الاثنين - 03 ذو القعدة 1439 هـ - 16 يوليو 2018 م

حكم تهنئة النصارى بعيد الميلاد

A A

بسم الله الرحمن الرحيم

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

الحمد لله الذي هدانا للإسلام والسنة، والصلاة والسلام على من رفع الله به أعلام الدين والهداية، وأخمد به مظاهر الشرك والغواية، وعلى آله وصحبه ومن اهتدي بهديه.

أما بعد..

ففي مثل هذه الأيام من كل عام تطلُّ علينا بعض وسائل الإعلام – ممن تأثروا بدعوات التغريب، وولعوا في التقليد للحضارة الغربية وللتنوير – مطالبةً المسلمين بتوجيه التهنئة للنصارى على احتفالاتهم بما يسمى “عيد ميلاد المسيح” فلزم بيان الحكم الشرعي في هذه التهنئة؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، بلا خلاف بين علماء الأمة([1]).

ومن المعلوم سلفًا: إنَّ أعظم الواجبات على المسلمين اعتقاد أن الإسلامَ شريعةٌ متكاملة لا تقبل الزيادة، ولا يدخلها النقص، ولا يعتريها الخلل؛ يقول تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. وبه يسهل على المسلم الأحكام الشرعية، وعدم السعي في معارضتها بهوى أو تقديم عقل أو تأثر بواقع.

وإنَّ من أهم خصائص شريعة الإسلام – التي تميزها عن غيرها من الشرائع – أنَّها شريعة سمحةٌ في اعتدال، ومعتدلةٌ في سماحة؛ فلا غلو ولا شطط، ولا إفراط ولا تفريط:

ففي جانب المعاملة: نراها تأمر بالبر والإحسان في المعاملة، حتى مع من المخالفين؛ كاليهود والنصارى وغيرهما؛ يقول تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]. فمن كان من المشركين مسالمًا لم يقاتل المسلمين، ولم يخرجهم من ديارهم، لم ينه الله تعالى المسلمين عن برِّهم في المعاملة والإقساط إليهم، وهذا مما يرفع من شأن الإسلام والمسلمين، بل وفيه دعوة إلى الإسلام بحسن المعاملة، وتأليف القلوب بالإحسان إلى من أحسن إليهم، وعدم معاداة من لم يعادهم.

كما أنها تجيز للمسلم الأكل من طعام أهل الكتاب والزواج منهم؛ يقول تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5].

وفعلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة؛ فقد زار الغلام اليهودي في بيته، ودعاه إلى الإسلام فأسلم([2])، وعقد صلى الله عليه وسلم المعاهدات مع المشركين، ووفَّى لهم بذمَّتهم([3]).

ولا يخفى على كل ذي لُبٍّ أن ديننا الحنيف – على مرِّ الزمان – قد ضرب أروع الأمثلة في سماحته وحسن تعامله ويسره مع أهل الذمة وغيرهم، وهذا بشهادة الكفار أنفسهم، ولقد تمتع أهل الذمة في ظل حكم الإسلام بما لم يتمتعوا به في ظل من وافقهم على دينهم؛ يقول ويليام جيمس ديورانت (ت 1401هـ – 1981م): ولقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون واليهود والصابئون، يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام([4]).

هذا هو الأصل الذي يؤمر به المسلمون في تعاملهم مع مخالفيهم في العقيدة، من أهل الذمة غير المحاربين، لا يستثنى من ذلك زمان ولا مكان، وإنما هو منهج عملي في جميع أيام العام؛ برٌّ وإحسان ومعاملة طيبة؛ يهاديهم ويزورهم، ويهنئهم في مناسباتهم الشخصية البعيدة عن الأعياد الدينية، ويعزيهم في مصائبهم، ونحو ذلك مما لا يكون ذريعة للوقوع في موالاتهم أو مودتهم؛ رغبةً في تأليف قلوبهم واستمالتها لقبول دعوة الإسلام، وإعمالًا لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

وفي جانب الموالاة والمحبة: نجدها تحذر من موالاة الكافرين ومودتهم والركون إليهم؛ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1].

ويقول سبحانه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون} [المجادلة: 22].

ويقول – تقدست أسماؤه -: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113].

فلا يكون العبد مؤمنًا بالله واليوم الآخر حقيقة إلا إذا كان عاملًا على مقتضى الإيمان ولوازمه، من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من حادّه ([5]).

ولما كانت التهنئة تدلُّ دلالة واضحة على المشاركة في السرور بما يُهنَّأ به – حيث يقال: “هنَّأ فلانًا بالنّجاح ونحوه”. أي: دعا له بما يَسُرُّه، أو رجا أن يكون نجاحُه مبعث سروره، وهي عكس التعزية([6]) – فإن تهنئة المسلم للمشركين بأعيادهم الدينية كالكريسماس ونحوه، تتضمن معنى المودة لهم، والسرور والرضا بما عندهم من عقائد باطلة في نظرتهم إلى عيسى – عليه السلام – وأنه هو الله أو ابن الإله!! – تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا – فكيف يليق بالمسلم تهنئتهم بهذا الكفر؟! والله تعالى يقول: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 88 – 92]. والمعنى: لقد جئتم في قولكم هذا شيئًا إدًّا – أي: عظيمًا – تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدًّا؛ أن دعوا للرحمن ولدًا، أي: عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم؛ إعظامًا للرب وإجلالًا؛ لأنهم مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنَّه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد([7]).

أم كيف يتبادل المسلم بطاقات التهاني وعبارات التبريكات مع أناس شتموا الله سبحانه وتعالى؟! فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا”([8]).

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْأً أَحَدٌ”([9]).

فهل يصلح بعد هذا أن يقال: إنَّه ليس هناك دليل واحد صريحًا – لا من كتاب ولا سنة – على ذلك؟! كما يزعم أحد الأساتذة ([10])، يعني: على حرمة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم – ومنها أعيادهم الدينية كالكريمساس-.

كيف هذا؟! وجميع الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع التي تدل على حرمة موالاة الكافرين، والنهي عن محبتهم والتشبه بهم – وما أكثرها – تصلح أن تكون دليلًا على حرمة تهنئتهم بأعيادهم الدينية، بالإضافة إلى الأدلة المتكاثرة على تحريمه بخصوصه، ومنها على سبيل المثال:

  • قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30]. يقول العز بن عبد السلام: {قَوْلَ الزُّورِ}: الشرك، أو الكذب، أو شهادة الزور، أو أعياد المشركين([11]). وليس هذا هو أضعف الأقوال في الآية – كما زعم الأستاذ ([12])، بل هو كالصريح فيها؛ وإذا لم يكن ادعاؤهم – في هذا اليوم – ولادة ابن الإله أو ولادة الإله من الزور، فأيُّ زور تتحدث عنه الآية إذن؟! – تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا – وما ذكره الأستاذ من أقوال صحيحة عن السلف في تفسير الآية صحيح؛ ويقال فيه: “اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات”. فقد اختلفت العبارات وكلها صحيحة المعنى، مؤدية إلى المراد.

  • عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا”([13]).

والدلالة من الحديث من وجهين:

الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: “هذا عيدنا” يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله – في رواية -: “وإن عيدنا هذا اليوم”([14]). فإنَّ التعريف بالإضافة واللام يقتضي الاستغراق، فيكون جنس عيدنا منحصرًا في جنس ذلك اليوم؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: “تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم”([15]). فيدلُّ على مفارقتنا لغيرنا في العيد([16]).

والثاني: إنَّه صلى الله عليه وسلم علَّل الرخصة باللعب بكونه يوم عيدنا، فدلَّ على أنَّه لا يرخص فيه في عيد الكفار؛ فإنَّه لو ساغ ذلك لم يكن قوله صلى الله عليه وسلم: “إن لكل قوم عيدًا”. فيه فائدة([17]).

  • عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رضي الله عنه – قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟”، قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: “إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ”([18]).

وجه الدلالة من الحديث:

أن العيدين الجاهليين لم يقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: “إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين”. والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه([19]).

  • وعن سعيد بن سلمة: سمع أباه: سمع عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال: “اجْتَنِبُوا أَعْدَاءَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي عِيدِهِمْ يَوْمَ جَمْعِهِمْ؛ فَإِنَّ السَّخَطُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، فَأَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ”([20]).

  • دليل سد الذرائع عن الوقوع في الشرك والمنكرات؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: قد بالغ صلى الله عليه وسلم في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات الطاعات؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزًا ومانعًا عن سائر أمورهم، فإنَّه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم، كان أبعد لك عن أعمال أهل الجحيم([21]).

ولو ذهبنا نستقصي جميع الأدلة على حرمة تهنئة المسلم للمشركين بأعيادهم الدينية لطال بنا المقام.

مما سبق نخلص إلى أن أسعد الناس من قام بحق الجانبين معًا – أعني: جانب المعاملة الحسنة للمشركين بشروطها، وجانب البراء والبغض لهم – وقوفًا مع النصوص الشرعية، وحفاظًا على الدين، ومراعاةً للمصالح العامة، ودرءًا للمفاسد، وسدًّا للذرائع؛ فيمتثلون الأمر بالبر في معاملة غير المسلمين بشروطه على أكمل الوجوه، كما يمتثلون النهي عن موالاة الكافرين ومودتهم ومحبتهم وما يؤدي إليها على أكمل الوجوه، وهذا المسلك المتوازن هو الذي اتفق عليه علماء الأمة قاطبة؛ أعني: القول بحرمة تهنئة المسلم للمشركين بأعيادهم الدينية([22]).

وقد استمرَّ هذا الاتفاق قرونًا متطاولة، إلى أن شذت طائفة من المتأخرين فخرقوا هذا الاتفاق؛ وقالوا: بجواز تهنئة المسلم للمشركين بأعيادهم عمومًا ومنها الدينية؛ كالشيخ محمد رشيد رضا([23])، والشيخ مصطفى الزرقا([24]) ، والدكتور يوسف القرضاوي([25])، والشيخ عبد الله بن بيه([26]).

نعم؛ هذا هو التصوير الحقيقي للمسألة: إنَّها من المسائل المتفق على تحريمها، وليست كما يزعم الشيخ عبد الله بن بيه من أنها مختلفٌ فيها بين العلماء؛ بعضهم يرى تحريمها، وبعضهم يرى جوازها، أو أن القائل بالتحريم هو شيخ الإسلام ابن تيمية فقط؛ كما يزعم الدكتور يوسف القرضاوي.

وتأمَّل في قول الإمام ابن القيم تجدُ الردَّ عليهم: “وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق؛ مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنَّأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه”([27]).

وباستقراء كلام المتأخرين وأدلتهم على تجويزهم لتهنئة المشركين في أعيادهم الدينية، يتضح – جليًّا – أن السبب الرئيس الذي أوقعهم في شذوذهم ومخالفتهم لاتفاق علماء الأمة القائلين بتحريم تهنئة المشركين بأعيادهم الدينية: هو عدم التفرقة بين الأمر ببر أهل الذمة والنهي عن التودد إليهم؛ فجعلوا ما هو من قبيل التودُّد والمحبة والموالاة كالتهنئة بأعيادهم الدينية، داخلًا في الأمر ببرهم وإحسان معاملاتهم؛ فتراهم يستدلون بما هو من قبيل البر في المعاملة، وحسن المعاشرة والجوار – كزيارة النبي صلى الله عليه وسلم للغلام اليهودي ودعوته إلى الإسلام، وعقده صلى الله عليه وسلم المعاهدات مع المشركين، ونحو ذلك مما هو في معناه – على ما هو من قبيل الموالاة والمحبة والمودة كتهنئة المشركين في أعيادهم الدينية، ولا يخفى على من له مُسكة من علم الفرق بينهما.

وقد كفانا مئونة الردِّ على هذا الشبهة الإمامُ القرافي في كتابه “الفروق”؛ حيث عقد بابًا كاملًا في الفرق بين الأمرين – أعني: بر أهل الذمة، والنهي عن التودُّد إليهم – وفيه: “تعيَّن علينا أن نبرَّهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودَّات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدَّى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قِبل ما نُهي عنه في الآية([28]) وغيرها”([29]).

وليست التهنئة لهم في أعيادهم الدينية من قبيل التعايش السلمي أو المجاملة كما يقوله الشيخ مصطفى الزرقا، كيف هذا؟! فهذه أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى حتى أجلاهم عمر – رضي الله عنه – وكان اليهود بالمدينة كُثُرًا في حياته صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان في اليمن يهود، ونصارى بنجران، والفرس بالبحرين، وكانت لهم أعياد، ثمَّ من له خبرة بالسيرة يعلم أن المسلمين لم يكونوا يشاركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكفار، بل ذلك اليوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند المسلمين يومٌ لا يخصونه بشيء أصلًا، إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه كصومه – كصوم عاشوراء مخالفة لليهود – فلولا أنَّه كان من دين المسلمين الذي تلقوه عن نبيهم منع من ذلك وكف عنه لوجب أن يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك، فدلَّ على المنع منه([30]).

وإذا كنَّا قد وصلنا إلى هذا الحال، من التفريط في ثوابت ديننا؛ فكيف سندعو الآخرين إلى الدخول في الإسلام؟! وفي الوقت ذاته نحن نبارك لهم أعيادهم، ونشاركهم في مواسمهم الدينية بالهدايا وبطاقات التهاني، وأين نذهب بأسباب خيرية هذه الأمة في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]؟!([31])  سنجد الجواب عن التساؤلات واضحًا في قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].

وهل تَبنِّينَا لموقف التهنئة لهم في أعيادهم – مثلاً – سيجعل الآخرين ينظرون إلينا نظرة مغايرة، أم إنهم لا يعيروننا أيَّ اهتمام؛ سواء خضعنا لمراسمهم أم لم نخضع؟!

ستجد الجواب واضحًا عن هذا السؤال في قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِي} [البقرة: 120].

حقيقة: إن التساهل في مثل هذه القضايا الشرعية سوف يُخرج أمتنا الإسلامية عن أصالتها، وسيجهز على هويتها، أو على الأقل المتبقية منها، وسيجعلها تنصهر في المناهج الأخرى، وسيجعل شبابنا يتبعونهم حذو القذة بالقذة، حتى في معتقداتهم الدينية، فضلاً عن عاداتهم وتقاليدهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله([32]).

ومن العجيب حقًّا أنه بالرغم من هذه الفتاوى والصيحات والدعوات في وسائل الإعلام والصحف والمجلات والمقالات التي تدعو المسلمين إلى المسارعة والمبادرة إلى تهنئة النصارى بأعياد الميلاد والكريمساس، بالرغم من كل هذا نجد بعض عقلاء النصارى يستنكرون هذا على المسلمين.

وإليك بعض الوقفات مع مقالة لكاتبة نصرانية([33]) تناقش فيه المسلمين في مشاركتهم وتهنئتهم بأعياد الميلاد:

تبدأ الكاتبة بتوجيه اللَّوم للمسلمين على تهنئتهم بأعياد الميلاد (الكريمساس) بقولها: تاريخكم هجري وليس ميلادي؛ لماذا تتمنون على الله السلامة والأمان بهذا اليوم الذي لا علاقة له بالله ولا بدينه، بل هو يوم وثني من أعياد الأمم الوثنية التي يكثر فيها معصية الرب وسخطه، وارتكاب كل الفواحش والموبقات والتحلل من كل القيم والأخلاق.

وتسترسل الكاتبة قائلة: أنا لا أحتفل ولا أفرح بأمثال هذه الخرافات التي تغضب الرب، ولربما ينزل العذاب والأمراض وتحل الكوارث بسببها، لربما البعض يهنأني عن طيبة قلب ولا قصد له إلا لكونه يفهم أن هذا اليوم هو عيد نصراني.

ثم تناقش الكاتبة المسلمين فتقول لهم: فليسأل أي مسلم أولاده عن تسلسل أسماء الشهور الهجرية – المتعلقة بهجرة نبيهم – التي ذكرها الرب في القرآن، هل يعرفوها؟ أليس إثم هؤلاء الأطفال يقع على أبويهم… ألم تكن الأشهر الهجرية هي التي أقرها المسلمون ابتداءً من الشهر الأول من السنة شهر محرم؛ اعتمادًا على السنة القمرية؛ لقول الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} [التوبة: 36]. وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]. والأهلة هي بداية كل شهر بالهلال، وبقي المسلمون يستخدمون هذا التاريخ إلى أن حل القرن الثامن عشر، وفي أواخره جلب الاستعمار معه التاريخ الميلادي وفرضه على بلاد المسلمين، فالاستعمار خرج كما يزعمون، ولكنهم لا زالوا يتمسكون بمخلفاته.

ثم تختم الكاتبة مقالتها قائلة: فهل يعرف المسلمون إن التاريخ الميلادي تم التلاعب به على زمن البابا غريغوري الثالث عشر؟….انتهى المنقول من مقالة الكاتبة بحروفه.

فبالرغم مما أصاب المسلمين من الوهنِ المادي إلا إنَّهم يعيشون ويستشعرون العزة بدينهم وعقيدتهم وثقتهم بربهم؛ امتثالا لقول الله – عز وجل -: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]. فلا تفت في عضدهم نبهرجة الحضارة الزائفة.

فهل يبقى بعد هذا من يجادل أو يماري في حرمة تهنئة المشركين بأعيادهم الدينية؟!

إعداد هيئة التحرير بمركز سلف للدراسات والبحوث

حكم تهنئة النصارى بعيد الميلاد

ــــــــــــــــــــــــــ

([1]) التقريب والإرشاد (الصغير) (3/ 384)، والعدة في أصول الفقه (3/ 724)، والإشارة في أصول الفقه (ص: 35)، واللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: 53)، وقواطع الأدلة في الأصول (1/ 295)، والموافقات (4/ 140).

([2]) رواه البخاري في صحيحه (1356) عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

([3]) ومن ذلك صلح الحديبية مع المشركين؛ رواه البخاري في صحيحه (2698)، ومسلم في صحيحه (1783) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

([4]) قصة الحضارة (13/ 130).

([5]) تفسير السعدي (ص: 848).

([6]) معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 2369).

([7]) ينظر: تفسير ابن كثير (5/ 235).

([8]) رواه البخاري في صحيحه (4482).

([9]) رواه البخاري في صحيحه (4974، 4975).

([10]) في مقال له بعنوان: مدارسة حول تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، نشرت مؤخرًا.

([11]) تفسير العز بن عبد السلام (2/ 353).

([12]) في مقال له بعنوان: مدارسة حول تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، نشرت مؤخرًا.

([13]) رواه البخاري في صحيحه (952)، ومسلم (892).

([14]) رواه البخاري في صحيحه (3931).

([15]) رواه أبو داود في سننه (61)، والترمذي في سننه (3)، وابن ماجه في سننه (275)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.

([16]) ينظر: المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم (ص:86- 87).

([17]) المرجع السابق.

([18]) رواه أحمد في مسنده (13622)، وأبو داود في سننه (1134)، والنسائي في المجتبى (1556)، وصححه النووي في خلاصة الأحكام (2/ 819)، وحسنه المناوي في كشف المناهج (1/ 522).

([19]) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 486).

([20]) رواه البيهقي في السنن الكبرى (18862)، وشعب الإيمان (8940).

([21]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 500).

([22]) حكاه الإمام ابن القيم في أحكام أهل الذمة (1/ 441) وسيأتي نصه قريبًا، ويؤيده ما في: البحر الرائق لابن نجيم (8/555)، والمدخل لابن الحاج (2/46-48)، ومغني المحتاج للخطيب الشربيني (4/191)، وكشاف القناع للبهوتي (3/131).

([23]) ينظر: مجلة المنار (7/ 24).

([24]) ينظر: أرشيف موقع إسلام أونلاين، على الرابط http://archive.islamonline.net/?p=542 .

([25]) من فتاويه على موقعه الرسمي، ورابطه: http://www.qaradawi.net/ بتاريخ 31/ 12/ 2016م.

([26]) من فتاويه على موقعه الرسمي ورابطه: http://binbayyah.net/arabic/archives/1393

وقد قام الشيخ أحمد محمد الشحي بالرد على فتواه بالتفصيل؛ وانظره في: موقع شبكة الورقات السلفية.

([27]) أحكام أهل الذمة (1/ 441).

([28]) يعني: الآية الأولى من سورة الممتحنة، وفيها النهي عن موالاة أعداء الله.

([29]) الفروق للقرافي (3/ 14- 15).

([30]) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 505)، والمنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 87).

([31]) مقال لعبد الله قاري محمد سعيد في موقع صيد الفوائد، ورابطه: https://saaid.net/mktarat/aayadalkoffar/45.htm

([32]) من مقال لعبد الله قاري في موقع صيد الفوائد، وقد سبق رابطه.

([33]) من مقال لإيزابيل بنيامين – كاتبة مسيحية عراقية – ورابطه: http://www.dogruhaberarapca.com/Haber/Haber-15083.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تفسير السلف للقرآن الكريم: أهميته وخصائصه

في ضوء توالي الهجمات المتسارعة لفرض الغرب سيطرته علينا أخلاقيًّا وسلوكيًّا وفكريًّا، وإنشاء جيل جديد بعيد عن أسلافه في تدينه وتمسكه بالفهم الصحيح لهذا الدين، يأتي في السياق نفسه مَن ينتسب إليه ليسير في طريق الغواية ليبعد الناس عن أهم مصادر التشريع بل أساسه وينبوعه؛ ليضل الناس بتفاسير عصرية لنصوص القرآن الكريم، ضاربًا عُرض الحائط […]

مكر المستشرقين في ترجمة الكتاب المبين

  للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون} [التوبة: 33]، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه. أما بعد: فقد اتفق العلماء قديمًا على جواز ترجمة معاني القرآن الكريم؛ […]

قراءة لكتاب: (تمييز المحظوظين عن المحرومين في تجريد الدين وتوحيد المرسلين)

المعلومات الفنية للكتاب: اسم الكتاب: تمييز المحظوظين عن المحرومين في تجريد الدين وتوحيد المرسلين. اسم المؤلف: الشيخ محمد سلطان المعصومي الخُجَنْدي المكّي (١٢٩٧-١٣٨١هـ). طبعات الكتاب: طبع الكتاب طبعتين: الأولى: طبعة مصطفى الحلبي بمصر عام (١٣٦٨هـ). والثانية: بتحقيق الشيخ علي الحلبي، في دار ابن الجوزي بالدمام عام (١٤١٢هـ)، وطبعة بعدها عام (١٤٢١هـ)، وهي التي نقدم لها. […]

رسالة إلى السلطان.. الملك المؤيد

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا من أحمد بن تيمية إلى المولى السيِّد السلطانِ الملكِ المؤيَّد، أيَّده اللهُ بتكميل القوتينِ النظريةِ والعلميةِ، حتى يُبلِّغَه أعلى مراتبِ السعادةِ الدنيويةِ والأخرويةِ، ويجعلَه ممن أتمَّ عليه نِعَمَه الباطنةَ والظاهرةَ، وأعطاه غايةَ المطالبِ الحميدةِ في الدنيا والآخرة، وجعلَه مع الذين أنعمَ عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا. […]

عالـِـــمُ البلاغة والبيان من الإلحاد إلى الإيمان([1])

ما أحْوَجَ البشرية إلى تلبية نداء الروح والفطرة في هذا العالم الموغل في الماديات، مع الضمور الهائل في الجانب الروحي! كيف لنا أن ننسجم مع هذا الكون الفسيح ونحيا حياة طيبة ونسعد في عيشنا ونهنأ بالاستقرار فيه مع عدم الإيمان بالله؟! إن من أجَلِّ مهمّات الرسل وأعظمها تعريفَ الناس بربهم، فشرود الناس عن ربهم ونسيانهم […]

السلفية والصوفية: نصحٌ بعلم وحكمٌ بعدل

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه، وبعد: كثيرًا ما كانت المراكز البحثية تسعى لأغراض غير واضحة في إصدار تقارير انطباعية لا تمتُّ للبحث العلمي بصلة، وتظهرها على أنها تقارير علمية، وتُطلق عليها وصفَ الدراسة دون أن تخضعها لأي قانون […]

قوامة الرجل في المذاهب الأربعة.. ومناقشة الاعتراضات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من كمال حكمة الله تعالى وعظيم مِنَّته على عباده أن هيأهم فطرة وخَلقًا لأداء ما خلقهم له، والقيام بما كلفهم به؛ قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]؛ فقد أعطى الله تعالى كل شيء ما يُصلحه، ثم هداه لذلك([1])؛ فكما أن الله تعالى […]

تعريف بكتاب .. الانتصار لابن تيمية فيما رُمي به من التهم الردية

  بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد: فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن اللَّه تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدّد لها دينها»([1]). ومِن هؤلاء المجددين شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية […]

لا تعارض بين مجيء الإسلام بنظام وبين ترك مساحة للاجتهاد

عطفا على المقال الذي نشر بعنوان (دعوى أن الشريعة جاءت بمبادئ دون تفصيلات) وما قد يتوهم منه أن ترك الإسلام مساحة للاجتهاد يتعارض مع مجيئه بالأحكام المفصلة، أو أنه حين جاء بالتفصيلات لم يترك مساحة للاجتهاد أنشأنا هذا المقال… فلقد جاءت الشريعة بنظام محكم، محدَّد الأهداف، واضح المعالم، متماسك الأسس، لا لبس فيه ولا غموض […]

حديث «رزية الخميس» تحليل ومناقشة

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين. وبعد، فإن الطعن في الصحابة -رضوان الله عليهم- هو طعن في الدين، فإن الدين إنما وصلنا بحملهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب والسنة، ونقلهم لهما إلينا، وهو كذلك طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالطعن في أصحاب […]

دعوى أن “الشريعة جاءت بمبادئ دون تفصيلات” ودفعها

كثير ممن لم يأخذ العلم الشرعي من منبعه الصافي، أو ضَعُفَ عن استكمال الأدوات العلمية الكافية للكلام في الشريعة جملة، وقعد به حظُّه عن فهم الشريعة على الوجه الصحيح، فاستكان لشُبَهِ أهل الباطل، وأصغى أذنه لأقاويلهم المنحرفة ودعاواهم الباطلة؛ مما جعله يقول وبكلِّ طمأنينة: “إن النظام الإسلامي غير متكامل، وإنما أتـى بمبادئ مجملة غير مفصَّلة، […]

“لا كيف ولا معنى” عن الإمام أحمد ..تحقيق ودراسة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   شاع حبُّ الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- بين أهل السنة والجماعة قاطبة، وخاصة أهل العلم منهم؛ حتى صار حبه علامة على الانتساب إلى أهل السنة والجماعة؛ يقول قتيبة بن سعيد: “وإذا رأيت رجلًا يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة”([1]). كما أصبح الانتساب إلى الإمام أحمد علامة على […]

ترجمة الشيخ محمد نور بن محمد بن إسماعيل فطاني

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   محمد نور فطاني (1290-1363هـ)([1])  نسبه: هو محمد نور بن محمد بن إسماعيل بن إدريس بن أحمد فطاني. ولادته: ولد في مكة المكرمة عام 1290هـ في زُقَاق الحَجَر بحي القشاشِيَّة. نشأته: نشأ في حجر والده، وترعرع في كنفه، في مكة بحي القشاشِيَّة، زُقَاق الفطاني (زُقَاق الخردفوشي)، وكانت نشأته في […]

العُزْلة بين الورَع وتضييع الحقّ

لقد جاءت نصوص شرعية كثيرة تحذر من الفتن ومواطن الشبهات، وتأمر المؤمن بالابتعاد عن كل ما قد يضرّ دينه ويفسده، كما جاءت نصوص شرعية أخرى تأمره بلزوم جماعة المسلمين والحرص على مجالس الخير والمشاركة في كل بر والتعاون مع كل طالب للخير على البر والتقوى، ولا شك أن هذه النصوص قد يظهر تعارض بينها في […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017