الأربعاء - 15 جمادى الآخر 1440 هـ - 20 فبراير 2019 م

هل المسجد النبوي الشريف مسجد مبنيّ على قبر؟

A A

 عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك»([1]).

دلَّ هذا الحديث على حرمة بناء المساجد على القبور.

قال ابن تيمية: «وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد التي على القبور، ولا يشرع اتخاذها مساجد»([2]).

غير أن بعض أهل البدع ممَّن يعظِّمون القبور يجادلون في هذا الحكم الشرعي المحكَم بأن المسجد النبوي به قبر النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، ويجعلون هذا الأمر مَدعاة لأن يبنوا المساجد على القبور؛ زاعمين أنه لو كان حرامًا أو ممنوعًا لما كان قبره صلى الله عليه وسلم في مسجده([3])، ونحن في هذا المقال نجيب عن هذه الشبهة -بإذن الله تعالى- في النقاط الآتية:

أولًا: من المعلوم أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة التي كان يُمرَّض فيها اختلف الصحابة في موضع دفنه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ما نسيته، قال: «ما قبض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه»، ادفنوه في موضع فراشه([4])، ولأجل ذلك دفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة موضع موته.

وبذلك فإن القبر كان موضعه بجوار المسجد؛ وذلك لأن حجرات نسائه ليست من المسجد.

ثانيًا: تمَّ توسيع المسجد في عهد عمر رضي الله عنه، وكذلك في عهد عثمان رضي الله عنه من جهة النواحي الثلاثة، وتركت الناحية التي من جهة القبر، فلم يوسَّع المسجد من ناحيتها، وذلك حتى يظل القبر بعيدًا عن المسجد، كما يدل عليه قول عمر رضي الله عنه للعباس: «أما حُجَر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها»([5]).

ثم حدثت توسعة أخرى عام 88هـ عندما قام الوليد بن عبد الملك بأمر عامله على المدينة عمر بن عبد العزيز بأن يوسع المسجد من جميع النواحي، وأن يدخل الحجرات في المسجد، وإن أدى ذلك إلى أن يكون القبر محاطًا بالمسجد من كل الجوانب، وقد قام عمر بن عبد العزيز بجمع العلماء وأهل المدينة وأخبرهم، فشقَّ عليهم هذا، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بهذا، فأصرَّ على ما أمره به، فامتثل عمر بن عبد العزيز لأمره([6])، فسدّوا باب الحجرة وبُني عليها حائط آخر، ثم بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد، فبذلك يكونوا قد بنوا جدارين، وقد جعلوهما من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكّن أحد من استقبال القبر([7])، ولم يكن بالمدينة في ذلك الحين أحد من الصحابة؛ فإن آخرهم موتًا هو جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقد مات سنة 78هـ([8]).

ثالثًا: يظهر من هذا السياق أن المسجد لم يبنَ على القبر، وأن القبر لم يحفر بالمسجد، فالمسجد النبوي في الأصل لا علاقة له بالقبر، والقبر في الأصل لا علاقة له بالمسجد، وأن اجتماعهما كان بسبب توسعة المسجد من ناحية القبر، وهذا يدل على أن المسجد وإن أحاط بالقبر من جميع المواضع بسبب التوسعة، إلا إن القبر لم يدخل المسجد؛ لأن الأرض التي دفن بها النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لها حكم القبر، والأرض التي بني عليها المسجد ثبت لها حكم المسجد، فيظل كل واحد منهما على حاله([9]).

وبذلك يتضح أن المسجد النبويَّ ليس مسجدًا مقبورًا، وإن كان ظاهره أنه مقبور إلا أن حقيقته بخلاف ذلك، وبذا فلا حجَّة لأحد في الاستدلال به على جواز الدفن في المساجد أو بناء المساجد على القبور.

وقد يقول قائل: فلماذا لم ينقلوا القبر؟!

والجواب: أن موضع دفنه توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه كما سبق بيانه، ولحرمته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد غيره.

رابعًا: على فرض التسليم بأن المسجد النبوي صار مسجدًا مقبورًا بهذا الوضع، فإنه لا يقاس عليه غيره من المساجد المقبورة لأمرين:

الأول: أن المسجد النبوي ليس كغيره من المساجد، فقد اختصه الله بفضيلة ليست لغيره من المساجد سوى المسجد الحرام، وهي أن الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه عدا المسجد الحرام([10]).

الثاني: أن المسجد لا يمكن نقله، وأن القبر لا يمكن نقله، وهذا لا يمكن حدوثه في غير هذا الموضع، بخلاف المساجد المقبورة فإنها لا مانع من نقل القبر الذي بها، ولا خصيصة لها عن غيرها، فلا يقاس على هذه الصورة غيرها.

خامسًا: إن قيل: فكيف كانت تصلي السيدة عائشة في حجرتها والنبي صلى الله عليه وسلم مدفون فيها؟!

فالجواب: أنها قسمت بيتها قسمين، وجعلت بينهما حائطًا: قسم فيه القبور، وقسم تسكن فيه وفيه تصلّي، فقد ذكر ابن سعد عن مالك بن أنس أنه قال: «قسم بيت عائشة باثنين: قسم كان فيه القبر، قسم كان تكون فيه عائشة، وبينهما حائط»([11]).

سادسًا: يدَّعي بعض هؤلاء أنه لم ينكر سوى سعيد بن المسيب، وأن إنكاره لا لأنه يرى حرمة الصلاة في المساجد التي بها قبور، بل لأنه كان يريد أن تبقى حجرات النبي صلى الله عليه وسلم كما هي يطَّلع عليها المسلمون حتى يزهدوا في الدنيا ويعلموا كيف كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم([12]).

والجواب من وجوه:

الأول: أن هذا تلبيس؛ فإن المنقول أن أهل المدينة والفقهاء العشرة كلهم أنكروا لما قرأ عليهم عمر بن عبد العزيز كتاب الوليد بن عبد الملك، وهم المنقول عنهم هذا الرأي. أما سعيد بن المسيب فذكر ابن كثير عنه خاصة أنه أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد، كأنه خشي أن يتَّخذ القبر مسجدًا.

الثاني: أن قول أهل المدينة لعمر بن عبد العزيز: إن الرفض لأجل العبرة والعظة لا يلزم منه نفي أسباب أخرى غيره؛ فإنَّ هذا كان في الجواب عن خطاب الخليفة، فقد يقدم السبب الذي يقبله على السبب الذي لا يقبله.

الثالث: أنهم لو سكتوا جميعًا لما كان فيه حجة؛ إذ إن سكوتهم في هذه الحالة هو بسبب الإكراه، فلا يكون فيه حجة.

سابعًا: يذكر بعضهم في اختلاف الصحابة في موضع الدفن ما ذكره مالك في الموطأ بلاغًا وفيه: «فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع»، فيستدلون بأن المنبر من المسجد، ولم ينكر أحد هذا الاقتراح، وإنما عدلوا عنه لأمر آخر([13]).

والجواب: أن ذلك لا يدل على جواز الدفن بالمسجد؛ فإنه ربما قال أحد رأيًا وردَّه آخرون، والظاهر أن القصة -إن ثبتت- نقلت اختصارًا، فعن عمر مولى غفرة قال: «لما ائتمروا في دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قائل: ندفنه حيث كان يصلي في مقامه، وقال أبو بكر: معاذ الله أن نجعله وثنًا يُعبد»([14]).

والخلاصة: أن المسجد النبوي قد وجد قبل القبر، وأن القبر وجد دون ضمٍّ إلى المسجد، ومكان القبر توقيف، وإدخال الحجرات في المسجد استلزم إحاطة المسجد بالقبر، لكنه مفصول عنه بحائطين، فلا يكون بذلك داخلَ المسجد، ولا يكون المسجد به قبرٌ في هذا الوضع، وعلى فرض كونه قد صار به قبرٌ بالضَّمِّ، فإنَّه لا يُقاس عليه غيره؛ لما للمسجد من فضيلة ليست لغيره، ولأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز نقله، فلا حجة فيه على جواز الصلاة في المساجد التي بها قبور، والله تعالى أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) رواه مسلم (532).

([2]) مجموعة الرسائل والمسائل (1/ 59).

([3]) انظر: الرد على خوارج العصر (3/ 285).

([4]) رواه الترمذي (1018)، وصححه الألباني.

([5]) ينظر: الطبقات الكبرى (4/ 15).

([6]) انظر: البداية والنهاية (9/ 236).

([7]) انظر: شرح صحيح مسلم (5/ 14).

([8]) انظر: تحذير الساجد (ص: 80).

([9]) انظر: القول المفيد (1/ 339).

([10]) انظر: تحذير الساجد (ص: 182).

([11]) الطبقات الكبرى (2/ 224).

([12]) انظر: الرد على خوارج العصر (3/ 287).

([13]) انظر: الرد على خوارج العصر (3/ 287).

([14]) كنز العمال (18764)، وانظر: تحذير الساجد (ص: 15).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تصدير سِجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريِّين للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله (2)  

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا تَلتقِي الأديانُ السَّماوية في كَلِمة سواءٍ ومَقصد أعلَى، وهو جمعُ أهلِها على الهدَى والحقِّ؛ ليسعَدوا في الدنيا، ويَستعدُّوا لسعادةِ الأخرى. بهذا جاءَت الأديان المعروفةُ، وبهذا نزلَت كتُبها. والقرآنُ الذي هو المهَيمِنُ عَليها يُخبرنا بأنَّ كتابَ موسى إمامٌ ورحمة، وأنَّ الله تعالى أنزل التوراةَ والإنجيلَ هدًى للناس، وأنهما جاءَا بما جاء […]

تصدير سِجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريِّين (1) للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله([1])

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتَّقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد أشرف المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبِه أجمعين. {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53]. آمنت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبالكعبة قبلةً، وبالقرآن إمامًا، وبسيِّدنا […]

أطروحات ابن تيمية… ودعوى عدم الاستقرار

                                                                    للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  إنَّ من السنَّة توقيرَ العالم الذي لا يتقدَّم بين يديِ الله تعالى ورسوله؛ إذ “كل […]

حرب المصطلحات ” جولة حول إحدى تقنيات الحداثيين في أطروحاتهم “

                                                                    للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الجوهر والعرض والجنس والفصل والماصدق والمركب والذرة والمتحيز واللامحدود وغيرها من المصطلحات، دخلت على […]

حديث: «تقتل عمارًا الفئةُ الباغية».. شبهات وردود

لا ريبَ أنَّ الدماءَ التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم كانت فتنةً سقَط فيها طوائفُ من أهل البدع؛ كالخوارج والروافض والمعتزلة، وعصم الله تعالى أهلَ السنة والجماعة من الوقوع في شِرَاكها؛ حيث رأَوا وجوبَ إحسان الظنِّ بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والسكوت عمَّا شجر بينهم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا […]

أوَ مِن العدل والإنصاف أن يُعَذّبَ ذو الخلق والإحسان من الكفّار ؟!

لو أنَّ موظَّفًا في شركة مرموقةٍ توفِّر له غالب احتياجاته، وكان الجميعُ حوله حسنَ التعامل، متعاونين متكاتفين، وهو أيضًا كذلك مع الجميع، لكن الأمر كان مختلفًا مع صاحب الشركة ومدير العمل!! لقد كان سيئًا في التعامل معه، مقلًّا للأدَب، بطيئًا في إنجازاته ومهامِّه! مع أنَّه حسنُ الخلق ولبِقٌ في التعامل مع زملائه وأقرانه. فهل يا […]

عرض وتعريف بكتاب: دراسة حديثية تحليلية نقدية لكتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية، للدكتور طاهر جابر العلواني)

 معلومات الكتاب: عنوان الكتاب: دراسة حديثية تحليلية نقدية لكتاب (إشكالية التعامل مع السنة النبوية) -للدكتور طاهر جابر العلواني-. اسم المؤلِّف: د. أحمد جمال أبو يوسف، دكتوراه في الحديث الشريف وعلومه من الجامعة الأردنية. قدَّم له: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن العتيبي. حجم الكتاب: يقع في ثلاث مائة وأربعَ عشرة صفحة. أهداف الكتاب: هدف المؤلِّف إلى […]

حديث: «القاتل والمقتول في النار» ودفع المعارضة

 إنَّ المتتبعَ لشُبهاتِ أهل البدَع على اختِلاف أطيافِهم، يلحَظ أنَّ القاسمَ المشترَك بينَهم هو أُحاديَّة التفكير، وتتبُّع المتَشابِه، مع لـَيِّ أعناق الأدلّة؛ لتُوافق أهواءهم؛ لذا حذَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم مِن مسلكِهم. فقد روَت أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنه قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ […]

طعنُ ابن تيميّة في الإمام علي.. فريةٌ بتراء

                                                                                              للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله […]

السلفية وتهمة تفريق الأمة

تمهيد: لا يُمكن نفيُ أنَّ أيَّ طائفةٍ أو مَنهج يوجَد فيه الأصفياءُ والأدعياءُ، والحكمُ عليه بتصرُّفات أدعيائه ظلمٌ له وجَور في حقِّه. ومِن أكثرِ المناهجِ وقوعًا تحتَ نَير الظلم بنسبة أدعيائه إليه وتعميم أخطائهم المنهجية ومحاكمة المنهج إليها: المنهجُ السَّلفي، حتى صار أكبر مناقض للمنهج السلفي السمة التي يرمز له بها أولا وهي قضية تفريق […]

فرية أمْرِ معاوية بلعن علي رضي الله عنهما على المنابر.. مرة أخرى

قديمًا قال العرب في أمثالهم: “ابدأهم بالصراخ يفروا”، وهو مثَل قد ابتذَله الناس، وأصله كما قال أبو عبيد: “وذلك أنَّ يكونَ الرجل قد أساء إلى رجل، فيتخوَّف لائمةَ صاحبه، فيبدؤه بالشكاية والتجنّي؛ ليرضى منه الآخر بالسكوت عنه”([1]). وما أشبه الليلة بالبارحة! فإننا نجد الشيعة ومن وافقهم يطعنون في الشَّيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- […]

عرض ونقد لكتاب “قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة”

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة جاء الإسلامُ بأسمى شريعة وأفضل نظام، ولم يترُك مجالًا من المجالات إلا وتحدَّث عنه أو أشارَ إليه، وبقيَ المسلمون على مرِّ العصور يستلهمون أفكارَهم من الكتاب والسنة ويستندون عليهما في شؤون حياتهم، وقد عرف التاريخُ الإسلامي أنواعًا من المناقشات والجدل والمناظرات والكتابات حول عدد من الموضوعات التي كانت ولا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017