الاثنين - 15 جمادى الأول 1440 هـ - 21 يناير 2019 م

لماذا خلق الله النار؟

A A

الله سبحانه أكرم الإنسان وفضَّله على كثير من الخلق، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وأسجد ملائكته لأبيهم آدم -عليه السلام- الذي خلقه بيديه سبحانه وتعالى، وبه عاتب إبليس اللعين فقال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض من المخلوقات، ورزقه صنوف الأطعمة والأشربة والألبسة والمراكب، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 32-34]، وبيّن تعالى أنه لم يخلقه عبثًا بل لغاية عظيمة نبيلة، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، ولم يترك بيان الغاية من خلقه لأحد، بل أخبر سبحانه وتعالى بها ونصَّ عليها في كتابه فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة هو الغاية من خلق الإنسان؛ ولذا أكرم الإنسان بحرية الإرادة والاختيار، فهو الذي يختار عبادة الله سبحانه وتعالى بنفسه منيبًا إليه خاضعًا له مقبلًا عليه، فيكرمه الله سبحانه وتعالى ويثيبه على ذلك أعالي الدرجات، ويجازيه بنعيم الغرفات.

وإن اختار لنفسه الإعراض عن خالقه الذي أكرمه ورباه وعلَّمه ووهبه حريةَ الاختيار، فهنا كان مستحقًّا للعقاب، فيحاسبه الله سبحانه وتعالى حسب عمله لا حسب عِلمه هو سبحانه وتعالى فيه، ويعذّب من استحقَّ النار بالنار، ومن استحقَّ الخلود فيها بالخلود أبد الآباد.

وهذا غاية العدل، فالله سبحانه وتعالى يحاسب الإنسان على عمله وإرادته واختياره، ولا يحاسبه على ما يعلمه هو سبحانه وتعالى وهو علام الغيوب، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولكنه لا يحاسب الإنسان بعِلمه فيه، وإنما بعمل الإنسان واختياره.

وهذا ما نراه في واقعنا اليوم، ففي كلّ الدول هناك لجان ومؤسسات وهيئات مختصة بالعقوبات، وفي كل دولة سجون وأماكن لتعذيب المجرمين والمخالفين لقانون تلك الدولة، وفي كل مؤسسة أنظمة ولوائح واضحة يستحقّ من يخالفها العقاب، والسؤال هنا:

لم لا يَستشكِل هذا أولئك الذين يستشكِلون عقابَ الله تعالى للماردين المخالفين لمن خلقهم وأكرمهم؟!

فكلاهما سيان، فيظهر عدل الدولة إن عاقبت المجرم بما يستحقّ، وكذلك يظهر عدل الله سبحانه وتعالى -ولله المثل الأعلى- بعقاب من يعثو في الأرض فسادًا ويهلك الحرث والنسل؟!

وكما أنه ليس من المعقول أن يستوي الملتزمون بالأنظمة والمخالفون المتمردون عليها، فليس من المعقول أن يستوي الخيِّرون الذين آمنوا وعملوا الصالحات والتزموا بنظام الله وأمره، والظلمة المخالفون لأمر الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 21، 22]، وقال في موضع آخر: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28].

إذن بخلق الله سبحانه وتعالى للنار وإيجادها يظهر عدلُه سبحانه وتعالى، حيث يعاقب من أجرم وعتى وتجبَّر، وظلم فجر واستكبر، وإن اختلفت موازين العدل في الأرض واختلَّت وتجاذبتها الأهواء والمصالح والأموال والوساطات؛ فإن عدل الله سبحانه وتعالى شامل كامل، لا يظلم عنده أحد، قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 16، 17]، بل نصَّ سبحانه وتعالى على أن عدله ليس فيه جور ولا مثقال ذرة، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47].

ويُجلّى لنا النبي الكريم عدل الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم العظيم حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سل هذا: فيم قتلني؟ فيقول: قتلته على ملك فلان»([1]).

وأي ظلمٍ أعظم من ظلم الإنسان لخالقه وتسويته له بغيره، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، “وأصل العدل من الإنسان العدل في حق الله تعالى، وهو عبادته وحده لا شريك له”([2])، يقول الطبري: “فمَن أخطأ فعلًا وأشدّ عدوانًا منكم أيها المشركون المكذبون بحجج الله وأدلته وهي آياته {وَصَدَفَ عَنْهَا}، يقول: وأعرض عنها بعدما أتته، فلم يؤمن بها، ولم يصدِّق بحقيقتها”([3])؛ ولذا كان جزاؤهم وعقابهم أسوأ الجزاء وأخزى العقوبات، كما قال تعالى: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157]. قال الطبري: “سيثيب الله الذين يعرضون عن آياته وحججه ولا يتدبرونها، ولا يتعرفون حقيقتها فيؤمنوا بما دلتهم عليه من توحيد الله، وحقيقة نبوة نبيه، وصدق ما جاءهم به من عند ربهم {سُوءَ الْعَذَابِ}، يقول: شديد العقاب، وذلك عذاب النار التي أعدَّها الله لكفرة خلقه به؛ {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}، يقول: يفعل الله ذلك بهم جزاء بما كانوا يعرضون عن آياته في الدنيا، فلا يقبلون ما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم”([4]).

وبإيجاد الله سبحانه وتعالى للنار وخلقه لها، وإخبار الخلق بعذابها وأهوالها ودركاتها، وما فيها من العقوبات، وتفصيل ذلك لكل معصية من المعاصي، حصل الردع والنذارة لمن خالف أمره وابتعد عنه؛ ليرجع إلى ربه ومولاه.

ولا ظلم في يوم الحساب عند الله سبحانه وتعالى، بل الجميع سواء، فيستوي يومئذ الأمير والفقير والوزير والحقير، ولا تنفع الأنساب ولا الأحساب، ولا تغني القرابات ولا القرابين، كما قال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 15-17]. قال ابن جرير: “اليوم يثاب كلّ عامل بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه، لا بخس على أحد فيما استوجبه من أجر عمله في الدنيا، فينقص منه إن كان محسنًا، ولا حُمِل على مسيء إثم ذنب لم يعمله فيعاقب عليه”([5]).

هذا في الآخرة عند الله سبحانه وتعالى، وأما في هذه الحياة الدنيا فلا يمكننا إقامة العدل في كلّ شيء، فمن قتل ملايين البشر لا يكفي فيه أن يقتل بأي وسيلة كانت، وإن قتل فإنما هو مقابل نفس واحدة، فماذا عسانا أن نفعل في الدنيا؟! ولكن الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن نوع من أنواع العذاب في الآخرة جزاء لأمثال هؤلاء، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56].

ولذا تواردت النصوص القرآنية والحديثية في التخويف من عذاب النار والتفصيل في ذلك، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } [البقرة: 174، 175]، وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30]، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر: 47، 48].

ومن هنا يتّضح لنا أن خلق النار لا يناقض رحمة الله سبحانه وتعالى التي وسعت كل شيء، بل من الرحمة أخذ الحق لصاحبه، ونصر المظلوم المنكسر الضعيف من ظالمه، وإعطاء كل ذي حق حقه، فهذا غاية الرحمة.

ومن رحمته تعالى أرسل إلينا رسولًا من أنفسنا يعلمنا الكتاب والحكمة، ويتلو علينا المواعظ والآيات، ويرغبنا في الإيمان بالجنة، وينذرنا من الكفر بالنار.

ففي واقعنا العملي نجد مِن الناس مَن ينصاعون بالترغيب والحثّ والتذكير، فأمثال هؤلاء خلق الله لهم الجنة ورغبهم في نعيمها وحورها وملذاتها ومآكلها ومشاربها، ولكن أيضا من الناس من لا يتَّعظ إلا بالترهيب والتخويف بالنار وأهوالها وعذابها وحرّها وزقومها وأصناف العذاب فيها، ومن هنا قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 71-73]؛ ولذا نجد الآيات الواردة في النار متبوعة بالحثّ على العبادة والعمل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 29-31]، وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 15، 16]، وقال تعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 17، 18]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: 6-8]، وقال تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 11-15].

وبعد كل هذا فلنتذكر أن الله الذي خلق النار هو الذي خلق الجنة، فهو سبحانه ذو مغفرة واسعة كما أنه ذو عقاب أليم، فما لهؤلاء ينظرون بعين واحدة؟!

ختامًا: وسع ربنا كل شيء رحمة وعلمًا، ولا تناقض بين رحمته وخلقه للنار؛ إذ بها يرحم المظلوم ويأخذ حقَّه، وبها يرحم عباده فيخوّفهم ويجنّبهم المعاصي والذنوب، ويقربهم منه سبحانه ليدخلهم جنته، وهو سبحانه وتعالى عدلٌ لا يحبّ الظلم، بل حرَّم الظلم على نفسه، وخلقُه للنار لا ظلمَ فيه، بل هو غاية العدل بأن يأخذ للضعيف والمنكسر والمظلوم حقَّه من الظالم، ويعاقبه ويجازيه على ظلمه، والله الذي خلق النار هو الذي خلق الجنة، فكما أنه شديد العقاب فإنه واسع المغفرة.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه النسائي (7/ 84) برقم (3998)، وصححه الألباني.

([2]) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (1/ 106).

([3]) جامع البيان، ت. شاكر (12/ 243).

([4]) جامع البيان، ت. شاكر (12/ 244).

([5]) جامع البيان، ت. شاكر (21/ 366).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والخلط بينهما

 إن منهج السلف هو أسعد المناهج بالعقل وبالنقل، وهو منهج وسط بين المناهج المنحرفة التي ظنَّت التعارض بينهما، فهو وسط بين الإفراط والتفريط. ومن القضايا التي يتجلَّى فيها وسطية هذا المنهج قضيَّة: الإرادة والأمر الإلهيين. فإنه من المعلوم أن كل ما في الكون إنما يجري بأمر الله تعالى، وأن الله تعالى إذا أراد شيئًا فإنما […]

عرض ونقد لكتاب “التفكير الفقهي المعاصر بين الوحي الخالص وإكراهات التاريخ

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه»([1]). فهذا الحديث دليل على أن صمام الأمان ومصدر الهداية ومنبع النور في هذه الأمة هو […]

حديث: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس» تفسير ومناقشة

قد يعجب المرء حينما يرى إجمال المصطفى صلى الله عليه وسلم وبيانه لطرائق أهل البدع في رد الحق، واحتيالهم لدفعه وصدِّ الناس عنه؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ؛ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين»([1]). فهذه الأمور الثلاثة -أعني: التحريف، والانتحال، والتأويل- هي طرق أهل الزيغ […]

أقوالٌ عند التِّيجانية لا يقبلُها شرع ولا يقرُّها عَقل

 تُعدُّ الطريقة التيجانيَّة من أكبر الطرق الصوفية؛ وذلك لكثرة معتنقيها في إفريقيا عمومًا، وفي شمالها خصوصًا، وهي اليوم تقدَّم على أنها بديلٌ عن السلفية السّنِّيَّة في كثير من البلدان، وكثيرًا ما رفع أصحابُها شعارَ الاعتدال، وادَّعوا أنهم الممثِّلون الشَّرعيون لمعتقد أهل السنة، وأنه لا ينكر عليهم إلا شرذِمة مخالفة للسَّواد الأعظم تنتسب للسلفية، وهذه الدعوى […]

نقض الإمام أبي الحسن الأشعري لمعتقد الأشعرية في الصفات

                                                                                              للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، […]

التسامح السلفي في المعتقد..بين انفلاتِ معاصرٍ وغلوِّ متكلمٍ

  دين الله قائم على العدل والإحسان، والدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، ولا شكَّ أن من أفضل الأخلاق وأزكاها عند الله سبحانه خلُقَ العفو والرفق، فالله سبحانه وتعالى رفيق يحبُّ الرفق، وكتب على نفسه الرحمة، وجعلها خُلقًا بين عباده، فكل ما يخدم هذا المعنى فهو مقَّدم عند التعارض على غيره، وفي الحديث: «لما خلق […]

نقد التّصوف الغالي ليس خاصَّاً بالسلفيِّين

 درَج خصوم السلفية على تبني التصوُّف منهجًا بديلًا عنها، وحاولوا تسويغَ ذلك بوجود علماء كبار يتبنَّون نفس المصطلح ويزكُّونه، وجعلوا من نقد السّلفية لمظاهر الانحراف عند الصوفية نقدًا للعلماء وازدراءً لهم، وكان أهل التصوُّف الغالي كثيرًا ما يتستَّرون بالعلماء من أهل الحديث وأئمة المذاهب، ويدَّعون موافقتَهم واتباعهم، وأنَّ نقد التصوّفِ هو نقدٌ للعلماء من جميع […]

حديث: (فُقِدت أمّة من بني إسرائيل) وتخبُّط العقلانيّين في فهمه

من حِكَم الله تعالى أن جعل لأصحاب الأهواء سيما تميّزهم ويعرفون بها؛ لئلّا يلتبسَ أمر باطلهم على الناس، ومن أبرز تلك العلامات: المسارعة إلى التخطِئة والقدح وكيل الاتهامات جزافًا، فما إن يقفوا على حديث يخالف عقولهم القاصرة إلا رَدُّوه وكذَّبوه، ولو كان متَّفقًا على صحّته وثبوته، ولو أنهم تريَّثوا وسألوا أهل الذكر لتبيّن لهم وجه […]

تقنيات الحداثيين – توظيف المخرجات البدعية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: “الدِّين الحقُّ كلَّما نظر فيه الناظِر وناظر عنه الْمُنَاظِر ظهرت له البراهين، وقَوِيَ به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين. والدِّينُ الباطلُ إذا جادل عنه المجادِل ورام أن يُقِيم عودَه المائل أقام الله تبارك وتعالى من يقذف بالحقِّ على الباطل، فيَدْمَغُه فإذا هو […]

عرض وتعريف بكتاب: “الإسلام: مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب”

“الشعوبُ الخاضعة لحكم الإسلام محكومٌ عليها بأن تقبع في التَّخلف”. هكذا يقول أرنست رينان في إحدى محاضراته([1])، وليس هذا رأيًا فرديًّا شاذًّا بين أوساط المجتمع الغربي، بل يكاد يكونُ هو الرأي السَّائد، خاصةً وسط الأفكار الشعبيَّة، وذلك بسبب التغذية التي تمارسُها كثيرٌ من النخب الإعلامية والسياسية في الغرب، حتى صار الإسلام هو الشَّبح الذي يهدِّد […]

لماذا خلق الله النار؟

الله سبحانه أكرم الإنسان وفضَّله على كثير من الخلق، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وأسجد ملائكته لأبيهم آدم -عليه السلام- الذي خلقه بيديه سبحانه وتعالى، وبه عاتب إبليس اللعين فقال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ […]

حديث: «المرأة خُلِقت من ضلع» دلالة السياق والرد على شبهات الانسياق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله المتفضل بالإنعام على عباده المتقين، وصلى الله وسلم على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد يحاول عبثًا أعداء السنة النفخَ في رماد الشبهات القديمة التي أثارها أوائلهم للطعن في السنة والغضّ من مكانتها؛ حيث يغمزون الأحاديث الصحيحة بمغامز باطلة، وتأويلات بعيدة […]

حديث: (إذا أُنْكِحْوا يَضرِبُونَ بالكَبَر والمزَامِير) تحليل ومناقشة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  الحمد لله الذي حظر مواطن اللهو المحرم على عباده، وخلَّص من ريبه وشبهه المصطفين لقربه ووداده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الذي أرسله الله قاصما لأعدائه بواضح براهينه ويناته([1]). أما بعد.. فإن من الأمور المخوِّفة للعبد -وهي من جهة أخرى مثبتة لقلبه- وقوع بعض ما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017