرة الحداثية.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) التدين المنقوص (ص: 176).

([2]) ينظر: جوهر الإسلام، لمحمد عشماوي (ص: 37).

([3]) ينظر: وجهة نظر (ص: 63).

([4]) ينظر: التجديد في الفكر السلامي، لعدنان أمامة (463).

([5]) ينظر: الدين وتطبيق الشريعة، للجابري (ص: 12).

([6]) ينظر: ورقة علمية: “مقاصد الشريعة دراسة نقدية للأغلاط والفجوات المعرفية للتيار الحداثي”، للحضرمي أحمد الطلبه.

([7]) ينظر: القواعد الفقهية الكبرى، للعز بن عبد السلام (1/ 15-16).

([8]) ينظر: نقد النص (ص: 65-64).

([9]) العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية (ص: 129).

([10]) تاريخية الفكر العربي الإسلامي (ص: 72).

([11]) تفسير الطبري (18/ 575).

([12]) ينظر: القرآن الكريم وعلومه في فكر حسن حنفي (ص: 49).

([13]) ينظر: إسلام المجددين (ص: 106)، الإسلام والحداثة (ص: 71) وما بعدها.

([14]) ينظر: (ص: 259) وما بعدها.

([15]) ينظر: منهاج السنة (1/ 8).

([16]) ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 344).

([17]) ينظر: مفهوم النص نصر أبو زيد (ص: 9).

([18]) ينظر: الخطاب والتأويل (ص: 174).

([19]) ينظر: مفهوم النص (ص: 140).

([20]) ينظر: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، لمحمد أركون (ص: 7).

([21]) ينظر: قراءة في القراءة، مجلة الفكر المعاصر، بيروت، عدد: 48-49 (ص: 19).

([22]) ينظر: تحديث الفكر الإسلامي (ص: 49).

([23]) ينظر: نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون، لمختار فجاري (ص: 14).

([24]) ينظر: الإسلام وأروبا الغرب، لمحمد أركون (ص: 29).

([25]) ينظر: المرجع نفسه (ص: 24).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

حديث الأوعال رواية ودراية

دأب كثير من أهل الأهواء على إنكار عقيدة أهل السنة والجماعة، واتهامهم بالمنكر من القول والزور، وطرقُهم وحيلُهم في سبيل تحقيق ذلك لا تنتهي، ومن أشهرها: أنهم يعمدون إلى حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم -بغضِّ النظر عن صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو ضعفها- ثم يلصقون العقائد المخالفة والأقوال […]

من قواعد الأسماء والصفات: التفصيل في مقام الإثبات والإجمال في مقام النفي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفة الله تعالى والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلّ علوم الدين كلها؛ فمعرفته أجل المعارف، وإرادة وجهة الكريم أجلّ المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم؛ وقد قال تعالى لرسوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلّةَ إبراهيم حَنِيفا وَمَا كَانَ […]

التأثُّر والتأثير بالقراءة رؤية سلفية

جلُّ الخلاف بين الطوائفِ والفرق راجعٌ إلى الحظوة العلميَّة ومدى شهادة العلم لأصحابه بالحقِّ، وأيُّ طائفة تراهِن على العلم ولا يزعجها الوعيُ الثقافيُّ ولا كثرة الاطلاع دائمًا ما تكون هي الأقوى في الحجَّة والأقرب للصواب، ومن هنا كانت القراءة أداةً للتحصيل العلميِّ ووسيلةً للاطلاع الواسعِ على شتى الفنون، فكان لزامًا على أيِّ حراك أن يتبنَّاها، […]

المصلحة بين ضبط أهل الأصول وفوضى المتأخِّرين

 جاءت الشريعة بالمصالح وتكميلها، وجعلتها مقصدًا من مقاصد التشريع التي لا يمكن تجاوزها، وراعتها في جميع التكاليف الشرعية، فما من تكليف إلا والشريعة تراعي فيه المصلحة من جهتين: من جهة تحصيلها، ومن جهة درء ما يعارضُها من مفاسد متحقِّقة ومظنونة. والمصلحة المعتبرة شرعًا قد أخرج الفقهاء منها اتباعَ الهوى وتأثيرَ الشهوات، وذلك بمقتضى النصوص الشرعية […]

هل المسجد النبوي الشريف مسجد مبنيّ على قبر؟

 عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك»([1]). دلَّ هذا الحديث على حرمة بناء المساجد على القبور. قال ابن تيمية: «وقد اتفق أئمة الإسلام على […]

لماذا يصطفي الله بعض البشر للنبوة ويجعلهم أول الفائزين؟!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة يــا صفوةَ الناسِ، أحباري معكَّرةٌ             وليسَ يروي يراعي اليـــومَ تحبيـــرُ فهل بعُمقِ عُبابِ الحُبِّ لي مددٌ             يفــــــوحُ منهُ على الوجدانِ كافورُ؟ هواكــمُ ليـــسَ إلا القلــبُ يفهمُهُ          وليسَ يُسعِفني فـي الحُبِّ تعبيـــرُ ….. أقلِّبُ الطرفَ في دُنيـــا فضـــائلكُـــم       يعـــود لي خاسئًا والطرْفُ محسورُ […]

القيم الروحيَّة وأهمّيتها في التديُّن

خلق الإنسان من جسد وروح، وجعلت سعادته وقيمته في الروح، وكان الجسد مجرَّد وعاء لهذه الروح، يشقى بشقائها ويسعد بسعادتها، فالروح لها قيمة عالية في تكوين حياة الإنسان وتشكيل انطباعه عن الحياة التي هي سر وجوده، ومن هنا كان الحديث عن القيم الروحية في تكوين التديُّن الصحيح للشخص حديثًا عظيمًا في جميع الفلسفات والأديان، وقد […]

 ترجمة الشيخ محمد بن بير علي البركوي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     ترجمة الشيخ محمد بن بير علي البركوي([1]) اسمه: هو محمد بن بير علي بن إسكندر الرومي البِرْكِويّ- بكسر الباء والكاف- أو البِرْكلي، أو البيرْكلي نسبة إلى (برْكَي)([2]) وهي بلده التي قضى آخر سنواته فيها. واشتهر بـ (البركوي) وهذا الذي عليه أكثر من كتب في ترجمته([3]). لقبه:  كان يلقب […]

حديث: «شدة الحر من فيح جهنم» والرد على المبطلين

من أبرز سمات المؤمن تصديقَه بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويقينه بأنه لا تعارض البتة بين المنقول الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعقول الصريح، وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) هذا المعنى بقوله: “ليس العقل الصحيح ولا الفطرة المستقيمة بمعارضة النقل الثابت عن رسول الله صلى […]

الغناء من جديد… إخفاء الخلاف.. ودرجة الخلاف.. ومسائل أخرى

 ليس الغرض من هذه المقالة إعادة البحث في مسألة الغناء من جهة الحكم، وبسط الأدلة والترجيح، والرد على المخالفين، فالموضوع من هذه الزاوية قد أشبع الكلام فيه قديمًا وحديثًا([1]). ولكن الغرض هو تقييم الموقف السلفي من هذه المسألة، والموقف الذي نريد تقييمه هو درجة الخلاف في المسألة؛ إذ يرى عامة العلماء السلفيين المعاصرين أن الخلاف […]

التجديد والثورة على السلف

لم يكن التجديد الإيجابيُّ مرفوضًا في داخل الثقافة الإسلامية، وكان تداوله تداولًا بريئًا لا يحمل أي شحنة ثقافية في رفض النقل عن السلف، ولا يعدّ المجدد خصيمًا للسلف ولا لإنتاجهم العلميّ، بل مستوعبًا وموضّحًا ما اندرس منه، وهنا استطاع المجدّدون من الأئمة البناء على المنجزات التي سبقتهم والإضافة إليها، دون الانحياز إلى فِناء آخر والبناء […]

نماذج من الالتفاف على النصوص الشرعية عند الحداثيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قامت النظرةُ الحداثية على اعتبار الدِّين قيمةً اغتصبت مركزَ القيادة في المجتمع، وحقُّها أن تُجعل في قفص الاتِّهام، ومن هنا جعلوا الوحي مرمًى لساهمهم، وحاولوا جعل جسور منيعة دونه للحيلولة بين الناس وبينه، وكان من أهم هذه الجسور التأكيد على انتهاء صلاحية العلوم المتعلّقة بالوحي وفهمه؛ ليتسنى لهم بعد […]

حديث: “الفتنة حيث يطلع قرن الشيطان” إيضاح ومناقشة لما أثير حوله من الإشكالات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله الذي يدافع عن الذين آمنوا وينصرهم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بالإنصاف وحثهم على التحلي به، ونهاهم عن مجاوزة الحدود في الخصام؛ فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا […]

موقف المدرسة السلفية من الخلاف الفقهي

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله»([1])، فهما مصدر التشريع لهذه الأمة، ولذا فقد كان المنهج السلفي قائمًا على العودة بالأمة إليهما، وطرح كل قول يخالفهما. وقد حرص المعاصرون من علماء المنهج السلفي على ذكر الدليل على ما يفتون به رغم أن هذا لا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017