الأحد - 07 رجب 1444 هـ - 29 يناير 2023 م

الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه الله وجهوده في جمع الكلمة، وإجلالُ ولاة الأمر له

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تمهيد:

جمعُ الناس على عبادة الله وحده وجمعُ كلمة المسلمين من أهمِّ تكاليف النبوة، قال البغوي: “بعث الله الأنبياء كلَّهم بإقامة الدين والألفة والجماعة، وترك الفرقة والمخالفة”([1])، وقد تعاقب العلماء ورثة الأنبياء وتناوبوا جيلًا بعد جيل للقيام بهذه الأمانة العظيمة، التي لولا رحمة الله بهذه الأمة ثم قيام العلماء الربانيين بدورهم لعاشت أمة الإسلام متناحرة متنازعة لم تقم لها قائمة، ولم يُكتب لها التوسع والانتشار.

وسنتناول في هذه الورقة سيرة أحد العلماء المعاصرين الكبار، ممن كان لهم دور كبير في جمع كلمة المسلمين؛ مما يبعث الهمة للاقتداء، وتستجلى في مواقفه الواقعية والثبات وحسن التصرف.

سنتناول جانبًا من جوانب سيرة الإمام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، ونبرز مواقف ولاة الأمر معه وإجلالهم له، سائلين المولى عز وجل أن يصلح أحوال المسلمين، ويوحد صفهم، ويجمع كلمتهم.

أولا: نشأته ومسيرته العلمية

ولد الشيخ ابن باز في الرياض في ذي الحجة سنة 1330هـ، وكان بصيرًا في أول طلبه للعلم، ثم أصابه المرض في عينه عام 1346هـ فضعف بصره بسبب ذلك، ثم ذهب بالكلية في مستهل المحرم من عام 1350هـ.

“نـشأ سـماحة الـشيخ عبد العزيز في بيئـة عطـرة بأنفـاس العلـم والهـدى والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنهـا وحـضاراتها المزيفـة؛ إذ الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى، فيها كبار العلماء وأئمة الدين، من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسـوله صلى الله عليه وسلم؛ وأعنـي بها: دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى”([2]).

وقد بدأ الدراسة منذ الصغر، فحفظ القرآن الكريم قبل البلوغ، ثم بدأ في تلقي العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثير من علماء الرياض، وقد كان من أكثر العلماء ملازمة لهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، حيث قرأ عليه جميع العلوم في الحديث والعقيدة والفقه والنحو والفرائض، وشيئًا كثيرًا في التفسير والتاريخ والسيرة النبوية، نحوًا من عشر سنوات، وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية ابتداءً من سنة 1347هـ إلى سنة 1357هـ حيث رشِّح للقضاء من قبل سماحته.

ثانيا: أثر معاصرة التحولات الكبرى في تكوين شخصيته

عندما أعلن جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود توحيد المملكة العربية السعودية في عام 1351هــ كان عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله قد بلغ سن الرشد والأهلية، حيث كانت سنه في ذلك الوقت 20 عامًا، فهو عاصر توحيد المملكة في دولة قوية تجتمع على كلمة التوحيد خلف راية “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، عاصر تلك الحقبة صبيًّا ويافعًا ثم رجلًا، وعندما بدأ حياته العملية تقريبًا كانت قد أرسيت قواعد بناء هذا الكيان الكبير الذي شهد وضع لبناته الأولى.

هذه الخلفية المبكرة في حياة ابن باز كان لها بكل تأكيد آثارها البالغة على تكوينه الفكري وبناء شخصيته بوجه عام؛ فقد شهد في الواقع العملي أوضاع التمزق والتشتت والتنافس وصراعات النفوذ بين إمارات شاع فيها الفوضى والخرافات والأباطيل، وابتعد بعضها بوضوح عن أسس دين الله الحنيف، كما شهد عملية التحول الكبرى في المجتمع، من الولاء لتلك الإمارات المتصارعة إلى الولاء لشريعة الله، والتزام سلطة سياسية واحدة واحترامها، تراعي مصالح الجميع، وتسعى لخير كل أبناء هذه الأرض على السواء، وهكذا كان ابن باز قريبًا من التحولات الكبرى التي عاشها المجتمع السعودي، وأدرك الفارق بين الحالتين بوضوح، ما بين التشتت والتصارع والفقر إلى حالة الاستقرار والرخاء، كان له بلا شك أثر في تكوين شخصية ابن باز، بل وشخصية كل الرواد والعلماء الذين عايشوا تلك الحقبة الاقتصادية من حياة المجتمع العربي السعودي، وشاهد الجهد الذي بذل في بناء الدولة السعودية، والمعايشة جعلتهم بالتأكيد أكثر حرصًا وتصميمًا وكفاحًا من أجل التمسك بالقيم الإسلامية الصحيحة النابعة من العقيدة الصافية، لإدراكهم أن تلك المبادئ هي التي أقامت تلك النهضة([3]).

ثالثًا: الشيخ عبد العزيز بن باز وجهوده في جمع الكلمة

– الصفات الشخصية من أسرار تمكنه من جمع الكلمة:

لعل من أعظم أسباب توفيق الله للشيخ ابن باز في جمع كلمة المسلمين ما أوتيه من محبة في قلوب أمة الإسلام في جميع أنحاء العالم بجميع طوائفها، وما أوتي من قبول لكلمته، “ولنا أن نتساءل: ما سر هذه العظمة؟ وما سر تلك المحبة التي تملكت القلوب، وتخللت مسلك الروح من الناس؟ والجواب: أن ذلك يرجع لمحض فضل الله عز وجل حيث وهب الإمام مواهب فطرية عظيمة، وجبله على سجايا وخصال عديدة حميدة. وتلك المواهب والسجايا والخصال غُذِّيت بلَبان العلم والإيمان، ومزجت بإكسير الإخلاص والتقوى؛ فآتت أُكلها ضعفين. ويرجع ذلك أيضًا إلى جِدِّ الإمام وتشميره، واقتدائه بسلفه الصالح، ومن اقتدى بأولئك السَّرَاة صار للمتقين إمامًا؛ فاقتدى به من معه، ومن بعده.

وسرٌّ آخر ألا وهو: بذل الإمام نفسه ووقته وماله وعلمه وراحته في سبيل نشر الخير ونفع الناس، مبتغيًا بذلك وجه الله… لقد مات الرسم، وبقي الاسم، واتفق الودود والكنود على الفضل والعلم”([4]).

– بيته ومكتبه ومجالسه من مظاهر جمع الكلمة:

من التقى بالشيخ ولو قليلًا يرى العجب في صبره ورحابة صدره وكيف جمع الله في ساحته كل أجناس العالم، إذا وصل إلى منزله وجد الجموع الغفيرة من الأجناس المتعددة ومن ذوي الحاجات المتنوعة بانتظاره؛ فهم ما بين مستفت، ومُسَلِّمٍ، ومطلِّق، وطالب حاجة، وفقير، ومسؤول، وزائر من قريب أو بعيد.

يقدّم للجميع طعام الغداء على مائدته، ويجلس بينهم يتناول طعام الغداء، ويباسطهم، ويسأل عن أحوالهم، ويجيب عن أسئلتهم، وإذا انتهى من الغداء تأنى قليلًا كيلا يعجلهم، وإذا قام قال: كلٌّ براحته، لا تعجلوا. وإذا قام لغسل يديه بدأت الأسئلة تلقى عليه وهو في الطريق إلى المغسلة، ومن بعدها يعود إلى المجلس.

وإذا كان الوقت متأخرًا ووقت صلاة العصر قد اقترب توضأ، وتابع المؤذن، ثم توجه إلى المسجد. وإذا كان في الوقت متسع رجع إلى المجلس، وتناول الشاي مع الضيوف، وتطيّب معهم، ثم توجّه إلى داخل المنزل قليلًا، ثم يخرج وقت أذان العصر.

وبعد صلاة العشاء يعود إلى منزله ويجلس لقراءة بعض المعاملات عليه، أو راجع بعض الكتب، وربما كان لديه اجتماع أو أكثر داخل المنزل، وربما كان لديه ضيوف، وربما كان لديه موعد تسجيل إذاعي، أو محاضرة يلقيها عبر الهاتف لأناس خارج المملكة.

وبعد تناول العشاء يعود لإكمال ما شرع فيه من عمل قبل العشاء، أو يكمل الجلوس مع ضيوفه، أو يجلس لقراءة بعض الكتب، أو إنهاء بعض المعاملات حتى ساعة متأخرة؛ إما الحادية عشرة أو الثانية عشرة، ثم ينصرف بعد ذلك إلى داخل منزله، ويمشي على قدميه مدة نصف ساعة تقريبًا، ثم يأوي إلى فراشه.

وهكذا كان يقضي سحابة يومه في عمل وهمة ونشاط وأنسٍ يسري منه إلى من حوله.

ويكون عن يمين سماحته وشماله اثنان من كتابه يعرضان عليه القضايا والكتابات التي تأتيه من كل مكان، فيتولى الرد عليها، والإجابة عنها، وهذان الكاتبان يتناوبان؛ إذ إن كل واحد منهما قد ملأ جعبته من الرسائل والمعاملات.

ويكون بجانب سماحته هاتفان لا يكاد يتوقف رنينهما.

فإذا رأيت هذا المشهد من كثرة الناس وكثرة حاجاتهم وتنوعها، ورأيت حال الشيخ مع الهاتف، ومع من يقرؤون عليه من كُتَّابه، ورأيت كثرة القادمين والمسلِّمين أيقنت أن جموعهم لن تَنْفَض، وأن تلك الحاجات والمعاملات تحتاج إلى مدة أسبوع في الأقل؛ ليتم التخلص من بعضها، وما هي إلا مدة يسيرة، ثم تَنْفَضُّ تلك الجموع بنفوس راضية وصدور منشرحة؛ حيث يأخذ كل واحد منهم نصيبه من سماحته؛ إما بتوجيه معين، وإما بوعد صادق طيب، وإما بإجابة لسؤال، وإما باستجابة لطلب.

كل ذلك وسماحته يستقبلهم بصدر رحب، وجبين وضَّاح، ونفس كريمة، لا ينهر أحدًا، ولا يكهره، مع ما يلقاه سماحته من كزازة، وسوء أدب، وكثرة إلحاح، ومقاطعة من بعض المراجعين، حتى إن الذي يحضر المجلس أول مرة ليعجب أشد العجب، ويظن أن سماحته يتكلف ما يقوم به، ولكن ذلك هو دأبه وأدبه.

وما إن ينتهي ذلك المجلس إلا وقد قام بأعمال عظيمة لا يقوم بها الجماعة من أولي القوة من الرجال، مع أن سماحته كفيف البصر، متقدّم في السن، ومع أن كلمته هي الفصل التي يتوقف عليها أمور عظيمة خاصة أو عامة، فهذا دأبه في جميع مجالسه([5]).

– منهج الشيخ في جمع كلمة المسلمين:

كان منهج الشيخ ابن باز رحمه الله في جمع الكلمة هو: الاجتماع على الكتاب والسنة والسلف الصالح، ويرى أنه لا يمكن أن تجتمع الأمة إلا على هذا النهج القويم، وهو الرأي الموافق لما جاء في الكتاب والسنة، كما قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} ]النساء: 59[، وقال عز وجل: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} ]الشورى: 10[، والناظر في كتابات الشيخ ومراسلاته وفتاويه يجد تأكيد الشيخ على ضرورة لزوم هذا المنهج في جمع كلمة المسلمين.

قال سماحة الشيخ رحمه الله: “جمع المسلمين يكون على توحيد الله وطاعة الله واتباع سنته، والشرك والبدع هو الذي فرَّق الناس، والمعاصي هي التي فرقت الناس، فطريق اجتماع الناس هو أن يتفقوا على تحكيم شريعة الله واتباع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. فإن اتفقت الدول الإسلامية على اتباع الشريعة وتحكيم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والاستقامة على ذلك والتعاون في هذا ضد الكفرة، فهذا هو طريق السعادة وهذا طريق الجمع”([6]).

وقال في موطن آخر: “الطريق إلى جمع كلمة المسلمين على الحق ونبذ الخلاف والتفرق هو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام والاستقامة على ذلك والتواصي بذلك والتعاون على البر والتقوى، ورد كل ما يتنازعون فيه إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحكيمهما في كل شيء”([7]).

– جمع الكلمة يتمثل في علاقاته مع أقرانه من العلماء:

كم سمعنا وقرأنا ما يحدث بين أقران العلماء وطلبة العلم من تحاسد وتباغض وتنافر، وهم بشر قد تزل بهم قدم أو لسان أو قلم؛ ما قد يُحدث شرخًا في المجتمع الإسلامي بل قد يصل إلى حد الأذى البدني، ولا أضر على وحدة كلمة المسلمين من تناحر العلماء أو الأمراء، ولهذا كان الشيخ ابن باز رحمه الله حريصًا أشد الحرص على جمع كلمة العلماء، فهم القدوة، بدءًا من نفسه ثم طلبته ثم علماء عصره في الداخل والخارج.

وسنأتي على جوانب من تعامله مع العلماء في سبيل جمع الكلمة([8]):

  • حبه وإجلاله لأقرانه وسؤاله عنهم:

لم يكن الشيخ يحسد أحدًا من العلماء وغيرهم، أو ينتقصهم، أو يذمهم، أو نحو ذلك، فقد كان رحمه الله محبًّا ومجلًّا لأقرانه ومعاصريه من أهل العلم، ومتعاونًا معهم على الخير ومصلحة المسلمين.

فقلّ أن يمر يوم أو أقل من يوم إلا ويأتيه الوفود تلو الوفود من أهل العلم من شتى الأماكن، فكان رحمه الله كثير السؤال عنهم، والاتصال بهم؛ فإذا جاءه -على سبيل المثال- أحد من الأردن سأله عن الشيخ الألباني، وإذا جاء أحد من أهل المدينة سألهم عن الشيخ عبد المحسن العباد، أو الشيخ حماد الأنصاري، أو الشيخ عمر فلاته وغيرهم من أهل العلم في المدينة. وإذا قدم عليه أحد من أي بلد سأله عن أهل العلم الذين يعرفهم سماحته، أو يسأله عن أهل العلم الموجودين عندهم.

وكان يبكي كثيرًا إذا توفي أحد العلماء المشهورين أو من لهم بلاء في الإسلام، حيث بكى على الشيخ صالح العلي الناصر، والشيخ حمود التويجري، والشيخ صالح بن غصون([9]).

وكذلك الحال بالنسبة لمن يأتون من خارج البلاد؛ حيث يسأل عن أهل العلم، ويوصي بنقل السلام إليهم، وربما حمَّل من يأتيه رسالة إليهم، وربما سألهم: من عندكم من أهل العلم؟ وما نشاطهم في العلم والدعوة؟

وكان يأخذ عناوينهم، ويراسلهم، ويوصيهم بالعناية بالدعوة إلى الله، ويقول: نحن مستعدون للتعاون معكم بما يخدم الدعوة.

  • حسن الظن بهم والذب عنهم وعن عرضهم والتثبت مما يقال:

كان يحسن الظن بأهل العلم كثيرًا، ويحمل كلامهم على أحسن المحامل، ولا يرضى أن يُنالوا بأي سوء أو مكروه، وكان يدافع عنهم، ويحفظ أعراضهم، ولا يصدق ما يقال فيهم من سوء حتى يقف على حقيقة الأمر.

وإذا جاءه أحد من الناس وقال: إن الشيخ فلان بن فلان قد قال كذا وكذا مما لا يليق، نهره سماحة الشيخ، وقال: هو أوثق عندنا منك، أفنصدّقك ونكذّب الشيخ فلانًا؟! ونحو ذلك.

وإذا تثبَّت من صحة ما يقال عن فلان من أهل العلم من أنه أخطأ في أمر ما أرسل إليه نصيحة، أو هاتفه، أو طلب حضوره، وبعد ذلك يبدي له وجه الخطأ، ويورد الأدلة على ما قال بأسلوب يفيض بالرحمة والنصح؛ فما يكون من ذلك الشخص إلا أن يقبل كلام سماحته ويدعو له.

وكثيرًا ما كان الشيخ رحمه الله يبذل جاهه وشفاعته وعلمه في سبيل جمع كلمة أهل العلم، ورأْب ما يكون بينهم من صدع، وتضييق ما يحصل بينهم من خلاف؛ فكم جمع الله به من كلمة، وكم رأب به صدع([10]).

  • حسن تعامله مع المخالفين:

يظهر جليًّا للناظر في سيرته ومواقفه أن الشيخ رحمه الله له منهج متميز مع المخالفين، ينطبق فيه نصوص الشرع الآمرة بالصفح، وأخذ العفو، ودفع السيئة بالحسنة ومقابلة الإساءة بالإحسان، والبعد عن كل ما ينافي العدل والإنصاف، والجدال بالتي هي أحسن.

منهجه أن لا يُحَمِّل كلامهم ما لا يحتمل، ولا يَتَقوَّل عليهم ما لم يقولوه، ولا يذكرهم بسوء، بل يحترمهم ويقدرهم، ويتناسى أخطاءهم، ويقبل العذر، يُظهر الفرح بزيارته، وأظهر له المحبة والحفاوة، وإذا دعاه المخالف لوليمة أو مناسبة أجاب. ويعود مريضهم ويهاتفه ليواسيه، ويعزيهم إن مات لهم قريب، وإذا مات المخالف له دعا له، وزار أهله وعزاهم، ويتقبل العتاب ويبين موقفه. فكم وأد من عداوة، وكم استمال من قلب، وكم أطفأ من نار حقد.

ولما قدم الشيخ محمد الغزالي إلى الرياض لاستلام جائزته المقدمة من لجنة جائزة الملك فيصل العالمية زار سماحة الشيخ في منزله، وكانت في ذلك الوقت ضجة حول كتاب الشيخ الغزالي “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث”، وقد قرئ ذلك الكتاب على سماحة الشيخ، فلما زاره الغزالي احتفى به، وأكرمه ولاطفه، وسأله عن الدعوة في الجزائر، وعن حاجتهم، وأخبر بأنه على أتم الاستعداد لدعمهم، وكان الشيخ الغزالي آنذاك رئيسًا لجامعة الأمير عبد القادر في مدينة قسنطينة بالجزائر، وأعطاه بعض الملحوظات على كتابه بكل لطف، فسُرَّ بها الشيخ الغزالي.

ودار حديث بين الشيخ الغزالي وبين أحد المشايخ الحاضرين وهو الشيخ خير الدين وانلي من سوريا، واشتدّ النقاش، ولما سمع سماحته كلامهما التفت إلى الغزالي وقال: ماذا عندكم؟ قال: كذا وكذا. فخاطبهما جميعًا بأن هذه المسائل ينبغي أن توضع في إطارها، وأن نحرص كل الحرص على جمع كلمتنا والبعد عن الخلاف، فنحن أمام أمور كبار تتعلّق بأصول المسائل، وسكَّن من غضبهما، وانتهى الجدال.

ولما همّ الغزالي بالخروج ألقى نظرة على سماحة الشيخ وقال: نحن بخير ما دام فينا هذا الرجل([11]).

وكان كثيرًا ما يقول لبعض العلماء: لا نودّ أن نختلف في أيّ مسألة، ونودّ أن تكون كلمتنا وفتوانا واحدة. ولكنه إذا خُولِف في أي مسألة اتّسع صدره كثيرًا للمخالف.

وقد امتلأت رسائله وكتاباته وفتاويه بالنصح للعلماء وطلبة العلم بأن تتّسع الصدور للخلاف، وأن يجمعوا الكلمة وينبذوا الخلاف، والناظر في مجموع فتاوى ومقالات الشيخ والذي طبع في ثلاثين مجلدًا يجد شواهد كثيرة جدًّا([12]).

– تربية طلابه على جمع الكلمة باحترام العلماء:

سماحة الشيخ رحمه الله يربي طلابه على مكارم الأخلاق، وعلى اتباع الدليل، وعلى احترام العلماء، وتنزيلهم منازلهم. وكان محبًّا لطلابه، شديد الاحتفاء بهم، سواء طلابه القدامى، أو من بعدهم.

وربما غضب الشيخ على السائل إذا شعر أن السؤال فيه تشدّد، أو اعتراض على حكم، أو تنقّص لأحد من أهل العلم([13]).

رابعًا: الاهتمام بأمر المسلمين في الداخل والخارج

كما أن العلماء ورثوا العلم ورثوا النظرة العالمية الشاملة التي تتعدّى حدود الزمان والمكان، وتضرب بجذورها في أعماق الدنيا، عالمية في الدعوة والفكر والفتوى والاهتمام والحبّ والوفاء والعطاء، فلم يعش الشيخ ابن باز لنفسه، ولم يمثل بلده الذي يعيش فيه فقط؛ بل كان يعيش للمسلمين جميعًا، يحمل هم الجميع، يهتمّ بكل القضايا، ويبذل الجهد والوسع في كل واجب، بل لقد كان في أكثر مواعظه وكتاباته يتعدّى بنصيحته الإنس إلى الجن، فكان كثيرًا ما يردد أن على جميع الثقلين أن يؤمنوا بالله وحده؛ لأنه رحمه الله يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رسول إلى الثقلين.

وإذا سمع شيئًا من أخبار المسلمين وما يلاقونه من العنت والشدة بكى، وتغير صوته([14]).

وللشيخ رحمه الله جهود عدة في جمع كلمة المسلمين في العالم، فالناظر في اهتماماته وسيرته يجد أنه يتبنى مشروع توحيد كلمة المسلمين في العالم وإن لم يصرح به، وسنذكر على سبيل المثال بعض الشواهد:

  • دعمه الملموس للجهاد الإسلامي والتركيز على جمع الكلمة:

يعرف القاصي والداني عن دعوته للمسلمين القادرين على مساعدة المجاهدين والمستضعفين، وخاصة في أفغانستان والبوسنه والهرسك والشيشان وكشمير وأرتيريا والصومال وبورما وغير ذلك من البلاد الإسلامية، فيُعد سماحة الشيخ رحمه الله في طليعة المجاهدين في عصره، فكان يعيش في ميادين الجهاد بدعمه، وتأييده، ونصحه، وبذله، وحضه، وحثه، وتحريكه الهمم، وحرصه على رأب الصدع وجمع الكلمة، ومتابعة أخبار الجهاد، وبذله الدعاء للمجاهدين، والقنوت لهم في الصلوات المفروضة.

وإذا اعتدى معتدٍ على أي بلد من بلدان المسلمين هبَّ غيرةً لله، وإباءً لأن يضام أحد من المسلمين، أو أن يُمَسَّ بلفحة ضيم، أو قهر عدو؛ فأصدر بيانات الإنكار والتنديد.

وإذا شعر بأن الناس قد تخاذلوا في نصرة الجهاد حركهم وحثهم، وبين لهم فضل الجهاد، وحذرهم من عاقبة الإخلاد إلى الأرض وخذلان المسلمين.

وإذا رأى خلافًا في صفوف المجاهدين وتفرقًا في كلمتهم بادر إلى الكتابة إليهم مناصحًا مشفقًا، مبينًا لهم فضل الاجتماع والائتلاف، محذرًا لهم من شر الفرقة والاختلاف. ولا يزال الناس يتذكرون كلماته الحانية التي تدعو المجاهدين لتوحيد الصفوف ورأب الصدع، ويتذكرون دعواته الصادقة، وبياناته المشرفة، ودعمه المتواصل.

وفي جمع الكلمة ما كان من مراسلة للقائد الأفغاني برهان الدين رباني في 8/ 10/ 1402هـ، وذلك لما شعر سماحته ببدايات الفجوة بين قادة المجاهدين، ومما قال في رسالته: “لقد بلغني ما كدرني كثيرًا، وهو ظهور أشياء من فضيلتكم، يؤخذ منها أنكم تحاولون الانفصال عن الاتحاد. ولا يخفى -يا أخي- أن الاتحاد خير وقوة، وغيظ للأعداء، وتأييد للمسلمين، وجمع للكلمة، وتعاون على البر والتقوى؛ فاتقوا الله في ذلك، ولا تنقضوا ما اجتمعتم عليه في مقر الجهاد، وفي بيت الله الحرام، واذكروا قوله سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} ]آل عمران: 103[، وقوله عز وجل: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ]الأنفال: 46[، وما جاء في معنى ذلك من الآيات والأحاديث، واصبروا، وتعاونوا على البر والتقوى. وإذا رأيتم شيئًا من الخلل في الاتحاد فاجتهدوا في رأبه، والعناية الكاملة ببقاء الاتحاد، واستمراره”([15]).

ولم ينس لحظة قضية المسلمين جميعًا؛ قضية فلسطين، فهذه القضية الكبيرة لها وزنها في قلب سماحة الشيخ ومشاعره؛ فلقد كان يبذل قصارى جهده في تحريض المسلمين على النهوض بقضية فلسطين، وفي سبيل نصرة المستضعفين من المسلمين هناك؛ فكان يفتي بتأييدهم، ويدعو إلى مساعدتهم، ويصدر البيانات التي تؤيدهم.

فتارة بفتاوى عن شرعية الجهاد في فلسطين وأنهم مظلومون، وأن اليهود غاصبون ظالمون والتي نشرت في مجلة الدعوة الصادرة في 9/ 8/ 1409هـ.

وفي بيان آخر أصدره سماحة الشيخ يطالب فيه المسلمين بالوقوف مع إخواننا الفلسطينيين المبعدين من فلسطين إلى جنوب لبنان، ويندد فيه باليهود، ويبين ما يتعرض له إخواننا من التعذيب والتشريد، ويدعو للمسلمين هناك، ويدعو على اليهود الغاصبين.

وبعث ببرقية إلى مؤتمر القمة الإسلامي المنعقد في طهران بشأن ما يلقاه المسلمون في فلسطين من تسلط اليهود عليهم، وقد نشرت هذه البرقية في جريدة عكاظ العدد 11438، 10/ 8/ 1418هـ. وقد كان عنوان الجريدة الكبير: في برقية عاجلة للقمة الإسلامية “ابن باز: تلويح إسرائيل بالسلام وسيلة لتخدير العرب”([16]).

  • دوره البارز في رابطة العالم الإسلامي:

الشيخ رحمه الله شغل مناصب رئاسية كثيرة، ومنها رئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي؛ والتي أنشئت بموجب قرار صدر عن مؤتمر العالم الإسلامي الذي عقـد بمكة المكرمة في 14 ذو الحجة 1381هـ الموافق 18 مايو 1962م.

ودائمًا ما كان يؤكد سماحته على دور رابطة العالم الإسلامي في جمع كلمة العلماء في قضايا المسلمين في جميع أنحاء العالم.

كان يؤكد أكثر من مرة أن مجالس رابطة العالم الاسلامي تمثل المسلمين في كل مكان مع اختلاف مذاهبهم الفقهية ومدارسهم العلمية، وهذا يجب أن يوضع في الاعتبار، وأن الترجيح يجب أن يكون للرأي المدعوم بالنص من الكتاب والسنه والإجماع([17]).

ومدير تحرير جريدة الوفاق الباكستانية أكد على هذا الأمر حيث قال واصفًا مجلسًا من مجالس الشيخ وقد حضره: “ثم انتقل الحديث إلى اجتماع العلماء المسلمين؛ فأكَّد سماحته على ضرورته القصوى مع الإشارة إلى اجتماعهم في الرابطة. ثم دعا العلماء في العالم الإسلامي كله أن يعملوا في أوساطهم، ويسعوا جهدهم لتوحيد صفوف المسلمين، ودعوتهم إلى التوحيد، والإسلام الصحيح”([18]).

  • مبادرته للإصلاح بين المتنازعين:

وإذا كان هناك خلاف بين بعض المسلمين من مجاهدين، أو طلبة علم، أو نحوهم، وظهر ذلك الأمر؛ وَجَّه كلمة بهذا الصدد يحث فيها الأطراف المختلفة على الاجتماع والألفة، ويحذرهم من الافتراق والعداوات، وإذا طُلب منه الدخول في إصلاح أمر من الأمور بادر دون تردد، وكان ذلك دأبه من قديم([19]).

خامسًا: إجلال ولاة الأمر له

وصل الشيخ رحمه الله إلى أقصى درجات الاحترام والتقدير عند ولاة الأمر وكبار المسؤولين، وكانت علاقته بهم مبنيه على التقدير والاحترام المتبادل، والتزام منهج الإسلام في الحث على طاعتهم والالتفاف حولهم، ونبذ ما يدعو إلى الفرقة، ويحدث الشقاق، ويثير النزاع، مع بذل النصح الصادق.

وهذه المحبة من قادة البلاد للشيخ عميقة الجذور، بدءًا من الملك عبد العزيز وانتهاء بخادم الحرمين الملك فهد رحمهم الله تعالى.

– المنهج الذي يتعامل به مع ولاة الأمور وحكام الدول الإسلامية:

الشيخ في تعامله المميز مع ولاة الأمر في هذه البلاد يرسم منهجًا واضحًا جليًّا لكل من أراد لدعوته النجاح وأسلوبه الفلاح، وهو ينطلق من أسس ثابتة، ومن نظرة شرعية يوازن بين المصالح والمفاسد، ويحرص على لم الشمل وجمع القلوب، وانتقاء أخف الضررين، وتعامله ذلك كان نتيجة خبرة طويلة وعمر مديد ونهج فريد([20]).

واجتماع كلمة المسلمين من اجتماع ولاة أمورهم وحكامهم، وإن من آكد مهام الوالي جمع الكلمة، فبه يسود الأمن، ويزدهر المجتمع، وتستقر وتتحقق مصالح الرعية، وللولاة دور كبير جدًّا في كل ما سبق، جنبًا إلى جنب مع العلماء، وقد أدرك سماحة الشيخ هذه الأهمية فكان يولي ولاة الأمور اهتمامًا عظيمًا، وكان تعامل سماحة الشيخ مع ولاة الأمور على وفق ما جاء في الشرع، ويمكن أن يلخص ذلك في النقاط التالية:

  • الصدق في التعامل:

كان رحمه الله صادقًا مع نفسه، صادقًا مع أهله، صادقًا مع طلابه، صادقًا مع ولاة الأمر وذوي السلطان، فلا يقول إلا ما يؤمن به، ولا ينطق إلا ما يعتقد، ولذلك فإن ما يمكن أن يدعو به لملك لا ينافقه به، ولا يتزلف به في منتدى لأجل حضوره فيه، فما قال في العلن يقوله في السر، وما يعتقده سرًّا يصدح به جهرًا، فليس لذرة من محاباة أو مجاملة كاذبة أو نفاقٍ طريق إلى قلبه([21]).

  • يدين لولاة الأمور بالسمع والطاعة في المنشط والمكره:

يرى سماحته أن الصبر على جور الأئمة وظلمهم أصل من الأصول المهمة التي جاءت بها الشريعة، ويرى أن تضييع هذا الأصل هو سبب الفتن والمحن، ويستند في مثل هذا التقرير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «من كره من أميره شيئًا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة الجاهلية»([22]).

ومن منهج سماحته في التعامل مع الولاة أنه يرى نصحهم سرًّا في ما صدر منهم من منكرات، والأخذ بأيديهم إلى الحق وتبصيرهم به، مع التحذير العام للمنكر دون تخصيص أو تشهير بالأسماء؛ لأن في ذلك تأليبًا للعامة، فقال: “ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى، وعدم السمع والطاعة في المعروف”([23]).

  • يدين لهم بالنصيحة، ويتعاون معهم على البر والتقوى:

كان يقول: ربما نختلف مع ولاة الأمور في بعض الأمور، وربما يشتد النقاش، ولكننا نصطلح معهم، ويزول ما في النفوس؛ لأن الهدف هو النصح لهم وللمسلمين.

وكان يقول: الواجب علينا بيان ما نراه لهم، والاستمرار في بذل النصح دون توقف حتى الموت، وموقفنا في ذلك لا يتغير؛ فهذا الذي في وسعنا واستطاعتنا، كان يبين لهم الحق، ويرغبهم فيه، ويبين لهم الباطل ويحذرهم من طرقه.

وكان كثير المكاتبة للولاة في شتى المجالات التي يرجى من ورائها جلب النفع أو دفع الضر.

وكان يتأدب معهم، وينزلهم منازلهم، ويحسن مخاطبتهم ومكاتبتهم.

أما حكام الدول الإسلامية فكان كثيرًا ما يكاتبهم، ويناصحهم بتطبيق الشريعة، ويبين لهم فضائل ذلك، ويحذرهم من الظلم، ومن الحكم بغير ما أنزل الله، وكان يناصحهم كثيرًا في أمور شتى، كإقامة صلاة الاستسقاء حال الجدب، وكرفع الظلم عن المضطهدين.

وكان يكاتبهم بشأن الشفاعة لبعض الدعاة، ونحو ذلك من الأمور التي كان يكاتبهم بشأنها، وكم حقق الله على يديه بهذا المنهج من خير! وكم درأ الله به من فتنة!([24]).

  • حسن الظن بالولاة:

كان الشيخ يحسن الظن بولاة الأمور قدر الإمكان، ويرى أن الأصل فيهم الخير والإسلام، وأن النصيحة والدعاء هي من أفضل السبل للتعامل معهم([25]).

– من مظاهر المحبة والإجلال من قبل ولاة الأمر للشيخ:

مواقف المحبة والإجلال من ولاة الأمر لسماحة الشيخ أكثر من أن نحصيه في هذه الوريقات اليسيرة، ولكن يمكننا أن نجملها في نقاط وهي من أبرز مظاهر الاحترام والتقدير والمحبة والإجلال:

١- تقديم سماحته في المجالس العامة والخاصة.

٢- قبول شفاعته وتقدير رأيه واحترام قوله وطلب مشورته.

٣- دعم المشاريع والأنشطة التي يتبناها سماحته.

٤- الاتصال المباشر وغير المباشر بسماحته حتى لمجرد السلام فقط.

٥- دفع الزكاة والصدقات في سماحته ليتولى توزيعها بنفسه أو تكليف من يثق به.

٦- احترام طلابه وتقديمهم وتقديرهم.

٧- زيارته في منزله، كما حصل في مرض سماحته الأول في ركبته، فقد زاره خادم الحرمين الشريفين وولي عهده والنائب الثاني وجميع الأمراء تقريبًا([26]).

بعض صور الإجلال والمحبة من قبل ولاة الأمور:

  • الملك فيصل رحمه الله يأمر ببناء قصر لسماحته:

حينما كان سماحته رئيسًا للجامعة الإسلامية زاره الملك فيصل رحمه الله وأمر ببناء قصر لسماحته يتوافق مع مكانته العلمية والدينية والاجتماعية، وبعد أن تم بناء القصر جاؤوا إلى سماحة الشيخ ليسجلوا صك القصر باسمه فرفض ذلك، وقال: يبقى القصر باسم رئيس الجامعة الإسلامية، كل من تولى رئاسة الجامعة فالقصر سكن له([27]).

  • اعتناء الملك عبد الله بالشيخ أيام مرضه رحمهما الله:

لقد كان الملك عبد الله بن عبد العزيز -ولي العهد حينئذ- في غاية المتابعة والحرص على سماحة الشيخ في أيام مرضه، ومنذ أن ظهرت آثار المرض وهو يتابع حالة الشيخ، وحاول جاهدًا معه أن يوافق على السفر للعلاج في خارج المملكة، ولكن الشيخ رفض ذلك، فجلب له عددًا من أميز الأطباء في العالم، وكانوا يتابعون حالة الشيخ بصفة دائمة، وقد تألم ألمـًا شديدًا لوفاة الشيخ رحمهما الله رحمة واسعة([28]).

  • نعي الولاة وفاة الشيخ وتأثرهم بوفاته:

من أقوى الشواهد على محبتهم للشيخ ما حدث لهم من تأثر بالغ بعد وفاته رحمه الله، فها هو خادم الحرمين الشريفين الملك فهد يبادر للحضور بنفسه ليشهد الصلاة على الشيخ في المسجد الحرام، وكذلك سمو الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء في حينه، وكذلك سمو النائب الثاني الأمير سلطان بن عبد العزيز، وجل أصحاب السمو الأمراء كانوا في مقدمة الحضور للصلاة والدفن والعزاء، وها هو خادم الحرمين الشريفين في جلسة مجلس الوزراء في 2/ 2/ 1420هـ يتناول سيرة سماحة الشيخ وذكر صفاته الطيبة ومناقبه، وما تحلى به من الصفات الحميدة، وما بذله من جهود خيرة وموفقة على صعيد العلم وخدمة الإسلام والدعوة الإسلامية والعلوم الشرعية، وقال: إن وفاة الشيخ عبد العزيز بن باز خسارة فادحة للأمة الإسلامية.

وتصدرت الصحف في الأيام الأولى من وفاته بأقوال الأمراء، وحسن ثنائهم ودعائهم وترحمهم عليه، وبيان ما له من المكانة العالية، وحتى على الصعيد العالمي جاءت برقيات التعزية من جميع زعماء العالم الإسلامي، وكثير منها تعبر عن حب الشيخ واحترامه وأن موته خسارة عظيمة للعالم الاسلامي بأسره، وقد سطرت على صفحات الصحف كثير من الكلمات والمقالات لعدد من الزعماء والقادة في العالم الإسلامي، ولقد نطقت مقالات كثيرة من أصحاب السمو الأمراء بما لسماحته من منزلة عظيمة في نفوسهم جميعًا([29]).

  • ولاة الأمر والترحيب بمكاتبات الشيخ:

لقد كان سمو الأمير سلطان رحمه الله من أكثر الناس امتثالًا لشفاعات سماحته، ولقد كان يرفع إليه كثيرًا من مشاريع الخير من بناء المساجد، وتنفيس الكربات، وتفريج هموم الناس، فكانت تجد من سموه كل ترحيب واحترام ومبادرة واهتمام.

وكذلك الملك سلمان -أمير الرياض في حينه- كان من أكثر الناس حبًّا للشيخ، وعمل بتوجيهاته وأخذ بنصائحه، وقد تأثر لموته تأثرًا بالغًا، وأمر بإحصاء جميع أبواب الخير التي كان يتبناها سماحته؛ حرصًا من سموه على محاولة دعمها، وضمان بقائها واستمراريتها.

وسمو الأمير نايف رحمه الله ممن كان يقدر الشيخ، ويحرص على زيارته سواء في الرياض أو مكة أو الطائف، وكثير من كتابات الشيخ وشفاعته كانت محل القبول والاستجابة السريعة، فجزاهم الله خير الجزاء([30]).

ختامًا: بعد هذا التطواف حول بعض الجهود التي كان يقوم بها الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في جمع كلمة المسلمين تبين لنا أن هناك أمرين لا بد منهما لاجتماع كلمة المسلمين، أحدهما: قيام العلماء بواجبهم بالدعوة إلى الله، والثاني: إلزام الأمراء الناس بالحق والدعوة إليه، يقول الشيخ رحمه الله: “لا طريق إلى ذلك إلا بالدَّعوة إلى الله، والتَّفاهم، والحكمة، والكلام الطيب، وكثرة الدعاة الذين يدعون عن علمٍ وبصيرةٍ، وتجولهم في البلاد، وقيام العلماء بما أوجب الله عليهم من ذلك في أي مكانٍ. ومن أسباب ذلك أيضًا: توفيق الله لولاة الأمور حتى يُلزموا الناسَ بالحقِّ، وحتى يدعوهم إليه، وحتى يُعاقبوا مَن ترك ما أوجب الله عليه، كما كان في عهد السلف الصالح. فإذا قام الأمراءُ والعلماءُ بواجبهم من الدَّعوة والتَّوجيه والإلزام بالحقِّ اجتمعت كلمةُ المسلمين، وزال عنهم الشرُّ، واستقاموا على الحقِّ”([31]).

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) معالم التنزيل (4/ 122).

([2]) ترجمة سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، للجبعان (ص: 10).

([3]) انظر: إمام العصر، للزهراني (ص: ١٧٣-١٧٤) بتصرف.

([4]) انظر: جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 6-7).

([5]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 6-7).

([6]) السبيل إلى جمع كلمة المسلمين، الموقع الرسمي لسماحة الشيخ الإمام ابن باز – فتاوى الجامع الكبير:

https://cutt.us/ZeDrx

([7]) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز ( 27/ 359).

([8]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 248-261).

([9]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 119-120).

([10]) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (4/ 134).

([11]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 272-282) بتصرف.

([12]) ينظر مثلا: مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (4/ 134).

([13]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 416-420) بتصرف.

([14]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 119-120).

([15]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 313-323) بتصرف.

([16]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 324-333) بتصرف.

([17]) إمام العصر، للزهراني (ص: ٧٨-٨٩) بتصرف.

([18]) جريدة وفاق الباكستانية باللغة الأوردية؛ ترجمه ولخصه الشيخ الدكتور محمد لقمان السلفي، تصدر من أربع مدن في وقت واحد (لاهور، روى البندي، سرجودها، ورحيم يارخان) العدد: صادر في يوم الثلاثاء الموافق 9 رجب 1399هـ، وهو يتضمن مقابلة شخصية مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز في السادس من شهر جمادى الأولى 1399هـ، في مقر التوعية الإسلامية، والذي أجرى المقابلة هو مدير تحرير الجريدة.

([19]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 513).

([20]) إمام العصر، للزهراني (ص: ١٦٤-١٧٣).

([21]) إمام العصر، للزهراني (ص: ٧٩).

([22]) أخرجه البخاري (6645)، ومسلم (1849).

([23]) الإنجاز في ترجمة ابن باز، لعبد الرحمن الرحمة (ص: ٤٩٠).

([24]) جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز، للحمد (ص: 262-263).

([25]) إمام العصر للزهراني (ص: ١٤٩).

([26]) مجلة الدعوة، الدكتور عبد الله المجلي، العدد (١٦٩٣).

([27]) إمام العصر، للزهراني (ص: ٩٠).

([28]) إمام العصر، للزهراني (ص: ٩٠).

([29]) انظر: إمام العصر للزهراني (ص: ١٦٤-١٧٣).

([30]) إمام العصر للزهراني (ص: ١٦٤-١٧٣).

([31]) فتاوى الدروس، الموقع الرسمي لسماحة الشيخ الإمام ابن باز، على الرابط:

https://cutt.us/LQefW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

حديث إزالة النخامة من المسجد واعتراض الحداثيين

يرى بعض الحداثيين أنَّ هذا الدينَ قد جمع بين بعضِ التناقضات، منها أمور تتعلق بالنظافة؛ إذ كيف يسمح النبي صلى الله عليه وسلم  لصحابته أن يتنخَّموا عن يسارهم وتحت أقدامهم وهم في الصلاة، خاصة لو حدث ذلك في المسجد، أليس هذا منظرًا مؤذيًا لمن حوله؟ ثم أليس هذا الفعل فيه سوء أدب مع الله؟! فإذا […]

الرد على من زعم أن التفويض هو إثبات مع التنزيه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة ثمة قناعة غير صحيحة منتشرة في الأوساط الشعبوية ، وهو أن من التفويض هو إثبات مجمل للصفات من غير خوض في المعاني التفصيلية، وكثيرًا ما نسمع من المخالفين أن إثبات معنى صفة اليد وتفويض الكيف عند شيخ الإسلام هو إثبات تحديد لهذه اليد كأن تكون من جنس أيدي المخلوقين […]

خصائص أبي بكر الصديق رضي الله عنه (أدلتها، وركائزها، ومدلولاتها)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     فإنَّ مِن أصول أهل السنة والجماعة حبَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمَهم وتوقيرهم، والشهادة لهم بالفضل والسابقة والمكانة السامقة، فهم خير قرون الأمة وأكرمها. وقد كان السلف رضي الله عنهم يعلِّمون أولادهم حبَّ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما يعلِّمونهم السورة من القرآن، كما […]

حديث صفوان بن المعطل.. وهل يدل على التهوين من صلاة الفجر؟

  ادَّعى بعض مَن عُرف بتتبُّع الشواذ والمتشابهات أنَّ أداء صلاةِ الفجر بعد طلوع الشمس لا يختلف عن صلاتها قبل طلوع الشمس، وأنّ الإنسان إذا كانت أحواله لا تتناسب مع صلاة الفجر في موعِدها فلا مانع مِن صلاتها حينما يستيقظ. واحتجَّ على ذلك بحديث صفوان بن المعطّل رضي الله عنه وأنَّ النبي صلى الله عليه […]

المعتمد العقدي عند الحنابلة.. دعوى ونقاش

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اعتمدت بعض الدعوات الحنبلية الجديدة على ظنون وأوهام صيَّروها مُسلَّمات، ومن جُملة هذه الظنون: فكرة «معتمد المذهب العقدي» وذلك بهدف تمرير بعض البدع في قالب اختيارٍ مذهبي، وليت الأمر وقف إلى هذا الحد، بل تعداه إلى ادعاءاتٍ غير محرّرة، وهو ادعاء أن معتمد المذهب هو التفويض أو نفي الأفعال […]

أين ذهبت خُطَبُ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: السُّنَّة النبويَّة واجهت الكثيرَ من حَمَلاتِ التَّشكيك والطعن على مرِّ العصور، بدءًا من فتنة الخوارج والروافض، ثم أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وصولًا إلى المستشرقين، وانتهاء بأذنابهم من منكري السنَّة ممَّن يسمَّون بالقرآنيين والحداثيين ومن على شاكلتهم. وقد صار التَّشكيك في السنة النبوية صَيحةَ الوقت المعاصر، وبات كلُّ […]

الزيارة وشد الرحال .. بين أهل السنة والصوفية “الجزء الثاني”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   القسم الثاني: الأحاديث التي استدلوا بها على استحباب شد الرحال إلي قبر النبي ﷺ: الحديث الأول: ما رواه الدارقطني في سننه، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي»([1]). استدل به السبكي في شفاء السقام، وعمر عبد […]

الزيارة وشد الرحال .. بين أهل السنة والصوفية “الجزء الأول”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أولاً: تعريف الزيارة: أولاً: في اللغة: مأخوذة من الزور وهو الميل، فالزاء والواو والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على المَيْل والعدول، فمن زار قوماً فقد مال إليهم بنفسه([1]) ، وتأتي بمعنى: الإتيان بقصد الالتقاء([2])،  أوهي:  في العرف قصد المزور إكراماً له واستئناساً به([3]) . ثانياً: في الاصطلاح العام: أما عند […]

الاحتفال بالكريسماس.. مناقشة فتوى دار الإفتاء المصرية في الاحتفال والتهنئة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وسلم وبعد: فقد سئلت دار الإفتاء المصرية سؤالا، عن حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية، وعن حكم تهنئة المسيحين فيه؟ فأجابت بما يلي :”الاحتفال برأس السنة الميلادية المؤرخ بيوم ميلاد سيدنا المسيح عيسى ابن مريم على نبينا […]

تكفير المعيَّن عند الإمام محمد بن عبدالوهاب (مهمَّاتٌ ومسالكُ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد:      “قلَّة هم الرجال الذين أثاروا هكذا انفعالات، وقلَّة هم الذين رأوا فكرهم محرفًا بصورة كاريكاتورية، وقلَّة هم الذين أُبديَت بهم الآراء دون الاهتمام بقراءتهم أو فهمهم، ومع محمد بن عبدالوهاب ندخل في ميدان الجدل، وقضية النوايا والاستيهام، فمنذ أكثر من قرنين راجت التحليلات والروايات غير الموضوعية التي […]

التداخل العقدي بين الطوائف المنحرفة.. الصوفية والفلاسفة أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   لا شكَّ أنَّ الزهد والتقلُّل من مُتع الدنيا وعدم تعلُّق القلب بها هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، وقد حثَّنا الله في كتابه على ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5]، […]

شذرات في التحوّل المذهبي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إن التحوّل المذهبي من الأمور التي تشدّ أنظار المطالع في سير الفقهاء والعلماء والمفكرين من السابقين واللاحقين وتراجمهم، وقلما ينظر فيها طالب علمٍ إلا وتساءل عن أسباب ذاك التحوّل وملابساته. ومن الرسائل اللطيفة التي أُفْرِدت لهذا الموضوع: رسالة للشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، حيث […]

موقف الفقيه العزّ بن عبد السلام من ابن عربيّ الاتّحادي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: تواترت كلماتُ أهل العلم العدول من مختلف المذاهب في ذمّ محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير بمحيي الدين ابن عربي (558هـ-638هـ) أحد أشهر رؤوس الضلالة في تاريخ الإسلام، واشتهرت كلماتهم في التحذير منه وبيان انحرافه وإلحاده، حتى أفرد بعضهم في ذلك الفتاوى والمؤلَّفات، […]

المشاهد والقباب بين الحقيقة والخرافة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة، وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت بها القلوب بعد […]

ورقة في الجواب عن شبهة عدم الإلزام بفهم الصحابة في فهم نصوص الوحي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة لم يعد العقلانيون المعاصرون يصادمون النَّص، ولم يعودوا يناقضون الإجماع؛ لأنهم علموا أنها معركة خسر فيها مرارًا وتكرارًا أسلافُهم ممن يريدون اتباع الهوى وإشباع الشهوة وتحريف الدين الإسلامي، فاتخذوا وسيلةً أخرى لاستهداف النصوص الشرعية، فصاروا يقدِّمون أفكارهم المخالفة للشرع في قالب شرعيّ بتوظيف النصوص لترسيخ أفكارهم الهدّامة للدين الإسلامي، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017