الجمعة - 26 جمادى الأول 1448 هـ - 06 نوفمبر 2026 م

حكم تداول كتب الزندقة والسحر والشعوذة وبيعها

A A

لا يخفى على مسلم مطَّلع على الشرع عالمٍ بمقاصده أن الشريعة قاصدة لحفظ العقول وصيانتها عن كلِّ ما يؤثر عليها ويبعدها عن التفكير السليم، ومن ثمَّ وضَّح القرآن مسائل المعتقد، وأمر الوحيُ بالبعد عن الشهوات والشبهات وكلِّ ما يعيق الفكر السليم، وبيَّن سبحانه أنَّ اتباع ما يمكن أن يُفهم فهمًا غير صحيح من الوحي ضلال وفتنة، فكيف بغيره؟! قال سبحانه: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَاب} [آل عمران: 7].

فاتباع المتشابه من الوحي ضلالٌ حذَّر الله منه، وبيَّن خطره وأنه علامَة زيغ، فكيف بالضلال المحض الذي ليس وحيًا بل هو مضاد للوحي؟! ومن هنا ناقش العلماء قضية اقتناء كتب السحر والزندقة والشعوذة وحكم بيعها، ولكي يتضح أمر هذه المسائل لا بد من تبيين بعض الأمور المهمة التي تعين على التصوّر السليم للحكم الفقهي لهذه المسائل:

فأوَّلًا: من القواعد الشرعية المهمَّة: أن ما حرّم تحريمًا ذاتيًّا يحرم ثمنه والانتفاع به، ولم يخصّ من ذلك إلا أبواب محدودة تذكر في كتب الفقه([1]).

ثانيًا: أن الشريعة قد تحرّم الشيء وتحرّم الانتفاع به، وهنا تتعدّد جهة التحريم وتتأكّد، فلا يمكن الخروج عن قاعدة التحريم، وهذا ما ينطبق على قضيتنا محل البحث، فهي محرمة لذاتها، وحرم الانتفاع بها.

ثالثًا: أن ما حرَّمه الشرع قد يكون تحريمه لذاته ولضرر فيه لا يمكن معه بقاؤه، فتحرِّم الشريعة تداوله والانتفاع به، وتطلب إزالته طبقًا للقاعدة الشرعية: “الضرر يزال”([2]).

رابعًا: نصَّ الفقهاء على عدم صحة البيع أو الإجارة على محرمات دون هذه المحرمات التي ذكرنا، فقد قال الخرشي عند قول خليل: “ولا تعليم غناء، أو دخول حائض لمسجد، أو دار لتتَّخذ كنيسة، كبيعها لذلك، وتصدق بالكراء وبفضلة الثمن على الأرجح”. علق الخرشي شارحًا مقصود خليل بقوله: “يعني أن الإجارة على تعليم الغناء لا تجوز، ومثله آلات الطرب كالعود والمزمار؛ لأن ثبوت الملك على العوض فرع ثبوته على المعوَّض، ولخبر: «إن الله إذا حرم شيئًا حرَّم ثمنه»([3])، وكذلك لا تجوز إجارة الحائض على أن تخدم المسجد. نعم إن كانت الإجارة متعلّقة بذمتها فيجوز لها أن تقيم من يخدم المسجد عنها نيابة للضرورة، وكذلك لا يجوز للمسلم أن يكري داره مثلًا لمن يتَّخذها كنيسة أو خمارة، وكذلك بيعها لذلك، ويرد العقد إن وقع، فإن فات باستيفاء المنفعة أو بعضها فالمشهور أنه يتصدَّق بجميع الكراء للفقراء وجوبًا في الإجارة، وبفاضل الثَّمن عن ثمن المثل في البيع؛ بأن يقال: ما يساوي ثمن هذه الدار أو هذه الأرض لمن يتَّخذها كنيسة أو خمارة مثلا فيقال: خمسة عشر، ثم يقال: وما تساوي لو بيعت لمن لا يتَّخذها كنيسة ولا خمارة فيقال: عشرة، فيتصدَّق بالخمسة الزائدة، على ما رجحه ابن يونس”([4]).

وهذا تدليل على أن الأعلى من باب أحرى؛ لأن المنصوصات في قول خليل -آنف الذكر- أخف من السحر والشعبذة، وقد أجمع العلماء قاطبة على حرمة اقتناء كتب السحر والشعوذة والزندقة؛ لأنها محرَّمة لا ينتفع بها في دين ولا في دنيا، وقد نوَّعوا القول في تحريم اقتنائها وبيعها، من ذلك: تصريحهم بحرمة البيع والانتفاع، قال ابن القيم رحمه الله: “وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت صنمًا أو وثنًا أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله، فهذه كلّها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها”([5])، وقال رحمه الله: “إن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقها”([6]).

وإشادة علماء المسلمين بحرق كتب الزنادقة وإتلافها أمر معلوم على مر العصور كما ذكر ذلك ابن الجوزي([7]) وابن كثير([8]) رحمهما الله.

كما نص أهل المذاهب على حرمة تداولها وبيعها، قال النووي رحمه الله: “ولا يجوز بيع كتب الكفر؛ لأنه ليس فيها منفعة مباحة، بل يجب إتلافها… وهكذا كتب التنجيم، والشعبذة، والفلسفة، وغيرها من العلوم الباطلة المحرمة، فبيعها باطل؛ لأنه ليس فيها منفعة مباحة”([9]). وقال الغمراوي: “وَلَا يَصح بيع كتب الْكفْر كالإنجيل، وَكَذَا كتب السحر والتنجيم، بل يجب إتلافها”([10]).

كما نصوا على عدم الضمان فيها؛ لأن المنفعة فيها غير حاصلة، فمن أتلفها أو أحرقها ولو بدون إذن أصحابها فلا ضمان عليه، بل هذا حكمها، قال ابن القيم: “لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها. قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم، فأحرقه. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابًا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعَّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه. فكيف لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنة؟!”([11]).

والإمام مالك يرى كذلك وجوب إتلافها وعدم صحة الإجارة بها، فقد ذكر ابنُ عبد البَرِّ بسنده إلى ابن خويز منداد قال في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف: “قال مالكٌ: لا تجوزُ الإجاراتُ في شيءٍ من كتب الأهواء والبدع والتنجيم”([12]).

فحاصل الأمر حرمة بيع كتب الزندقة والسحر والشعوذة، ومنع تداولها؛ وذلك للنهي الوارد فيها والضرر الحاصل منها، ثم لإجماع المسلمين على مرّ العصور على إتلافها وحرقها كما هو منهج السلف وسائر الفقهاء، ومما يؤكد هذا المعنى أيضًا أنه لا منفعة فيها مع الضرر المتيقن والنهي الحاصل فيها، فلا نتيجة تنتج عنها، ولا خير يذكر فيها، وفيما أنزل الله من العلم النافع وشرع من العمل الصالح غنية عن الضلال والزندقة، والله ولي التوفيق.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: التمهيد (9/ 46)، جامع العلوم والحكم (2/ 157).

([2]) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 84).

([3]) أخرجه ابن حبان (4938)، والدارقطني (2815)، من حديث ابن عباس.

([4]) شرح مختصر خليل (7/ 22).

([5]) زاد المعاد (5/ 675).

([6]) الطرق الحكمية (ص: 233).

([7]) المنتظم (13/220).

([8]) البداية والنهاية (12/ 76).

([9]) المجموع شرح المهذب (9/ 253).

([10]) السراج الوهاج (ص: 174).

([11]) الطرق الحكمية (ص: 333).

([12]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 117).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017