الاثنين - 08 جمادى الأول 1448 هـ - 19 أكتوبر 2026 م

لماذا خلق الله النار؟

A A

الله سبحانه أكرم الإنسان وفضَّله على كثير من الخلق، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وأسجد ملائكته لأبيهم آدم -عليه السلام- الذي خلقه بيديه سبحانه وتعالى، وبه عاتب إبليس اللعين فقال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض من المخلوقات، ورزقه صنوف الأطعمة والأشربة والألبسة والمراكب، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 32-34]، وبيّن تعالى أنه لم يخلقه عبثًا بل لغاية عظيمة نبيلة، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، ولم يترك بيان الغاية من خلقه لأحد، بل أخبر سبحانه وتعالى بها ونصَّ عليها في كتابه فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة هو الغاية من خلق الإنسان؛ ولذا أكرم الإنسان بحرية الإرادة والاختيار، فهو الذي يختار عبادة الله سبحانه وتعالى بنفسه منيبًا إليه خاضعًا له مقبلًا عليه، فيكرمه الله سبحانه وتعالى ويثيبه على ذلك أعالي الدرجات، ويجازيه بنعيم الغرفات.

وإن اختار لنفسه الإعراض عن خالقه الذي أكرمه ورباه وعلَّمه ووهبه حريةَ الاختيار، فهنا كان مستحقًّا للعقاب، فيحاسبه الله سبحانه وتعالى حسب عمله لا حسب عِلمه هو سبحانه وتعالى فيه، ويعذّب من استحقَّ النار بالنار، ومن استحقَّ الخلود فيها بالخلود أبد الآباد.

وهذا غاية العدل، فالله سبحانه وتعالى يحاسب الإنسان على عمله وإرادته واختياره، ولا يحاسبه على ما يعلمه هو سبحانه وتعالى وهو علام الغيوب، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولكنه لا يحاسب الإنسان بعِلمه فيه، وإنما بعمل الإنسان واختياره.

وهذا ما نراه في واقعنا اليوم، ففي كلّ الدول هناك لجان ومؤسسات وهيئات مختصة بالعقوبات، وفي كل دولة سجون وأماكن لتعذيب المجرمين والمخالفين لقانون تلك الدولة، وفي كل مؤسسة أنظمة ولوائح واضحة يستحقّ من يخالفها العقاب، والسؤال هنا:

لم لا يَستشكِل هذا أولئك الذين يستشكِلون عقابَ الله تعالى للماردين المخالفين لمن خلقهم وأكرمهم؟!

فكلاهما سيان، فيظهر عدل الدولة إن عاقبت المجرم بما يستحقّ، وكذلك يظهر عدل الله سبحانه وتعالى -ولله المثل الأعلى- بعقاب من يعثو في الأرض فسادًا ويهلك الحرث والنسل؟!

وكما أنه ليس من المعقول أن يستوي الملتزمون بالأنظمة والمخالفون المتمردون عليها، فليس من المعقول أن يستوي الخيِّرون الذين آمنوا وعملوا الصالحات والتزموا بنظام الله وأمره، والظلمة المخالفون لأمر الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 21، 22]، وقال في موضع آخر: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28].

إذن بخلق الله سبحانه وتعالى للنار وإيجادها يظهر عدلُه سبحانه وتعالى، حيث يعاقب من أجرم وعتى وتجبَّر، وظلم فجر واستكبر، وإن اختلفت موازين العدل في الأرض واختلَّت وتجاذبتها الأهواء والمصالح والأموال والوساطات؛ فإن عدل الله سبحانه وتعالى شامل كامل، لا يظلم عنده أحد، قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 16، 17]، بل نصَّ سبحانه وتعالى على أن عدله ليس فيه جور ولا مثقال ذرة، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47].

ويُجلّى لنا النبي الكريم عدل الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم العظيم حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سل هذا: فيم قتلني؟ فيقول: قتلته على ملك فلان»([1]).

وأي ظلمٍ أعظم من ظلم الإنسان لخالقه وتسويته له بغيره، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، “وأصل العدل من الإنسان العدل في حق الله تعالى، وهو عبادته وحده لا شريك له”([2])، يقول الطبري: “فمَن أخطأ فعلًا وأشدّ عدوانًا منكم أيها المشركون المكذبون بحجج الله وأدلته وهي آياته {وَصَدَفَ عَنْهَا}، يقول: وأعرض عنها بعدما أتته، فلم يؤمن بها، ولم يصدِّق بحقيقتها”([3])؛ ولذا كان جزاؤهم وعقابهم أسوأ الجزاء وأخزى العقوبات، كما قال تعالى: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157]. قال الطبري: “سيثيب الله الذين يعرضون عن آياته وحججه ولا يتدبرونها، ولا يتعرفون حقيقتها فيؤمنوا بما دلتهم عليه من توحيد الله، وحقيقة نبوة نبيه، وصدق ما جاءهم به من عند ربهم {سُوءَ الْعَذَابِ}، يقول: شديد العقاب، وذلك عذاب النار التي أعدَّها الله لكفرة خلقه به؛ {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}، يقول: يفعل الله ذلك بهم جزاء بما كانوا يعرضون عن آياته في الدنيا، فلا يقبلون ما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم”([4]).

وبإيجاد الله سبحانه وتعالى للنار وخلقه لها، وإخبار الخلق بعذابها وأهوالها ودركاتها، وما فيها من العقوبات، وتفصيل ذلك لكل معصية من المعاصي، حصل الردع والنذارة لمن خالف أمره وابتعد عنه؛ ليرجع إلى ربه ومولاه.

ولا ظلم في يوم الحساب عند الله سبحانه وتعالى، بل الجميع سواء، فيستوي يومئذ الأمير والفقير والوزير والحقير، ولا تنفع الأنساب ولا الأحساب، ولا تغني القرابات ولا القرابين، كما قال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 15-17]. قال ابن جرير: “اليوم يثاب كلّ عامل بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه، لا بخس على أحد فيما استوجبه من أجر عمله في الدنيا، فينقص منه إن كان محسنًا، ولا حُمِل على مسيء إثم ذنب لم يعمله فيعاقب عليه”([5]).

هذا في الآخرة عند الله سبحانه وتعالى، وأما في هذه الحياة الدنيا فلا يمكننا إقامة العدل في كلّ شيء، فمن قتل ملايين البشر لا يكفي فيه أن يقتل بأي وسيلة كانت، وإن قتل فإنما هو مقابل نفس واحدة، فماذا عسانا أن نفعل في الدنيا؟! ولكن الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن نوع من أنواع العذاب في الآخرة جزاء لأمثال هؤلاء، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56].

ولذا تواردت النصوص القرآنية والحديثية في التخويف من عذاب النار والتفصيل في ذلك، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } [البقرة: 174، 175]، وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29، 30]، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر: 47، 48].

ومن هنا يتّضح لنا أن خلق النار لا يناقض رحمة الله سبحانه وتعالى التي وسعت كل شيء، بل من الرحمة أخذ الحق لصاحبه، ونصر المظلوم المنكسر الضعيف من ظالمه، وإعطاء كل ذي حق حقه، فهذا غاية الرحمة.

ومن رحمته تعالى أرسل إلينا رسولًا من أنفسنا يعلمنا الكتاب والحكمة، ويتلو علينا المواعظ والآيات، ويرغبنا في الإيمان بالجنة، وينذرنا من الكفر بالنار.

ففي واقعنا العملي نجد مِن الناس مَن ينصاعون بالترغيب والحثّ والتذكير، فأمثال هؤلاء خلق الله لهم الجنة ورغبهم في نعيمها وحورها وملذاتها ومآكلها ومشاربها، ولكن أيضا من الناس من لا يتَّعظ إلا بالترهيب والتخويف بالنار وأهوالها وعذابها وحرّها وزقومها وأصناف العذاب فيها، ومن هنا قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 71-73]؛ ولذا نجد الآيات الواردة في النار متبوعة بالحثّ على العبادة والعمل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 29-31]، وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 15، 16]، وقال تعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 17، 18]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: 6-8]، وقال تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 11-15].

وبعد كل هذا فلنتذكر أن الله الذي خلق النار هو الذي خلق الجنة، فهو سبحانه ذو مغفرة واسعة كما أنه ذو عقاب أليم، فما لهؤلاء ينظرون بعين واحدة؟!

ختامًا: وسع ربنا كل شيء رحمة وعلمًا، ولا تناقض بين رحمته وخلقه للنار؛ إذ بها يرحم المظلوم ويأخذ حقَّه، وبها يرحم عباده فيخوّفهم ويجنّبهم المعاصي والذنوب، ويقربهم منه سبحانه ليدخلهم جنته، وهو سبحانه وتعالى عدلٌ لا يحبّ الظلم، بل حرَّم الظلم على نفسه، وخلقُه للنار لا ظلمَ فيه، بل هو غاية العدل بأن يأخذ للضعيف والمنكسر والمظلوم حقَّه من الظالم، ويعاقبه ويجازيه على ظلمه، والله الذي خلق النار هو الذي خلق الجنة، فكما أنه شديد العقاب فإنه واسع المغفرة.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه النسائي (7/ 84) برقم (3998)، وصححه الألباني.

([2]) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (1/ 106).

([3]) جامع البيان، ت. شاكر (12/ 243).

([4]) جامع البيان، ت. شاكر (12/ 244).

([5]) جامع البيان، ت. شاكر (21/ 366).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  أولا – ملخص : في هذا المقال تطرقت إلى الكتابة حول معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة ، وهما من مصادر الاستدلال والتلقي والحكم عندهم ، مبينا أنهم مع استدلالهم بالقرآن الكريم والحديث النبوي استدلوا بالرؤى والمنامات والإلهامات في أقوالهم وأذكارهم وأورادهم وأحوالهم . وتتمثل إشكالية البحث في الأسئلة الآتية […]

مدخل إلى النوحية اليهودية… ديانة الإنسانية

تعريف النوحية: النوحية أو “النصرانية الإسرائيلية“: نسبة إلى نوح عليه الصلاة والسلام، ومعناها عند من يدعو إليها: “التزام الوصايا السبع” التي أوصى بها نوح البشريةَ، بعد أن تعاهد هو وأبناؤهم مع الله للقيام بها، ويُرمز لها بألوان قوس قزح[1]، وأصلها ما وضعه حاخامات اليهود في “التلمود“، وهي تحريم الوثنية وعبادة الأصنام، ووجوب تنزيه اسم الله […]

ما قولك في أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم

لا نقر للميتين أياً كانوا بأي نصيب من الدعاء ، إذ ليسو شفعاء وليسو وسطاء ؛وحتى لو علمنا وجاهتهم عند ربهم ،فليس لوجاهتهم في حياتنا ما يجعلنا نُسَيِّرُ شيئا من دعائنا إليهم ، إذ هم اليوم في حاجة ماسة إلى أن ندعوَ لهم ونرجوا لهم الخير من باريهم ؛ فالله وحده هو الذي ندعوه ونسأله […]

علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    مقدمة: هذه السطور ليست من باب التعصب لشخصية تاريخية، ولا اصطفافًا في معركةٍ مذهبية معاصرة، وإنما محاولة علمية هادئة لإعادة الميزان إلى موضعه الصحيح، بعد أن اختلّ هذا الميزان في زمنٍ غلب فيه خطاب الشحن والكراهية على التحقيق العلمي، والمواقف المُسبقة على الشهادات الموثَّقة. لقد تعرّض الشيخ محمد […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017