الأربعاء - 23 ربيع الأول 1441 هـ - 20 نوفمبر 2019 م

فريضة صيام رمضان…بين القطع والتشغيب

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تمهيد:

يُطلُّ عَلينا في هذا الزَّمان بين الفينةِ والأخرى عبر شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل الاجتماعيِّ بعضُ من ليس لهم همٌّ ولا شغلٌ ولا مشروعٌ إلا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وحضارتهم وثوابت دينهم، وقد طالت سهامُهم المسمومةُ -ردَّها الله في نحورهم- كلَّ مقدَّسات الإسلام؛ فشكَّكوا في القرآنِ الكريم، وطعنوا في سنة النبيِّ المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم، وقزَّموا عظماءَ هذه الأمَّة من الصحابة والتابعين والأئمَّة الفقهاء المرضيِّين، بل وصلوا إلى التشكيك في بعض أحكام الإسلام المعلومةِ منَ الدين بالضرورة، والتي نصَّ علماءُ الإسلام قاطبةً على أنَّ منكرَها كافرٌ بالله عز وجل، خارجٌ عن دين الإسلام، لا يُقبَل منه صرفٌ ولا عدل، وهو في الآخرة منَ الخاسرين.

والذي ينبغي أن يدركَه كلُّ مسلم غيورٍ حَصيف أنَّ هذه الهجمات ليست هجماتٍ فرديَّةً معزولةً، ولا هي منطلقة من مبدأ البحث العلمي المتجرِّد الصادق، بل هي هجماتٌ مؤسَّساتية موجَّهة منظَّمةٌ، تدعمُها وتموِّلها قِوى شيطانيَّة، تستخدِم أساليبَ ناعمةً، وهدفها الأساس هو محو الإسلام الحرّ العتيق، وإبداله بالإسلام العبد الرقيق، الذي يكون المتحدِّثون باسمه والشارحون لمضمونه والمفتون في أحكامه وأركانه هم الرهبان والمستشرقون بل والجهلة والملحدون.

ومن هذه الهجمات الحديثة الخائبة هجومُ بعض الجهلة على شعيرة عظيمةٍ من شعائر الإسلام، ألا وهي شعيرةُ الصيام؛ زاعمًا أنَّ صيامَ رمضان في الإسلام الآنَ ليس فرضًا ولا هو على الوجوب، وأن المسلم مخيَّر فيه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر وفدى، وأنَّ مِن الصحابة من كان يُفطر في رمضان في المدينة وهو صحيحٌ مقيم ولا ينكِر عليه أحدٌ([1]).

وهذا -والله- مِن أعظمِ البهتان وأفرَى الفِرى، طلع به علينا من يقدِّم نفسَه على أنه “مختصّ في الشريعة”، وهو في الحقيقة منتقصٌ للشريعةِ مبتدعٌ فيها، وأيُّ شريعة يفقهها مَن مشايخُه فيها مستشرق عدو للملَّة والدين!!

وجوب صيام رمضان:

إنَّ من أحكام الإسلام المعلومةِ من الدين بالضرورة وجوبَ صيامِ شهر رمضان، وأنَّه ركنٌ من أركان الإسلام، يعلم ذلك جميعُ المسلمين، عالِمُهم وجاهِلُهم، ذكَرهم وأنثاهم، كبيرهم وصغيرهم، لا يختلفون في ذلك.

والأدلَّةُ على وجوب صيام شهر رمضان وعلى أنه ركنٌ من أركان الإسلام أوضحُ من الشمسِ في رابعة النهار، وأبينُ من القمر في ليالي الإبدار، ولولا هذا التشغيبُ الرخيص الخسيس لما احتَجنا إلى سَوق الأدلَّة في ذلك، ولاكتَفينا بما عليه المسلمون كافَّةً في كلِّ الأقطار وعبر جميع الأعصار وما أيقنت به نفوسُهم ورضِيت به قلوبهم من وجوبِ صيام شهر رمضان، وفرحِهم بذلك، فهو من فضل الله تعالى عليهم ورحمته بهم. وقد دلَّ على وجوبه الكتاب العزيز والسنة الشريفة والإجماع القطعيُّ.

1- يقول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

فهذا خطابٌ من الله تعالى للمؤمنين بأنَّه أوجب عليهم الصيامَ وفرضه عليهم كما فرضَه على الذين من قبلهم، قال الطبري رحمه الله: “{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ}: فُرض عليكم الصيام… معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فُرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم من أهل الكتاب”([2])، وقال الجصَّاص: “الله تعالى أوجب علينا فرضَ الصيام بهذه الآية؛ لأن قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} معناه: فُرض عليكم”([3])، وقال ابن بطال: “{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ} أي: فُرض عليكم كما فُرض على الذين من قبلكم، والكتاب في اللغة بمعنى الوجوب والفرض”([4])، وقال القرطبي: “لما ذكر ما كتَب على المكلَّفين من القصاص والوصيَّة ذكر أيضًا أنه كتَب عليهم الصيام، وألزمهم إياه، وأوجبه عليهم، ولا خلاف فيه([5])، وقال ابن كثير: “يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمة وآمرًا لهم بالصيام… وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوةٌ حسنة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكملَ مما فعل أولئك”([6]).

2- ويقول الله جل وعلا: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].

وفي هذه الآية يبيِّن الله تعالى لعباده المؤمنين أنَّ الواجب عليهم في الصيام هو صيام شهر رمضان، فمن شهد رمضان صحيحًا مقيمًا من أهل التكليف فعليه الصيام فرضًا لازمًا لا خيار فيه، قال ابن كثير: “هذا إيجابٌ حتمٌ على من شهد استهلال الشهر -أي: كان مقيمًا في البلد حين دخل شهر رمضان وهو صحيحٌ في بدنه- أن يصومَ لا محالةَ”([7]).

3- ويقول سبحانه: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 186].

وفي هذه الآية الكريمة أباح الله تعالى الأكلَ والشربَ وغيرَهما من المفطرات في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر وجب الإمساك عن كلِّ مفطر إلى غروب الشمس.

عن البراء رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجلُ صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطِر، لم يأكل ليلتَه ولا يومَه حتى يمسِي، وإنَّ قيس بن صِرْمة الأنصاريَّ كان صائمًا، فلمَّا حضر الإفطارُ أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلقُ فأطلُب لك، وكان يومَه يعمل، فغلبَته عيناه، فجاءته امرأتُه، فلمَّا رأته قالت: خيبةً لك! فلمَّا انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ}، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}([8]).

فلو كان حكمُ الخيار في الصّيام مُستمرًّا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلَّف هذا الصحابيُّ الجليل هذه المشقَّةَ العظيمةَ إلى أن أُغميَ عليه من الجهد، ولكان يسعُه أن يفطر ويطعِم مسكينًا، لكن حكم التخيير كان في أوّل الأمر -كما سيأتي بيانه-، ثمَّ نُسخ وثبَت الفرض.

4- وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان»([9]).

5- وقال صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا»([10]).

6- وعن أبي هريرة أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دُلّني على عمل إذا عملتُه دخلتُ الجنةَ، قال: «تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان»، قال: والذي نفسي بيده، لا أزيدُ على هذا شيئًا ولا أنقص منه، فلمَّا ولّى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سرّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهل الجنَّة فلينظر إلى هذا»([11]).

7- وعن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائرَ الرأس، نسمع دويَّ صوته ولا نفقَه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان»، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع»… قال: فأدبر الرجل فقال: والله، لا أزيد على هذا ولا أنقُص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق»([12]).

8- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن وفد بن عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من القوم؟» قالوا: ربيعة، قال: «مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى»، فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مضَر، فَمُرْنا بأمر فصْل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس»([13]). وفي لفظ: «أربع وأربع: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا خمس ما غنمتم. ولا تشربوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت»([14]).

9- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يومُ عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلمَّا قدم المدينة صامَه وأمر بصيامه، فلمَّا نزل رمضانُ كان رمضانُ الفريضةَ، وترك عاشوراء، فكان من شاء صامَه ومن شاء لم يصمه([15]).

10- وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي»، وساق الحديث، وقال فيه: «ثم انطلقا بي فإذا قومٌ معلَّقون بعراقيبهم، مشقَّقة أشداقهم دمًا، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطِرون قبل تحلَّة صومِهم»([16]).

فكلُّ هذه الأدلَّة تدلُّ على أنَّ صيامَ رمضان أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وقد أجمع المسلمون على فرضية صوم رمضان إجماعًا قطعيًّا معلومًا بالضرورة من دين الإسلام.

حكم من أنكر فرضية صيام رمضان:

فوجوبُ صيام شهر رمضان من الأحكام المجمَع عليها التي لا خلافَ فيها بين المسلمين، قال ابن عبد البر: “أجمع العلماء على أن لا فرضَ في الصوم غير شهر رمضان”([17])، وقال ابن حزم: “اتَّفقوا على أن صيام نهار رمضان على الصحيح المقيم العاقل البالغ الذي يعلم أنه رمضان وقد بلغه وجوب صيامه… فرضٌ مذ يظهر الهلال من آخر شعبان إلى أن يتيقن ظهوره من أول شوال، وسواء العبد والحر، والمرأة والرجل، والأمة والحرة، ذات زوج أو سيد، كانتا بكرين أو ثيِّبين أو خلوين”([18])، وقال النووي: “هذا الحكم الذي ذكره -وهو كون صوم رمضان ركنًا وفرضًا- مجمعٌ عليه، ودلائل الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة عليه، وأجمعوا على أنه لا يجب غيره”([19]).

وتتابع العلماء على نقل الإجماعَ على ذلك، قال ابن تيمية: “صيام رمضانَ فرضٌ في الجملة، وهذا من العلم العامِّ الذي توارثته الأمَّة خلفًا عن سلف، وقد دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع”([20]).

ولذلك حكم العلماء بالكفر على من أنكَر فرضَ صوم رمضان، قال الكاساني: “إنَّ الأمةَ أجمعت على فرضيَّة شهر رمضان، لا يجحدُها إلا كافر([21])، وقال أبو طاهر المهدوي: “صوم رمضان من معالم الشريعة وأركان الإسلام، ووجوبه معلوم من دين الأمة ضرورةً، ومن يجحد الوجوب فهو كافر قطعًا([22]).

وإلى يوم المسلمين هذا والعلماء يقرِّرون هذا الحكم، يقول الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله: “ثبت بالكتاب والسنة والإجماع كفرُ من جحد فرضيته([23])، ويقول الشيخ محمود شلتوت -شيخ الأزهر الأسبق- رحمه الله: “ليس في بلاد الإسلام من يجهل معنى الصوم الذي طلبَه الله من المسلمين في هذا الشهر، وليس فيها من يجهل أن صومَه ركنٌ من أركان الإسلام، وفريضة من فرائضه الأولى التي بني عليها. وقد عبَّر القرآن عن فرضيته بمادةٍ لا تحتمل غيرَ الإثبات والإيجاب والتَّحتيم، بمادةٍ لم تُعرف فيه لغير الصوم من أركان الإسلام، بمادة كان أكثر ما ورد التعبير بها في الدلالة على التحتُّم والثبوت لمقتضيات الذات الإلهية، أو لمقتضيات النظام الكونيّ الذي قدّره الله في سابق علمه للكائنات، ولا يعتريه في سنته تغيير ولا تبديل… فإنك ترى القرآن لم يقف في شرع الصوم وطلبه من المؤمنين عند المادة المألوفة في طلب الشيء أو الأمر به… بل سمَا به إلى مادة الكَتْب والكتابة التي عرفت عنه في مقام التعبير عن مقتضى الألوهية، أو مقتضى التقدير الإلهي في النظام الكوني الثابت المتقرِّر، ترى القرآن سما بالصوم إلى هذه المادة؛ ممهِّدًا له بالنداء الموقظ للشعور، وبوصف الإيمان الباعث على الامتثال… ومن هنا أجمع المسلمون من عهد التشريع على أن من أنكر فرضيَّة الصوم، أو أوَّلَ طلبه، أو حرَّف وضعَه، أو ردَّه إلى مجرَّد الشوق إليه والرغبة فيه، كان خارجًا عن رِبقة الإسلام، لا تجري عليه أحكامه، ولا يعدُّ من أهله. وهذا هو حكم الله في الصوم وفي سائر ما ثبتت فرضيَّته أو حرمته بمصدر تشريعيٍّ قطعيٍّ في ثبوته عن الله، ودلالته على معناه، وتناقل جميع المؤمنين العلمَ به هكذا، جيلًا عن جيل، وطبقة عن طبقة”([24]).

مستند الشبهة:

استند صاحبُ الشبهة في تقريره قولَه المبتدَع على قول الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 184]. فزعم أنَّ الله تعالى في هذه الآية خيَّر المسلمَ الذي يقدِر على الصيام ويطيقُه بين أن يصومَ وبين أن يفطر ويفدي، وأنَّ الصيام وإن كان خيرًا من الإفطار إلَّا أنَّه ليس بلازمٍ، فكلُّ مسلم ليس له رغبةٌ في الصيام له أن يفطر وأن يطعمَ عن كل يوم مسكينًا حتى وإن كان صحيحًا مقيمًا قادرًا على الصيام.

الردّ على الشبهة:

لقد أوتي هذا الرجلُ مِن جهله بدين الله تعالى، ومِن جرأته على الكلام في دين الله تعالى بغير عِلم، ومن اعتداده برأيه وخَوضه به في فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، مِن غير رجوعٍ إلى العلماء من المفسرين والفقهاء، ولو كلَّف نفسَه الرجوعَ إليهم لسلِم من هذه الضَّلالة من أوَّل مرجِع يرجع إليه من كتب التفسير والفقه، ولكنَّ الهوى يعمي ويصمُّ، نسأل الله تعالى له الهداية، ولنا السلامةَ والعافية.

لقد تناول علماءُ الإسلام هذه الآيةَ الكريمة بالشرح والبيان، وليس فيهم أحدٌ عبر التاريخ الإسلامي المديد قال بمثل هذا القولِ الشنيع، وجملةُ أقوالهم في تفسير الآية ترجع إلى قولين:

القول الأول: أن الآية منسوخٌ حكمُها، فقد كان ذلك في أوَّل ما فُرض الصوم، وكان من أطاقَه من المقيمين صامَه إن شاء، وإن شاء أفطَره وافتدى فأطعم عن كلِّ يومٍ أفطره مسكينًا حتى نُسخ ذلك([25])، نَسَخَه قولُ الله تعالى بعدَها: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

ويدلُّ على ذلك قولُ سلمةَ بن الأكوع رضي الله عنه: لما نزلَت {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان من أرادَ أن يفطرَ ويفتديَ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها([26]).

وعن عبد الله بن عمرَ رضي الله عنهما قرأ: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِساكِينَ} قال: هي منسوخةٌ([27]).

وعن ابن أبي ليلى قال: حدَّثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: نزل رمضان فشقَّ عليهم، فكان من أطعم كلَّ يومٍ مسكينًا ترك الصومَ ممَّن يطيقه، ورُخِّص لهم في ذلك، فنسَخَتها {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}، فأُمِروا بالصَّوم([28]).

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينةَ، فصام يومَ عاشوراء وثلاثة أيام من كلِّ شهر، ثم إنَّ الله جلَّ وعز فرض شهرَ رمضان فأنزل الله تعالى ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} حتى بلغ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثم إنَّ الله عز وجل أوجبَ الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصومَ، فأنزل الله عز وجل: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ} إلى آخر الآية([29]). فهذا من التدرُّج في التشريع.

وبهذا القول قال جمعٌ من السَّلف، منهم: علقَمة وإبراهيم النخعيّ وعكرمة والحسن البصري والشعبي وعطاء وابن شهاب([30]).

قال ابن تيمية رحمه الله: “ثبت باتِّفاق أهل العلم -وهو في كتب الحديث الصحاح وغيرها وكتب التفسير والفقه- أنَّ الله لَمَّا أوجَب رمضانَ كان المقيمُ مخيَّرًا بين الصومِ وبين أن يُطعمَ كلَّ يوم مسكينًا، فكان الواجبُ هو إطعام المسكين، وندَب سبحانه إلى إطعامِ أكثرَ مِن ذلك فقال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} ثم قال: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}، فلمَّا كانوا مخيَّرين كانوا على ثلاثِ درجات: أعلاها الصومُ، ويليه أن يُطعِم في كلِّ يومٍ أكثرَ مِن مسكين، وأدناهَا أن يقتصر على إطعامِ مسكينٍ. ثمَّ إنَّ الله حتَّم الصومَ بعد ذلك، وأَسقَط التَّخيير في الثلاثة“([31]).

القول الثاني: أنَّ الآيةَ محكمةٌ، وهي في حقِّ الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللَّذين لا يستطيعان الصيام، والمعنى: أنَّ على الذين كانوا يطيقونه في حال شبابهم وحداثتهم، وفي حال صحَّتهم وقوَّتهم، إذا مرِضوا وكبروا فعجَزوا من الكبَر عن الصَّوم فديةٌ طعام مسكين([32]).

ويدلُّ على ذلك قولُ ابن عباس رضي الله عنهما: ليسَت بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبير والمرأة لا يستطيعان أن يصومَا، فيطعِما مكانَ كلِّ يوم مسكينًا([33]).

وفي رواية عن ابن عباس قال: هو الشيخ الكبير كان يطيق صوم شهر رمضان وهو شاب فكبر، وهو لا يستطيع صومه فليتصدق على مسكين واحد لكل يوم أفطره([34]).

وعن سعيد بن المسيب قال: هو الكبير الذي كان يصوم فكبِر وعجَز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام، فعلى كلِّ واحد منهما طعامُ مسكين: مد من حنطة لكل يوم حتى يمضي رمضان([35]).

قال ابن عطية: “قالت فرقة: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي: على الشيوخ والعجّز الذين يطيقون لكن بتكلُّف شديدٍ، فأباح الله لهم الفدية والفطر، وهي محكمَة عند قائلي هذا القولِ. وعلى هذا التأويل تجيء قراءة: (يُطَوَّقُونَهُ) و(يَطَّوَّقُونَهُ)”([36]).

والذي رجه الإمام الطبري هو القول الأول حيث قال: “وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} منسوخٌ بقول الله تعالى ذكره: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}؛ لأن الهاء التي في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} من ذكر الصيام، ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيامَ فدية طعام مسكين. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهل الإسلام مجمِعين على أنَّ من كان مطيقًا من الرجال الأصحّاء المقيمين غير المسافرين صومَ شهر رمضان فغيرُ جائز له الإفطار فيه، والافتداء منه بطعام مسكين، كان معلومًا أن الآية منسوخةٌ. هذا مع ما يؤيِّد هذا القولَ من الأخبار التي ذكرناها آنفًا عن معاذ بن جبل وابن عمر وسلمة بن الأكوع من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صومِ شهرِ رمضان بالخيار بين صومِه وسقوطِ الفديةِ عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكلِّ يومٍ، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، فأُلزموا فَرضَ صَومِه، وبَطَل الخيارُ والفدية“([37]).

وسواء كان الراجحُ هو القول الأول أو القول الثاني؛ فإن ذلك لا أثر له في الشّبهة المطروحة؛ إذ إن الخلافَ بين العلماء في هذه المسألة هو خلافٌ في طريقة تشريعِ الحكم وليس خلافًا في الحكم، فالحكم بوجوبِ صيام شهر رمضانَ على المسلم الذي لا عذرَ له -من سفر أو مرض أو حيض أو نفاس أو كبَر أو حمل أو رضاع أو غير ذلك من الأعذار الشرعية- ثابتٌ باتفاق المسلمين، ولا خيارَ له في الصوم مطلقًا، لا يخالف في ذلك إلَّا من لا حظَّ له من الإسلام إلا اسمه.

فاللَّهمَّ رُدَّ ضالَّ المسلمين إلى الحقِّ، وقِنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطن، وثبِّتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا، بمنِّك ورحمتك وكرمك.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر كلام سعيد جاب الخير في هذا المقطع:

      https://www.youtube.com/watch?v=fSeTVB01zh0

     وكذلك كلام محمد شحرور في هذا المقطع:

      https://www.youtube.com/watch?v=lsIjLrAr97w

([2]) جامع البيان (3/ 152، 155).

([3]) أحكام القرآن (1/ 214).

([4]) شرح صحيح البخاري (4/ 6).

([5]) الجامع لأحكام القرآن (2/ 272).

([6]) تفسير القرآن العظيم (1/ 497).

([7]) تفسير القرآن العظيم (1/ 503).

([8]) أخرجه البخاري (1915).

([9]) أخرجه البخاري (8)، ومسلم (16).

([10]) أخرجه مسلم (8) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

([11]) أخرجه البخاري (1397)، ومسلم (14).

([12]) أخرجه البخاري (46، 1891، 2678، 6956)، ومسلم (11).

([13]) أخرجه البخاري (53، 87، 4368، 7266)، ومسلم (17).

([14]) صحيح البخاري (6176).

([15]) أخرجه البخاري (4504).

([16]) أخرجه النسائي في الكبرى (3273)، وصححه ابن خزيمة (1986)، وابن حبان (7491)، والحاكم (1568، 2837).

([17]) التمهيد (22/ 148).

([18]) مراتب الإجماع (ص: 39).

([19]) المجموع شرح المهذب (6/ 252).

([20]) شرح العمدة -كتاب الصيام- (1/ 28).

([21]) بدائع الصنائع (2/ 75).

([22]) التنبيه على مبادئ التوجيه (2/ 696).

([23]) معارج القبول (2/ 638).

([24]) الفتاوى (ص: 138-143).

([25]) ينظر: جامع البيان (3/ 161).

([26]) أخرجه البخاري (4507)، ومسلم (1145).

([27]) أخرجه البخاري (1949، 4506).

([28]) أخرجه البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم في كتاب الصوم، بابٌ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ}.

([29]) أخرجه أبو داود (507)، والطبري (3/ 161) واللفظ له، وفي إسناده ضعفٌ وانقطاعٌ.

([30]) ينظر: جامع البيان (3/ 162-164)، المحرر الوجيز (1/ 252).

([31]) مجموع الفتاوى (31/ 250).

([32]) ينظر: جامع البيان (3/ 169).

([33]) أخرجه الدارقطني (2381)، وقال: “صحيح”.

([34]) أخرجه الطبري (3/ 171).

([35]) أخرجه الطبري (3/ 171).

([36]) المحرر الوجيز (1/ 252).

([37]) جامع البيان (3/ 178).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض ونقد لكتاب: السلفية وأثرها في تشتيت الأمة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمّة: مكثتُ زمنًا طويلًا أتابع السجالَ الواقعَ بين سعيد فودة وخصومِه، وكنتُ في بعض الأحيان أقرأ الردَّ عليه ولا أقف على كلامِه، فأتعاطفُ معه لعلمي بتجوُّز الناس في هذا الزمان في البحث العقدي ونسبتهم للشخص لازم قوله، وولوعهم بتتبّع الزلات وتصيُّد العثرات إلا من رحم الله تعالى، فلا تزلّ […]

ميراثُ فاطمةَ رضي الله عنها مِن أرْضِ فدَك .. تحقيقاتٌ وأنظار

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثُرَ في الآونةِ الأخيرةِ الحديثُ حول قصَّةِ أرض فدك، والتي يدَّعي فيها المدَّعونَ أنها حقٌّ للسَّيدةِ فاطمةَ رضي الله عنها مِن إرث أبيها صلى الله عليه وسلم، وشنَّعوا فيها كثيرًا على أصحابِ النبي صلوات الله وسلامه عليهِ.  وفدكٌ أرض للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أرضِ خيبرَ، ومن […]

مفهوم الطائِفة بين القرآن والإِسقاطات الخاطئةِ

استخدَم القرآنُ الكريم لفظَ الطائفة استخدامًا لغويًّا، فلم يحدِّد لها معنًى يخصُّها تكون به سلبيَّة أو إيجابيَّة، وإنما جُلُّ استخدامِه لها أنها تعني الجماعةَ منَ الناس اجتَمَعُوا على الخير أو على الشَّرِّ، ويأتي المدحُ أو الذَّمُّ بناءً على طبيعة الاجتماع. ويمكن إجمالُ معاني الطائفةِ في القرآن بحسب الاستخدام في ثلاثة معان: المعنى الأول: إطلاق الطائفة […]

مقوِّمات السلفية المعاصرة.. وقفة مع متَّهمي السلفيّة بامتهان الوعظ والبُعد عن المنهج العلميّ الرصين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    تمهيد: لم تزل الأصواتُ تعلو بنقدِ السلفية واتهامها حتى صارت مزعجةً لمن صدرت عنهم، وصارت أقرب إلى الصُّراخ والعويل منها إلى صوتِ العلم والعقل، وآل الناسُ في السلفية إلى أمر مريج، وقولٍ مختلف لا يتميَّز فيه حقٌّ من باطل، وحَسْبُ الناكثين عن الحقِّ المصرِّين على الحنث العظيم أن […]

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

(الكتاب والسنة) مقال للمسلم النمساوي الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وبعد: فإن قضية السنة وحجيتها بقيت منذ ثلاثة عشر قرناً هي القضية الأولى لمن يريدون إسقاط الإسلام من داخله، وسار المسلمون مع هذه القضية مسيرة طويلة رادِّين عليها أحياناً، ومتأثراً بعضهم بها أو ببعض مستلزماتها أحياناً، وفي […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017