الثلاثاء - 12 جمادى الأول 1444 هـ - 06 ديسمبر 2022 م

الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟

A A

ظلَّ ملفُّ تطبيق الشريعة مغلَّقًا ردحًا من الزمن، فلم تكن الشبهاتُ تورَد عليه بمجملِه إلا ما كان على بعض الحدود دونَ بعض، وما إن أعلن أتاتورك جمهورية تركيا العلمانية الحديثة حتى فُتح هذا الملف الذي كان مخبوءًا في سراديب الذاكرة العلمانية، فطُرح بقوة، ونوقش من كافَّة الطوائف الدينية، ولا زال الجدال فيه قائمًا بين الاتجاهات الرئيسيّة التي تناولت المسألةَ من المعاصرين. وتطبيق الشريعة يراد به معنيان:

الأوَّل: تطبيق شريعة الله في كل الجوانب العقدية والعملية والمعاملات، وقيام دولة على الهدي الإسلامي الكامل دون اجتزاء شيءٍ منه.

الثاني: الدعوة إلى تطبيق الحدود الشرعية.

والمتابع بعين التحليل والفَحص لبنية الخطاب المعاصر حول هذه المسألة يجد أنه لا يكاد يخرج عن هذا المعنى الثاني، فمفهوم تطبيق الحدود الشرعية قد اختزل والتَهَمَ مفهوم تطبيق الشريعة أو كاد، فلا يتحدثون عن تطبيق الشريعة إلا ويريدون به تطبيق الحدود الشرعية، وقد بقي الجدل فيه يدور رحاه في عددٍ من الجوانب، وظل المعاصرون يخوضون فيه الحربَ تلو الأخرى، سواء في أصل تطبيقه أو في كيفيتها.

ومن أكثر الاتجاهات حضورًا في هذه المسألة الاتجاهُ الحداثيّ، والذي يستغلّ هذه المسألة لرمي المنهج السَّلفيِّ بالتشدُّد بل بالإرهاب! كما فعل ذلك سيّد القمني في حوارٍ أجراه معه موقع “الرصيف” قال فيه: “واليومَ لم تعد العقوبات البدنيّة مجدية إطلاقًا، يعني ماذا يعني أن تقطع يد إنسان؟! هذا كان أيام زمان، أما الذي يقول به اليوم فيكون إرهابيًّا فورًا”([1]).

وتلك النظرة هي النظرة العامَّة للحدود من قبل الحداثيين، فإنهم يرونَ فيها همجيَّة وشدَّة لا تتماشى مع روح العصر، ويصوِّرون الحدودَ وكأنها تقام في كل ثانية حتى يصبح نصف المجتمع مقطوعَ اليد، والنصف الآخر مفقوء العين، أو مصلوم([2]) الأذن، أو مجدوع الأنف!([3]).

فالدعوة إلى تطبيق الحدود في نظرهم دعوة إلى الشدة، كما أنها غير ملائمة للمدنية المعاصرة، ويأتي هذا المقال لبيان أن الحدود الشرعية وإن كان المراد منها الزجر وهذا يقتضي حصول الشدة فيها، إلا أنها انطوت على أنواع من الرحمة الإلهية التي تحيط بالناس دائمًا وفي كل التشريعات، حتى فيما ظاهرها الشدة والحزم كالحدود الشرعية، وقد يتعجَّب المرء كيف أن الرحمة تجتمع مع قطع اليد ورجم الزاني وجلد القاذف!

ولكن من يتأمَّل في النصوص الشرعية يجد أن الرحمة تكتنف كل التشريعات الإسلامية، فالله ذو الرحمة الواسعة المطلقة، والتي يقول عنها جل جلاله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فكل شيء في الوجود تسعه رحمة الله، ومن ذلك التشريعات التي يُكلَّف بها العباد وتجِب عليهم، فمن احتمى بالشريعة انسكب على قلبه الاطمئنان، ولا يوجد مخلِّصٌ من بحور الشكِّ والريبة إلا مرافئ الرحمة الإلهية.

والانطلاق من نصوص الرحمة الكلِّيَّة مفيد في تقرير أن الحدود الشرعية لا يمكن أن تخرج عنها، وبناء عليه فإن الحدود الشرعية التي في ظاهرها شدة -لطبيعة غايتها- بين طياتها رحمة كامنة رحِمَ الله بها العباد، فالدعوة إلى إلغاء الحدود الشرعية بحجة الشِّدَّة([4]) دعوة فارغة من المضامين الصحيحة وكذلك الغايات الحميدة، وهي مصادمة للكتاب والسنة وسبيل المؤمنين، كما أنها منطلقة من نظر الإنسان القاصر الذي لا يعلم خبايا الأمور، ولا يستطيع أن يكشف أستار القدر، بل وعلمه وعقله محصوران ومتغيران حسب المعطيات التي يتناولها وينظر بها، فمتى ما انطلقنا في النظر إلى الحدود من خلال رحمة الله الكلية بالعباد وحكمته البالغة عرفنا أن الحدود الشرعية عين الرحمة والرأفة بالخلق.

والرحمة التي تحيط بقضية الحدود الشرعية لا تخفى إلا على من أعرض عنها، وعلى من غشيت قلبَه غشاوة الشبهات والشهوات، فإنها متعددةٌ كثيرة، منها ما تختص بالجاني نفسه، ومنها ما تختص بالمجتمع الذي يقيم فيه الجاني، ومن خلال هذين الجانبين سنتناول هذا الموضوع:

أما الجاني: فإن رحمة الله تغمره من كل جانب حتى وهو جانٍ متعدٍّ، ويمكن معرفة رحمة الله به من خلال المسارات الآتية:

أولا: رحمته به قبل إقامَة الحدّ عليه، وهذا له صورٌ عديدة منها:

1- درء الحدود بالشبهات: فالشريعة الإسلامية السمحة غير متعطِّشة لإقامة الحدود؛ لا قتل الأنفس، ولا قطع الأيدي، ولا جلد الأبشار، ولا غير ذلك من العقوبات، كما يصوِّره الحداثيّون؛ ولذلك عمِلت على درء الحدود بالشبهات ما أمكن، وقد وردَ في ذلك عدة نصوص نبوية، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهُ مَدْفَعًا»([5]).

وهذا الحديث وأمثاله يؤكد على أن الحدود تدفع بالشبهات؛ ولذلك نرى ذلك في التطبيق العملي للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد جاءه ماعز رضي الله عنه مقرًّا على نفسه بالزنا، فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام، ولما ألحَّ عليه بدأ يسأله: «أبِك جنون؟… لعلك قبَّلت أو غمزت أو نظرت»([6]). وهي محاولات حقيقية من النبي صلى الله عليه وسلم لدرء الحد عنه، ولم يكتف بسؤاله، بل أرسل إلى قومه يسألهم كما عند مسلم من حديث بريدة: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، فقال: «أتعلمون بعقله بأسا؟ تنكرون منه شيئا؟» فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى([7]). وكل هذه الضمانات وضعتها الشريعة رحمةً بالجاني، فمتى لم يتأكَّد ويتيقَّن الحاكم من وقوع الجاني في الجريمة لم يجز له إقامة الحد عليه.

2- الإعراض عن المعترف، فإن للإمام أن يتولى ويعرض عن الجاني؛ فلعله يتوب، وهذا أيضا يؤكِّد على أن الشريعة الإسلامية لم تقصد الحدود لذاتها، وإنما للمصالح التي تترتب عليه، وفي هذا قصَّة ماعز رضي الله عنه والتي رواها البخاري عن جابر: أن رجلًا من أسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: «هل بك جنون؟ هل أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة جمز([8]) حتى أدرك بالحرة فقتل ([9]).

وهذا يؤكِّد على أن الإمام يُعرض عن المعترف؛ فلعله يرجع، ولعله ينكر، ولعله يتوب بينه وبين نفسه دون مجاهرة، فلا يحتاج الإمام إلى إقامة الحدِّ في مثل هذا، بل من رحمة الله أنَّ الإنسان إذا اعترف بحدٍّ دون أن يسمِّيه لا يقام عليه الحد، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو أُمامة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله صلى الله عليه وسلم قال أبو أمامة: فاتَّبع الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف، واتبعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما يردّ على الرجل، فلحق الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟!» قال: بلى يا رسول الله، قال: «ثم شهدت الصلاة معنا؟!» فقال: نعم يا رسول الله، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله قد غفر لك حدك»، أو قال: «ذنبك»([10]). فأيّ تشريع دنيوي بشري يمكنه أن يضاهي هذه الرحمة الموجودة في التشريع الرباني؟!

3- السّتر أولى من العقوبة، فمن لم يجاهر بالمعصية التي هو عليها ولم يشِعها بين الناس فإنه يستحبُّ له أن يستتر ولا يتعرَّض للعقوبة، ويستحبُّ لمن عرف من أخيه شيئًا أن يستر عليه ولا يرفعه للحاكم ما لم يعظُم شره؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لهَزَّال وهو الذي أمر ماعزًا بإتيان النبي صلى الله عليه وسلم والاعتراف، فقال له عليه الصلاة والسلام: «يا هَزَّال، لو سترته بردائك لكان خيرًا لك»([11])، بل روى الإمام مالك أن ماعزًا أتى أبا بكر رضي الله عنه فأمره بالستر، ثم أتى عمر رضي الله عنه فأمره بما أمره به أبو بكر، ثم كان ما كان من هزال([12]). فانظر إلى حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاستتار وتطبيقات ذلك من الصحابة الكرام، وكل هذا من رحمة الله بعباده.

4- التشديد في شروط الشهود، فإن الإمام قبل أن يقرِّر الحدَّ ينظر إلى الشهود بالشروط الشرعية التي وردت، فإن لم تُستَوفَ الشروط لم يُقمِ الحد، فلا تقبل شهادة كافر، ولا فاسق، ولا خصم للجاني، ثم في بعض الحدود كالرجم لا يُقبل إلا أربعة شهود، يذكرون الواقعة بالتفصيل مع تتطابق أقوالهم، وهذا شرط عسير جدًّا، وكل ذلك درءًا للحد، وحفظًا لهذا الإنسان ما لم تتوفر كل الدواعي والشروط.

فانظر إلى كل هذه الضمانات قبل تنفيذ الحد حتى لا يقام إلا بما يحقِّق مصلحة الشرع من إقامة الحد، وانظر إلى هذه الرحمات الكثيرة التي تحيط بالجاني حتى قبل أن يقام عليه الحد.

ثانيا: رحمته به عند إقامة الحد:

إذا تم إقرار الحدِّ على أحدٍ وأقيم عليه فإنه حتى في هذه الحالة تأتي رحمات الله، فلا يريد الشارع الحكيم الإضرار بالعبد، وإنما يريد تحقيق المصالح خلف هذه الإقامة، وهناك صور عديدة لرحمة الله أثناء إقامة الحد، ومنها:

1- اتقاء الوجه والْمَقَاتل، لما ورد في الصحيحين من تحريم ضرب الوجه عموما في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه»([13]). وإذا فتّشت كتب الفقه الكثيرة تجد أنها تذكر جملة من الآداب عند إقامة الحدود، وتنصُّ على اتقاء الوجه وعدم ضرب المقاتل([14]).

2- إقامة الحد بسوط لا جديد ولا خلق.

3- أن لا يكون الضرب مبرحًا، ولا يكون في شدة البرد أو الحر.

4- عدم إقامة الحدّ على الحامل والنفساء، فلا يجوز التعدي في إقامة الحدود حتى لا يُضر بالصبي الذي لا ذنبَ له، وهذا قد وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث بريدة قال: جاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لِمَ تردني؟ لعلَّك أن تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلى، قال: «إمَّالَا فاذهبي حتى تلِدي»، فلمّا ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه»، فلما فطمته أتته بالصبي في يدِه كسرة خبزٍ، فقالت: هذا -يا نبي الله- قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها([15]).

فهذا هو الإسلام الذي يراعي دقة إقامة الحد بعد الضمانات التي طلبتها قبل إقامته، فلا يُجرُّ الحد إلى غيره ممن لا ذنب له، فأي تشريع دنيوي يراعي المصالح المحيطة بالجاني إلا الشريعة الإسلامية؟!

ثالثا: بعد إقامة الحد:

الرحمة التي أحاطت بالإنسان قبل الحد واستمرت معه حتى عند إقامته لا تتخلى عنه بعد إقامة الحد، بل تظهر الرحمة بعد الإقامة أكثر مما كانت تظهر قبلها، ومن ذلك:

1- أن الحد كفارة للمحدود، فمن رحمة الله بالعبد أن جعل الحد الذي أقيم عليه في الدنيا كفارةً له من الذنب الذي ارتكبه، فلا تُجمع له عقوبتان، ويؤكد على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه»([16]). قال ابن حجر رحمه الله: “ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود، وهو قول الجمهور”([17])

2- الاستغفار للجاني والدعاء له، فقد جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقطع يده ثم أمره بالاستغفار، فلما استغفر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم تب عليه»([18]). فالجاني إن تاب ورجع لن يكون منبوذًا من المجتمع، بل هو أحد أفراده، ويدعَى له بما يؤلف قلبه في ذلك الموضع، وكل ذلك من رحمة الله.

3- النهي عن الدعاء عليه، وهو مبني على ما سبق، فإن الجاني إذا ارتكب ذنبا ثم أقيم عليه الحد فإنه لا يجوز لعنه أو شتمه أو سبه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعن شارب الخمر الذي كان يؤتى به كثيرًا فيُجلد، وقال: «لا تلعنوه؛ فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله»([19])، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد عن سبّ الغامدية التي أقيم عليها الحد([20]).

فانظر إلى كل هذه الرحمات التي بدأت مع الجاني من قبل إقامة الحد، ثم بقيت معه حتى أقيم عليه، ثم توالت عليه كذلك بعد الإقامة، فهل بعد ذلك كله يأتي إنسان قاصر النظر قاصر العلم فيعترض على الله في تشريعاته؟!

أما الرحمة بالمجتمع فإنها تظهر جليًّا واضحًا، وتلك غاية الحدّ العظمى، وتتجلى رحمة الله بالمجتمع بتشريع الحدود من خلال الآتي:

1- حفظ الأمن والأمان في المجتمع المسلم، فإن الحدود رادعة من أن ينزلق المجتمع في مهاوي الموبقَات، فيصبح المجتمع كله مرتكبًا للجنايات؛ مما يؤدي إلى انعدام الأمن والأمان، فشرع الله تلك الحدود حماية للفرد والمجتمع، فإننا لو تركنا الحدود لما يزعمونه من وجود القسوة فيها لأوقعنا أنفسنا والمجتمع كله في قسوة أشد، وهي الفوضى واختلال الأمن، فالحداثي ينظر بنظر ضيق للحدود الشرعية حتى يجعلها قسوة على الفرد الجاني، وينسى المجتمع الذي يجب الحفاظ عليه وعلى أمنه، ويخفى عليه أن القسوة قد تكون مظهرًا من مظاهر الرحمة.

أرأيت لو أن طبيبا يجري عملية جراحية، فجاء بمشرطه المرهف فقطع بِضعة من الجسم واستأصله، فالناظر لهذا الفعل فقط دون النظر إلى الظروف المحيطة ولا إلى الغاية سيقرر بأن هذا قسوة، لكن من يبتعد قليلا ليرى المشهد كاملًا دون اجتزاء سيدرك أن هذا رحمة من الطبيب، فإنه يستأصل هذا الجزء من الجسد حتى لا يأتي على الجسد كله فيهلكه، وكذلك الحدود الشرعية فإنَّ فيها قسوة محمودة، وهي في حقيقتها رحمة من الله بخلقه، يقول العز بن عبدالسلام: “وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها أو تباح، لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لكون المصلحة هي المقصودة من شرعها كقطع السارق وقطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقة”([21]).

وقد ذكر الله هذا المعنى بأفصح عبارة وأبلغ كلمة وأجمل خطاب، فقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، فانظر كيف جعل الله مادة الموت هي مادة الحياة! ففي القصاص تلك الحياة الوادعة الآمنة التي نتفيأُ بظلالها، قال ابن كثير: “قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل”([22])، فلما كان القصاص هدرا لحياة إنسان بيّنت الشريعة أن ذلك الهدر ليس أمرًا عدميًّا بل هو وجوديّ، فإنه هو الذي يسبب حياة المجتمع كله.

2- حفظ الأمة من أن تهلك، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من أسباب هلاك الأمم السابقة: تركُ إقامة الحدود، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها حين شفع أسامة بن زيد في المرأة المخزومية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟!» ثم قام فاختطب، ثم قال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»([23]). فمن رحمة الله إرادته لهذه الأمة البقاء، فحذَّرها من أسباب هلاك الأمم السابقة لتجتنبها، ومن ذلك عدم إقامة الحدود، فليست دعوة من يدعو إلى إلغائها إلا دعوة إلى إلغاء الأمة كلها.

3- حفظ أفراد المجتمع من التردي في هاوية الجرائم، فإنهم إن رأوا من يقام عليه الحد وعرفوا أنه يُفعل بهم كما فعل بأولئك كان ذلك من أكثر الأسباب الرادعة عن ارتكاب الجرائم، فمنع الناس من الوقوع في الجرائم مقصد شرعي، وهو أيضا مقصد تدعو إليه الدول المدنية الحديثة مع اختلاف طرق تطبيقها، فأي شيء -في نظر الحداثيين- يجعل تطبيقات الشريعة للحدِّ من الجرائم غلوًّا وإرهابًا، وتطبيقات الغرب حضارة ورقيًّا؟!

وأخيرا: أين هذا المجتمع المسلم الذي نِصفُه مقطوع اليد، ونصفه مقطوع القدم ومجدوع الأنف؟! عدم وجود مثل هذه المجتمعات هو أكبر دليل على أن الحدود الشرعية ليست جريمة اجتماعية، وإنما رحمة إلهية، فإنها قد آتت ثمارها وحدَّت من وقوع كثير من الجرائم، فالمجتمع الإسلامي بفضل الله كان يرفل في ثوب الأمن والأمان مع تطبيق الحدود الشرعية كما أراد الله، بينما شعوب أخرى كثيرة كان التوحّش فيها ضاربًا أطنابه إلى عهد قريب، وأما العقوبات الوضعية اليوم فليست رادعة، وفيها قدر كبير من الهدر المالي والنفسي، وليس هذا المقال مجال التفصيل فيه.

فهذه هي رحمة الله بعباده في الحدود الشرعية، تحيط بها من كل جانب، ويراها المتأمل المتبصر، أما من ينظر بعين المادة فحسب، ويفكر بتفكير المصلحة الآنية، فإنه يرى فيها قسوة وشدة تتنافى مع روح العصر، وينسى أو يتناسى أن التشريعات التي شرعها البشر بدلا عن تشريعات الله والتي يدعون إليها لا تحقِّق إلا جزءا من المصلحة، بينما فيها مضار أكبر، وهي ترجعهم إلى ما فرّوا منه من الشدة المزعومة، فالرحمة كل الرحمة في تشريعات الله العليم بكل شيء، والحكيم في كل شيء، والذي وسعت رحمته كل شيء.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر حوارًا أجراه موقع “الرصيف 22” معه بعنوان: سيد القمني لرصيف: الإرهابيون يعبرون عن الإسلام، وعلى المسلمين حلُّ هذه المشكلة.

([2]) أي: مقطوع، وهي كلمة تستخدم غالبًا في قطع الأذن والأنف.

([3]) انظر كتاب: أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد، لعبد الله العلايلي (ص: 79-80).

([4]) مثل دعوة طارق رمضان الذي دعا المجتمع الدولي إلى إيقاف العقوبات الجسدية في الإسلام، انظر في موقعه مقالا بعنوان: “نداء دولي إلى تعليق (موراتوريوم) العقوبات الجسدية”، وهو على الرابط:

نداء دولي إلى تعليق (موراتوريوم) العقوبات الجسدية، الرجم و الحكم بالإعدام

([5]) أخرجه ابن ماجه (2545). وقد جاء هذا الحديث بعدة ألفاظ من طرق عديدة، وكلها لا تخلو من مقال.

([6]) أخرجه البخاري (6824).

([7]) صحيح مسلم (1695).

([8]) أي: فلما أجهدته الحجارة وأقلقته أسرع هاربًا.

([9]) صحيح البخاري (5270).

([10]) أخرجه مسلم (2765).

([11]) أخرجه أبو داود (4377)، والنسائي في الكبرى (7234)، وأحمد (21890)، والحاكم (8080)، وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”، وفي حاشية المسند: “صحيح لغيره”.

([12]) موطأ مالك (2375).

([13]) أخرجه البخاري (2559)، ومسلم (2612).

([14]) انظر مثلا: المغني لابن قدامة (12/ 507-511).

([15]) أخرجه مسلم (1695).

([16]) أخرجه البخاري (6784)، ومسلم (1709).

([17]) فتح الباري (1/ 68).

([18]) أخرجه أبو داود (4380)، وابن ماجه (2597)، وأحمد (22508). وفي حاشيته: “صحيح لغيره”.

([19]) أخرجه البخاري (6780).

([20]) أخرجه مسلم (1695).

([21]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 12).

([22]) تفسير ابن كثير (1/ 492).

([23]) أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

هل يكذبُ ابنُ تيمية على التاريخ؟ وقفة مع صاحب كتاب (براءة الأشعريّين من عقائد المخالفين)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إنَّ المُناوِئين لشيخ الإسلام ابن تيمية قد أكثروا عليه الأكاذيب والفِرَى، حتى نسبوه إلى التجسيم والنصبِ والغلوّ في التكفير وغير ذلك مما هو منه بريء. وكتاب (براءة الأشعريين من عقائد المخالفين) من الكتب التي مُلئت بتلك الفِرَى، ومن جملة ما نسبه إليه: الكذبُ على التاريخ. وقد أورد المؤلّف نماذجَ […]

الإجماع بين الإمكان والوقوع

يَرى الذين أوتوا العلم أنّ الإجماع من محكَمات الشرع وأصوله، وهو على رأس الأدلة القطعية، وهو أهمّ أداة لحسم دلالة النصّ ورفض الأقوال المتوهَّمة فيه، ومِن ثَم أعلَوا من شأنه وصنَّفوا فيه وحاجّوا به كلَّ مَن خالفهم، فهو حِصن حصين دون الأقوال المبتدَعَة والشاذة. ورأى آخرون ممّن قصُرت أفهامهم في إدراك العلوم والتحقّق من مداركها […]

الإسقاط من تقنيات أسلاف الحداثيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: لئيم النفس يرمي بالتهم واللؤم الذي في نفسه على غيره، تمامًا كحال الكفار في الآخرة، فيلوم الضعفاء منهم الكبراء والعكس بالعكس، وكل واحد من الكفار كان بين يديه الآيات والبينات الدالة على سبيل الحق، ومع أن الكافر المستضعف كفر بالله تعالى لما يحمله في قلبه من حب وإيثار […]

إغاظـة اللئام بتلقِيبِ ابن تيمية بشيخِ الإسلام

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدّمة ابن تيمية رحمَه الله شخصيةٌ عظيمة من الشَّخصيات الإسلامية، ومهما اختلفت المواقف تجاهه يتَّفق الجميع على أنه شخصية أثْرت كثيرًا على الصعيد العلمي والفكري، وأثَّرت تأثيرًا قويًّا في مسار التَّفكير الإسلامي، ولئن كانت عبقرية الأئمَّة تبرز في إبداعهم في فنٍّ من الفنون فإنَّ عبقرية ابن تيمية رحمه الله […]

عرض وتعريف بكتاب ” دراسة الصفات الإلهية في الأروقة الحنبلية والكلام حول الإثبات والتفويض وحلول الحوادث”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا شك أننا في زمن احتدم فيه الصراع السلفي الأشعري، وهذا الصراع وإن كان قديمًا منحصرًا في الأروقة العلمية والمصنفات العقدية، إلا أنه مع ظهور السوشيال ميديا والمواقع الإلكترونية والانفتاح الذي أدى إلى طرح الإشكالات العلمية على مرأى ومسمع من الناس، مع تفاوت العقول وتفاضل الأفهام، ووجود من […]

هل هناكَ وحيٌ آخر غير الكُتبِ المنزَّلة؟ حجةٌ أخرى على منكري السُّنة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: جاء النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من عند ربِّه بالقرآن الكريم، فيه إجاباتُ الأسئلة الوجوديّة الكبرى، وفيه هداية الإنسان لما يصلِحه ويصلح شؤونَه ويعرِّفه بغاية وجودِه ووجود الكون ومآله ومآل الكون، وجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم أيضًا بما يفسِّر القرآنَ الكريم ويبيِّنه ويوضِّحه، ويذكر عباداتٍ شرعها الله […]

كفَّ الله أسنَّتنا فلنكفّ ألسنتنا (الأصول التي اعتمد عليها أهل السنَّة في الكفِّ عمَّا شجر بين الصَّحابة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: مذهبُ أهل السُّنة والجماعة في الصَّحابة مذهبٌ واضحٌ متَّسق مع النَّقل الصحيح والعقل الصَّريح ووقائع التاريخ، وتعاطي أهل السنة للموضوعات التي تتعلق بالصَّحابة الكرام تعاطٍ ينمُّ عن منهجيَّة واضحة في التعامل مع المسائل الشرعية، فلم يكفِّروا الصَّحابة الكرام كما فعلت الرافضة، ولم يجعلوهم كأي أحدٍ بعد جيل الصحابة […]

السّلفيّة من الإقبال عليها إلى التنكُّر لها

  ١/ ٢ لأزمانٍ متعاقبةٍ ظلَّت البدَعُ في الدين تتوالى على أمّة الإسلام حتى أثقلت كاهلَها بأشتاتٍ لا تُحصى من الخرافات والخيالات والأوهام، سدَّت عليها آفاق الحياة الرّحبة، وجعلتها أسيرةً للمنامات وشيوخ الدَّجَل والشعوذة والخرافة، وكل ذلك باسم الدين، وآلِ البيت، والمحبة الإلهية، وآصنافٍ من القوالب التي رُكِّب بها الاستعبادُ للشياطين وكهّانهم. وجاء الاستعمار إلى المسلمين […]

بُطلان دَعوى مخالفةِ ابن تيميةَ للإجماع (مسألة شدِّ الرحال نموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إنَّ من أكثر ما اشتهر عن مناوئي شيخ الإسلام ابن تيميةَ الادِّعاءَ عليه بأنه يخالف الإجماعَ، ولا ريب أنها دَعوى عريضةٌ بلا برهان، وقد أقدم عليها مخالفو الشيخ؛ بغيةَ تزهيد الناس في كلامه وتقريراتِه، ورغبةً في صرفهم عن أقواله وتحقيقاته، والباحثُ المنصف يدرك تمامًا أنَّ دعوى مخالفة الإجماع من […]

وقفاتٌ علميّة مع المجوِّزين لِلَعن يزيد بن معاوية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: تعتبَر مسألةُ لعن يزيد بن معاوية من المسائل المشهورة التي بُحِثت في كتب العقائد والفقه والتفسير وشروح الحديث وكتب الآداب والسلوك، ومن أشهر من ذهب إلى جواز لعن يزيد بن معاوية أبو الفرج ابن الجوزي؛ إذ صنّف رسالةً خاصة في هذه المسألة سمّاها: (الرّدّ على المتعصّب العنيد المانع […]

الدِّعاية الموحِّديّة ضدَّ دولة المرابطين السلفيّة (قراءة تحليليّة في رسائل محمد بن تومرت)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: إنّ المغربَ الإسلاميَّ كان إلى غاية أوائل القرن السادس على عقيدة السلف في الغالب الأعمّ؛ رغم قيام دولٍ رافضيّة وخارجية حاولت فرضَ عقائدها على الأمّة، فلم يزل الناس على مذهب مالك في الفروع، وعلى عقيدته -التي هي عقيدة السلف- في الأصول، وهذا الوضعُ الغالبُ لم يمنع من […]

ترجمة الشيخ الدكتور أسامة عبد العظيم (1367هـ/ 1948م – 1444هــ/ 2022م)(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها … متى يمت عالم منها يمت طرف كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلّ بها … وإن أبى عاد في أكنافها التلف قال العلامةُ ابن القيم رحمه الله: “إن الإحـاطـة بـتراجم أعـيـان الأمـة مطلوبـة، ولـذوي الـمعـارف مـحبوبـة، فـفـي مـدارسـة أخـبـارهم شـفـاء للعليل، وفي مطالعة […]

ترجمة الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ(1)

ترجمة الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارىء

عيد الهلع (الهالوين): أصله، وحكم الاحتفال به

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: فمن المؤسف جدًا أن نرى مظاهر الاحتفال بما يسمى (الهالوين) أو (عيد الرعب والهلع) تنتشر في بلاد المسلمين؛ تقليدًا منهم للكفار والغربيين، دون أدنى إدراك لحقيقة هذا العيد الوثني، الذي ينبذه المسيحيون المحافظون، ويرونه عيدًا وثنيًا […]

علم المصطلح المعاصر والمصطلح الحديثي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة: المصطلحات هي من مفاتيح العلوم، وقد قيل: إنّ فهم المصطلحات نصف العِلم؛ لأنّ المصطلح هو لفظ يعبر عن مفهوم، والمعرفة مجموعة من المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في شكل منظومة، وقد ازدادت أهميّة المصطلح وتعاظم دوره في المجتمع المعاصر الذي أصبح يوصف بأنّه (مجتمع المعلومات) أو (مجتمع المعرفة)، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017