الخميس - 06 ربيع الآخر 1440 هـ - 13 ديسمبر 2018 م

هل توحيد الألوهية بدعة ابن تيمية؟ -إبطال دعوى كون ابن تيمية مخترع مبحث الألوهية-

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

المقَـــدّمَــــــة:

“أقضي أياما وأسابيع في سريري أبكي وأصرخ، وكأن شخصًا ما يوخز جسمي بإبر كبيرة، أنا لا أعيش، أنا أحاول ذلك”([1]).

تلك كلمات الشابة البلجيكية البالغة من العمر 32 عامًا، والتي قررت الخضوع للموت الرحيم بعد حصولها على الموافقة القانونية للموت الرحيم، مع أنها فتاة في ريعان شبابها وفي عمر الزهور، وامتلكت جميع وسائل السعادة المادية من مسكن ومأكل وملبس وغيره، لكنها ترى أن الحياة لا طعم لها ولا سعادة فيها، ولا فائدة من وجودها في هذه الحياة ولا غاية.

إن المقصود بالموت الرحيم هو الانتحار وقتل الإنسان نفسه بإعطائه جرعات من السم في عيادات مخصَّصة لذلك، وغالبًا ما يتمّ بموافقة الإنسان ورغبته المجردة في إتمام هذه العملية([2]).

ليست الحلقات المثيرة في القصة هو ما يهمنا في مقالنا هذا، بل المهم هو أن نقف نحن وإياك على حالة الإفلاس الحضاري الذي تعاني منه البلدان الغربية ومذاهبها وأفكارها بعد أن أعرضت عن الله وعن شريعته ونظامه الذي اختاره للإنسان، وزعمت أنها وضعت الدين ورجاله في حبل المشنقة، بينما كانوا هم في الحقيقة أوَّل من لقوا حتفهم جراء ما فعلوا.

ذلك أنهم تركوا “الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة متوقِّف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم، فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطمعوه، تعالى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع الخلق فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم الضرورية وغيرها؛ ولهذا قال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} أي: كثير الرزق، الذي ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] أي: الذي له القوة والقدرة كلها، الذي أوجد بها الأجرام العظيمة، السفلية والعلوية، وبها تصرف في الظواهر والبواطن، ونفذت مشيئته في جميع البريات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن قدرته وقوته أنه يبعث الأموات بعدما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار ولجج البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، فسبحان القوي المتين!”([3]).

إذن الإنسان مضطرّ ولا بد إلى إله يخضع له ويؤمن به ويتوكَّل عليه، ويرجو رحمته ويخشى عقابه، وهذا هو توحيد الألوهية، وما إن يُعرض عن هذه الحقيقة حتى ينتهي إلى العبثية والعدمية، فيكون كالبهائم والأنعام بل أضل.

ومن هنا ركَّز علماء الإسلام جهدَهم وأَجْرَوا أقلامهم في هذه القضية المحورية في حياة الإنسان؛ إذ الانحراف عن تلك الحقيقة ضلال للبشرية عن مسارها المرسوم من قبل رب العالمين، فبيَّنوا أن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له هي المقصود الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع.

ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين اعتنوا بهذا الأصل الأصيل شيخ الإسلام ابن تيمية، وله في ذلك كلام كثير في غاية النفاسة، يقول رحمه الله: “وهذا هو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فقد فني من قلبه التألُّه لغير الله، وبقي في قلبه تألُّه الله وحده، وفني من قلبه حبُّ غير الله وخشية غير الله والتوكل على غير الله، وبقي في قلبه حب الله وخشية الله والتوكل على الله، وهذا الفناء يجامع البقاء، فيتخلى القلب عن عبادة غير الله، مع تحلي القلب بعبادة الله وحده، كما قال صلى الله عليه وسلم لرجل: «قل: أسلمت لله وتخلَّيت»، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بالنفي مع الإثبات؛ نفي إلهية غيره، مع إثبات إلهيته وحده، فإنه ليس في الوجود إله إلا الله، ليس فيه معبود يستحق العبادة إلا الله؛ فيجب أن يكون هذا ثابتًا في القلب… وهذه الولاية لله مقرونة بالبراءة والعداوة لكل معبود سواه ولمن عبدهم، قال تعالى عن الخليل عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 26-28]، وقال: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75-77]… والخليل قد تبرأ من كل ما كانوا يعبدون إلا من رب العالمين، وقد جعله الله لنا وفيمن معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ…} [الممتحنة: 4-6]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، وهذا تصديق قوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62]… {وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ} [القصص: 87، 88]. والإله هو: المألوه، أي: المستحق لأن يؤله، أي: يعبد، ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده، وكل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل”([4]).

وهذه القضية العظيمة لم تكن من بنات أفكار شيخ الإسلام ابن تيمية كما يزعم بعض المغرضين، بل هي قضية جوهرية حاضرة بقوة وبجلاء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن تكون معدومة في كتب السنن والآثار وكلام الأئمة الأعلام قبل ابن تيمية رحمهم الله أجمعين.

وللبحث في هذه المسألة يجدر بنا أن نحدق النظر ونعيد التأمّل في نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة السابقين، دون أن نلتفت إلى ابن تيمية طرفة عين.

القرآن الكريم وتوحيد الألوهية:

إن الآيات القرآنية الكريمة الواردة في التوحيد كثيرة متضافرة كما هي العادة مع القضايا الرئيسة في القرآن الكريم، ويظهر فيها التفريق جليًّا بين توحيد الربوبية والأسماء والصفات وبين توحيد الألوهية.

1- فقد ورد توحيد الله تعالى بأقسامه في فاتحة القرآن الكريم وأمّ الكتاب، يقول الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 2-5].

فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات -والذي يسمِّيه بعض العلماء: التوحيد العلمي أو الاعتقادي- دلّت عليه الآيات الأولى وهي قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، فدلَّت على انفراده سبحانه وتعالى بالحمد المطلق، وهو المدح المتضمن للتعظيم ومدحه بما يتَّصف به من صفات الكمال ونعوت الجلال، كما دلت أيضا على تفرده بالربوبية المطلقة للكون والوجود، فله كمال الربوبية سواء في الحياة الدنيا أو في الآخرة. وكذلك دلت على ما له سبحانه وتعالى من الأسماء الحسنى والصفات العلى، فله من الأسماء أجملها وأعلاها، وله من الصفات أجلُّها وأكملها، فهو الله والرب والرحمن والرحيم والمالك، له الربوبية الحقة والكمال المطلق، وهو رحمن رحيم بعباده، له كمال الرحمة سبحانه وتمام الملك والقهر والجبروت.

وأما توحيد الألوهية فقد دلت عليه الآية الكريمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالعبودية الحقة لا تكون إلا له سبحانه وتعالى، فعلى العبد أن يفرده بالعبودية والاستعانة بجميع معانيها، ولا يشرك به شيئًا في ذلك.

وكذلك هو مضمَّنٌ في الآية الأولى؛ حيث أفرد الله سبحانه وتعالى بالحمد، وهو من أجل العبادات، كما ذلك الإمام الطبري رحمه الله تعالى حيث يقول: “ومعنى {الْحَمْدُ لِلَّهِ}: الشكر خالصًا لله -جل ثناؤه- دون سائر ما يُعبد من دونه، ودون كلِّ ما برَأَ من خلقه، بما أنعم على عباده من النِّعم التي لا يُحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحدٌ، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلَّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وَغذَاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم لذلك عليه، ومع ما نبَّههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدِّية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم. فلربِّنا الحمدُ على ذلك كله أولا وآخرًا… -إلى أن قال:- إن لدخول الألف واللام في الحمد معنى لا يؤديه قول القائل: حَمْدًا، بإسقاط الألف واللام؛ وذلك أن دخولهما في الحمد مُنْبِئٌ عن أن معناه: جميعُ المحامد والشكر الكامل لله. ولو أسقطتا منه لما دَلّ إلا على أنّ حَمْدَ قائلِ ذلك لله، دون المحامد كلها؛ إذْ كان معنى قول القائل: حمدًا لله أو حمدٌ لله: أحمد الله حمدًا، وليس التأويل في قول القائل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} تاليًا سورةَ أم القرآن: أحمدُ الله، بل التأويلُ في ذلك ما وصفنا قبلُ: من أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه، بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا، والعاجل والآجل؛ ولذلك من المعنى تتابعتْ قراءة القرّاء وعلماء الأمة على رَفع الحمد من: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} دون نصبها الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك: أحمد الله حمدًا. ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب لكان عندي مُحيلًا معناه، ومستحقًّا العقوبةَ على قراءته إياه كذلك إذا تعمَّد قراءتَه كذلك وهو عالم بخطئه وفساد تأويله”([5]).

وقال رحمه الله تعالى: “وتأويل قوله: {إيَّاكَ نَعْبُدُ}: لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ؛ إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك… عن عبد الله بن عباس قال: قال جبريلُ لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}: إياكَ نُوحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك”([6]).

وقال: “ومعنى قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: وإياك رَبنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها، لا أحدًا سواك؛ إذْ كان من يكفُر بك يَستعين في أمورِه معبودَه الذي يعبُدُه من الأوثان دونَك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة… عن عبد الله بن عباس: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: إياك نستَعِينُ على طاعتك وعلى أمورنا كلها”([7]).

وهنا لطيفة بارزة تكلم عليها العلماء كثيرًا، وهو أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وهو ما نجد الإشارة إليه في هذه الآيات؛ فقد بدأ سبحانه وتعالى باللازم وهو توحيد الربوبية، ثم استدل به على ما بعده، فثنَّى بالملزوم وهو توحيد الألوهية.

2- ولو أردنا الغوص في معنى المفردة الثانية من مفردات فاتحة الكتاب وهو اسم (الله) سبحانه وتعالى لدلنا على هذا التوحيد، فإن اسم الله من: أله يأله إلاهة فهو مألوه، بمعنى: عبد يعبد فهو معبود، قال الزجاج: “ومعنى قولنا: إلَه إنما هو الذي يستحق العبادة، وهو تعالى المستحق لها دون من سواه”([8])، وكذا قال الزجاجي: “أصله الإله، ثم حذفت الهمزة تخفيفًا، فاجتمعت لامان، فأدغمت الأولى في الثانية فقيل: الله، فإِلَه فِعال بمعنى: مفعول، كأنه مألوه أي: معبود مستحق للعبادة يعبده الخلق ويؤلهونه. والتأله: التعبد. قال رؤبة:

لله در الغانيات المدَّهِ        سبَّحن واسترجعن من تألُّهي

أي: من تعبُّدي، والمصدر من ألهت: الألوهة”([9]).

وهو ما أكده ابن فارس -رحمه الله- حين رد هذا الجذر إلى أصله فقال: “(أله) الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبّد. فالإله: الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود. ويقال: تأله الرجل: إذا تعبد”([10]).

قال الفيروز آبادي: “أله إلاهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، واختلف فيه على عشرين قولا ذكرتها في المباسيط، وأصحُّها أنه علم غير مشتق، وأصله: إِلَه كفِعال، بمعنى: مألوه. وكل ما اتخذ معبودًا إله عند متَّخذه”([11]).

وهذا الذي بيَّنه أهل اللغة هو ما نجد الإمام الطبري أيضًا يصرح به على ضوء ما بلغه عن الصحابة رضوان الله عنهم؛ حيث يقول: “وأما تأويل قول الله تعالى ذكره: {الله} فإنه على معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عباس هو: الذي يَألَهه كل شيء، ويعبده كل خلْقٍ… عن عبد الله بن عباس قال: الله ذو الألوهية والمعْبودية على خلقه أجمعين… فإن قال: وما دلّ على أن الألوهية هي العبادة وأنّ الإله هو المعبود وأنّ له أصلا في فعل ويفعل؟ قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل يصف رجلا بعبادة وبطلب مما عند الله جل ذكره: (تألَّه فلان) بالصحة، ولا خلاف… ولا شك أنّ التألُّه التفعُّل من: ألَه يأله، وأن معنى أله إذا نُطق به: عَبَدَ اللهَ. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه بفعل يفعل بغير زيادة… عن ابن عباس أنه قرأ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) [الأعراف: 127]، قال: عبادتَك، ويقال: إنه كان يُعبَد ولا يَعبُد… عن مجاهد: قوله (ويذرَكَ وإلاهتك) قال: وعبادتَك. ولا شك أن الإلاهة -على ما فسره ابن عباس ومجاهد- مصدرٌ من قول القائل: أله اللهَ فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عَبَد الله فلانٌ عبادةً، وعَبَرَ الرؤيا عبارةً. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أنّ أله عَبد، وأن الإلاهة مصدرُه”([12]).

وقد رأينا في كلام ابن جرير -رحمه الله تعالى- أن مستنده فيما ذكره من معنى توحيد الألوهية هو قول الصحابة والتابعين كحبر الأمة ابن عباس وتلميذه المفسر النجيب مجاهد بن جبر.

3- هذا ما دلتنا عليه السورة الأولى من سور القرآن الكريم، ولو سلطنا الضوء على آخر سورة من سور القرآن لوجدناه دالًّا على المعنى ذاته، يقول تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ} [الناس: 1-3].

ففي هذه الآيات أيضًا نجد الابتداء بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فالله سبحانه وتعالى له الربوبية المطلقة على الناس وعلى الكون والوجود، فهو الخالق المالك المدبر المنعم، وهو المتفرد بصفات الجلال ونعوت الكمال سبحانه، فهو الملك والرب، ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنه المستحق للعبادة والإفراد بالتأليه؛ لانفراده بالربوبية والتدبير سبحانه، فقال تعالى: {إِلَهِ النَّاسِ}.

قال أبو جعفر الطبري: “يقول -تعالى ذكره- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد: أستجير {بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ}، وهو ملك جميع الخلق: إنسهم وجنهم وغير ذلك؛ إعلاما منه بذلك من كان يعظم الناس تعظيم المؤمنين ربهم أنه ملك من يعظمه، وأن ذلك في مُلكه وسلطانه، تجري عليه قُدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحقّ بالتعبد له ممن يعظمه، ويُتعبد له، من غيره من الناس. وقوله: {إِلَهِ النَّاسِ} يقول: معبود الناس، الذي له العبادة دون كل شيء سواه”([13]).

4- وكذلك الحال في أول نداء للبشرية في القرآن الكريم، وهو قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21، 22].

فبعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى أصناف البشرية في هذه الحياة، وأنهم ما بين مؤمن وكافر ومنافق، جاء النداء شاملًا عامًّا صريحا للجميع بإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة لجميع البشرية، وعدم إشراك أحد معه سبحانه وتعالى في ذلك؛ إذ هي الغاية التي خلقهم من أجلها، وهو توحيد الألوهية الذي قامت عليه الدلائل والبراهين، وأعظم البراهين الدالة عليه انفراده سبحانه بالربوبية؛ فهو الخالق للإنسان، وهو الخالق لمن كان سببًا في وجودنا من الآباء والأجداد، ولمن كان قبلنا من القبائل والدول، وهو الخالق المالك المدبر للأرض التي تقلُّنا والسماء التي تظلنا والأرزاق التي تحيط بنا من أمطار وثمرات ومطعومات ومشروبات وكماليات. وانفراده بكل ذلك مستلزم لإفراده بالعبادة وعدم إشراك غيره فيما يختص به من العبادة والتذلل والخضوع، كما قال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22].

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى: “فأمرَ -جل ثناؤه-… بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة؛ لأنه -جلّ ذكره- هو خالقهم، وخالقُ مَنْ قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالقُ أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، فقال لهم -جل ذكره-: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفع ولا ضرّ. وكان ابن عباس -فيما رُوي لنا عنه- يقول في ذلك نظيرَ ما قلنا فيه، غير أنه ذُكر عنه أنه كان يقول في معنى {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ}: وحِّدوا ربكم. على أن معنى العبادة: الخضوعُ لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة. والذي أراد ابن عباس -إن شاء الله- بقوله في تأويل قوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ}: وحِّدوه، أي: أفردُوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه”([14]).

وقال في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: “وتأويل ذلك: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم، وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكُم له العبادة؛ لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم. وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويل قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: تُطيعون”([15]).

5- وكذلك لو تأملنا في السورتين اللتين كانتا منطوق النبي صلى الله عليه وسلم في أول نهاره في ركعتي الفجر وأول ليله في ركعتي المغرب، وهما سورتا الكافرون والإخلاص؛ واللتين تسميان سورة الإخلاص تغليبًا؛ ودلالة على ما تضمنتهما من نوعي التوحيد، فسورة الكافرون تلخِّص توحيد الألوهية ومقتضياته، يقول تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [سورة الكافرون]. فهذه السورة الكريمة صريحة في بيان توحيد الألوهية من إفراد العبادة لله سبحانه وتعالى، وعدم إشراك غيره فيها، سواء في آلهة الكفار أو غيرها من الآلهة الباطلة، بل البراءة منها ومن عابديها.

ويتضح الأمر جليًّا إذا ما أخذنا في الحسبان سبب نزول هذه السورة، يقول أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى: “يقول -تعالى ذكره- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة، فأنزل الله معرفة جوابهم في ذلك: {قُلْ} -يا محمد- لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة على أن يعبدوا إلهك سنة: {يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} بالله، {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} من الآلهة والأوثان الآن، {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}…”([16]).

فإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة هو ملخص هذه السورة، وهو ما يقصده العلماء بتوحيد الألوهية.

وأما سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن كما أخبر الصادق عليه الصلاة والسلام([17])؛ فإنها اشتملت على توحيد الربوبية والأسماء والصفات كما ذكر المازري والقاضي عياض، وذلك صريح واضح في السورة حيث يقول تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص].

قال القاضي عياض: “قال بعضهم: قال الله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير} [هود: 1]، ثم بين التفصيل فقال: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه} فهذا فصل الألوهية، ثم قال: {إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير} [هود: 2] وهذا فصْل النبوة، ثم قال: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْه} [هود: 3] فهذا فصْل التكليف، وما رواه من أمر الوعد والوعيد، وعليها أجزأ القرآن بما فيه من القصص من فصْل النبوة لأنها من أدلتها، وفهمها أيضًا ما يدل على أن الله فسَّرها، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} جمعَت الفصْل الأول“([18]).

وينجلي الأمر أيضًا حينما نوجِّه أنظارنا إلى سبب نزول هذه السورة، فقد سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينسب لهم ربَّه ويصفَه ليتعرفوا عليه، فأنزل الله عزَّ وجل هذه السورة، وهي أعظم السُّور في التعريف بالله سبحانه وتعالى.

6- ومن الآيات الناطقة بهذا التقسيم للتوحيد قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56-58]، فإن فيه ذكر توحيد الألوهية وفيه أنه الغاية.

فالله سبحانه وتعالى بيَّن الغاية التي من أجلها خلق الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب، ولو ابتعدوا عن تلك الغاية ادلهمت عليهم الخطوب والملمات من كل حدب وصوب، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ولو ملكوا كنوز الدنيا، فالغاية من خلق الإنسان هو إفراده لمولاه سبحانه وتعالى بالعبادة، وذلك هو توحيد الألوهية كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، ثم أكد سبحانه وتعالى على هذه الغاية بكونه هو الرازق والمالك والمدبر للإنسان، وذلك ما يوجب على الإنسان إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة فقال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}.

يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى: “وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو: ما خلقت الجنّ والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا… وقوله: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ} يقول تعالى ذكره: ما أريد ممن خلقت من الجنّ والإنس من رزق يرزقونه خلقي {وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} يقول: وما أريد منهم من قوت أن يقوتوهم، ومن طعام أن يطعموهم… يقول تعالى ذكره: إن الله هو الرزّاق خلقه، المتكفل بأقواتهم، ذو القوّة المتين”([19]).

7- ومن الآيات الدالة على انقسام التوحيد إلى توحيد ربوبية وألوهية قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، ففي هذه الآية بيَّن سبحانه وتعالى أن إليه شيئين أو نوعين: الخلق والأمر، والواجب على العبد تجاه الخلق الاعتراف لله بذلك والإقرار له بانفراده به، وهو توحيد الربوبية، وأما الأمر فالواجب على العبد تجاهه هو الامتثال والعمل بأمره، وهو المقصود بتوحيد الألوهية، وهو إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، فكل ما يأمر الله به يأتمر به، وكل ما نهى الله عنه ينتهي عنه.

8- ومن الآيات الدالة على انقسام التوحيد إلى توحيد ربوبية وألوهية أيضًا قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 163، 164].

فهنا نجد القرآن ابتدأ القول ببيان توحيد الألوهية، فالإله بمعنى: المألوه المعبود، وقوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي: معبودكم هو المعبود الحق، وهو واحد سبحانه لا معبود بحق سواه؛ وأعقبه بدليل ذلك وهو توحيد الربوبية، وأنه متفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير.

وما أحسن ما قاله الإمام الطبري رحمه الله تعالى: “فمعنى قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}: والذي يستحق عَليكم -أيها الناس- الطاعةَ له ويستوجب منكم العبادة معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحد، فلا تعبدوا غيرَه، ولا تشركوا معه سواه، فإنّ من تُشركونه معه في عبادتكم إياه هو خَلقٌ من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد، لا مثلَ لهُ وَلا نَظير… وأما قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا ربَّ للعالمين غيرُه، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه، والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجْر الأوثان والأصنام؛ لأنّ جميع ذلك خلقُه، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة، ولا تَنبغي الألوهة إلا له؛ إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك، وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه، وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفعُ في عاجل ولا في آجل، ولا في دنيا ولا في آخرة.

وهذا تنبيه من الله -تعالى ذكره- أهلَ الشرك به على ضلالهم، ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم، ثم عرَّفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها موضعَ استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبَّههم عليه من توحيده وحُججه الواضحة القاطعة عُذرَهم، فقال -تعالى ذكره-: أيها المشركون، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أنّ إلهكم إله واحد، دونَ ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان، فتدبروا حُججي وفكروا فيها، فإن من حُججي خَلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلكُ التي تجري في البحر بما يَنفعُ الناس، وما أنزلت من السماء من ماء، فأحييت به الأرض بعد موتها، وما بثثتُ فيها من كل دابة، والسحاب الذي سَخرته بين السماء والأرض. فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به، إذا اجتمع جميعه فتظاهرَ أو انفرد بعضُه دون بعض، يقدر على أن يخلق نظيرَ شيء من خَلقي الذي سميتُ لكم، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذرٌ، وإلا فلا عُذر لكم في اتخاذ إله سواي، ولا إله لكم ولما تعبدون غَيري. فليتدبر أولو الألباب إيجازَ الله احتجاجَه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده في هذه الآية وفي التي بعدها بأوْجز كلام وأبلغ حجة وألطف معنى، يشرف بهم على مَعرفة فضْل حكمة الله وبَيانه”([20]).

كانت تلك جولة سريعة حول الآيات الواردة في التوحيد، والتي ذكرت توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وقد مر بنا كثير من نصوص الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، خاصة المفسر الشهير المهتمّ بآثار السلف الصالحين الإمام الطبري رحمه الله تعالى، وهو ما يؤكد أصالة هذا التوحيد وهذا التفريق بين نوعي التوحيد، والذي ما يزال يصرُّ أعداء ابن تيمية بأنه من كيسه ومن اختراعه، وأنه من بِدَعه التي لم يقل بها أحد قبله!!

السلف وتوحيد الألوهية:

كما رأينا في النصوص الآنفة، لم يكن تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وربوبية من اختراعات ابن تيمية، بل ذلك موجود في الوحي المنزل، ولقد كان السلف -رحمهم الله تعالى- من الصحابة ومن تبعهم سائرون على نهج الوحي المعصوم، ونصوصهم في تقسيم التوحيد معلومة، وقد سبق إيراد شيء منها، ودونك نصوص أخرى عنهم:

1- فهذا حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يتكلم عن توحيد الألوهية ويقول: “وإنما عَنى تعالى ذكره بقوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، أي: لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تَنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه”([21]).

فانظر كيف فرَّق بين الألوهية والربوبية، فذكر أنه نهى عن الإشراك بالله سبحانه وتعالى غيره وهو يتكلم عن الشرك في الألوهية، ثم استدل على ذلك بتوحيد الربوبية فقال: “وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره”.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضا عند قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106]: “يعني النصارى، يقول: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}، [لقمان: 25]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، ولئن سألتهم من يرزقكم من السماء والأرض؟ ليقولن: الله. {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} وهم مع ذلك يشركون به ويعبدون غيره، ويسجدون للأنداد دونه”([22]).

وهنا أيضا تفريق صريح بين نوعي التوحيد، فأثبت أنهم يقرون لله بالخلق وغيره، وبه فسَّر إيمانهم الوارد في الآية، ولكنهم لا يوحِّدونه في الألوهية بل يشركون به غيره ويعبدون غيره.

2- ونلمس هذا التفريق أيضًا في كلام شيخ القراء والمفسرين الإمام مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى؛ حيث يقول في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}، قال: “إيمانهم قولهم: الله خالقُنا، ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيرَه”([23]).

ففرَّق بين ما آمنوا به وأقروا به من انفراده بالخلق والرزق والتدبير، وهو يدل على توحيد الربوبية، وبين ما أشركوا بالله فيه غيره وهو توحيد الألوهية، فلم يفردوه بالعبادة سبحانه وتعالى، بل أشركوا معه غيره.

3- وذلكم الحافظ الإمام قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى؛ حيث يقول في قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]: “أي: تعلمون أنّ الله خَلقكم وخلق السموات والأرض، ثم تجعلون له أندادًا”([24]).

فنوَّه على إقرارهم وإفرادهم لله تعالى بالخلق، وهو جزء من أجزاء توحيد الربوبية، ولكنهم مع إقرارهم بذلك لم يلتزموا بلازمه، ولم يوحِّدوا الله سبحانه وتعالى في الألوهية، ولم يفردوه بالعبادة، بل جعلوا له أندادًا.

4- وإمام المفسرين الإمام الطبري -رحمه الله تعالى- قد سبق كثير من أقواله في هذه القضية، ونصوصه في ذلك متضافرة، وهنا أُورد أحد نصوصه القيِّمة عن توحيد الألوهية، والتي أودعها تفسيره المبارك حيث يقول: “وقوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] يقول تعالى ذكره: فاخشع لله -يا محمد- بالطاعة، وأخلص له الألوهة، وأفرده بالعبادة، ولا تجعل له في عبادتك إياه شريكًا، كما فَعَلَتْ عَبَدة الأوثان”([25]).

5- ومنهم الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، والذي افتتح عقيدته ببيان أقسام التوحيد؛ حيث قال: “نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره”([26]).

فبيَّن وحدانيته سبحانه في ربوبيته وعدم وجود شريك له في ذلك وهو توحيد الربوبية، ثم بيَّن قاعدة الأسماء والصفات وهو التنزيه عن أن يكون له مثل أو نظير، ثم بيَّن توحيد الألوهية وأنه لا إله غيره ولا معبود بحق سواه سبحانه وتعالى.

6- ونلمح نوعي التوحيد أيضا في مقدمة “روضة العقلاء” للإمام ابن حبان البستي؛ حيث يقول: “الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس، العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتواتر آلائه، المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بعزَّته إرادته”([27]).

7- ونجد تقسيم التوحيد صريحًا في قول الإمام ابن بن بطة العكبري؛ حيث يقول: “إنَّ أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:

أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته؛ ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.

والثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.

والثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها؛ من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه”([28]).

ومن الأوجه الدالة على صحة التقسيم إضافةً إلى ما سبق من نصوصِ الوحي وأقوال السلف:

1- أنَّ منِ استقرأ نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمَّة وجد أن توحيد الألوهية حاضر فيها كنوع من أنواع التوحيد كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، وإلى هذا يشير ابن القيم -رحمه الله تعالى- حيث يقول: “وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه فوراء ذلك كله، وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في المطلب والقصد.

فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلوه فوق سماواته على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح، كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكمالها، وغير ذلك.

النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، وقوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية [آل عمران: 64]، وأول سورة {تَنزِيلُ الكِتَابِ} وآخرها، وأول سورة يونس ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد.

بل نقول قولا كليا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد”([29]). وهو ما قد ذكره العلماء -رحمهم الله- كالشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ بكر أبو زيد.

يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: “وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء…

الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته، وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، وهي متركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]…

النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته، وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين:

الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].

والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق بكماله وجلاله، كما قال بعد قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف”([30]).

وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: “هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف: أشار إليه ابن منده وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرَّره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس، وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخره -رحم الله الجميع-، وهو استقراء تام لنصوص الشرع”([31]).

2- مع أننا وجدنا كثيرًا من السلف نصَّ على أقسام التوحيد، وعلى توحيد الألوهية، وهو كاف في الرد على من يزعم أنه من اختراع ابن تيمية، إلا أننا قد نتنزَّل لذلك الرجل ونقول: التقسيمات والمصطلحات لا مشاحة فيها لو كانت المعاني صحيحة لا باطل فيها، ولا زال أهل العلم حتى اليوم يتفنَّنون في التقسيمات والتفريعات؛ لإيضاح المسائل وبيان اختلافاتها، وما من علم من العلوم إلا وفيه الأقسام والأنواع، فأول ما نبدأ بعلم الفقه على المذهب الحنبلي مثلًا نجد أقسام الماء، ونجد لهم في ذلك تفريعات وتصنيفات، مع أنه ليس منصوصًا عليه في القرآن ولا في السنة، ولكن العلماء استنبطوها من تلك النصوص، ولا ضير في ذلك، وهذا ما يدل عليه قول الشافعي -رحمه الله- حيث يقول: “فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها”([32])، وقال رحمه الله تعالى: “فجِمَاع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تَعَبَّدَهم به لما مضى من حكمه جل ثناؤه من وجوه:

فمنها: ما أبانه لخلقه نصًّا، مثلُ جمُل فرائضه، في أن عليهم صلاةً وزكاةً وحجًّا وصومًا وأنه حرَّم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ونصِّ الزنا والخمر، وأكل الميتة والدم، ولحم الخنزير، وبيَّن لهم كيف فَرْضُ الوضوء، مع غير ذلك مما بين نصًّا.

ومنه: ما أَحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه؛ مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه.

ومنه: ما سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس لله فيه نصُّ حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى حكمه، فمَن قبل عن رسول الله فبِفَرْضِ الله قَبِل.

ومنه: ما فرض الله على خلقه الاجتهادَ في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم”([33]).

فالاجتهاد في استنباط المعاني والأحكام وتقسيمها وتفريعها وبيانها للناس من واجب العلماء، وفي هذا يقول الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- وهو يتحدث عن أقسام التوحيد: “وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى: اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب”([34]).

3- من الأوجه الدالة على انقسام التوحيد والتفريق بين توحيد الألوهية والربوبية أن الله سبحانه وتعالى كثيرًا ما يستدل بالربوبية على وجوب توحيد الألوهية، وعليه فالدليل غير المدلول، ومن ذلك مثلا ما ورد في قوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].

4- ومن الأوجه الدالة على أصالة التفريق بين نوعي التوحيد ما أقر به السلف من أن الإيمان قول وعمل، والقول قولان: قول القلب وقول اللسان، والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح.

فأما توحيد الربوبية فالمطلوب فيه هو الإقرار بوحدانية الله سبحانه في الخلق والملك والرزق والتدبير، وهو من قول القلب.

وأما توحيد الألوهية فالمقصود به إفراد العبادة لله سبحانه وتعالى، والعبادة تشمل عمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح([35]).

الخاتمة:

يتلخص لنا في نهاية المطاف أن توحيد الألوهية هو الذي به تحيا الأمة، وحاجة البشرية إليه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وأن من استقرأ نصوص الوحي عرف هذا التوحيد، ومن نظر في أقوال السلف وجد هذا التوحيد حاضرًا في نصوصهم وحجاجهم، فهو معلوم عندهم قبل أن يأتي ابن تيمية، وقبل أن يُعرف به ابن تيمية وينتصر له في زمانه.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر المقطع: https://www.youtube.com/watch?v=HH-5YPgj1F0.

([2]) قد تكون هذه العملية معقولة في بعض الحالات المرضية المزمنة التي يحكم الأطباء باستحالة معالجتها، ولكن شتان بين ذلك وبين الفتاة التي أوردنا قصتها.

([3]) تفسير السعدي (ص: 813).

([4]) مجموع الفتاوى (13/ 200-202).

([5]) تفسير الطبري (1/ 135 وما بعدها).

([6]) المرجع نفسه (1/ 157).

([7]) المرجع نفسه (1/ 161).

([8]) تفسير أسماء الله الحسنى (ص: 26).

([9]) اشتقاق أسماء الله (ص: 23).

([10]) مقاييس اللغة (1/ 127).

([11]) القاموس المحيط (ص: 1242).

([12]) تفسير الطبري (1/ 122-124).

([13]) المرجع نفسه (24/ 709).

([14]) المرجع نفسه (1/ 362).

([15]) المرجع نفسه (1/ 364).

([16]) المرجع نفسه (24/ 661).

([17]) صحيح البخاري (6643)، صحيح مسلم (811).

([18]) إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 179).

([19]) تفسير الطبري (22/ 445).

([20]) تفسير الطبري (3/ 265-267).

([21]) المرجع نفسه (1/ 370).

([22]) المرجع نفسه (16/ 288).

([23]) المرجع نفسه (16/ 287).

([24]) المرجع نفسه (1/ 370).

([25]) المرجع نفسه (21/ 250).

([26]) شرح الطحاوية لابن أبي العز (ص: 26) ط. الأوقاف السعودية.

([27]) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 14).

([28]) الإبانة الكبرى (6/ 172).

([29]) مدارج السالكين (3/ 417).

([30]) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/ 19).

([31]) التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير (ص: 30/ حاشية: 2).

([32]) الرسالة للشافعي (1/ 20).

([33]) المرجع نفسه (1/ 21).

([34]) التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير (ص: 30/ حاشية: 2).

([35]) أورد الشيخ الدكتور عبد الرحيم السلمي كثيرًا من هذه الوجوه في كتابه: حقيقة التوحيد، ينظر: (ص: 99 وما بعدها).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تناقضات خصوم السلفيّة والهروب من الواقع

 لا يوجد حِراك علميٌّ في عصرنا الحديث عانى من الظلم والجور والتمييز مثل ما عانت السلفيَّة من خصومها، حتى إنَّ العقلاء من خصومِها وأربابَ العدل إذا تعلَّق الأمر بالسلفية استعاروا عقولَ غيرهم، وفكَّروا برؤوسٍ مشوهة كأنما لم يخلقها الله على أجسادِهم، وما ذاك إلا تماديًا في الظلم والتنازل عن ميثاق شرف الخصومة الثقافيَّة الذي يمنع […]

حديث: “سجود الشمس تحت العرش” وردّ شُبَه العقلانيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5]، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد الذي جعل الله تعالى “أمره ظاهرًا فيما جاء به من الحق، […]

الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟

ظلَّ ملفُّ تطبيق الشريعة مغلَّقًا ردحًا من الزمن، فلم تكن الشبهاتُ تورَد عليه بمجملِه إلا ما كان على بعض الحدود دونَ بعض، وما إن أعلن أتاتورك جمهورية تركيا العلمانية الحديثة حتى فُتح هذا الملف الذي كان مخبوءًا في سراديب الذاكرة العلمانية، فطُرح بقوة، ونوقش من كافَّة الطوائف الدينية، ولا زال الجدال فيه قائمًا بين الاتجاهات […]

ترجمة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ([1]) اسمه ونسبه ونسبته: هو: الطيِّب بن محمَّد بن إبراهيم بن الحاج صالح العُقْبيُّ. وإلى جدِّه صالح ينسب كلُّ فردٍ من أسرته، فيقال: “ابن الحاج صالح”. والعقبيُّ: نسبة إلى بلدة “سيدي عُقبة” التي تقع بولاية بسكرة، والتي قدِم إليها أحدُ أجداده واستقرَّ بها. ويعود نسبه في الأصل […]

حديث الإسراء والمعراج والرد على المتهوكين فيه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمن الحق الواجب اعتقاده أنه قد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة من مكة إلى بيت المقدس في فلسطين، ثم عرج بشخصه صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم حيث شاء الله تعالى من العلا، وهما -أي: رحلتا […]

ما هكذا يُدرَّس علم التَّفسير!

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا قال الشَّيخ العلامةمحمد البشير الإبراهيمي في حفل ختم رفيق دربه الإمام عبد الحميد ابن باديس -رحمهما اللَّه- تفسيره لكتاب اللَّه سنة (١٩٣٨م): “هذا هو اليوم الذي يختم فيه إمام سلفي تفسير كتاب اللَّه تفسيرًا سلفيًا ليرجع المسلمون إلى فهمه فهمًا سلفيًا، في وقتٍ طغتْ فيه المادة على الروح ولعب فيه […]

بين الأسماء الإلهية والأركونية للقرآن الكريم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة “فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن. والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليُحطم ما تحته”([1]). هذا كان […]

مسجد الخيف ومحاولات التشغيب لدى القبوريّين

جاءت أحاديث كثيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم تنهى عن الصلاة إلى جهة القبر، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلُّوا إلى القبور»([1])، بل شدّد صلى الله عليه وسلم في ذلك تشديدًا عظيمًا؛ حتى وصف من يفعل ذلك بأنهم شرار الخلق، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله […]

أشنع الجرائم تستدعي أكبر العقوبات مناقشة لشبهة كيف يعذب الكافر أبدا وجرمه محدود؟!

الخيانة العظمى جريمة كبيرة فُرضت عليها أشدّ العقوبات وأقسى أنواع الجزاءات، فإنهاء حياة الإنسان هو الجزاء الذي يلقاه كل من يخون دولته خيانةً عظمى. ولستُ هنا أتكلم عن الدول الإسلامية، بل هذا هو القانون حتى عند كثير من الأمم غير المسلمة، بل حتى عند الأمم التي تتفاخر بأنها الأكثر ديمقراطية والأكثر محافظة على حقوق الإنسان […]

الوهابية أو عقيدة السلف

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا   تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذه مسودة رسالة بخط مؤرخ العراق عباس العزاوي ت 1391 رحمه الله تعالى، تكلم فيها عن تاريخ العقيدة السلفية، والتي نُبزت في وقت متأخر بالوهابية تنفيرا للناس منها وتشويها لها… بدأ بانتشار العقيدة السلفية زمانا ومكانا […]

وظيفةُ الإنسانِ في الكونِ بين الوحي والرؤية الحداثية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة لا يخفى على قارئٍ لأي موضوع من الموضوعات -دينيًّا كان أو غير دينيٍّ- محورية الإنسان ومركزيته بوصفه المنتج للفكرة إن كانت بشرية أو المؤمن بها إن كانت دينية إلهية، ومن هنا كان تحديد الموقف من الإنسان وعلاقته بالكون والحياة يعدُّ السؤال الأكثر إقلاقًا لجميع الأطروحات الفكرية والدينية، وكان من […]

إن رحمتي سبقت غضبي مناقشة لشبهة: لماذا يدخل أكثر الناس النار؟!

القدر سرُّ الله في الكون، وليس لأحد أن يطلب معرفة كلّ شيء طوعًا أو كرهًا، اعترف الإنسان بعجزه أو أصرَّ على إحاطته علمًا بكل شيء، فالإنسان عاجز عن الإحاطة بأي شيء علمًا، فضلًا عن أن يحيط بكل شيء علمًا. فعلينا أن ننظر أولًا في الإنسان نفسِه، أليس هو عاجزًا عن إدراك كل شيءٍ في نفسه؟! […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017