الثلاثاء - 20 ربيع الأول 1443 هـ - 26 أكتوبر 2021 م

عبد العزيز آل سعود

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد: فهذا هو النص الثاني الذي نخرجه في هذه السلسلة، وهو للشيخ العالم الأزهري عبد المتعال الصعيديّ، الأستاذ بكلية اللغة العربية بالجامع الأزهر، المولود عام 1311هـ والمتوفى سنة 1386هـ. وهذا النص الذي بين أيدينا كالذي قبله، استخرجناه من كتابه (المجددون من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر)؛ وهو كتاب احتوى على تراجم الكثيرين ممن وصفهم المؤلِّف بالتجديد، وقدّم أثناء ترجمته لكلٍّ منهم تقييمًا لكلٍّ منهم، وذلك بذكر ما يراه من محاسن المُتَرْجَم وما يراه من أخطائه؛ وقد أصاب رحمه الله في كثير وأخطأ في كثير؛ وكان ممن أصاب بذكرهم الإمامان محمد بن عبد الوهاب وعبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وفي ترجمته للملك عبد العزيز تعرّض للعلماء النجديّين بشيء من النقد كما تعرّض للإمام عبد العزيز ببعض الملاحظات، وقمنا بالتعليق على ما كتبه توضيحًا لبعض القضايا، وردًّا على بعض الملاحظات.

رحم الله الإمام الملك عبد العزيز آل سعود، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجزى الله الشيخ الصعيدي على ما كتب ودوَّن.

 علَّمنا الله ما ينفعنا، ونفعنا بما علّمنا.

د. محمد بن إبراهيم السعدي

 

عبد العزيز آل سعود

هو الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود. وآل سعود من قبيلة عنزة من فخذ المساليخ([1])، ويوجد هذا الفخذ الآن من عنزة قرب حمص، وعنزة من أكثر العشائر العربية أفخاذًا وبطونًا، ومن أكبرهم عددًا، فهم منتشرون في العراق وسوريا ونجد. ومحمد بن سعود هو مؤسس دولة آل سعود بنجد، وقد وفد عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة 1150هـ-1737م([2])، ولم يكن له ولا لآله شأنٌ كبير في نجد، بل كان شأنه كشأن غيره من شيوخ القبائل العربية، فلما قام بحماية الدعوة الوهابية([3]) ظهرت بها إمارته، وانضم إليها كل من أخذ بهذه الدعوة من البلاد المجاورة له، ولكن هذه الدعوة كانت مع هذا سببًا في مناوأة خصومها لآل سعود، حتى سقطت دولتهم مرة في عهد عبد الله بن سعود بسببها([4])، ثم سقطت ثانية في عهد عبد الله بن فيصل([5])، فأعادها الملك عبد العزيز آل سعود، وأخذ يعمل في النهوض بها، حتى صارت أكبر دولة في جزيرة العرب، وكانت إعادته لها سنة 1319هـ-1901م، وقد تم له الاستيلاء على بلاد الحجاز سنة 1343هـ-1925م، وبهذا صار له مملكةٌ تسمى: المملكة العربية السعودية، وصار له لقب ملك الحجاز ونجد وملحقاتها([6]).

فلما استقر الأمر للملك عبد العزيز في جزيرة العرب أخذ يسعى في إصلاحها ليقضي على الجاهلية التي وقعت ثانيًا فيها، ويزيل مظاهر البداوة التي انتشرت في أنحائها، وينشر فيها وسائل المدنية الحديثة، وهو في هذا يمتاز على غيره من الملوك والأمراء الذين قاموا بالتجديد بين المسلمين في القرون الحديثة، لأنهم كانوا يهتمّون بالإصلاح المدني وحده، ولا يهتمون في الإصلاح الديني إلا بأمور لا تدخل في صميم الإصلاح، ولا تقضي على الجمود الديني بين المسلمين، ولا تزيل ما انتشر بينهم من بدع وخرافات، فتؤدّي إلى الفساد أكثر مما تؤدّي إلى الإصلاح، وتربي جيلًا مضطربًا بين القديم والجديد، ومجتمعًا حائرًا بين دعوة التجديد والجمود.

أما الملك عبد العزيز فإنه قام في دولة تعمل بالتشريع الإسلامي، وتأخذ فيه بإصلاح ديني يقضي على كثير من البدع والخرافات، ولا يؤخذ عليه إلا معاداة الإصلاح المدني، ومجافاة وسائل الحضارة الحديثة، فأخذ الملك عبد العزيز يعمل على إدخال وسائل هذه الحضارة في دولته، وعلى أن يسير بمدرسة ابن تيميَّة في طريق يباعد بينها وبين تزمُّتها الديني، ومجافاتها للمدنية الحديثة، ليجمع بين الإصلاح الديني والإصلاح المدني، ويسير بالتجديد الإسلامي في طريقه الصحيح الذي تنكّبه الملوك والأمراء المسلمون في القرون الحديثة([7])، فأخفقوا في الوصول إلى غايتهم من التجديد، ولم يمكنهم أن يجمعوا شعوبهم على نظام جديد يأخذون به جميعًا، وتجتمع كلمتهم عليه معًا، فلم تستفد شعوبهم من هذا إلا أن تفرّقت وحدتهم، واختلفت كلمتهم؛ لأنهم كانوا قبل هذا متفقين على جمودهم القديم، فلم يفعل أولئك الملوك والأمراء الذين عُنوا بالإصلاح المدني وحده إلا أن قسَّموهم إلى جامدين ومجدّدين، فكان من الفريقين مجتمع متنافر لا تناسقَ بين أفراده، ولا انسجام بين أجزائه، اللهم إلا ذلك النفاق الاجتماعي الذي يؤلف بين أفراده في الظاهر، ولا يجعل منه مجتمعًا صادقًا في الظاهر والباطن، ليؤدّي وظيفته الوطنية والدينية، وينهض بشعبه في كل ما يوصله إلى سعادته، وإذا كان الملك عبد العزيز قد تأخر به الزمن في ذلك، فإن سلوكه ذلك الطريق الصحيح مما يبعث الأمل في نجاح ما أخذ به من الإصلاح، وعلى من يأتي بعده أن يمضي في ذلك الطريق الصحيح، وأن يأخذ بالوسائل التي كان يأخذ بها فيه، فإنه كان له في ذلك وسائل حكيمة امتاز بها على غيره من المجددين المتأخرين([8]).

ومن تلك الوسائل أنه لم يكن يفرض ما يراه من الإصلاح على شعبه فرضًا، ولم يكن يحمله عليه بالإكراه والقوة، كما فعل محمد علي باشا في القرن السابق، بل كان يأخذ شعبه في ذلك بالإقناع، حتى يؤمن بما يريده من الإصلاح قبل أن يشرع فيه، ويثبت عليه لإيمانه به، فإذا تخلَّف بعد هذا متخلِّف بالعناد والاستكبار، وأخذ يضع العقبات في سبيل الإصلاح، أخذه بالقوة التي تقضي على عناده واستكباره؛ لأنه يعارض الإصلاح بالقوة، فيكون جزاؤه أن يؤخذ بالقوة أيضًا، ليرتدع عن عناده واستكباره([9]).

وكان من وسائله في ذلك أيضًا أنه كان يفضّل التؤدة والتأنِّي، ويراعي استعداد الشعب لما يريده من الإصلاح، حتى إنه مكث نحو عشر سنين يجاهد ويجالد في سبيل إنشاء التليفون، مرة مع الإخوان، ومرة مع علمائهم، وقد حضروا عنده سنة (1331هـ-1912م) حين علموا بعزمه على إنشاء محطات للتلغراف غير السلكي بمدينة الرياض وغيرها من مدن نجد، فقالوا له: يا طويل العمر، لقد غشَّك من أشار عليك باستعمال التلغراف وإدخاله إلى بلادنا، فقال لهم: لقد أخطأتم فلم يغُشَّنا أحد، وليس هناك من دليل أو سُنة رسول يمنع من إحداث اللاسلكي والسيارات([10]).

ثم انتظر بعد هذا إلى أن اختبر بالفعل التليفون بمكة عند استيلائه عليها، ورأى فائدته العظيمة في إنجاز الأعمال وسرعة المواصلات، فلما نقل معسكره من الزاهر -الشهداء قرب مكة- إلى حداء([11]) أراد أن يمدّ سلكًا تليفونيًّا بين مكة وحداء، وسلكًا آخر بين حداء والرغامة، حتى يكون على اتصال سريع بين مكة ومقرّه، ولكنه عاد فعدل عن ذلك خوفًا من فتنة الإخوان، لأنه رآهم يقطعون الأسلاك التليفونية التي كانت قائمة قبل استيلائه على مكة، وكثيرًا ما كانوا يقطعون الأسلاك الموصلة إلى قصره حين كان مقيمًا بها؛ لأنهم كانوا يرون أن هذا منكر تجب إزالته شرعًا، وكذلك كانوا يرون غيره من الدرَّاجات والتلغراف السلكي وغير السلكي، حتى إنهم سموا الدرَّاجة حين رأوها عربة الشيطان أو حصان إبليس، وادَّعوا أنها تسير بقوة السحر وعمل الشيطان، بدليل أن راكبها إذا تركها ونزل لا تقف على الفور، وكانوا يرون أن التلغراف غير السلكي لا ينقل الكلام إلا بعد أن تذبح عنده ذبيحة ويذكر عليها اسم الشيطان، فيقوم الشيطان فيه بنقل الكلام، وقد أنكروا الساعة الدقَّاقة وعدّوها أيضًا من عمل الشيطان، وكسروا أول ساعة دقاقة وصلت إليهم، فرجعوا بالتفكير الإسلامي أكثر من عشرة قرون، وشابهوا في تفكيرهم الإمبراطور شارلمان وحاشيته حين أنكروا الساعة التي أهداها إليهم هارون الرشيد، وزعموا أنها من عمل الشيطان([12]).

وكان الملك عبد العزيز يلين لهم أحيانًا في ذلك، وأحيانًا يأخذهم بالشدة، وقد حدث مرة أن أحد الإخوان ضرب خادمًا له رآه يركب درَّاجة، فأحضره إليه وأدَّبه أدبًا أرجعه إلى رشده.

فلما رأى غلاة الإخوان أن الملك عبد العزيز يتساهل في ذلك بعض التساهل أخذوا يتذمّرون منه، ويجاهرون بالإنكار عليه فيه، وكان على رأس أولئك المتذمّرين فيصل الدويش وسلطان بن بجاد، وغالبهم من الإخوان أنصاف المتعلّمين الذين غالوا في الدعوة الوهابية([13])، فأصبحوا يعتقدون أن لبس العمامة هو السُّنة، وأن العقال من البدع المنكرة، بل غالى بعضهم فجعله من لباس الكفار وأوجب مقاطعة من يلبسه، وكانوا إذا وجدوا شخصًا له شارب طويل يقومون بقصِّه، وإذا وجدوا على شخص ثوبًا طويلا فإنّ المقص يعمل عمله في الزائد تنفيذًا لحديث: “فضل الإزار في النار”، وكانوا يرون أن الحضر ضالُّون، وأن غزو المجاورين واجب، وأنه أُلقي عليهم هذا الواجب من الله، فلا يسمعون كلام أحد في منع الغزو، ثم أخذوا يذيعون عن الملك عبد العزيز أنه يوالي الكفار، ويتساهل في الدين، وينكرون عليه تطويل الثوب والشارب ولبس العقال.

ثم دعوا إلى عقد مؤتمر بالأرطاوية سنة 1345هـ-1927م، فحضره رؤساء الإخوان من مُطير وعُتيبة والعجمان، وتعاهدوا فيه على نصرة دين الله والجهاد في سبيله، ثم أنكروا صراحةً على الملك عبد العزيز هذه الأمور:

  • إرسال ولده سعود إلى مصر بلد الشرك.
  • إرسال ولده فيصل إلى لندن.
  • استخدامه السيارات والتلغرافات والتليفونات.
  • فرضه الضرائب الموجودة في الحجاز ونجد.
  • إذنه لعشائر العراق وشرق الأردن بالرعي في أرض المسلمين.
  • منعه المتاجرة مع الكُويت، لأنهم إن كانوا كفار حوربوا، وإن لم يكونوا كفارًا لم تجز مقاطعتهم.
  • تركه النظر في شيعة الأحساء والقطيف وإجبارهم على الدخول في دين أهل السنة والجماعة.

وكان الملك عبد العزيز بالحجاز حين عقدوا ذلك المؤتمر، فعجّل بالرجوع من الحجاز إلى نجد، وأخذ يعالج هذه الثورة عليه بالحكمة واللين، فدعا زعماء الإخوان إلى مؤتمر أمر بعقده في مدينة الرياض في رجب سنة 1345هـ/ يناير سنة 1927م، فأجاب دعوته جميع زعماء الإخوان ما عدا سلطان بن بجاد، ولما اجتمعوا في هذا المؤتمر شرح لهم حاله شرحًا وافيًا، وذكر أنه خادم للشريعة محافظ عليها كل المحافظة، وأنه هو الذي يعهدونه من قبل لم يتغير، وأنه لا يزال ساهرًا على مصالح العرب والمسلمين.

وانتهى هذا المؤتمر بهذه الفتوى من علماء الإخوان:

«من محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن عتيق، وسليمان بن سَحمان، وعبد الله بن عبد العزيز العتيق، وعبد الله العنقري، وعمر بن سليم، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الله بن حسن، وعبد الله بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله، وعبد الله بن مزاحم، ومحمد بن عثمان الشاوي، وعبد العزيز بن العتري، إلى من يراه من إخواننا المسلمين -سلك الله بنا وبهم الطريق المستقيم، وجنبنا وإياهم طريق الجحيم آمين-. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد ورد علينا من الإمام -سلمه الله تعالى- سؤال من بعض الإخوان عن مسائل تطلّب منا الجواب عليها، فأجبناه بما نصه: أما مسألة البرق -التلغراف غير السلكي- فهو أمر حادث في آخر الزمان ولا نعلم حقيقته، ولا رأينا فيه كلامًا لأحد من أهل العلم، فتوقفنا في مسألته، ولا نقول على الله ورسوله بغير علم، والجزم بالإباحة والتحريم يحتاج إلى الوقوف على حقيقته، وأما مسجد حمزة وأبي رشيد فأفتينا الإمام -وفقه الله- بهدمهما على الفور، وأما القوانين فإذا كان منها شيء في الحجاز فيزال فورًا، ولا يُحكم إلا بالشرع المطهر، وأما دخول الحاج المصري بالسلاح والقوة في بلد الله الحرام، فأفتينا الإمام بمنعهم من الدخول بالسلاح والقوة، ومن إظهارهم الشرك وجميع المنكرات، وأما المحمل فأفتينا بمنعه من دخول المسجد الحرام، ومن تمكين أحد أن يتمسح به ويقبِّله، وما يفعله أهله من الملاهي والمنكرات يُمنعون منها، وأما منعه عن مكة بالكلية فإن أمكن بلا مفسدة تعَيَّن، وإلا فاحتمال إحدى المفسدتين لدفع أعلاهما سائغ شرعًا، وأما الرافضة فأفتينا الإمام أن يلزمها البيعة على الإسلام، ويمنعهم من إظهار شعائر دينهم الباطل، وعلى الإمام أيضًا أن يلزم نائبه على الأحساء أن يحضرهم عند الشيخ ابن بشر، ويبايعوه على دين الله ورسوله، وترك دعاء الصالحين من أهل البيت وغيرهم، وعلى ترك سائر البدع، من اجتماعهم على مأتمهم وغيرها مما يقيمون به شعائر مذهبهم الباطل، ويُمنعون من زيارة المشاهد، وكذلك يُلزمون بالاجتماع على الصلوات الخمس هم وغيرهم في المساجد، ويُرتَّب فيهم أئمة ومؤذنون ونواب من أهل السنة، ويُلزمون بتعليم ثلاثة الأصول، وكذلك إن كان لهم محالّ مبنية لإقامة البدع تُهدم، ويمنعون من إقامة البدع في المساجد وغيرها، ومن أبى قبول ما ذُكر ينفى من بلاد المسلمين، وأما الرافضة من أهل القطيف فيلزم الإمام -أيده الله- الشيخ ابن بشر أن يسافر إليهم ويلزمهم بما ذكرنا، فأما البوادي والقرى التي دخلت في ولاية المسلمين فأفتينا الإمام أن يبعث لهم دعاة ومعلمين، ويلزم نوابه من الأمراء في كل ناحية بمساعدة المذكورين على إلزامهم بشرائع الإسلام ومنعهم من المحرمات، وأما رافضة العراق الذين انتشروا وخالطوا بادية المسلمين، فأفتينا الإمام بكفهم عن الدخول في مراتع المسلمين وأرضهم، وأما المكوس فأفتينا أنها من المحرمات الظاهرة، فإن تركَها فهو الواجب عليه، وإن امتنع فلا يجوز شقُّ عصا طاعة المسلمين والخروج عن طاعته من أجلها، وأما الجهاد فهو محوَّل إلى نظر الإمام، ونسأل الله لنا ولهم ولكافة المسلمين التوفيق والهداية، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم».

فلم يسع الملك عبد العزيز إلا أن يأخذ بهذه الفتوى حسمًا للفتنة، فاضطرَّ بها إلى عدم قبول المحمل، وإلى هدم مسجد حمزة، وإلى تعطيل التلغراف السلكي، وهو يعلم أنه ليس في الإسلام ما يمنع منه، كما سبق في رده عليهم حين أنكروا ذلك في سنة 1331هـ-1912م، فكانت هذه الفتوى أقرب إلى مسلك أولئك الغلاة منها إلى مسلك الملك عبد العزيز، ولكنه أخذ بها على عادته في أخذ الأمور باللين والسياسة، وفي مراعاته للظروف السياسية في عصره([14]).

ومع هذا لم يرض فيصل الدويش بنتيجة هذا المؤتمر، وأراد أن يُوقِع الملك عبد العزيز في مشكلة جديدة، فأرسل قوةً صغيرة قتلت عمال مخفر بُصيَّة على الحدود العراقية النجدية، وقتلت بضعة أنفار([15]) من الشرطة كانوا مع أولئك العمال، ليفسد بين الملك عبد العزيز والحكومة الإنجليزية، فأدى هذا إلى هجوم الطيارات الإنجليزية واشتباكها هي والعشائر النجدية نحو ثلاثة أشهر، ولم يمكن الملك عبد العزيز أن يحلَّ هذه المشكلة بطريق السياسة، لأن الحكومة الإنجليزية أصرَّت على موقفها من بناء المخافر على الحدود العراقية النجدية([16]).

فرأى الملك عبد العزيز أن يعقد مؤتمرًا في بُرَيْدة سنة (1347هـ-1928م) لتهدئة الإخوان، ولإفهامهم أنه يشاركهم في سخطهم على بناء هذه المخافر، ولكنه يرى أنه لا يصح اللجوء في ذلك إلى استعمال القوة، ولم يحضر هذا المؤتمر فيصل الدويش، ولا سلطان بن بجاد، وقد خطب الملك عبد العزيز فيهم هذه الخطبة:

«أيها الإخوان، تعلمون عظم المنة التي مَنَّ الله بها علينا بدين الإسلام، إذ جمعنا به بعد الفرقة، وأعزنا به بعد الذلة، وإن شفقتي عليكم وعلى ما مَنَّ الله به علينا هو الذي دعاني لأن أجمعكم في هذا المكان، لتذكروا أولًا ما أنعم الله به علينا، فنرى ما يجب عمله لشكران هذه النعمة، وثانيًا: لأمرٍ بدا لي في نفسي وهو أنني خشيت أن يكون في صدر أحد منكم شيء يشكوه مني، فأردتُ أن أعرف ذلك منكم؛ لأخرج أمام الله بمعذرة من ذلك، وثالثًا: لأسألكم عما في خواطركم وما لديكم من الآراء، أو مما ترونه يصلحكم في أمر دينكم ودنياكم. أيها الإخوان، إن القوة لله جميعًا، وكلكم يذكر أنني يوم خرجتُ عليكم كنتم فرقًا وأحزابًا، يقتل بعضكم بعضًا، وينهب بعضكم بعضًا، وجميع مَن ولاه الله عليكم من عربي أو أجنبي كانوا يدسّون لكم الدسائس لتفريق كلمتكم، وإضعاف قوتكم، ولإذهاب أمركم، ويوم خرجت كنت في محلّ الضعف، وليس لي من عضد وساعد إلا الله وحده، ولا أريد أن أقصّ عليكم ما مَنَّ الله به عليّ من فتوح، وما فعلت معكم من أعمال كانت لخيركم؛ لأن تاريخ ذلك منقوش في صدر كل واحد منكم. إنني لم أجمعكم اليوم في هذا المكان خوفًا أو رهبًا من أحد منكم، فقد كنت وحدي من قبل، فما باليتُ بالجموع، واللهُ هو الذي نصرني، وإنما جمعتكم لأمر واحد، ولا أجيز لأحد أن يتكلم هنا في غيره، وذلك هو النظر في أمر شخصي وحدي، أريد منكم أن تنظروا فيمن يتولى أمركم غيري، ومن اتفقتم عليه فأنا أقرُّه وأساعده، ولا يحملني على هذا القول إلا أمران، الأول: محبتي لراحتي في دنياي، والثاني: أني أعوذ بالله أن أتولى قومًا وهم لي كارهون، فإن أجبتموني إلى هذا فذلك مطلبي، ولكم أمان الله، وإذا كنتم لا تزالون مصرِّين على ما كلمتموني به على إثر دعوتي لكم، فإني أبرأ إلى الله أن أخالف أمر الشرع في اتباع ما تجمعون عليه مما يؤيد شرع الله…» إلخ إلخ.

ثم أخبرهم بأن الإنجليز متمسكون ببناء المخافر على الحدود، وألقى مسئولية بنائها على فيصل الدويش؛ بسبب تعدِّيه على الحدود العراقية من وقت لآخر، فاجتمعت كلمتهم حوله، وحاربوا فيصل الدويش حتى أسروه، وبهذا استقر الأمر للملك عبد العزيز؛ لأنه قضى على عوامل الفوضى في مملكته، حتى قال حين انتهى أمر فيصل الدويش: من اليوم سنحيا حياة جديدة.

وأمكن الملك عبد العزيز في هذه الحياة الجديدة أن ينهض بأعمال الإصلاح في مملكته؛ فأنشأ التليفونات والتلغرافات وغيرها من وسائل الحضارة الحديثة، وواصل ما بدأ به من تحضير البادية؛ وكانت حركة الإخوان قد عاقته عن المضي فيه، وأخذ ينشر المدارس لتعليم العلوم على الأنظمة الحديثة في أنحاء المملكة. وقد هدأ الإخوان واستكانوا لسلطانه، لأنهم لم يعد لهم ذلك السلطان القاهر، بل صار شأنهم كشأن غيرهم من الرعية، ولم يحدث إلا أن مشايخ نجد أنكروا سنة (1349هـ-1930م) على دائرة المعارف أنها قررت في مناهج التعليم تدريس الرسم واللغة الأجنبية وعلم الجغرافيا الذي يقرر كروية الأرض ودورانها، فجمعهم الملك عبد العزيز وبحث معهم في ذلك، فلم يجد عندهم دليلًا على ما ينكرونه من كروية الأرض ودورانها، وقد قالوا له حين طال البحث: لقد قررنا ما نعتقد، ولسنا في حاجة إلى الجدل المنهيِّ عنه شرعًا، فإن قبل الإمام ما رأينا فالحمد لله، وإن خالفَنا فليست هذه أول مرة يخالفنا فيها([17]).

ولا شكّ أن الملك عبد العزيز جرى حكمه في كل هذا على أصول الشورى التي أتى بها الإسلام، وإن لم يكن له مجلس نيابي مؤلف على النظام الحديث، وله حكم قاطع دون كل حكم شخصي، ولعل ما أخذ به نفسه من سيره في الإصلاح بالتؤدة والتأنِّي، ومن مراعاته استعداد الشعب لما يريده من الإصلاح، هو([18]) الذي منعه من التعجيل بتأليف مثل ذلك المجلس، ولكنه استعاض عنه بأخذه الشورى والعدل في الحكم، وإيثاره فيه المصالح العامة على المصالح الخاصة؛ لأنه لم يراع فيه مصلحة لنفسه ولا لقرابته وحاشيته، بل كان يميل إلى استرضاء الناس واكتساب مودتهم بإيثاره مصالحهم، وكان كل ما يتعلق بشخصه لا أهمية له في نظره، حتى إن علماء الرياض لما اعترضوا على إذنه في سنة (1349هـ-1930م) بإقامة الاحتفالات بعيد جلوسه على عرش الحجاز، وذكروا له أن هذا مخالف للسنة، خضع لرأيهم في ذلك؛ لأنه يتعلق بشخصه لا بالمصلحة العامة، ولكن كلّ هذا لا يغني عن المجالس النيابية.

وقد يقال: إن الأمر في الدولة السعودية لا يجري على التملّق للحاكم والخضوع له والشعور بانحطاط المنزلة عنه كما يجري في غيرها؛ لأن الفريق الأكبر فيها -ولا سيَّما البدو- لا يعرفون الألقاب الشائعة عند غيرهم، فهم شعبيّون بفطرتهم، يدعو بعضهم بعضًا بأسمائهم المجردة، ويخاطبون ملوكهم وأمراءهم بأسمائهم وألقابهم المعتادة، فأصغر البدو كان يخاطب الملك عبد العزيز بقوله: يا عبد العزيز، أو يا أبا تركي، أو يا طويل العمر، وإذا سأله عنه غيره يقول: الشيوخ أو الإمام، ولم يكن الملك عبد العزيز نفسه يعبأ بلقب الملك وغيره من ألقاب الملوك، ولم تكن هذه الألقاب في عهده تُعرف إلا في الحواضر الكبرى مثل الحجاز، لإلفهم لها قبل استيلاء الملك عبد العزيز على بلادهم.

وقد يقال: إن الناس جميعًا في هذه الدولة سواء فيما عدا التفاضل في الأنساب والإمارة، فهم يكادون يتساوون في جميع ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات؛ لأنهم جميعًا سواء في نظر الشريعة الإسلامية التي يجري الحكم عليها في هذه البلاد، فلا فضل هناك لشريف ولا لسيد ولا لحاكم على غيره، بل كلهم سواء في أحكام الشريعة الغرَّاء، وإذا تعدى أمير على رجل من الرعية أنصفه الحاكم الشرعي منه، وردَّ إليه حقه الذي تعدَّى عليه.

وقد يؤيد ذلك بما ذكره الشيخ حافظ وهبه في كتابه (جزيرة العرب في القرن العشرين) أنه كان في سنة (1343هـ-1925م) زائرًا للشريف خالد بن لؤي في بيت الإمارة بمكة، وكان أميرًا لها، فرأى أمام الشيخ ابن داود قاضي الخُرْمة وقاضي مكة في أول عهد الاستيلاء النجدي رجلين يختصمان: أحدهما من الأشراف من سكان الطائف، والآخر من صناع الساعات، وكان الشريف أعطى الساعاتي ناظورًا لإصلاحه، ولما أصلحه ادعى أنه لم يأت طبق الشرط، وادَّعى الساعاتي أنه طبقه، وطلب تحكيم رجل خبير بينهما، فأراد الشريف أن يجلس بجوار الشريف خالد بن لؤي، فنهره الشيخ ابن داود، وأمره أن يجلس أمامه مع خصمه؛ لأنهما سواء في نظر الشرع، ولما سمع الدعوى حكم على الشريف بما يقدِّره صانع خبير، فقال الساعاتي: إن لم يقبل الشريف ذلك فأنا مستعدّ أن أردّ إليه الناظور كما كان، ولا أطالبه بشيء مطلقًا، فقال الشيخ للشريف: وما تقول في هذا؟ فارتبك الشريف، فالتفت إليه الساعاتي وقال: الحمد لله، إنّ وقوفي معك جنبًا لجنب يساوي عندي الدنيا وما فيها، لقد مضى وقت الظلم، فقد كانوا يكلّفوننا بعمل الأشياء ولا يعطوننا أجرة، بل كانوا يضربوننا في بعض الأحيان، الحمد لله. وهنا أخذ الشريف خالد الناظور من الشريف، وقال: لا نسلِّمه لك حتى تسلّم الأجرة التي يقدرها الخبير».

وقد يقال: إنه إذا كان الملك عبد العزيز لم يؤلّف مجلسًا نيابيًّا فإنه يكفيه عنه أنه عاش بين قوم هذا شأنهم، إذ كان كلّ واحد منهم له أن يبدي رأيه في حكومته، وأن يفرض عليه رأيه فيها بالحقّ، وقد عوَّدهم على هذا مدة حكمه الطويل، فلا حاجة بعده إلى مجلس نيابي.

قد يقال هذا كله، ولكنه لا يغني عن تأليف مجلس نيابي على النظام الحديث، يجعل للشعب حقًّا ثابتًا في مشاركة الحاكم في كل ما في الحكم من سلطة تنفيذية وتشريعية، ويستقرّ به الحكم في هذه البلاد التي عادت إلى فوضى الجاهلية، وعادت إلى نظام القبيلة فيها؛ لأنه لا شيء غير نظام الشورى الحديث يقضي على أثر ذلك الماضي كله([19]).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) لا يُعْرَف عن أحد من أئمة آل سعود ولا عن الملك عبد العزيز أنهم تحدثوا عن انتمائهم القبلي، إذ إن عصبيتهم التي أقاموا عليها هذه الدولة في أطوارها الثلاثة لم تكن القبليّة، ولم تُشَكِّل القبيلة جزءًا من هذه العصبية مطلقًا؛ وإنما كانت عصبيتهم التي أقاموا عليها الدولة هي الدعوة إلى التوحيد الخالص، والعودة بهذا الدين إلى ما كان عليه سلف الأمة y، وهذا شديد الوضوح في رسائل الأئمة رحمهم الله، وفي كلمات الملك عبد العزيز ورسائله؛ وانظر: رسائل أئمة دعوة التوحيد، جمع وإعداد: د. فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز آل سعود، ط: الثانية، 1422هـ؛ واستمع إلى قول الملك عبد العزيز في خطابه لرؤساء وفود الحجاج عام 1347هـ: «والله، إنني لا أحب الملك ولا أبهته، ولا أبغي إلا مرضاة الله والدعوة إلى التوحيد، ليتعاهد المسلمون فيما بينهم على التمسك بذلك، وليتّفقوا، فإنني أسير وقتئذٍ معهم، لا بصفة ملك أو زعيم أو أمير، بل بصفة خادم، أسير معهم أنا وأسرتي وجيشي وبني قومي، والله على ما أقول شهيد؛ وهو خير الشاهدين» جريدة أم القرى، 6/ 12/ 1347هـ. وقد نشر الكلمة كاملة مركز سلف للبحوث والدراسات في موقعه الإلكتروني.

وأما إطلاق انتساب آل سعود إلى قبيلة عنزة فهو مما يُرَدِّدُه كثير من الناس ولا يُقره آل سعود إلا من باب كون اسم عنزة غلب على كثير من قبائل ربيعة، فصارت تنسب لها وليست منها؛ من باب إطلاق اسم البعض على الكل، وإلا فآل سعود من بني حنيفة، وبنو حنيفة أحد أفخاذ قبيلة بكر بن وائل الربعية، كما أن عنزة أيضًا هم أحد أفخاذ بكر بن وائل؛ وراجع كتاب: بنو حنيفة، بلادها، وأنسابها، وأخبارها؛ تأليف: عبد العزيز بن إبراهيم الأحيدب، الطبعة: الأولى: 1430هـ.

([2]) هكذا في الكتاب المطبوع وهو خطأ، والصواب: سنة 1157هـ يوافقه 1744م، وليس كما ذكر المؤلف؛ وانظر: عنوان المجد، ج1، ص41.

([3]) الصحيح أن الإمام قام بحماية الدعوة الإصلاحية الإسلامية، والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يأت بدعوة جديدة ولا مقال يخصه، فهو مجدد لدعوة نبي الهدى محمد ﷺ محيٍ لمآثرها.

([4]) سنة 1233هـ.

([5]) الصحيح أن آخر أئمة هذه الدولة هو الإمام عبد الرحمن بن فيصل والد الملك عبد العزيز، وقد خرج من الرياض سنة 1308هـ. راجع: تاريخ المملكة العربية السعودية، تأليف: د. عبد الله العثيمين، ج1، ص310، ط: العاشرة، 1422هـ.

([6]) ملك الحجاز لم يَعُد يطلق على الملك عبد العزيز ولا على أحد من أبنائه من بعده بعد أن تغير اسم (مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاته) إلى اسم (المملكة العربية السعودية) وذلك في 17 جمادى الأولى سنة 1351هـ الموافق 18 سبتمبر عام 1932م؛ وقد ألقى الأمير سعود بن عبد العزيز ولي العهد كلمة بهذه المناسبة في حفل أقيم في مدينة الرياض، جاء فيها هذه الكلمة العظيمة: «إننا لم نكن نشعرُ منذ تأسيس هذه المملكة بأي تفرقة بين أبنائها؛ لأن الله قد وحد بينهم في الدين واللغة والقومية؛ ولكنه عندما أعربت الأمة عن رغبتها في هذا التوحيد في الاسم أيضًا وافق عليه جلالة الملك أيده الله، واتخذ منه دليلًا على نضوج الرأي العام وشدَّة ترابطه». وقول الأمير سعود: «حين أعربت الأمة..» لأن هذا التوحيد جاء بناء على اقتراح بعض أعيان الحجاز في برقية رفعوها إلى الملك عبد العزيز بذلك، وافق عليها جلالته، وأصد بموجبها المرسوم رقم 2716 في 17/ 5/ 1351هـ؛ وقد جاء في كلمة الأمير فيصل بن عبد العزيز في ذلك التاريخ في احتفالٍ أقيم في مكة: «ولقد تفضل جلالة مولاي نزولًا على رغبة الأمة، فأصدر أمره العالي بالموافقة على ذلك، على ما رأيتموه من جعل اسم هذه المملكة هو: المملكة العربية السعودية، بدلًا من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها». ينظر: كتاب الإمام العادل، تأليف: عبد الحميد الخطيب، 1/ 209، مطبعة الحلبي، ط: الأولى 1370هـ.

([7]) أما كون الملك عبد العزيز أخذ بالإصلاح المدني ووسائل الحضارة الحديثة وسُبُل التنمية العصرية إلى جانب أخذه بالشريعة الإسلامية فهذا حق؛ وقد شهد به الكثيرون، وألّفت فيه الكتب الكثيرة، ومما يحضرني في ذلك كتاب: كيان جديد في كنف الملك عبد العزيز، تأليف: عبد الفتاح بن أحمد الريس؛ كما دون ذلك عدد ممن عملوا بين يدي الملك عبد العزيز كفؤاد حمزة وخير الدين الزركلي وحافظ وهبة وعبد الحميد الخطيب.

وأما كون المذهب الذي ينتمي له الملك عبد العزيز مذهب ابن تيمية وأنه مذهب متزمت.. إلى آخر ما وصف، فهذا كله مما علق بذهن الشيخ عبد المتعال الصعيدي من الدعاية الصوفية والعثمانية ضد الدعوة السلفية؛ ولو أن الصعيدي رحمه الله التقى العلماء السلفيين من أعوان الملك عبد العزيز لتجلت له الحقيقة، كما تجلت لشكيب أرسلان ورشيد رضا ومحب الدين الخطيب وخير الدين الزركلي وغيرهم ممن أنصف الدعوة السلفية وعرف حقيقة موقفها من معطيات الحضارة المعاصرة، وأين علماء نجد الذين لم يُحَرِّموا شيئًا من المخترعات الحديثة ولم يقفوا ضد التقدم بكلمة واحدة من علماء الأزهر مثلًا الذين حرموا الطباعة مائتي عام وأفتوا بكفر من قال بكروية الأرض؟! وحسبك في ذلك شهادة أمير البيان شكيب أرسلان الذي قال في كتابه (لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟) ما نصه: «أفلا ترى علماء نجد أبعد المسلمين عن الإفرنج والتفرنج وأنآهم عن مراكز الاختراعات العصرية، كيف كان جوابهم عندما استفتاهم الملك عبد العزيز بن سعود -أيده الله- في قضية اللاسلكي والتلفون والسيارة الكهربائية؟ أجابوه: أنها محدثات نافعة مفيدة، وأنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، لا بالمنطوق ولا بالمفهوم ما يمنعها، أفليس الأدنى لمصلحة الأمة أن تَقْدِرَ الدولة على معرفة أي حادث يحدث بمجرد وقوعه حتى تتلافى أثره؟! أفليس الأنفع للمسلمين أن يتمكن الحاج ببضع ساعات من اجتياز المسافات التي كانت تأخذ أيامًا وليالي؟! ولقد سألتُ الشيخ محمد بن علي بن تركي من العلماء النجديين الذين بمكة عن رأيه في التلفون واللاسلكي، فقال لي: «هذه مسألةٌ مفروغٌ منها، وأمر جوازِها شرعًا هو من الوضوح بحيث لا يستحقّ الأخذ والرد». انظر: لماذا تأخر المسلمون؟ ص68، مكتبة هنداوي. ويمكن أيضًا الاطلاع على مقالين نافعين في هذا الباب كلاهما بعنوان: «علماؤنا والمخترعات الحديثة» للشيخ عبد الله زقيل، منشوران في موقع صيد الفوائد.

([8]) يتعجب الكثيرون: كيف استطاع الملك عبد العزيز توحيد كلّ عناصر هذه الدولة على اختلاف قبائلهم التي لم تعرف الاتّحاد بُرهة من الدهر سوى ما كان منها زمن الدولة الراشدية وصدرًا من خلافة بني أمية؟! والجواب: أنه رحمه الله رفع راية التوحيد، وأعني: توحيد العبادة لله تعالى والرجوع إلى أصل الدين الإسلامي قبل ظهور المذاهب، فاتحد الناس حقًّا على إسلام بلا مذاهب عقدية، وهذا هو منهج السلف، الذي لا يَعْرف صوفيةً ولا إمامية ولا إسماعيلية ولا قدرية ولا معتزلة ولا أشعرية ولا غيرها؛ وهذه المذهبية في العقائد انحرافٌ عن الإسلام الصحيح لا تولِّد إلا فرقة وتشعّبًا؛ وقد ظلت المملكة العربية السعودية كذلك ليس فيها كلمة إلا للإسلام الحق، حتى جاء من عمل على إحياء الانحرافات العقدية وألحّ في تأجيجها في نفوس من كان آباؤهم من أهلها، ولو استمر الأمر على ما بدأ في عصر نهضة الدولة في نشأتها الأولى لوجدنا هذه المذاهب كلها قد ذابت ولم يبق إلا مذهب السلف الصالح. أما السر في فشل دعاة الإصلاح من الحكام الذين أشار إليهم الكاتب في توحيد شعوبهم، فهو عدم التفاتهم لكل فُرْقة، بل قد أهمل هؤلاء الحكام الذين أشار إليهم الكاتب جانب الإصلاح الديني؛ ومن التفت إليه فإنما التفت إلى زعم أن الإصلاح يكون في ترك الناس على ما هم عليه من انحراف عقديّ تحت مزاعم الحرية الدينية، ولم يخطر على بالهم أن الإصلاح والتجديد الحقّ إنما هو في إعادة الناس إلى ما جاء به الرسول r وفهمه عنه أصحابه وتابعوهم، أما ترك الناس على مذاهب الانحراف فلا يثمر إلا تعصبًا وتعاديًا، وقلة بركة وقلة توفيق من الله تعالى؛ وللأسف هناك استكبار من كثير من مفكري المسلمين المعاصرين عن هذا المنهج، مع أنه منهج مُجَرَّب، والتجربة السعودية له خير مثال، ولكن هؤلاء المفكرين جنحوا إلى الدعوة إلى الديموقراطية والحقوق المدنية، وجعلوها مقدمة على الدعوة إلى التوحيد، وبلغ بهم الأمر إلى السخرية بالدعوة إلى التوحيد ووصفها بعدم مواكبة المستجدات العصرية، ورميها بأنها سبب للفرقة والعصبية، مع أنها هي لا غير دعوة الأنبياء ومفتاح منهاجهم إلى الإصلاح، ولا شك عند كل منصف أنه لا إصلاح إلا إذا كان على منهج الأنبياء، وأي إصلاح سواه فما هو إلا إفساد وإن لمعت مصالحه واغتر الناس بها.

([9]) ولعل أبرز مثال على ذلك ما حدث قبل موقعة السبلة من أحداث كانت سببًا مباشرًا لها، وذلك أنه بعد الفراغ من توحيد الدولة، وذلك بضم إمارة الأدارسة ومملكة الهاشميين إلى الدولة الموحدَّة وأصبحت حقًّا من البر إلى البحر ومن الشام إلى اليمن، قام أكبر شيوخ القبائل المناصرة للملك عبد العزيز بادِّعاء أن الإمام عبد العزيز خالف الدين، وذلك لتعامله مع الكفار وأخذه بالوسائل الحديثة وهي الراديو والبرقية؛ ولم يكن هؤلاء الشيوخ جادين في دعاواهم، ولكنهم جعلوها حججًا يستقطبون بها أبناء قبائلهم من الجهال المغرقين في البداوة؛ وقام الإمام عبد العزيز بنصحهم مرات عديدة، وأقام لهم المؤتمرات مع أهل العلم حضر بعضها بنفسه، وطلب من العلماء إخباره عما أخطأ فيه فيرجع عنه، وقال أهل العلم كلمتهم المؤيِّدة له، فما زاد أولئك إلا استضعافًا له وتهوينًا من شأنه، فلما وصل الحوار والنصح معهم إلى طريق مسدود، جمع لهم الجموع وجمعوا له الجموع، والتقى الجيشان قرب روضة السبلة في 19 شوال 1347هـ، وحتى قبل قيام المعركة بقليل أرسل لهم الإمام عبد العزيز من ينصحهم من أهل العلم، لكن ذلك لم يُجْدِ شيئا، ودارت رحى الحرب، وانتهت بهزيمة المتمردين هزيمة منكرة، وتفاصيل السبلة وما قبلها وما بعدها انظرها في كتاب: تاريخ المملكة العربية السعودية 2/ 211.

([10]) هذه القصة رواها حافظ وهبة في كتابه (جزيرة العرب في القرن العشرين) ص295 الطبعة الثالثة، والتاريخ الذي أثبته الكاتب خطأ منه أو من الطابع، والصحيح كما في كتاب وهبة هو سنة 1931م؛ ويظهر منها أن احتجاج المشايخ كان على فليبي وليس على البرقية؛ ففلبي ضابط إنجليزي مستقيل من عمله، وكان الكثيرون -وليس المشايخ وحسب- يشكّون في انتمائه للاستخبارات البريطانية، فكانت نصيحتهم من باب الحذر منه، وقد أجابهم الملك رحمه الله بقوله كما رواه وهبة: «ما فليبي إلا وسيط»، فقد كان وسيطًا بين شركة ماركو وبين السعودية؛ والمؤسف أن وهبة رحمه الله استخدم هذه القصة في لمز العلماء النجديين، وهذا ديدن له في كتابه هذا وكتابه الآخر (خمسون عامًا في جزيرة العرب)، فمع أنه يثني عليهم في جانب العلم والتقوى، إلا أنه دائم اللمز لهم في الجوانب العصرانية، وهم -ولله الحمد- من القول على الله بغير علم براء، وكذلك براء من تحريم ما أصله الإباحة ككثير من المخترعات الحديثة والأنظمة المعاصرة إلا ما فيه نص أو قويت الذريعة بإفضائه إلى محرم؛ ودليل ذلك ما رواه حافظ وهبة نفسه في ص292 من كتابه (جزيرة العرب في القرن العشرين)، وذلك أن المتمردين ممن كانوا يُسَمَّون بالإخوان احتجوا على أشياء، فرفع أمرها الإمام عبد العزيز إلى العلماء، فأجابوا عن ذلك في مؤتمر عقده الإمام في الرياض سنة 1345هـ، وأجابوا في مسألة البرقية بأنها أمر حادث ولا يعرفونه ولا يعلمون لأحدٍ من أهل العلم قولًا فيه، ولا يقولون على الله بغير علم، لذلك يتوقفون فيها.

فهاهم -رحمهم الله- لَمَّا لم يعرفوا فيه شيئًا، ولا عن أحدٍ من أهل العلم، لم يجاملوا المعترضين فيقولوا بأنها محرمة أو بها جن أو شياطين ونحو ذلك؛ ولو أن حافظ وهبة وُلد حيثما وُلِد هؤلاء العلماء وعاش حيثما عاشوا لربما قال مثل قولهم؛ لكنه وُلِد في القاهرة حيث الدولة العلوية والاحتلال البريطاني، وعرف البرقية والتلفون وغيرهما، ووالله إن البرقية في وقتها وعلى أمة لم ترها قط لأمر عجيب، ولم يلبث الوقت إلا وأفتوا بجوازها جوابًا قاطعًا كما بينا قبل قليل.

والعجب أن قول مثل حافظ وهبة بأن الملك عبد العزيز لو رُزِق مثل محمد عبده لكان له معه شأن؛ والسؤال: ماذا سيضيف محمد عبده لو أدرك الملك عبد العزيز؟ ماذا سيضيف إليه؟ ألم يكن حافظ وهبة حاملًا لكل مضامين محمد عبده الرئيسية؟! فلماذا لم يُقَدِّم وهبة هذه الإضافات للملك عبد العزيز؟!

([11]) الزاهر كانت من ضواحي مكة داخل حدود الحرم قبل التنعيم بقليل، وهي اليوم حي من أحيائها الكبيرة؛ وأما حداء فهي بلدة قرب المنتصف بين مكة وجدة، كانت مُسْتَراحًا في الطريق بينهما.

([12]) تقدم أن هذا كله لم يكن شائعًا عند أهل نجد، وإنما هو عند طائفة من البادية الجهال الذين استفزهم سادتهم إلى الفتنة، وأما سائر أهل نجد -حاضرة وبادية وعلماء وعامة- فلم يكن عندهم مثل هذه الأقوال إلا من باب التندّر، ولذلك وقف الأغلبية الساحقة بادية وحاضرة وجميع أهل العلم مع الملك عبد العزيز؛ ومما يؤسف له أن كثيرًا من الكتاب -بل أكثرهم- تروق لهم مثل هذه القصص كملح مجالس، فيكررونها دون تبصر، وتصل إلى من يُريدون الإساءة إلى أهل العلم من السعوديين أو إلى قبائل المملكة، فَيُدَوِّرون هذه القصص، حتى عادت لكثرة تكرارها يُخيَّل إلى المَحْدَثين أن هذه كانت النظرة العامة للناس تجاه المخترعات أو لِنَقُل: تجاه جميع المخترعات.

مع التنبيه إلى أن النفور من الجديد أمرٌ لا يخصّ أمةً دون أمة، ولا مجتمعًا دون مجتمع، ولا تخصّ النجديين ولا الوهابيين كما يتوهّم الكاتب ومن نَقَلَ هذه المعلومة عنه.

وإذا جعلنا تسمية الدراجة حصان إبليس مثلًا، سنجد أن الدراجة الهوائية ظهرت في إسطنبول سنة 1271هـ أي: قبل ظهورها في نجد بأكثر من مائة عام، وكان الناس هناك يُسَمُّونها: سيارة الشيطان؛ لأن المُنَصِّر توماس ستيفانوس كان يركبها، فكان هو الشيطان في نظرهم وهذه عربته، وفي إيران عرف الإيرانيون الدراجة زمن الدولة القاجارية أي: قبل سنة 1340هـ بكثير، وهذا كذلك قبل معرفة أهل نجد لها، وكانوا يسمونها: عربة الشيطان؛ وأهل البحرين سنة 1312هـ أي: قبل معرفة أهل نجد للدراجة بأكثر من ثلاثين سنة، وكانوا يسمونها: خيل إبليس؛ لأن المنصر صمويل زويمر كان يركبها، فهو عندهم بمثابة الشيطان، والدراجة بمثابة حصانه.

وقد بسط ذلك الأستاذ سليمان الحديثي في مقال بعنوان: «من أين جاء حمار إبليس؟» جريدة الاقتصادية، الجمعة 7/ 8/ 2015م.

([13]) لم يكن فيصل الدويش ولا سلطان بن بجاد -ولا غيرهم من مشايخ قبائل البادية في ذلك الوقت- من العلماء ولا طلبة العلم ولا أنصاف طلبة العلم؛ وحافظ وهبة الذي نقل عنه كاتبنا كثيرًا من هذه المعلومات لم يقل ذلك في كتابه: (عشرون عاما في جزيرة العرب) ص287؛ ولكن كاتبنا فهم ذلك من السياق فهمًا خاطئًا.

ومن الكلام في حديث حافظ وهبة قوله: «وإن من يقرأ رسائل العلماء في الإنكار عليهم، وعلى أنصاف المتعلمين الذين سمّموا أفكارهم، يرى أن علماء نجد لم يُقَصِّروا في النصيحة، ويعلم أن ما يأتيه بعض الإخوان مما تأباه طبائع العرب، ولا تقره الشريعة الإسلامية، لا يصح أن تُلقى تبعته على علماء نجد أو الملك عبد العزيز» ص288.

([14]) قول الشيخ الصعيدي رحمه الله: إن هذه الفتوى أقرب إلى مسلك الغلاة هو الغلو؛ فالفتوى لا يوجد فيها ما يشينها؛ فهي لم تطلب من الإمام عبد العزيز رحمه الله تعطيل البرقية؛ ولم أجد في المصادر -سوى حافظ وهبة- من يقول: إن الملك أمر بعد الفتوى بتعطيل البرقية، والظاهر أن الملك عبد العزيز أوهم غُلاة الإخوان بذلك وسمعه حافظ وهبة فنقل ما سمع، أما العلماء فلم يُحَرِّموا البرقية ولم يأمروا بتعطيلها؛ وأما المحمل فما فعله الملك عبد العزيز مما أشارت به الفتوى هو الصحيح؛ وكذلك هدم مسجد حمزة.

([15]) الأصوب: بضعة نفر.

([16]) نعم، لم يكن الملك عبد العزيز مؤيدًا لغارات الإخوان على العراق، لا سيما تلك التي حدثت بعد عام 1341هـ أي: بعد اتفاقية العقير؛ ولكنه أيضًا ليس مؤيدًا لما قامت به بريطانيا من بناء الحصون على الحدود، وذلك لأن اتفاقية العقير تمنع من ذلك؛ انظر: الكويت وجاراتها، تأليف: هـ – ب ديكسون، 1/ 304. وكذلك ليس مؤيدًا لجعل العراق منطلقًا لغارات بعض القبائل التي هاجرت طواعية من نجد إلى العراق، ولا مؤيدًا لإيواء حكومة العراق لها، وقد ذكر جلوب باشا في مذكراته أنه كان يقود بعض هذه الغارات، مع أنه يزعم فقط أنها من الدفاع عن النفس؛ مذكرات جلوب باشا، ص146، ترجمة جورج حتر وفؤاد فياض، الأهلية للنشر والتوزيع، الأردن؛ ط: الأولى، 2005م.

والواقع أن الذين انقلبوا على الإمام عبد العزيز من الإخوان أخذوا بالإغارة على العراق في عمل لإحراج الإمام وإثارة بريطانيا عليه؛ وقد كانت بريطانيا تقوم بالأعمال المتناقضة مجتمعة؛ فبينما وضعت جلوب باشا قائدًا للقوات التي تتصدى للإخوان، كانت من الجهة الأخرى تدعم الثوار الإخوان بالمال كما أكد ذلك محمد أسد في كتابه (الطريق إلى مكة)، ولله في خلقه شؤون.

([17]) وما أحكم هؤلاء العلماء؛ فحينما لم يعقلوا حقيقة أمر لم يعاندوا السلطان عليه، بل سمعوا وأطاعوا وتركوا ما لم يعلموا إلى ما يعلمون؛ وهكذا بقيت العلاقات طيبة بين القادة في المملكة العربية السعودية وبين العلماء.

([18]) في الأصل المنقول منه: (وهو)، وصوابه دون واو.

([19]) كانت مصر في العصر الذي عاشه الكاتب الشيخ عبد المتعال الصعيدي تتمتع بمجلس نيابي منتخب أسَّسه الخديوي إسماعيل، فهو أقدم برلمان منتخب في العالم الإسلامي، ومع ذلك ماذا قدَّم هذا البرلمان للشعب؟! لقد قام الجيش بالثورة على الدولة كلها وعلى البرلمان عام 1952م، وبقية التاريخ معروف؛ والمملكة التي ليس فيها برلمان منتخب تعيش منذ عهد المؤسس وحتى اليوم وهي في تقدّم مطَّرِد؛ ليس المهمّ أن يكون هناك انتخاب، بل المهم هو تحرّي العدل وتوخّيه في كل شيء؛ فإذا وضعت التنظيمات التي تكفل العدالة بكل أشكالها لم تعد المقاعد النيابية إلا مشغلة إعلامية تلهي الشعوب عن حقيقة ما هي مُقْدِمةٌ عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الحَجر على ذوي الحِجر..العلاقة بين الوحي ومصادر المعرفة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: يختصُّ الدين الإسلامي بجملة من المعارف اليقينية التي لا توجد في غيره من الأديان الباطلة والمنسوخة والفلسفات والعلوم والحقول المعرفية جمعاء؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى ميَّزه بالوحي المبين مصدرًا من مصادر المعرفة إضافة ما تملكه البشرية من مصادر معرفية أخرى، فالعلاقة بين الوحي وغيره من المصادر المعرفية […]

موقف المدرسة السلفية من إقامة المولد..(وهل كفرت الدعوة النجدية من أقام المولد أو حضره؟)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: من أعظم نعم الله على الأمَّة الإسلامية أن جعلها آخر الأمم وخير الأمم، فأكمل الله بها الرسالات، وأنزل لها آخر الكتب، وأرسل إليها خير الرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت الشريعة بأصول عظيمة فيها خيرَا الدنيا والآخرة، ومن أهمها: محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، […]

منِ اشتَرط قبل إسلامه تركَ بعض الأوامر أو ارتكاب بعض المناهي هل يصحّ إسلامه؟

يواجِه الداعية إلى الله في دعوته الناسَ للإسلام أصنافًا من المدعوِّين، منهم المستجيب المطيع لأوامر الله، ومنهم المقصّر المفرط، ومنهم المشترط قبل إسلامه بترك بعض الأوامر أو ارتكاب بعض المناهي؛ نظرًا لحبّه لها وإدمانه عليها، حتى تمكنت منه وصعب عليه هجرها وتركُها كليّة، فهل نعامله بالتدرج كما راعت الشريعة التدرّج في تحريم الخمر، حتى آل […]

مواقفُ الأشاعرةِ من كتاب “الإبانة عن أصول الديانة” لأبي الحسن الأشعري

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   تمهيد: “الإبانة عن أصول الديانة” واحدٌ من الكتب المهمَّة لأبي الحسن الأشعريّ والذي تنتسب له الأشاعرة، كما أنَّه واحدٌ من الكتب التي أثارت جدالًا ونقاشًا واسعين سواءً في نسبته أو تحريفه، ويعود سبب ذلك إلى كونه واحدًا من الشَّواهد المهمَّة التي يستند إليها من يقول بأنَّ أبا الحسن […]

ظاهرة الاستشراق في الفلبين..وعلاقته بالاحتلال الغربي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى […]

من مقاصد النهي عن إحياء ذكرى المولد النبوي

ربما يعتبر البعض أن الخلاف حول شرعية الاحتفال بالمولد النبوي قضية ثانوية لا تستوجب هذا الاهتمام من الطرفين، وأنه لا ينبغي تجدد الجدل في كل عام حول أمر طال الحديث عنه وعُرفت آراء الناس بشأنه.  لذا من المهم التنويه إلى بعض المقاصد الدينية العليا المرتبطة بالتأكيد على بدعية الاحتفال بالمولد، والنهي عن إحياء هذه المناسبة. […]

إرهاصات الانبعاث السلفي

وصل العالم الإسلامي في مطلع العصر الحديث وفي ظل غيابٍ كليٍ للمنهج السَّلَفِي إلى أسوأ أحواله من حيث الانفصام بين العلم الشرعي الذي يتوارثه العلماء وبين العمل والقيام بالدِّين، فكانت صورة الدين الموروث في الكتب تختلف كثيرًا عن الدين المعمول به سوى ظواهر من أعمال الجوارح؛ كالصلاة والصوم والحج والزكاة كادت أن تكون هي الباقي […]

ذم المعازف وتحريمها في نصوص العلماء

تثار بعض فتاوى المعاصرين في إباحة المعازف والموسيقى، في وقت قد عمّت وطمّت كل الأشكال المتخيّلة للموسيقى والمعازف ممن لا ينتظر أصحابها ومروجوها فتوى بالتحليل ولا التحريم، وكان الفقه بهؤلاء أشبه للمنع وقوفا عند الأدلة وحفظا لما بقي من دين المسلمين.. ولكن! وقد يستند المبيحون لأقوال بعض الفقهاء والحقيقة أن هؤلاء المبيحين؛ إما أنهم يبيحون […]

قوانين العقل الباطن.. وأثرها في نشر الإلحاد في بلاد المسلمين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: يقول الله عز وجل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]. فلن يهدأ أعداء الإسلام، ولن تغمض عيونهم؛ حتى يروا الإسلام […]

عبد العزيز آل سعود

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فهذا هو النص الثاني الذي نخرجه في هذه السلسلة، وهو للشيخ العالم الأزهري عبد المتعال الصعيديّ، الأستاذ بكلية اللغة العربية بالجامع الأزهر، المولود عام 1311هـ والمتوفى سنة 1386هـ. وهذا النص الذي بين أيدينا […]

المخالفات العقدية في (رحلة ابن بطوطة) (3)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة سبق أن تحدّثنا في الورقة العلمية الأولى عن تقسيم المخالفات في الرحلة إلى عدّة أقسام، منها: التصوف، وقد تحدَّثنا عنه في الورقة العلمية الثانية، وفي هذه الورقة العلمية نكمل الحديث عن: – النبوة والأنبياء والكرامات. – الطوائف والفرق المخالفة. – السحر والسحرة والشعوذة والتنجيم. – بدع العبادات. – بدع […]

المخالفات العقديَّة في (رحلة ابن بطوطة) (2)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة سبق أن تحدثنا في الجزء الأول من هذه الورقة العلمية عن تقسيم المخالفات في الرحلة إلى عدة أقسام، منها: التصوف: ويشمل الكلام عن: المزارات – القبور – المشاهد – الزوايا – التبرك – الكرامات – الرؤى والمنامات – المكاشفات… وغيرها. ولأجل أن التصوف هو الطابع العام للرحلة، رأينا أن […]

المخالفات العقديَّة في (رحلة ابن بطوطة) (1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة نبذة مختصرة عنِ ابنِ بطّوطة ورحلته: اشتهرت رحلةُ ابن بطّوطة عند المعاصرين، وصارت محطَّ اهتمام الرحَّالة والمؤرّخين، وقد أحصى بعضُ المعاصرين الأعمال التي دوّنت حولها من رسائل وأبحاث علمية، ووجدها قد تخطّت المئتين، وما ذلك إلا لأهميتها، وتفرُّدها بتاريخ بعض البقاع؛ كبلدان شرق إفريقيا وإمبراطورية مالي، وتاريخ الهند وآسيا […]

طاعةُ الرسول ﷺ في القرآن..بين فهمِ مثبتي السُّنَّة وعبثِ منكريها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   تمهيد: ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكثيرَ من الآيات التي تدلُّ على حجيَّة السنة النبوية، ونوَّع فيها بحيث لم تكن الدلالة مقتصرة على وجهٍ واحد، وكرَّر ذلك في مواطن كثيرة، أمر مرَّة بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرى باتباعه، وثالثةً بالاقتداء به، وبين أخرى بأنه لا […]

الانتكاسة الفكرية خطيئةُ عقلٍ أم قاصفٌ من ريح الإلحاد؟ «حصانة المطالع للنتاج الفكري الهدام»

أُثيرت في هذه الأيام قصّة شابّ أعلن إلحادَه، وكان قبلُ من ركب المهتَدين وزُمرة طلاب العلم، فأثار في النفس معنى استشراف الفِتن الفكرية بلا لأمة حرب، وهل الاستشراف بهذا إلقاءٌ بالنفس للتهلكة أم هو سهم طائش؟! وبعبارة أخرى: الانتكاسة الفكرية: خطيئة عقل أم قاصف من ريح الإلحاد؟ فهؤلاء الذين أحاطت بهم ظُلَم الفتن والشكوك، وزلقت […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017