الثلاثاء - 16 رمضان 1440 هـ - 21 مايو 2019 م

الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟

A A

ظلَّ ملفُّ تطبيق الشريعة مغلَّقًا ردحًا من الزمن، فلم تكن الشبهاتُ تورَد عليه بمجملِه إلا ما كان على بعض الحدود دونَ بعض، وما إن أعلن أتاتورك جمهورية تركيا العلمانية الحديثة حتى فُتح هذا الملف الذي كان مخبوءًا في سراديب الذاكرة العلمانية، فطُرح بقوة، ونوقش من كافَّة الطوائف الدينية، ولا زال الجدال فيه قائمًا بين الاتجاهات الرئيسيّة التي تناولت المسألةَ من المعاصرين. وتطبيق الشريعة يراد به معنيان:

الأوَّل: تطبيق شريعة الله في كل الجوانب العقدية والعملية والمعاملات، وقيام دولة على الهدي الإسلامي الكامل دون اجتزاء شيءٍ منه.

الثاني: الدعوة إلى تطبيق الحدود الشرعية.

والمتابع بعين التحليل والفَحص لبنية الخطاب المعاصر حول هذه المسألة يجد أنه لا يكاد يخرج عن هذا المعنى الثاني، فمفهوم تطبيق الحدود الشرعية قد اختزل والتَهَمَ مفهوم تطبيق الشريعة أو كاد، فلا يتحدثون عن تطبيق الشريعة إلا ويريدون به تطبيق الحدود الشرعية، وقد بقي الجدل فيه يدور رحاه في عددٍ من الجوانب، وظل المعاصرون يخوضون فيه الحربَ تلو الأخرى، سواء في أصل تطبيقه أو في كيفيتها.

ومن أكثر الاتجاهات حضورًا في هذه المسألة الاتجاهُ الحداثيّ، والذي يستغلّ هذه المسألة لرمي المنهج السَّلفيِّ بالتشدُّد بل بالإرهاب! كما فعل ذلك سيّد القمني في حوارٍ أجراه معه موقع “الرصيف” قال فيه: “واليومَ لم تعد العقوبات البدنيّة مجدية إطلاقًا، يعني ماذا يعني أن تقطع يد إنسان؟! هذا كان أيام زمان، أما الذي يقول به اليوم فيكون إرهابيًّا فورًا”([1]).

وتلك النظرة هي النظرة العامَّة للحدود من قبل الحداثيين، فإنهم يرونَ فيها همجيَّة وشدَّة لا تتماشى مع روح العصر، ويصوِّرون الحدودَ وكأنها تقام في كل ثانية حتى يصبح نصف المجتمع مقطوعَ اليد، والنصف الآخر مفقوء العين، أو مصلوم([2]) الأذن، أو مجدوع الأنف!([3]).

فالدعوة إلى تطبيق الحدود في نظرهم دعوة إلى الشدة، كما أنها غير ملائمة للمدنية المعاصرة، ويأتي هذا المقال لبيان أن الحدود الشرعية وإن كان المراد منها الزجر وهذا يقتضي حصول الشدة فيها، إلا أنها انطوت على أنواع من الرحمة الإلهية التي تحيط بالناس دائمًا وفي كل التشريعات، حتى فيما ظاهرها الشدة والحزم كالحدود الشرعية، وقد يتعجَّب المرء كيف أن الرحمة تجتمع مع قطع اليد ورجم الزاني وجلد القاذف!

ولكن من يتأمَّل في النصوص الشرعية يجد أن الرحمة تكتنف كل التشريعات الإسلامية، فالله ذو الرحمة الواسعة المطلقة، والتي يقول عنها جل جلاله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فكل شيء في الوجود تسعه رحمة الله، ومن ذلك التشريعات التي يُكلَّف بها العباد وتجِب عليهم، فمن احتمى بالشريعة انسكب على قلبه الاطمئنان، ولا يوجد مخلِّصٌ من بحور الشكِّ والريبة إلا مرافئ الرحمة الإلهية.

والانطلاق من نصوص الرحمة الكلِّيَّة مفيد في تقرير أن الحدود الشرعية لا يمكن أن تخرج عنها، وبناء عليه فإن الحدود الشرعية التي في ظاهرها شدة -لطبيعة غايتها- بين طياتها رحمة كامنة رحِمَ الله بها العباد، فالدعوة إلى إلغاء الحدود الشرعية بحجة الشِّدَّة([4]) دعوة فارغة من المضامين الصحيحة وكذلك الغايات الحميدة، وهي مصادمة للكتاب والسنة وسبيل المؤمنين، كما أنها منطلقة من نظر الإنسان القاصر الذي لا يعلم خبايا الأمور، ولا يستطيع أن يكشف أستار القدر، بل وعلمه وعقله محصوران ومتغيران حسب المعطيات التي يتناولها وينظر بها، فمتى ما انطلقنا في النظر إلى الحدود من خلال رحمة الله الكلية بالعباد وحكمته البالغة عرفنا أن الحدود الشرعية عين الرحمة والرأفة بالخلق.

والرحمة التي تحيط بقضية الحدود الشرعية لا تخفى إلا على من أعرض عنها، وعلى من غشيت قلبَه غشاوة الشبهات والشهوات، فإنها متعددةٌ كثيرة، منها ما تختص بالجاني نفسه، ومنها ما تختص بالمجتمع الذي يقيم فيه الجاني، ومن خلال هذين الجانبين سنتناول هذا الموضوع:

أما الجاني: فإن رحمة الله تغمره من كل جانب حتى وهو جانٍ متعدٍّ، ويمكن معرفة رحمة الله به من خلال المسارات الآتية:

أولا: رحمته به قبل إقامَة الحدّ عليه، وهذا له صورٌ عديدة منها:

1- درء الحدود بالشبهات: فالشريعة الإسلامية السمحة غير متعطِّشة لإقامة الحدود؛ لا قتل الأنفس، ولا قطع الأيدي، ولا جلد الأبشار، ولا غير ذلك من العقوبات، كما يصوِّره الحداثيّون؛ ولذلك عمِلت على درء الحدود بالشبهات ما أمكن، وقد وردَ في ذلك عدة نصوص نبوية، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهُ مَدْفَعًا»([5]).

وهذا الحديث وأمثاله يؤكد على أن الحدود تدفع بالشبهات؛ ولذلك نرى ذلك في التطبيق العملي للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد جاءه ماعز رضي الله عنه مقرًّا على نفسه بالزنا، فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام، ولما ألحَّ عليه بدأ يسأله: «أبِك جنون؟… لعلك قبَّلت أو غمزت أو نظرت»([6]). وهي محاولات حقيقية من النبي صلى الله عليه وسلم لدرء الحد عنه، ولم يكتف بسؤاله، بل أرسل إلى قومه يسألهم كما عند مسلم من حديث بريدة: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، فقال: «أتعلمون بعقله بأسا؟ تنكرون منه شيئا؟» فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى([7]). وكل هذه الضمانات وضعتها الشريعة رحمةً بالجاني، فمتى لم يتأكَّد ويتيقَّن الحاكم من وقوع الجاني في الجريمة لم يجز له إقامة الحد عليه.

2- الإعراض عن المعترف، فإن للإمام أن يتولى ويعرض عن الجاني؛ فلعله يتوب، وهذا أيضا يؤكِّد على أن الشريعة الإسلامية لم تقصد الحدود لذاتها، وإنما للمصالح التي تترتب عليه، وفي هذا قصَّة ماعز رضي الله عنه والتي رواها البخاري عن جابر: أن رجلًا من أسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: «هل بك جنون؟ هل أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة جمز([8]) حتى أدرك بالحرة فقتل ([9]).

وهذا يؤكِّد على أن الإمام يُعرض عن المعترف؛ فلعله يرجع، ولعله ينكر، ولعله يتوب بينه وبين نفسه دون مجاهرة، فلا يحتاج الإمام إلى إقامة الحدِّ في مثل هذا، بل من رحمة الله أنَّ الإنسان إذا اعترف بحدٍّ دون أن يسمِّيه لا يقام عليه الحد، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو أُمامة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله صلى الله عليه وسلم قال أبو أمامة: فاتَّبع الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف، واتبعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما يردّ على الرجل، فلحق الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟!» قال: بلى يا رسول الله، قال: «ثم شهدت الصلاة معنا؟!» فقال: نعم يا رسول الله، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله قد غفر لك حدك»، أو قال: «ذنبك»([10]). فأيّ تشريع دنيوي بشري يمكنه أن يضاهي هذه الرحمة الموجودة في التشريع الرباني؟!

3- السّتر أولى من العقوبة، فمن لم يجاهر بالمعصية التي هو عليها ولم يشِعها بين الناس فإنه يستحبُّ له أن يستتر ولا يتعرَّض للعقوبة، ويستحبُّ لمن عرف من أخيه شيئًا أن يستر عليه ولا يرفعه للحاكم ما لم يعظُم شره؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لهَزَّال وهو الذي أمر ماعزًا بإتيان النبي صلى الله عليه وسلم والاعتراف، فقال له عليه الصلاة والسلام: «يا هَزَّال، لو سترته بردائك لكان خيرًا لك»([11])، بل روى الإمام مالك أن ماعزًا أتى أبا بكر رضي الله عنه فأمره بالستر، ثم أتى عمر رضي الله عنه فأمره بما أمره به أبو بكر، ثم كان ما كان من هزال([12]). فانظر إلى حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاستتار وتطبيقات ذلك من الصحابة الكرام، وكل هذا من رحمة الله بعباده.

4- التشديد في شروط الشهود، فإن الإمام قبل أن يقرِّر الحدَّ ينظر إلى الشهود بالشروط الشرعية التي وردت، فإن لم تُستَوفَ الشروط لم يُقمِ الحد، فلا تقبل شهادة كافر، ولا فاسق، ولا خصم للجاني، ثم في بعض الحدود كالرجم لا يُقبل إلا أربعة شهود، يذكرون الواقعة بالتفصيل مع تتطابق أقوالهم، وهذا شرط عسير جدًّا، وكل ذلك درءًا للحد، وحفظًا لهذا الإنسان ما لم تتوفر كل الدواعي والشروط.

فانظر إلى كل هذه الضمانات قبل تنفيذ الحد حتى لا يقام إلا بما يحقِّق مصلحة الشرع من إقامة الحد، وانظر إلى هذه الرحمات الكثيرة التي تحيط بالجاني حتى قبل أن يقام عليه الحد.

ثانيا: رحمته به عند إقامة الحد:

إذا تم إقرار الحدِّ على أحدٍ وأقيم عليه فإنه حتى في هذه الحالة تأتي رحمات الله، فلا يريد الشارع الحكيم الإضرار بالعبد، وإنما يريد تحقيق المصالح خلف هذه الإقامة، وهناك صور عديدة لرحمة الله أثناء إقامة الحد، ومنها:

1- اتقاء الوجه والْمَقَاتل، لما ورد في الصحيحين من تحريم ضرب الوجه عموما في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه»([13]). وإذا فتّشت كتب الفقه الكثيرة تجد أنها تذكر جملة من الآداب عند إقامة الحدود، وتنصُّ على اتقاء الوجه وعدم ضرب المقاتل([14]).

2- إقامة الحد بسوط لا جديد ولا خلق.

3- أن لا يكون الضرب مبرحًا، ولا يكون في شدة البرد أو الحر.

4- عدم إقامة الحدّ على الحامل والنفساء، فلا يجوز التعدي في إقامة الحدود حتى لا يُضر بالصبي الذي لا ذنبَ له، وهذا قد وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث بريدة قال: جاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لِمَ تردني؟ لعلَّك أن تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلى، قال: «إمَّالَا فاذهبي حتى تلِدي»، فلمّا ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه»، فلما فطمته أتته بالصبي في يدِه كسرة خبزٍ، فقالت: هذا -يا نبي الله- قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها([15]).

فهذا هو الإسلام الذي يراعي دقة إقامة الحد بعد الضمانات التي طلبتها قبل إقامته، فلا يُجرُّ الحد إلى غيره ممن لا ذنب له، فأي تشريع دنيوي يراعي المصالح المحيطة بالجاني إلا الشريعة الإسلامية؟!

ثالثا: بعد إقامة الحد:

الرحمة التي أحاطت بالإنسان قبل الحد واستمرت معه حتى عند إقامته لا تتخلى عنه بعد إقامة الحد، بل تظهر الرحمة بعد الإقامة أكثر مما كانت تظهر قبلها، ومن ذلك:

1- أن الحد كفارة للمحدود، فمن رحمة الله بالعبد أن جعل الحد الذي أقيم عليه في الدنيا كفارةً له من الذنب الذي ارتكبه، فلا تُجمع له عقوبتان، ويؤكد على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه»([16]). قال ابن حجر رحمه الله: “ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود، وهو قول الجمهور”([17])

2- الاستغفار للجاني والدعاء له، فقد جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقطع يده ثم أمره بالاستغفار، فلما استغفر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم تب عليه»([18]). فالجاني إن تاب ورجع لن يكون منبوذًا من المجتمع، بل هو أحد أفراده، ويدعَى له بما يؤلف قلبه في ذلك الموضع، وكل ذلك من رحمة الله.

3- النهي عن الدعاء عليه، وهو مبني على ما سبق، فإن الجاني إذا ارتكب ذنبا ثم أقيم عليه الحد فإنه لا يجوز لعنه أو شتمه أو سبه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعن شارب الخمر الذي كان يؤتى به كثيرًا فيُجلد، وقال: «لا تلعنوه؛ فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله»([19])، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد عن سبّ الغامدية التي أقيم عليها الحد([20]).

فانظر إلى كل هذه الرحمات التي بدأت مع الجاني من قبل إقامة الحد، ثم بقيت معه حتى أقيم عليه، ثم توالت عليه كذلك بعد الإقامة، فهل بعد ذلك كله يأتي إنسان قاصر النظر قاصر العلم فيعترض على الله في تشريعاته؟!

أما الرحمة بالمجتمع فإنها تظهر جليًّا واضحًا، وتلك غاية الحدّ العظمى، وتتجلى رحمة الله بالمجتمع بتشريع الحدود من خلال الآتي:

1- حفظ الأمن والأمان في المجتمع المسلم، فإن الحدود رادعة من أن ينزلق المجتمع في مهاوي الموبقَات، فيصبح المجتمع كله مرتكبًا للجنايات؛ مما يؤدي إلى انعدام الأمن والأمان، فشرع الله تلك الحدود حماية للفرد والمجتمع، فإننا لو تركنا الحدود لما يزعمونه من وجود القسوة فيها لأوقعنا أنفسنا والمجتمع كله في قسوة أشد، وهي الفوضى واختلال الأمن، فالحداثي ينظر بنظر ضيق للحدود الشرعية حتى يجعلها قسوة على الفرد الجاني، وينسى المجتمع الذي يجب الحفاظ عليه وعلى أمنه، ويخفى عليه أن القسوة قد تكون مظهرًا من مظاهر الرحمة.

أرأيت لو أن طبيبا يجري عملية جراحية، فجاء بمشرطه المرهف فقطع بِضعة من الجسم واستأصله، فالناظر لهذا الفعل فقط دون النظر إلى الظروف المحيطة ولا إلى الغاية سيقرر بأن هذا قسوة، لكن من يبتعد قليلا ليرى المشهد كاملًا دون اجتزاء سيدرك أن هذا رحمة من الطبيب، فإنه يستأصل هذا الجزء من الجسد حتى لا يأتي على الجسد كله فيهلكه، وكذلك الحدود الشرعية فإنَّ فيها قسوة محمودة، وهي في حقيقتها رحمة من الله بخلقه، يقول العز بن عبدالسلام: “وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها أو تباح، لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لكون المصلحة هي المقصودة من شرعها كقطع السارق وقطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقة”([21]).

وقد ذكر الله هذا المعنى بأفصح عبارة وأبلغ كلمة وأجمل خطاب، فقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، فانظر كيف جعل الله مادة الموت هي مادة الحياة! ففي القصاص تلك الحياة الوادعة الآمنة التي نتفيأُ بظلالها، قال ابن كثير: “قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل”([22])، فلما كان القصاص هدرا لحياة إنسان بيّنت الشريعة أن ذلك الهدر ليس أمرًا عدميًّا بل هو وجوديّ، فإنه هو الذي يسبب حياة المجتمع كله.

2- حفظ الأمة من أن تهلك، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من أسباب هلاك الأمم السابقة: تركُ إقامة الحدود، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها حين شفع أسامة بن زيد في المرأة المخزومية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟!» ثم قام فاختطب، ثم قال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»([23]). فمن رحمة الله إرادته لهذه الأمة البقاء، فحذَّرها من أسباب هلاك الأمم السابقة لتجتنبها، ومن ذلك عدم إقامة الحدود، فليست دعوة من يدعو إلى إلغائها إلا دعوة إلى إلغاء الأمة كلها.

3- حفظ أفراد المجتمع من التردي في هاوية الجرائم، فإنهم إن رأوا من يقام عليه الحد وعرفوا أنه يُفعل بهم كما فعل بأولئك كان ذلك من أكثر الأسباب الرادعة عن ارتكاب الجرائم، فمنع الناس من الوقوع في الجرائم مقصد شرعي، وهو أيضا مقصد تدعو إليه الدول المدنية الحديثة مع اختلاف طرق تطبيقها، فأي شيء -في نظر الحداثيين- يجعل تطبيقات الشريعة للحدِّ من الجرائم غلوًّا وإرهابًا، وتطبيقات الغرب حضارة ورقيًّا؟!

وأخيرا: أين هذا المجتمع المسلم الذي نِصفُه مقطوع اليد، ونصفه مقطوع القدم ومجدوع الأنف؟! عدم وجود مثل هذه المجتمعات هو أكبر دليل على أن الحدود الشرعية ليست جريمة اجتماعية، وإنما رحمة إلهية، فإنها قد آتت ثمارها وحدَّت من وقوع كثير من الجرائم، فالمجتمع الإسلامي بفضل الله كان يرفل في ثوب الأمن والأمان مع تطبيق الحدود الشرعية كما أراد الله، بينما شعوب أخرى كثيرة كان التوحّش فيها ضاربًا أطنابه إلى عهد قريب، وأما العقوبات الوضعية اليوم فليست رادعة، وفيها قدر كبير من الهدر المالي والنفسي، وليس هذا المقال مجال التفصيل فيه.

فهذه هي رحمة الله بعباده في الحدود الشرعية، تحيط بها من كل جانب، ويراها المتأمل المتبصر، أما من ينظر بعين المادة فحسب، ويفكر بتفكير المصلحة الآنية، فإنه يرى فيها قسوة وشدة تتنافى مع روح العصر، وينسى أو يتناسى أن التشريعات التي شرعها البشر بدلا عن تشريعات الله والتي يدعون إليها لا تحقِّق إلا جزءا من المصلحة، بينما فيها مضار أكبر، وهي ترجعهم إلى ما فرّوا منه من الشدة المزعومة، فالرحمة كل الرحمة في تشريعات الله العليم بكل شيء، والحكيم في كل شيء، والذي وسعت رحمته كل شيء.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر حوارًا أجراه موقع “الرصيف 22” معه بعنوان: سيد القمني لرصيف: الإرهابيون يعبرون عن الإسلام، وعلى المسلمين حلُّ هذه المشكلة.

([2]) أي: مقطوع، وهي كلمة تستخدم غالبًا في قطع الأذن والأنف.

([3]) انظر كتاب: أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، لعبد الله العلايلي (ص: 79-80).

([4]) مثل دعوة طارق رمضان الذي دعا المجتمع الدولي إلى إيقاف العقوبات الجسدية في الإسلام، انظر في موقعه مقالا بعنوان: “نداء دولي إلى تعليق (موراتوريوم) العقوبات الجسدية”، وهو على الرابط:

نداء دولي إلى تعليق (موراتوريوم) العقوبات الجسدية، الرجم و الحكم بالإعدام

([5]) أخرجه ابن ماجه (2545). وقد جاء هذا الحديث بعدة ألفاظ من طرق عديدة، وكلها لا تخلو من مقال.

([6]) أخرجه البخاري (6824).

([7]) صحيح مسلم (1695).

([8]) أي: فلما أجهدته الحجارة وأقلقته أسرع هاربًا.

([9]) صحيح البخاري (5270).

([10]) أخرجه مسلم (2765).

([11]) أخرجه أبو داود (4377)، والنسائي في الكبرى (7234)، وأحمد (21890)، والحاكم (8080)، وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”، وفي حاشية المسند: “صحيح لغيره”.

([12]) موطأ مالك (2375).

([13]) أخرجه البخاري (2559)، ومسلم (2612).

([14]) انظر مثلا: المغني لابن قدامة (12/ 507-511).

([15]) أخرجه مسلم (1695).

([16]) أخرجه البخاري (6784)، ومسلم (1709).

([17]) فتح الباري (1/ 68).

([18]) أخرجه أبو داود (4380)، وابن ماجه (2597)، وأحمد (22508). وفي حاشيته: “صحيح لغيره”.

([19]) أخرجه البخاري (6780).

([20]) أخرجه مسلم (1695).

([21]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 12).

([22]) تفسير ابن كثير (1/ 492).

([23]) أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

جميل أن يعترف المرء بعدم العلم؛ فيسأل عما لا يعلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»([1])، وأجمل منه أن يُرشَد إلى الطريق؛ فيجاب بالحكمة والموعظة الحسنة؛ انقيادًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ […]

“يُستتاب وإلا قتل” معناها، وهل تكرّس للعنف؟

كثيرٌ ممن يقدِّمون أنفسهم لمناقشة ما يسمُّونه الآراء الفقهيّة المتطرِّفة والتفسير الأحادي للدين يخلطون بين المصطلحات متعدِّدة المعاني في الحقول المعرفية، كما يقعون في مغالطة علمية وهي نزع الأولويات، ففقيه متديِّن ملتزم بالفقه يرى أن الأولوية للنصوص، وأن مقصد حفظ الدين مقصد شرعيّ أصيل لا يمكن تجاهُله ولا إغفاله، وهو في تقرير الأحكام ينطلق من […]

فريضة صيام رمضان…بين القطع والتشغيب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: يُطلُّ عَلينا في هذا الزَّمان بين الفينةِ والأخرى عبر شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل الاجتماعيِّ بعضُ من ليس لهم همٌّ ولا شغلٌ ولا مشروعٌ إلا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وحضارتهم وثوابت دينهم، وقد طالت سهامُهم المسمومةُ -ردَّها الله في نحورهم- كلَّ مقدَّسات الإسلام؛ فشكَّكوا في القرآنِ الكريم، وطعنوا […]

رمضان وحماية المسلم من الشهوات والشبهات

رمضان شهرُ خيرٍ وبركةٍ، وهو من مواسم الخير التي امتنَّ الله بها على المؤمنين؛ ليزيدوا في أعمال البرِّ، ويصحِّحوا علاقتِهم بالله سبحانه وتعالى. وللمؤمن مع هذا الشهرِ علاقةٌ لا يمكن التعبيرُ عنها إلا بحمد الله والثناء عليه؛ ذلك أنَّ بلوغَ الشهر هو زيادةٌ في العمر، وزيادةٌ في الطاعة لله سبحانه، فعن طلحة بن عبيد الله […]

الأمانة العلمية لدى السلفيين.. نشر كتب المخالفين نموذجًا

يتعامَل السلفيّون مع ما يصدُر من أيِّ مسلم -وخصوصًا من العلماء- تعاملًا شرعيًّا، فلا يوجَد لدَيهم موقفُ رفضٍ مطلَق أو قبول مطلَق، وإنما المعامَلة مع الأقوال -سواء كانت للسَّلفيين أو مخالفيهم- تخضَع لقانون الشَّرع الذي يقِرُّ مبدأ الحقّ ويردُّ الباطل؛ ولذلك تعاملوا مع الإنتاج الفقهي بنظرةِ تحكيمِ الدليل وتقويم المنتَج، فما كان مِن هَذا التراثِ […]

الحداثيُّون… حديث في التناقضات

    المقدمة كانت امرأة بمكة المكرمة قد اتخذت الغزْل شغلًا لها، فعملت مغزلًا تغزل الصوفَ والشعر والوبر، فاتخذت لذلك ما شاء الله لها من الجواري، فكنَّ يجمعن الصوفَ والشعَر والوبر، وتغزل هي وجواريها من بداية اليوم حتى نهايته، ويبذلون جهدَهم وطاقتهم في فتل الصوفِ خيوطًا. ولكن هذه المرأة كان في عقلِها شيءٌ، وكانت كثيرةَ […]

تغريدات لمقالة (أين العرب عن تدوين الحديث؟)

1.لاتتوقف الشبهات المثارة ضد الإسلام، في أصله ومصدر تشريعه، وتشريعاته، وطريقة تنظيمه للحياة، وحدوده، وغير ذلك من مسائل الدين، وقد فشى في الأيام الأخير الطعن في السنة النبوية بطعون شتى، ومنها هذه الشبهة التي تناقلها بعض الكتاب 2. تقول الشبهة إن أصحاب الصحاح الستة ( وهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) كلهم […]

خصائِصُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بين الحقيقة والخُرافَة

المقدمة: “أصلُ المحبَّة: الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكونُ لما يستلذُّه الإنسَان ويستحسِنه؛ كحسن الصُّورة والصوت والطَّعام ونحوها، وقد يستلذُّه بعقلِه للمعاني الباطنة؛ كمحبَّة الصَّالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانهِ إليه ودفعهِ المضارَّ والمكاره عنه. وهذه المعاني كلُّها موجودة في النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر […]

أين العرب عن تدوين الأحاديث؟!

بين الفينَة وأختِها تثور زوبعات، وتُنفخ فقاعات، وتطلُّ رؤوسُ شبهاتٍ ضدَّ الإسلام وتراثِه، وبعضُ تلك الشُّبهات والأسئلة لها حظٌّ من النظر وتستحقُّ البحث والدراسة، بينما هناك شبهاتٌ أخرى فسادُها يُغني عن إفسادها، وحكايتُها كافية في إبطالِها؛ لهشاشة بنيانِها، وتهافُت أصولِها التي بُنيَت عليها. ومن تلكَ الشُّبهات: ما أثير مؤخَّرًا حول الكُتُب الستة وأعجميَّة كُتَّابها، وسأنقل […]

عرض وتعريف بكتاب آياتُ العقيدة المتوهَّم إشكالها

 عنوان الكتاب: آيات العقيدة المتوهَّم إشكالها. المؤلف: الدكتور زياد بن حمد العامر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة المجمعة. الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض. تاريخ الطبع: الطبعة الأولى، سنة 1435هـ. عدد الصفحات: 595 صفحة. أصل الكتاب: رسالة دكتوراه في قسم العقيدة، بكلية أصول الدين، بجامعة ام القرى. خطة الكتاب: يتكوَّن الكتاب من: مقدمة، وتمهيد، وعشرة […]

عِنايةُ المستشرقين وأذنابهم بغُلاةِ الصُّوفيَّةِ (الحَلَّاجُ أنْموذجًا)

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة الحمدُ لله على نِعمةِ الإسلامِ والعَقلِ الصَّحيحِ الموافِقِ لسَليمِ الفِطرةِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا مُحمَّدٍ نبيِّ الرَّحمةِ، والدَّاعي إلى ربِّه وهادِي الأُمَّةِ، وعلى آلِه وجميعِ أصحابِه البَررَةِ، المُرتضَينَ لصُحبتِه، والمختارِين لنُصرتِه، والمُبلِّغين بَعدَه لآثارِه وسُنَّتِه. وبعدُ: فإنَّ الإسلامَ الذي مَصْدَرُ تلقِّيه الكِتابُ والسُّنةُ الصَّحيحةُ بفَهْمِ سَلفِ الأُمَّةِ؛ هو الإسلامُ […]

متى يقرأ طالب العلم لابن تيمية؟

إن طلبَ العلم درجاتٌ ومناقلُ ورُتَب، لا ينبغي تعدِّيها، ومن تعدَّاها جملةً فقد تعدَّى سبيلَ السلف -رحمهم الله-، ومن تعدَّى سبيلهم عامدًا ضلَّ، ومن تعداه مجتهدًا زلَّ. فأوَّل العلم حفظ كتاب الله -عز وجل- وتفهُّمه، وكلّ ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه([1]). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التدرُّج في التربية بصغارِ العلم قبل […]

متى يكون القول مذهبًا للسلف؟

تكثر الدَّعوى على السلف في تسمية مذاهبهم وتعيينها، فكثيرًا ما نقرأ في كتب المتأخِّرين نقلًا يدَّعي صاحبه أنه هو مذهب السلف وقولهم، وفي نفس الوقت نجِد من يردُّ عليه وينفي القولَ عن السلف ويبيِّن غلطَ الناقل عنهم، وهذا يوقع القارئَ العادي في ارتباكٍ علميٍّ وشكّ معرفي؛ مما يجعل السؤال عن الضابط والمعيار المنهجي لمذهب السلف […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017