الأربعاء - 24 صفر 1441 هـ - 23 أكتوبر 2019 م

عرض ونقد لكتاب “التفكير الفقهي المعاصر بين الوحي الخالص وإكراهات التاريخ

A A

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

وبعد: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه»([1]). فهذا الحديث دليل على أن صمام الأمان ومصدر الهداية ومنبع النور في هذه الأمة هو التمسك بالكتاب والسنة.

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الافتراق في هذه الأمة، وأخبرنا أن العاصم لنا من هذا الافتراق هو التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه([2]).

وكل الفرق على اختلافها تزعم أنها تتَّصل بالكتاب والسنة بحبل وثيق، وكل فرقة تزعم دلالة الكتاب والسنة على ما ذهبت إليه، على حد قول القائل:

كلٌّ يدعي وصلًا بليلى     وليلى لا تقرُّ لهم بذاك

وعليه كان فهم السلف للكتاب والسنة هو الفَيصل، ففهمهم للدين هو الفهم المعتبر، وأي فهم مخالف لفهمهم فغير معتبر، وقد تمثل هذا الفهم في عِلمين جليلين هما علم المصطلح الذي يضبط النقل، ثم علم أصول الفقه الذي يضبط الاستدلال.

ولا شك أنه مع تأخر الزمان وكثرة البدع نال هذين العلمين ما نال غيرهما من البعد بهما عن غايتهما، فغلبت البدع والخرافات والضلالات وانتشرت بين الأمة، لكن الحق لا يندثر، فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم([3])، وأخبرنا أن الله يبعث لهذه الأمة على كل رأس مئة عام من يجدِّد لها أمر دينها([4]).

هذا كله وغيره يدلك على أهمية أن يكون فهمنا للكتاب والسنة على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

من هنا جاءت الدعوة إلى العودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة رضوان الله عليهم، وقد انتشرت هذه العبارة لتدلَّ على منهج أتباعها في الأربعين سنة الأخيرة بعدما كان التعصُّب قد وصل بالبعض إلى تحريم النظر فيهما، ووجوب فهمهما من خلال فهم الأئمة المتأخرين!

فالدعوة إلى فهم الكتاب والسنة بفهم السلف ليس اختراعًا لمصدر جديد من مصادر التشريع، ولا خروجًا عن نهج العلماء في استنباط الأحكام، وإنما هي تنبيه على أهمية هذا الفهم في مقابلة الفهوم المختلفة المنحرفة لهذين المصدرين.

ففهم الكتاب والسنة بالفهم الذي فهمه الصحابة يقتضي:

= أن يكون فهمنا للآيات والأحاديث موافقًا لفهمهم.

= أن تكون أقوالنا في المسائل الفقهية التي تكلموا فيها لا تخرج عن أقوالهم.

= أن تكون أقوالنا في النوازل والمسائل المستحدثة وفق القواعد التي ساروا عليها، وهي القواعد المدونة في علم أصول الفقه.

وعليه:

= فالاعتراض على قيد فهم السلف بأن الوقائع لا تنحصر اعتراض غير صحيح.

= والادعاء بأن هذا اختراع مصدر جديد من مصادر التشريع ادعاء سطحي ساذج.

= والقول بأن الحجة في الآية والحديث لا في فهم السلف محاربة لطواحين الهواء.

= والإتيان بقول لم يقله أحد من الصحابة في مسألة من المسائل التي تكلموا فيها قول مردود على قائله لمخالفته الإجماع.

وضبط هذه المسألة يحتاج لضبط مسائل الإجماع، ومسألة قول الصحابي، ومسائل الاجتهاد، مما يتعذَّر بيانه هنا، بل يرجع في كل مسألة إلى مظانها.

وهذا الفهم الخاطئ لمعنى هذه الدعوة المباركة وحقيقتها أدَّى بكثيرين إلى رفضه ودفعه، أو إلى القول بأنه لا حاجة إليه ولا قيمة له، كما هو حال مؤلف هذا الكتاب الذي نتعرض له بالتعريف والنقد.

البيانات الفنية للكتاب

عنوان الكتاب هو: التفكير الفقهي المعاصر بين الوحي الخالص وإكراهات التاريخ (دراسة تحليلية نقدية لمقولة: الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة).

والمؤلف هو: د. أحمد ذيب. تقديم أ. د. حاتم بن عارف العوني

الطبعة: نشر مركز نماء، نشرته الأولى في 2017م، ويقع في 296 صفحة من الحجم المتوسط.

وهو الإصدار العاشر للمركز من سلسلة بعنوان: “قراءات في الخطاب الشرعي”.

التعريف بالمؤلف:

المؤلف هو د. أحمد ذيب، وقد كتب على طرة الكتاب الخلفية تعريفًا مختصرًا به، حاصله أنه كاتب وباحث من الجزائر، ويشغل منصب أستاذ الفقه الإسلامي بالمعهد الوطني لتكوين الإطارات الدينية بالجزائر، وعضو في المجلس العلمي للإفتاء بمديرية الشؤون الدينية بأم البواقي.

حصل على درجة الماجستير في الفقه الإسلامي من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة.

وله عدد من المؤلفات منها:

– نظرية الضرورة الطبية، وهي رسالته للماجستير.

– استثمار النص الشرعي بين الظاهرية والمتقصدة: دراسة في المنهج الأصولي في فقه النص.

الفكرة الرئيسية لمضمون الكتاب:

الفكرة الرئيسة لمضمون الكتاب -حسب عبارات مؤلفه- هي أن تقييد الكتاب والسنة بفهم السلف أمرٌ كان نتيجةَ صراعات مذهبيّة وسياسية، وردة فعل للقلق على الدين امتدَّ مع تطاول الزمان ليشكل مجموعة من القواعد الأصولية استقرت في علم أصول الفقه، وأن هذه النظرية لا حاجة لنا بها، بل كان لها أثر في شيوع التقليد وسدِّ باب الاجتهاد، ومن ثم فلا حاجة لنا إلى هذا القيد، فخيرية السلف لا تقتضي جعل أقوالهم حجَّة.

عرض إجمالي لمضمون الكتاب:

قسم المؤلف كتابه إلى مقدمة وثمانية فصول، وفيما يلي عرض مختصر لأهم الأفكار التي وردت في هذه الفصول:

= التقديم:

ركز مقدم الكتاب على مجموعة من الأفكار، أهمها: أن تعظيم السلف أمر لا يختلف عليه أحد من أهل السنة، وأن اتهام بعض فرق أهل السنة بعضهم بعدم اتباع السلف ما هو إلا أثر سيئ من آثار الصراعات الفكرية، وأن فهم السلف ما هو إلا اختراع لمصدر جديد للتشريع.

= المقدمة:

ذكر المؤلف القضايا المنهجية التي تذكر عادة في المقدمة من دواعي اختيار الموضوع، والغرض من هذه الدراسة، وأهمية الموضوع، والمنهج المتبع في الدراسة، وصعوبات الموضوع.

وليس لنا غرض في التوقف عند القضايا التي أوردها في مقدمته سوى الغرض من الدراسة، لما لها من أهمية. وخلاصة ما ذكره أن الغرض من دراسته ثلاثة أمور هي:

1- فك الاشتباك الواقع بين النص الأصلي والتفسير الفقهي التبعي.

2- توضيح مصطلح السلف؛ لأنه مصطلح رَجراج يحتاج إلى مزيد من الضبط والتحديد.

3- ضبط مجالات استعمال هذا الشعار؛ حتى لا يتجاوز الحد الذي وضع من أجله.

= الفصل الأول: مدخل مفاهيمي:

تناول في هذا الفصل مدلول مصطلح السلف في اللغة، ثم ذكر أن المفهوم التاريخي لمصطلح السلف مختلَف فيه على أقوال، أقربها أنه القرون الثلاثة الأولى، ثم المفهوم المنهجي، وأنه كل من التزم القواعد التي سار عليها السلف، ليخلص من هذا إلى تعريف فهم السلف، وقد ذكر أنه لم يجد له تعريفًا عند المتأخرين سوى تعريف الدّميجي له، ليناقش التعريف عبر مجموعة من التساؤلات.

ثم انتقل الكاتب إلى الحديث عن منهج السلف في استنباط الأحكام، وأن منهجهم الاجتهادي لم يكن على نظام واحد، وإنما حصل الاتفاق على الملامح العامة في الاجتهاد، ليتساءل عن أي هذه المناهج هي المرادة بمنهج السلف.

بعد ذلك انتقل إلى مصادر التشريع عند السلف، فذكر الكتاب والسنة والإجماع والرأي، ليخلص من ذلك إلى أن فهم السلف لا يصحّ تفسيره بالإجماع؛ لأن ما اختلف فيه السلف أكثر مما اجتمعوا عليه، ويدوّن ملاحظة يراها جوهرية، وهي أن السلف لم يجعلوا رأي رجل بعينه دينًا تترك له النصوص الشرعية الثابتة، وانطلق يستدل على ذلك.

وختم هذا الفصل بمبحث يتحدث فيه عن الفرق بين الشريعة والفقه، ومبحث آخر بعنوان: الفقاهة الفقهية وداء التجسيد، ليقرر فيه أن تجسيد القواعد والمناهج في الأشخاص قد أفضى إلى تقديس الموروث التفسيري على حساب النصوص المعصومة.

= الفصل الثاني: أسباب ظهور هذه النظرية:

في هذا الفصل جعل المؤلِّف الأسباب التي أدت بالتابعين ومن بعدهم إلى تبني نظرية فهم السلف هي ظهور الفتن، وتعريب الكتب اليونانية، وانتشار العجمة، والتأثيرات السياسية، وتعريب كتب الفلسفة، وافتراض التعارض بين الحاضر والماضي.

وتحت هذه العناوين تجد ألوانًا من الادعاءات العجيبة سوف نتعرض لها بعد قليل.

= الفصل الثالث: مستند نظرية سلف الأمة:

حاول المؤلف في هذا الفصل أن يحرر محل النزاع، ليعقد مقارنة بين أدلة القائلين بالنظرية والرافضين لها، ليقرر أن أدلة القائلين بعدم الحجية أوفر وأنهض من حيث سلامة المنحى الاستدلالي.

وقد اعتمد في الأدلة التي ذكرها على الأدلة التي يذكرها العلماء في باب حجية قول الصحابي.

وبذلك ينتهي الفصل الثالث.

= الفصل الرابع: الجذور التاريخية لهذه النظرية:

بدأ هذا الفصل بتقرير أن إشكالية الخلط بين النص الشرعي والاجتهاد الفقهي بدأت في الظهور في عصر التابعين، حيث تم التعامل مع اجتهادات الصحابة على أنها اجتهادات معيارية تذكر على جانب النصوص الشرعية، ويرى أن هذه الإشكالية واضحة في المدرسة الحجازية، وأن الأمثلة على ذلك كثيرة، وأنه سيتخير منها بعضها.

وقد قام بعرض الأمثلة، وذلك بذكر موقف عدد من الأئمة من اجتهادات الصحابة، وهي المسألة المعروفة في الأصول بـ: “حجية قول الصحابي”، فذكر آراء أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن حزم والغزالي وابن تيمية وابن القيم والشاطبي، وبذلك ينتهي هذا الفصل.

= الفصل الخامس: آثار نظرية فهم السلف في الاجتهاد الفقهي:

ذكر المؤلف أن التوسُّع في نظرية فهم السلف تسبَّبت في العديد من الإشكالات، هي: مزاحمة النصوص الأصلية والتقليل من هيبتها، وتغييب الواقع الراهن، وغلق باب الاجتهاد، والنفور الزائد من القول بالرأي.

وقد خصّص مبحثًا لكل إشكالية من الإشكاليات الأربع، يعرض فيه جملة من الأمثلة التي يراها تدل على ما ذهب إليه.

وهكذا تحولت معظم السلبيات التي قام المنهج السلفي ليقاومها إلى نتائج لتبني هذا المنهج، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

= الفصل السادس: تأثير نظرية فهم السلف في الجهاز الأصولي:

المؤلف يرى أن تأثير هذه النظرية امتدَّ من الفقه إلى علم الأصول، وتحولت إلى قواعد متقنة بمرور الزمن.

أما القواعد التي يراها نتيجة لهذه النظرية فهي: حجية قول الصحابي، ومنع إحداث قول ثالث، والعبرة برأي الراوي لا بروايته، وتخصيص العام بمذهب الصحابي، والاحتجاج بعمل أهل المدينة، وما جرى عليه العمل (الماجريات)، ومراعاة الخلاف.

وقد ذكر المؤلف أنه لن يتوقف عند المعلومات المعلومة المعروفة في هذه الأبواب، وإنما تنصرف همته إلى بيان أثر الاحتجاج بالاجتهادات الفقهية في الجهاز الأصولي.

وما ذكره لا يخرج عن مجموعة من النقولات في بيان كل قاعدة.

= الفصل السابع: ضوابط وحدود إعمال هذه النظرية:

ذكر في هذا الفصل أن هناك (حالات) يتعين فيها الرجوع إلى فهم السلف الصالح، وقد أوردها خلال تسعة ضوابط، فذكر أنه تتعين فهوم السلف في الأصول اليقينية للمعتقد، وفي العادات الكلية المتكررة، وفي أسباب النزول، وفيما أجمعوا عليه، وأنه لا عبرة بفهوم السلف إذا خالفت نصًّا شرعيًّا، وأنها تتعين أيضًا إذا وقعت موقع البيان النقلي، وفيما له تعلق بقرائن الأحوال، وفي حالة الترك الإيجابي، وفيما كان حكمه الرفع.

وما ذكره تحت هذه الضوابط لا يتعدّى شرحها وبيان مقصده بها.

= الفصل الثامن: تطبيقات متفرقة:

ذكر المؤلف أن غرضه من المسائل التي ذكرها هو بيان تأثير التاريخ في دلالات النصوص القطعية، وقد ذكر تسع مسائل، هي: تقييد عموم قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] بالأثر المروي عن عبد الله بن عباس، وتحديد فترات الحكم، وحسر الرأس في الصلاة، واستحباب صلاة ركعتين ليلة الدخول، والسنة في خطبة العيد أن تكون واحدة، وإسقاط خطبة الجمعة إذا وافقت العيد، ومشي المسبوق بحثًا عن السترة، والأذان الثاني يوم الجمعة، وختان الإناث.

وقد شرح كل مسألة من هذه المسائل بصورة مستقلة؛ ليدلِّل على ما ذهب إليه من كون هذه المسائل آثارًا لنظرية فهم السلف، وبذلك يكون المؤلف قد أنهى كتابه.

= الخاتمة

ذكر فيها أن ما خلص إليه البحث هو أنه لا حاجة ولا مسوّغ لوضع هذه العبارة: (على فهم سلف الأمة) إلى جانب المصدرين المعصومين، فالنص الشرعي وحده هو الحجة على السلف وغيرهم، وأن هناك غلوًّا ظاهرًا عند طوائف من المتفقهة في توظيف نظرية فهم سلف الأمة على حد تعبير الكاتب.

نقد الكتاب:

على الرغم من النبرة الهادئة التي كتب بها المؤلف هذا الكتاب، وصحة النقول الواردة فيه، إلا إنه قد اشتمل -للأسف- على العديد من الأخطاء المنهجية والعلمية، فإذا كان الفهم السلفي لمسائل الفقه كثيرًا ما يُتَّهم من قبل متعصِّبي المذاهب بأنه فتح الباب على مصراعيه للاجتهاد لكلِّ أحد، وإذا كانت أبرز القضايا التي نافح عنها المنهج السلفي هي ذم التقليد، وفتح باب الاجتهاد، فإن العجيب حقًّا أن تجدَ من يرى أن حدوث التقليد في الأمة كان بسبب المنهج السلفي! وهذا هو عين ما فعله مؤلف هذا الكتاب!

والمنهج السلفي عند المؤلّف يتمثل تارة في المذاهب الفقهية المشهورة، وتارة في المنهج السلفي المعاصر -الذي قام ليعود بالمذاهب إلى أصولها الأولى ويصلح الخلل الذي حصل فيها عند المتأخرين-، وتارة ثالثة في بعض من يدعي الانتماء للمنهج السلفي من الفرق المعاصرة، وهذا كله دون أن يبين أو يوضِّح، وهذا وحده كافٍ في بيان مدى الارتباك المنهجي الموجود بالكتاب!

إن الارتباك المنهجي عند المؤلف واضح لمن يقرأ الكتاب، فقد تحدث المؤلف عن شعار فهم السلف، وأنه مرفوع من قبل السلفيّين المعاصرين، وأنها عبارة شائعة ذائعة، وأنه لم يجد من عرَّفها سوى الدميجي([5])، وهكذا فأنت الآن في نطاق المعاصرين، لكنه بعد قليل يقفز بك إلى عصر التابعين ليؤكد أن هذه النظرية نشأت منذ ذلك الحين([6])، ثم تولى كبرها الفقهاء والأصوليون([7])! ثم تجد المؤلف يرى أن هذا المصدر لا حاجة لنا به([8])، ثم يعقد فصلًا في مجالات هذا المصدر وضوابطه من وجهة نظره، لا من وجهة نظر القائلين به، وهذا أمر عجيب، فإما أن المؤلف يرى أن فهم السلف ليس بحجة، وأنه غير معتبر، وإما أنه يرى أنه حجة ومعتبر، وإما أنه يرى التفصيل، فإن كان الأول فما الفائدة من وضع ضوابط لاعتباره، وإن كان الثاني فلِمَ ألف كتابه؟! وإن كان الثالث فلماذا يصرح بعكسه؟!

ثم ما الحيلة مع من يتبنّى نظرية المؤامرة في المسائل العلمية، ويذهب بك بعيدًا عن الاستدلالات والحجج؟! فخلاف أهل السنة مع غيرهم -عنده- خلاف سياسيّ ألبس ثوب الدين([9])، ونظرية فهم السلف لاقت رواجًا بين السلاطين فدعموها توطيدًا لملكهم([10])، والاعتماد على أقوال الصحابة رد فعل للقلق الناتج من مقالات المخالفين([11])، وانتشار هذا الفهم أدى إلى تغلغله داخل الجهاز الأصولي من خلال قضاياه التي شكلت عبر مر الزمن قواعد أصولية([12])!

أين الدليل على كل هذه الدعاوى الضخمة؟! لا شيء، سوى أن المؤلف ينطلق منها كمسلَّمات في بحثه!

ماذا بقي لنا من أرضية مشتركة نستطيع أن ننطلق في نقاشنا من خلالها؟! هل هو فهم كل واحد منا للكتاب والسنة بالصورة التي يراها مناسبة؟!

يجيبك المؤلف بأنه لا حاجة لهذا المصدر؛ لأن قواعد الاستنباط التي سار عليها السلف هي القواعد الحاكمة لنا، ومتى كان هذا هو المراد من فهم السلف زال بيننا الخلاف([13]). حسنًا، ستجد المؤلف بعد قليل يرمي الجهاز الأصولي بأنه قد تسرب إليه فهم السلف ليصبح مع مرور الزمن قواعد أصولية([14])!

والمؤلف يوحي لنا بعنوانه للكتاب أنه سيبحث في المواقف التاريخية التي أدَّت إلى نشأة هذا الفهم، لكن ما إن تقرأ الكتاب حتى تكتشف أن العكسَ هو الصحيح، فالمؤلف اعتبر هذه القضية مسلَّمة ينطلق من خلالها في بحثه دون أن يستدلَّ عليها بما يصلح للاستدلال؛ إذ إن جلب أقوال العلماء في مسألة حجِّية الصحابي وترتيب قائليها ترتيبًا زمنيًا لا يصلح دليلًا على ما يدَّعيه، وإن كانت تلك الأقوال صحيحة في ذاتها، فإن الحقيقة أنها لا علاقة لها بما يدَّعيه.

ومما يدلّك على هذا التناقض والارتباك: أن هذا العنوان كان أعم من مضمون الكتاب، فالمؤلف لا يتناول التفكير الفقهي المعاصر، وإنما يتناول نوعًا واحدًا من أنواع هذا التفكير بالذكر والبحث.

لا يمكننا مناقشة المؤلف في كلِّ القضايا والأفكار التي بثَّها في كتابه، فهي كثيرة، والمؤلف كثيرا ما يخلط الأوراق ويدخل القضايا ببعضها، وهذا الخلط في المقدمات التي انطلق منها استتبع خللًا في النتائج بطبيعة الحال، وهذا يحتاج إلى مجلَّد ضخم لبيانه، ولسنا بصدد الرد التفصيليّ على كل ما ورد في الكتاب، لكننا نشير إلى أمثلة فجَّة تدلُّ على كمِّ المغالطات والمجازفات العلمية الموجودة بالكتاب.

فالمثال الأول: تقريره أن مصطلح السلف من أكثر الألفاظ ترجرجًا عند الباحثين والمفكرين قديمًا وحديثًا([15]).

والمثال الثاني: تساؤله عن مصدر حجِّيَّة فهم السلف الصالح: هل هو أنهم عاشوا في القرون الثلاثة الخيرية، أم أنهم خضعوا لسلطان الكتاب والسنة؟ ويقرر أن الأمر الأول لا يقتضي حجية، والأمر الثاني لا يستدعي ذكر فهم السلف بجوار الكتاب والسنة([16]).

والمثال الثالث: تقريره أن إقليد الدخول إلى دراسة تاريخ الخلاف العقدي الذي وقع بين أهل السنة وغيرهم من المعتزلة والقدرية والجبرية هو أن هذه مسائل سياسية طُليَت بطلاء الدين تمويهًا على المغفلين!([17]).

والمثال الرابع: تقريره -بكل بساطة- أنه لا يمكن التغاضي عن الدور الذي لعبته السياسة في ترسيم نظرية فهم السلف، فلقد كان السياسيون -ومنذ زمن بعيد- يلتمسون حصر الشرعية في بعض الاجتهادات السلفية؛ آمِّين من وراء ذلك وأدَ كل اجتهاد يهدِّد سلطانهم وسطوتهم!([18]).

والمثال الخامس: هو قول المؤلف: “نظرًا للصلة القوية التي تربط الفقه بالأصول فقد تحوَّلت إطلاقيَّة نظرية فهم السلف مع مرور الزمن إلى قواعد أصولية متقنَة، كثيرًا ما توظَّف في العملية الاستدلالية، وتساق مساق الأدلة الشرعية، بل ويتمّ في بعض الأحيان تقديمها على النصوص الشرعية نفسها”([19]).

ومن الخلط في الكتاب: أن المؤلف يذكر الأقوال والنقول التي نقلها أئمة السلف في ذم التقليد وحرمة تقديم أقوال الرجال على الكتاب والسنة، وهي كلها أقوال صحيحة، لكنه يستدل بها على غير المراد منها تمامًا، فالمنهج السلفي في دراسته للفروع وسطٌ بين فريقين:

الفريق الأول: يقدِّم آراء الرجال على الكتاب والسنة، وهم غلاة المذهبيين المتعصِّبين لأقوال أئمتهم رغم ظهور بطلانها لديهم، والقائلين بوجوب تقليد أئمتهم ومنع النظر في الكتاب والسنة، وغلق باب الاجتهاد.

والفريق الثاني: يدعي الالتزام بالكتاب والسنة بفهمه هو، ولا يتقيد بفهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للكتاب والسنة، وهذا المنهج يسيطر عليه المتأثرون بالواقع المعاصر والراغبون في مواكبة الواقع وتطويع الكتاب والسنة ليوافق ما يرونه حقًّا وصوابًا.

فالفريق الأول يرمي المنهج السلفي بالجهل وقلة العلم، والفريق الثاني يرمي المنهج السلفي بالتشدُّد والجمود على أقوال الأئمة.

ويبدو أن المؤلف خلَط بين الفريق الأول وبين المنهج السلفي، فقد جعلهما معًا أمرًا واحدًا، وتارة يخصُّ هؤلاء بالذكر وتارة أولئك؛ ولذا وقع في التناقض، فبينما قام المنهج السلفي على ذم التقليد والقول بالاجتهاد فإنه يرمي المنهج السلفي بالتسبب في شيوع التقليد وسد باب الاجتهاد، على الرغم من الخصومة بين المنهج السلفي ومتعصبة المذاهب في قضية سد باب الاجتهاد خصومة مشهورة معلومة!

ومن تلك التناقضات: أنه كان يستدل بأقوال ابن تيمية وابن القيم في تقديم الحق على أقوال الرجال على أن هذه هي أقوال الرافضين لحجية فهم السلف، في حين إنه عدَّهما من أشد المدافعين عن هذه النظرية!

ومن تلك التناقضات: أنه وضع ما سماه بالحالات التي يعتبر فيها فهم السلف، رغم دندنته طول الكتاب على أن هذه العبارة لا حاجة داعية إليها، وفي الجهاز الأصولي غنية عنها، فكيف يستقيم ذلك؟!

ومما يلفت النظر هنا ذكره للحالات التي يعتبر فيها فهم السلف بأنه ضوابط اعتبار فهم السلف، والبون بين الحالات والضوابط بون شاسع.

والأمثلة على الخلط في الجانب التأصيلي كثيرة، والوصف الجامع لها هي أن المؤلف يذكر أقوالا صحيحة، لكنه يوظفها توظيفًا خاطئًا؛ ربما بسبب قناعات مسبقة، وربما بسبب ضعف العمق في التعامل مع المسائل.

= أما على صعيد الجانب التطبيقي الذي ذكره المؤلف في الفصل الأخير فتجد الخلل واضحًا، فبعض ما يدعي أنه لا دليل عليه إلا فهم السلف قامت الأدلة من السنة عليه، ولنذكر مثالين للدلالة على ذلك:

المثال الأول: ذكر المؤلف أن تقييد الحكم بغير ما أنزل الله بأنه كفر دون كفر ناتج عن قول ابن عباس بأنه كفر دون كفر، وهذا القول يعارضه أقوال الصحابة الدالة على كفر من رد شيئًا من أوامر الله تعالى؛ ليجعل هذا المثال من الأمثلة على أن هذا خلل منهجي في التعامل مع النص القرآني الوارد في المسألة([20]).

والخلل هنا في أمرين:

الأول: أن أقوال الصحابة الأخرى التي ذكرها لا تعارض قول ابن عباس المذكور، فافتراض التعارض حصل عند المؤلف ومن فهم مثل فهمه.

الثاني: أنه ظن أن لفظ الكفر إنما يطلق على الكفر الأكبر، ولم يطلق على الكفر الأصغر في مسألة الحكم إلا بقول ابن عباس، وهذا خطأ كبير.

أما قول ابن عباس فمن راجع السياق الذي ذكر فيه القول تبين له المعنى بجلاء.

أما كون الحكم بغير ما أنزل الله منه أكبر وأصغر فليس مجردُ قول ابن عباس هو الدليل عليه، بل الدليل عليه هو أن كثيرًا من الأعمال وردت في السنة بلفظ الكفر، والإجماع منعقد على أنها غير مخرجة من الملة، ولن نذهب بعيدًا، سنقول للمؤلف: هل تطرد هذه القاعدة في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر»([21])، فهل سيقول المؤلف في هذا الحديث بمثل ما قال في الآية من إجرائها على ظاهرها مطلقًا في كل الأحوال؟!

ولقد وقع المؤلف في خلط عجيب، فهو يذكر أنه لا يرجّح بين الأقوال لكن هذا القول فيه خلل منهجي، فهل يرى المؤلف أنه من المحتمل أن يكون القول ذو الخلل المنهجي هو القول الراجح مثلًا؟!

ثم إن كلام المؤلف إنما قد يصلح في حق من استدلَّ بهذا النص على أن كل أنواع الحكم بغير ما أنزل الله كفر أصغر، لكن يبدو أن المؤلف لا يرى ذلك؛ لأنه يفترض التعارض بين هذا النص والنصوص الأخرى التي ذكرها، والحقيقة أنه لا تعارض مطلقا، بل من قرأ أثر ابن عباس كاملًا علم حقيقة الاستدلال.

المثال الثاني: ما ذكره بعنوان: “مشي المسبوق بحثًا عن السترة”، فقد ذكر أن أقصى ما يستدل به طلبة العلم على استحباب أن يتحرك المسبوق في الصلاة خطوة أو خطوتين طلبًا للسترة هو قول للإمام مالك، وهو قول لا يعدو أن يكون اجتهادًا من أحد علماء الإسلام، لا دليل عليه من السنة، واعترض عليه بعدة أمور([22]).

وما فات المؤلف هو أن هذا الفعل له أصل في السنة، وهو ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: هبطنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية أذاخر، فحضرت الصلاة -يعني فصلى إلى جدار- فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه([23]). فهذا دليل على أن النبي تحرك في صلاته خطوتين على الأقل، فكيف يقال: إنه قول لا دليل عليه؟!

والخلاصة: أن المؤلف انطلق من قناعات سابقة أدَّت إلى حصول خلل في النتيجة التي وصل إليها، وقد تمثل هذا الخلل في أخطاء منهجية وأخطاء علمية، وقضية بهذا الحجم لا يمكن مناقشتها بالطريقة التي تناولها هذا الكتاب، فهي مبنية على مقدمات لا بد من إثباتها، ولا يمكننا مناقشة المؤلف في الأخطاء العلمية التي وقع فيها لكثرتها وتشعّبها، لكن الاضطراب المنهجي في البحث واضح الدلالة على الارتباك العلمي الذي وقع فيه مؤلف الكتاب.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) رواه مالك في الموطأ (1874) -رواية أبي مصعب-، وحسنه الألباني في التوسل (ص: 16).

([2]) انظر: سنن الترمذي (2641)، وحسنه الألباني.

([3]) انظر: صحيح البخاري (7311).

([4]) انظر: سنن أبي داود (4291)، وصححه الألباني.

([5]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 40).

([6]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 127).

([7]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 187).

([8]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 86).

([9]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 66).

([10]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 72).

([11]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 69).

([12]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 187).

([13]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 86).

([14]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 187).

([15]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 31).

([16]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 41).

([17]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 67).

([18]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 72).

([19]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 187).

([20]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 250).

([21]) رواه الترمذي (1535)، وانظر تعليق الترمذي على الحديث (4/ 110)، وصححه الألباني.

([22]) انظر: التفكير الفقهي المعاصر (ص: 264).

([23]) سنن أبي داود (708)، وقال الألباني: “حسن صحيح”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

هَل غَلِط السَّلفيُّون في مفهوم العبادة؟ -مناقشة للأشاعرة والمتصوِّفة في مفهوم العبادة-

الخلاف في مفهوم العبادة: الخلافُ في مفهومِ العبادة خلافٌ في أصلٍ كبير، وينبَني عليه كثيرٌ منَ الأحكام، ومن ثَمَّ حرِص علماءُ الملَّة على تحرير مفهوم العبادة؛ لأنَّ به يتَّضح ما كان حقًّا لله عز وجل وما هو من خصائص المعبود، وما هو حقٌّ للعبد يمكن أن يُصرَف له تبعًا لعبادةٍ أو خاصًّا به، وتحريرُ هذا […]

حديث: «أنّي لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه» ودعوى رد الاحتجاج بالسنة

من الأحاديث التي حاول منكرو الاحتجاج بالسنة الاستدلال بها على عدم حجية السنة حديث: «إني لا أحل إلا ما أحلَّ الله في كتابه»([1]) وقديمًا قالوا: “ثبِّت العرش ثم انقُش”، فلا بدَّ من صحّة الأصل قبل بناء الأحكام عليه؛ لذا كان العلماء يوجّهون الناس ويرشدونهم إلى الاهتمام بالإسناد أولًا، وأنه هو طريق المتن؛ وفي هذا يقول […]

قصَّة بناء مسجِدٍ على قبرِ أبي بَصير في ميزان النّقدِ العلميّ

من جملة ما استدل به مجيزو الصلاةَ في المساجد التي يوجد بها أضرحَة الأولياءِ والصالحين وأنها صحيحةٌ ومشروعة، بل تصِل إلى درجة الاستحباب([1]) =ما نُسب إلى أبي جندل رضي الله عنه: أنه بنى على قبر أبي بصير مسجدًا. ولا شكَّ أنَّ الحكمَ بصحَّة العمل ومشروعيَّته -فضلًا عن استحبابه- حكم شرعيّ يلزم إثباتُه بالأدلة الشرعية الصحيحة؛ […]

ذمُّ الشِّرك والتحذير منه من خلال تفسير الطّبريّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقَدّمَة: من أخطر الأشياء على العبد أن يُحرَم من رضوان الله تعالى ومغفرته، ويزجَّ به في دار الهلاك والعذاب السرمديِّ، فبدلًا من أن يكونَ مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين يساقُ إلى جهنَّم سَوقًا مع الكافرين والمشركين والمنافقين، وأعظم ما يسبِّب ذلك الشركُ بالله تعالى، يقول المسيح عيسى -عليه السلام- […]

حديث: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يَضرِب بعضُكم رقابَ بعض» ودفع شبهة الطعن في الصحابة

تمهيد: اشتَدَّ حنَقُ بعض المبتدِعة على الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فبدلًا من مراعاة حقِّهم، والالتزامِ بوصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، والانتهاء عند تحذيره من سبِّهم والطعن فيهم، راحوا يطلقون ألسنتهم الحداد عليهم بالسبِّ والطعن، والشتم واللَّعن؛ وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: […]

فرية تَكفير الصَّحابة لعُثمان بن عفَّان رَضِي الله عَنه ودفنه في مقبرةِ يهوديّ

تعدَّدَت الطُّعون الكاذبة التي يوجِّهها أهلُ الأهواء والبدع لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم الشيعةُ الذين يطعنُون في أبي بكرٍ وعمر وعثمان، بل وجلِّ الصَّحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولا شكَّ أنَّ الطَّعن في الصَّحابة طعنٌ في النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، بل يقول النسائي رحمه الله: “إنَّما الإسلام كدارٍ لها باب، […]

صلاةُ الجماعةِ والقولُ بوجوبها عند السلف وجمهور الفقه

أهمية صلاة الجماعة: اشتدَّ حِرصُ السلف على صلاةِ الجماعة، وبالَغوا في الاهتمام بها والعنايةِ بأدائها في المساجد، حيث جعلوها من سنن الهداية، وعدُّوا من تخلَّف عنها في وقتهم منافقًا مَعلومَ النِّفاق؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: “من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلواتِ حيث يُنادى بهنَّ؛ فإنَّ […]

معَاييرُ نقدِ المتن عند المُحدِّثين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة يعدُّ ما بينَ القرن الثَّاني إلى الرَّابع عصرًا ذهبيًا للسنة النبوية، فقد جُمعت المتون ودونت المدونات، وبرزت علوم الحديث الكثيرة، وسطع نجم كثيرٍ من المحدثين والنقاد مثل سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ومالك بن أنس ويحيى القطان، ومن جاء بعدهم من أمثال يحيى بن معين وعلي بن المديني […]

حديث شقّ الصدر ودعوَى مخالفة العقل!

ما بال أهل الأهواء يردُّون بعضَ الأحاديث الصحيحةِ الصريحة بحجَّة مخالفتها لعقولهم القاصرة، حتى ولو شهِد الواقع بموافقتها؟! أليس هذا تناقضًا يبرهن على ضلال مسلكهم وبطلان شبهاتهم؟! ولعل من أبرز الأمثلة على مسلكهم الفاسد هذا: ما فعله كبراؤهم مع حادثة شقِّ صدر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنجد أحدَهم يشكِّك في أحاديث شقِّ الصدر، ويستعمل […]

ثقوب في الفكر الحداثي: الموقف من الحضارة نموذجًا

لم يكن الفكر الحداثيّ متماسكًا، لا على مستوى الأدوات المعرفيَّة، ولا على مستوى الطرح العلميّ، يعرف ذلك كلُّ من اختبر الجدِّيَّة العلمية لدى القوم، فغالب ما عندهم ذوقٌ واستحسانٌ، يخرجونه مخرجَ التجديد، وبلغةٍ انفعاليَّة ثائرة على الشَّرع، محبَطَة من الواقع، مستسلِمة لثقافات أجنبيَّة وافِدة، ولو أنها استسلمت لها في مصدرِ قوَّتها لكان الأمر هيِّنًا وفي […]

هل الخلاف شرّ أو رحمة؟ نصوص وتخريجات

تخريج حديث اختلاف أمتي رحمة: قال التاج السبكي: “ليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع”([1]). وقال السخاوي: “ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني والديلمي في مسنده بلفظه سواء، وجويبر ضعيف جدًّا، والضحاك عن ابن عباس منقطِع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي مرفوعًا من غير بيانٍ لسنده، […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

شبهات حول الإسراء والمعراج

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    مقدمة: الشبهات حول الدِّين بعدَد مواضيعه، فما من موضوع من موضوعات الإسلام إلا وقد حاول الأعداء والسَّمَّاعون لهم أن يثيروا شبهاتٍ حوله، ويلبِّسوا أمره على الناس. ومن القضايا التي احتدَّ النقاش حولها منذ حدوثها إلى يومنا هذا قضيةُ الإسراء والمعراج، حيث أنكَرها من أدركها من الكفَّار، وورث هذا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017