الجمعة - 19 ذو القعدة 1441 هـ - 10 يوليو 2020 م

أشنع الجرائم تستدعي أكبر العقوبات مناقشة لشبهة كيف يعذب الكافر أبدا وجرمه محدود؟!

A A

الخيانة العظمى جريمة كبيرة فُرضت عليها أشدّ العقوبات وأقسى أنواع الجزاءات، فإنهاء حياة الإنسان هو الجزاء الذي يلقاه كل من يخون دولته خيانةً عظمى. ولستُ هنا أتكلم عن الدول الإسلامية، بل هذا هو القانون حتى عند كثير من الأمم غير المسلمة، بل حتى عند الأمم التي تتفاخر بأنها الأكثر ديمقراطية والأكثر محافظة على حقوق الإنسان نجد أن مصير الخيانة العظمى عندهم هو الإعدام.

إنَّ هذا لشيء عجاب!! عجيبٌ أن يُحكم بإنهاء حياة الإنسان وتخريب بيته وتدمير أسرته والإضرار بهم وإنهاء كامل منافعه والتغاضي عن كل جوانب الخير الذي فيه لأجل تجسُّسِه أو نقله لمعلومة أو إفشاء سر للدولة!!

ولكني لا إخالك هنا تتعجَّب من تعجُّبي من هذه الأحكام!! وستردِّد: إن الجرائم التي ارتكبوها كبيرة في معناها وحقيقتها ومخبرها، وإن كانت سهلة صغيرة في مبناها وصورتها ومظهرها؛ فعلى سبيل المثال قد يؤدي نقل معلومة من أسرار الدولة إلى دمار البلد وإهلاك الحرث والنسل!

إذا تبين هذا فإننا -والله- نعجب ممن يدَّعي العقل أو العقلانية ثم هو يصرخ: لماذا يعذّب الله الكافر أبد الآبدين مع أن جريمته لم تستغرق سوى سنوات عمره القليلة؟!

يا سبحان الله! أي جناية وأي ظلم أقبح من أن يتنكر الإنسان لمن خلقه وأوجده وتفضَّل عليه ورعاه؟! ليس تنكُّرًا فحسب، بل وصل به الأمر إلى التكبُّر عليه والعناد!

أي جريرة وأي عناد أشد من أن يكذِّب الإنسان بحقيقة الحقائق في الوجود؟!

أي إثم أشنع من أن يُعرض الإنسان عن خالقه والمنعم عليه، ثم هو يخضع ويُطيع لمن لا يملك نفعا ولا ضرّا؟!

أي خطيئة أكبر من أن يسوِّي الإنسان بين من خلقه وأنعم عليه ويستحق العبادة والخضوع، وبين من لا قدرة له على مصالح نفسه فضلا عن أن ينفع غيره؟!

أي أمر أشنع من أن يخلق الله الإنسان ويربيه وينعم عليه، ثم يفطره على الأخذ بالحق والخير، ثم يرسل إليه رسولا من جنسه من البشر يتلو عليه الآيات ويزكيه ويعلمه، وينزل له الكتب تهديه وترشده، ثم بعد ذلك كله يتجاوزها الإنسان في لمحة أو غمضة دون أن يلقي لها بالًا؟!

لا أدري، إن لم يكن هذا هو الظلم والجناية فما الجناية؟!

أي جرم أبشع من أن تتضافر البراهين والدلائل وتتواتر الأخبار والرسائل على ضرورة الإيمان بالله تعالى، وتتكاثر الإنذارات والتحذيرات من الكفر به سبحانه، ثم يرتكب الإنسان هذا الجرم؟! أفلا يستحق أقسى أنواع العقوبات؟!

بلى، فالكفر والشرك أعظم الظلم، قالها ربنا تبارك تعالى وهو يحكي وصية لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، “وأصل العدل العدل في حق الله تعالى، وهو عبادته وحده لا شريك له”([1]).

ولم يترك الله تعالى سبيلًا أو حجةً للكافر حتى يحتج به على الله تعالى، بل إنه سبحانه وتعالى خلق الإنسان وفطره على معرفة الله والإيمان به، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، وزوَّده بكافة وسائل العلم والمعرفة، وسوَّى بين البشر فيها، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 26]. ثم هو سبحانه وتعالى أنار السبل وأضاء الطرق للحق، فأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبشَّر وأنذر ووعد وتوعَّد، قال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} [هود: 1، 2]، وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 163-165].

فوا عجبًا ممن توفَّرت له كل تلك الموارد والسبل المعرفية، ولم يمنعه مانع صحيح، ثم هو يعاند ويتكبر عن اتباع الحق وقبول البينات، وينكر تلك الحقيقة العظمى!

أفي الوجود جرم أبشع من هذا الجرم؟! أفي الكون جور أشنع من هذا الجور يستحق العقاب؟!

ثم إن هذا المعاند لو قُدِّر له وعُمِّر أكثر من عمره ذاك الذي يدَّعي أنه لا يكافئ العقاب المحدد له، فإنه سيستمر في كفره ويتمادى ولو عاش ملايين السنين؛ لأنه معاند متبع هواه، معرض عن دلائل العقل والسمع والبصر، فلماذا لا يستشنع عناده وجرمه وتماديه أبد الآباد ثم هو يستكثر جزاء جرمه، وقد أخبرنا الله تعالى عن هذا الصنف من البشر فقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27، 28]. أفلا يستحق من هذا حاله أشد العقوبات وأقسى الجزاءات؟!

عجبًا ممن تلطخت يديه -بل إزاره وشحمه ولحمه- بأشنع الظلم والجرم، ثم لا يستحي ولا يتحاشى عن أن يبحث عن العدل!!

وليته فعلها مع من كان مثله، يظلم دهرًا ويبحث عن العدل يومًا من الأيام، ولكنه في الحقيقة هنا يحاكم أفعال الحكيم إلى نفسه القاصرة، ويقيس أعمال الخبير الذي يضع الأمور في مواضعها بأعمال البشر أمثاله، ويقارن بين أفعال الله سبحانه وتعالى الغني عن كل أحد بأحكام البشر الذين تتحكم فيهم الأهواء ويحابون من أجل الأعراف والشفاعات.

وإلا فانظر هل ترى من فطور في الوسائل المعرفية التي وهبها لكل إنسان وعليه كان التكليف؟! وانظر هل ترى من قصور في التبليغ والإنذار والتبشير؟! وانظر في الرسل والكتب التي أقام بها الحجة هل فرَّقت بين فقير وأمير؟!

إنه لمن البشاعة بمكان أن نرى الإنسان يستشكل على خالقه في الحكمة، وهو سبحانه واهب الحكمة!!

وإمرار العين على سياق تلك الآية التي أخبر الله فيها بحال المعاندين والتفكر فيها يبيِّن لنا أنه لا جرم أعظم من جرمهم، ولا حال أبشع وأشنع من حالهم، ألا وهو الكفر بالله تعالى وإشراك غيره به؛ يقول الله تعالى بعد ذكر تواتر الآيات والدلائل على وجوب الإيمان: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21]، فلا أحد أظلم ممن كفر بالله تعالى وكابر رغم تضافر الدلائل، يقول ابن جرير رحمه الله تعالى: “ومن أشدُّ اعتداءً وأخطأ فعلا وأخطأ قولا {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}، يعني: ممن اختلق على الله قيلَ باطل، واخترق من نفسه عليه كذبًا، فزعم أن له شريكًا من خلقه، وإلهًا يعبد من دونه كما قاله المشركون من عبدة الأوثان، أو ادعى له ولدًا أو صاحبةً، كما قالته النصارى، {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}، يقول: أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم كما كذّبت بها اليهود، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، يقول: إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل، ولا يدركون البقاءَ في الجنان، والمفترون عليه الكذب، والجاحدون بنبوة أنبيائه”([2]).

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن حالهم مع الآيات والدلائل فقال تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنعام: 25]، قال ابن جرير: “وإن ير هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام، الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك {كُلَّ آيَةٍ}، يقول: كل حجة وعلامة تدلُّ أهل الحجَا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك {لَا يُؤْمِنُوا بِهَا}، يقول: لا يصدّقون بها، ولا يقرّون بأنها دالّة على ما هي عليه دالة، {حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ}، يقول: حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به {يُجَادِلُونَكَ}، يقول: يخاصمونك {يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا}، يعنى بذلك: الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها، يقولون لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التي احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذي بيَّنه لهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، أي: ما هذا إلا أساطير الأوّلين”([3]).

ولذا أخبر أنهم يتمنون الخروج من النار والعودة للعمل الصالح عند رؤيتهم العذاب، ولكنهم لعنادهم وكبرهم سيكفرون وإن عادوا.

والنصوص في هذا كثيرة جدا، فبيان شناعة الكفر بالله تعالى والتكذيب بآياته وحججه تواتر في الآيات والأحاديث، ودعنا هنا نأخذ آية أخرى من تلك الآيات وهو قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 153-157].

فالله تعالى بيَّن أن صراطه هو الصراط المستقيم، ودينه هو الدين القويم، وأن الأدلة عليه كثيرة واضحة، وأنه أرسل الرسل معهم الحجج والبراهين؛ قطعًا لاحتجاجات الكافرين المعاندين، ثم أخبر تعالى أنه لا أحد أظلم من المعاند الكافر، ولا جريمة أشنع من جريمة الكفر، يقول أبو جعفر: “يقول جل ثناؤه: فمن أخطأ فعلا وأشدّ عدوانًا منكم أيها المشركون المكذبون بحجج الله وأدلته وهي آياته. {وَصَدَفَ عَنْهَا} يقول: وأعرض عنها بعد ما أتته، فلم يؤمن بها، ولم يصدِّق بحقيقتها”([4])؛ ولذا كان جزاؤهم وعقابهم أسوأ الجزاء وأخزى العقوبات، كما قال تعالى: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157]، قال أبو جعفر: “سيثيب الله الذين يعرضون عن آياته وحججه ولا يتدبرونها، ولا يتعرفون حقيقتها فيؤمنوا بما دلتهم عليه من توحيد الله، وحقيقة نبوة نبيه، وصدق ما جاءهم به من عند ربهم {سُوءَ الْعَذَابِ}، يقول: شديد العقاب، وذلك عذاب النار التي أعدَّها الله لكفرة خلقه به؛ {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}، يقول: يفعل الله ذلك بهم جزاء بما كانوا يعرضون عن آياته في الدنيا، فلا يقبلون ما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم”([5]).

ودعنا بعد هذا نسلط الضوء على دائرة المخالفين العاصين لله تعالى؛ لنعرف مدى رحمة الله تعالى بمن عصاه وخالف أمره؛ فإنه ليس كل عاص يخلد في النار مباشرة، بل كثير منهم يغفر الله سبحانه وتعالى لهم، وما أكثر المكفرات للذنوب في الإسلام، ومرتكب الكبيرة كما هو معروف عند أهل السنة والجماعة تحت مشيئته سبحانه وتعالى، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له، ومن يعذَّب في النار من العصاة ليسوا صنفًا واحدًا، بل منهم من يدخلها فيُطهَّر من ذنوبه ثم يخرج منها ثم يدخل الجنة، وأقل هؤلاء حالا من يعطى أضعاف أضعاف نعيم الدنيا وما فيها، ومنهم أهل الأعراف، والله سبحانه وتعالى لا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإنما من عاند الحق وكابر الحجة مع ظهورها له كالشمس في وضح النهار وتوفّر الأسباب وانتفاء الموانع، فهذا ليس في قلبه ولا ذرة من إيمان بالله سبحانه وتعالى، أفلا يستحق من بلغ هذه الفظاعة من الشناعة والانحطاط ذلك العقاب؟!

ختامًا: الله سبحانه وتعالى أرحم بنا من الوالدة بولدها، بل وسع كل شيء رحمةً وعلمًا، وهو أرحم الراحمين، وأعظم الغافرين، وأحكم الحاكمين، وهو سبحانه وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، وعلى من يشكك في حكمتِه أن يفكر في حكمتِه من أين اكتسبها ومن وهبه إياها؟!

 ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع

([1]) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (1/ 106).

([2]) جامع البيان، ت. شاكر (11/ 296).

([3]) المرجع نفسه (11/ 308).

([4]) المرجع نفسه (12/ 243).

([5]) المرجع نفسه (12/ 244).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مناهج الإصلاح السلفيَّة وأثرها في نهضة الأمة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أحبائي الكرام: عنوان لقائنا: “مناهج الإصلاح السلفيَّة وأثرها في نهضة الأمَّة”.   كما يعتاد الأكاديميون بأن يُبدأ بشرح العنوان، نشرح عنواننا فنقول: ما هو المقصود بكلمة (مناهج الإصلاح)؟ مناهج الإصلاح هل تعني طرق الإصلاح؟ […]

رمتني بدائها وانسَـلّـت (1) الإسقاط من تقنيات أسلاف الحداثيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: تزوَّجت رُهم بنتُ الخزرج بنِ تيم الله بن رُفيدة بن كلب بن وَبْرة من سعد بن زيد مَناة ابن تميم، وكانت ذاتَ جمال، وكان لها ضرائر، فكنَّ يشتمنَها ويعيِّرنها ويقُلن لها: يا عَفلاء، فأرهقها ذلك من ضرائرها، فذهبت تشتكي ذلك الحال لأمِّها، ولكن أمها نصحتها بأن تبدأ […]

تأثير المعتزلة في الفكر الأشعري -قضية التنزيه نموذجًا-

لا يخفى على قارئٍ للفكر الإسلاميِّ ولحركتهِ أنَّ بعض الأفكار كانت نتيجةَ عوامل عدَّة أسهَمَت في البناء المعرفي لتلك الأفكار التي ظهرت وتميَّزت على أنها أفكار مجردة عن الواقع المعرفي للحقبة التي ظهرت فيها، ومن بين الأفكار التي مرت بمسارات عدَّة فكر الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله؛ فإن نشأته الاعتزالية لم يتخلَّص منها في […]

الهجومُ على السَّلفية وسبُل الوقاية منه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه إلى يوم الدين وبعد، بادئ ذي بَدءٍ أسأل الله عز وجل أن يوفق هذا المركز المتسمي باسم “حبل القرآن”، وأن يبارك في القائمين عليه، والدَّارسين فيه، ويجعل […]

عرض ونقد لكتاب:(نظرة الإمام أحمد بن حنبل لبعض المسَائل الخلافية بين الفرق الإسلامية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على متابع أن الصراع الفكريَّ الحاليَّ بين المنهج السلفي والمنهج الأشعري على أشدِّه وفي ذروته، وهو صراع قديم متجدِّد، تمثلت قضاياه في ثلاثة أبواب رئيسية: ففي باب التوحيد كان قضية ماهية عقيدة أهل السنة هي محل الخلاف والنزاع. وفي باب الاتباع كانت قضية المذهبية، وما يكتنفها […]

العقل المسلم في زمن الأوبئة (دفع البدع والأوهام، وبيان ما يشرع عند نزولها)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: توالتِ الأزمات التي أصيبت بها الأمَّة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، ووقع للناس فيها صنوفٌ شتى من المحن والابتلاءات؛ كالطواعين والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك. وقد دوَّن التاريخ الإسلاميُّ وقائعَ تلك المِحَن وأحداثها وآثارها، ولعلَّ أوضحها وأعظمها فتكًا الأوبئةُ والطواعين التي انتشرت مراتٍ عديدةً في بلادٍ كثيرة من […]

عرض وتعريف بكتاب (الاتجاه السلفي عند الشافعية حتى القرن السادس الهجري)

تمهيد: في خضم الصراع السلفي الأشعري يستطيل الأشاعرة دائمًا بأنهم عَلم على المذهب الشافعي ومرادف له، في استغلالٍ واضحٍ لارتباط المدرسة الشافعية بالمدرسة الأشعرية عبر التاريخ الفكري للمذهبين. هذا الارتباط بين الشافعية والأشعرية صار من العوائد التي تتكرر كثيرًا، دون الانشغال بحقيقتها، فضلًا عن التدليل عليها، أو ما هو أبعد من ذلك: البحث في مدى […]

ترجمة الشيخ د. عبد الشكور بن محمد أمان العروسي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ الدكتور عبد الشكور بن محمد أمان بن عبد الكريم بن علي الغدمري الأمالمي العروسي. مولده: ولد في أثيوبيا، وتحديدًا في منطقة بالي الإسلامية، عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وستين للهجرة النبوية (1363هـ). نشأته العلمية: امتنَّ الله تعالى عليه بأن نشأ في بيت علم وفضل وتقى؛ حيث […]

تميُّز الإسلام في إرساء العدل ونبذ العنصريَّة “كلُّكم من آدم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: افتتح إبليس تاريخ العنصريَّة عندما أعلن تفوُّق عنصره على عنصر التُّراب، فأظهر جحوده وتكبُّره على أمر الله حين أمرَه بالسُّجود، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]. كانَ هذا البيان العنصري المقيت الذي أدلى به إبليس في غَطرسته وتكبره مؤذنًا بظهور كثيرٍ ممن […]

أبعدت النُجعة يا شيخ رائد صلاح   (الكلمات الموجزة في الرد على كتاب (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  وقع في يدي كتابان من تأليف الشيخ أشرف نزار حسن -عضو المجلس الإسلامي للإفتاء في بيت المقدس- وهو أشعري المعتقد؛ الكتاب الأول: (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)، والثاني: (قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة). والذي دعاني لأكتبَ هذا المقال كونُ الشيخِ رائد صلاح هو من قدَّم لهما، ولم […]

ترجمة العلامة السلفي التقي بن محمد عبد الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة شهد القرن الماضي في شنقيط أعلامًا سلفية ضنَّ الزمان بمثلها، وكانوا أئمةً في كل الفنون، وإليهم المنهى في علوم المنقول والمعقول، هذا مع زهد ظاهر وعبادة دائمة، فنفع الله بهم البلاد والعباد، وصحَّحوا العقائد المنحرفة، ووقفوا في وجه الخرافة. ومن هؤلاء: الشيخ العلامة محدث شنقيط وشيخ الشيوخ التقي ابن […]

تعريف بكتاب عناية الإسلام بالصحة والنظافة للدكتور محمد بن إبراهيم الحمد

هذا تعريف موجز بكتاب (عناية الإسلام بالصحة والنظافة) للمؤلف د. محمد بن إبراهيم الحمد، من منشورات دار ابن الجوزي بالدمام، في طبعته الأولى عام 1436هـ، ويقع في غلاف (58) صفحة:   – انطلق في مقدمته من شمول الإسلام وإحاطته بعامة منافع الإنسان، ومنها حفظ الصحة والعناية بالطهارة، وعلى هذين الموضوعين قسم الكتاب إلى شقين: العناية […]

هل كلُّ من يؤمن بوجود الله مسلم؟! وهل يصح وصف اليهود والنصارى بالمسلمين؟!

يكفي لكي ترى العجب أن تعيشَ، وهذا عجبٌ أيضا؛ لأن الناس يتوقَّعون العجبَ عند المكابدَة، ولا يتوقَّعونه بهذه السهولة، وإن تعجب من هذا فعجبٌ أن يتكلَّم مسلم منتَمٍ لأهل القبلة بتصحيح إيمانِ مَن كفَر بالنبي صلى الله علي وسلم، وقال: ما أنزل الله من شيء؛ لأن في قوله: ما أنزل الله من شيء إثباتًا لوجود […]

الدعوة النجدية وتهمة البداوة (4) التشدد والفقه البدوي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من أبرز الاتهامات للدعوة النجدية الحكم عليها بالتشدد والتعصب، تشدّد في فهم الدين والعمل به، وتعصّب في الموقف من المخالف، (فالتشدُّد والتطرف انعكاس طبيعيّ لحياة البادية الصحراوية القاسية، وحياة البدو الجافة والفقيرة والخشنة والخالية من كل مباهج الحياة الحضارية)([1]). ويبدو أن هذا الاتهام له جاذبية، فهو يجمع كلَّ الذين […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017